3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

سوسيولوجيا التربية - قضايا في سوسيولوجيا التربية- (1)

الخط











إعداد: الحسن اللحية
تقديم

متى ظهرت سوسيولوجيا التربية؟ وكيف ظهرت؟ وما الحاجة إلى ظهورها؟ وما الدواعي المعرفية والإبستمولوجية التي كانت وراءهها؟...إلخ.
للإجابة على مجمل هذه الأسئلة وغيرها حاول معجم الفكر السوسيولوجي الصادر عن دار بيف بفرنسا رصد مجمل الأسباب المعرفية والإيديولوجية والتاريخية والإبستمولوجية التي كانت وراء ظهور سوسيولوجيا التربية. فقد جاء في هذا المعجم أن الحركة الواسعة لتحديث المجتمعات الغربية التي تتابعت خلال القرن العشرين بتطوراتها العلمية والاقتصادية والاجتماعية قد خلقت حاجات جديدة ومنحت إمكانا إنسانيا للتربية، وكانت مجمل القضايا في التربية تدور حول قضيتين رئيسيتين من صلب اهتمام سوسيولوجيا التربية المعاصرة هما انتشار التمدرس واللامساواة الاجتماعية أمام المدرسة.
تمثل سوسيولوجيا التربية المقاربة العلمية للتربية من حيث أنها ظاهرة اجتماعية. فكان أول مجال لدراسات سوسيولوجية التربية هو الدراسة الموضوعية والمقارنة للأنظمة الاجتماعية: العلاقات التربوية، الأدوار التربوية، الجماعات التربوية في مختلف المجتمعات. فالتربية كتجريد مؤسساتي مثل الأسرة والسياسية أو الدين ليست ظاهرة مستقلة اجتماعيا.
لقد جعل سوسيولوجيو التربية من المدرسة ميدانا متميزا للبحث في بنية و وظيفة الأنساق الاجتماعية الصغرى (أنساق الأدوار، العلاقات، القوانين، ...). وقد تضاعف كل ذلك مع استحضار الجانب السوسيو-سياسي.
هناك من يرى بأن تطور سوسيولوجيا التربية ارتبط بعامل الاستجابة للمشاكل النوعية التي طرحها تطور المؤسسة المدرسية.
ومن جانبهما عملتا الباحثتان، مارلين كاكولت وفرانسواز أوفرارد، في كتابيهما المعنون بسوسيولوجية التربية على شرح أسباب ظهور سوسيولوجيا التربية، في الستينيات من القرن الماضي، بردهما هذا الظهور والتطور والغنى النظري الذي تتميز به سوسيولوجيا التربية إلى التحولات التي أصابت النظام التربوي، كل ذلك مقرونا بالنقاشات الاجتماعية حول المدرسة.
لقد عرفت سنوات الستينيات من القرن الماضي نقاشا حول تعميم التمدرس وتكافؤ الفرص في نظام تعلمي مبني على الانتقاء مدرسيا واجتماعيا. وخلال فترة الثمانينيات من نفس القرن تركزت اهتمامات سوسيولوجيا التريبة على النظام التربوي ذاته وحول شروط التعليم، وبذلك تكون سوسيولوجيا التربية قد انتقلت من البحث في القوانين العامة لعلاقة النظام التربوي بالمجتمع في شموليته إلى دراسة مركوسكوبية للنظام التربوي محليا.

قضايا سوسيولوجيا التربية:

أولا: المدرسة والسياسية
هل المؤسسة المدرسية مستقلة، وبالتعبير الصحيح هل النظام التربوي مستقل عن السياسة الرسمية؟ هل المدرسة محايدة حتى في الأنظمة السياسية القائمة على المنافسة الديمقراطية: الإنتحابات أم أن استقلالية المدرسو حيادها وهم؟
يرى محمد الشرقاوي أنه أصبح من البديهي تأثير السياسيفي التربوي، في المجتمعات المعاصرة، بسبب الرقابة أو التحكم الذي تفرضه الدولة أو بعض جماعات الضغط على الموارد المالية والبشرية وعلى تقسيمها وكذا على إنجاز المناهج المدرسية من طرف لجن منتخبة من طرف الحكومة أو المنظمات المهنية.فالدولة تحتكر القطاع التعليمي في المجتمعات المعاصرة.
فالمدرسة فاعل في السياسة الاجتماعية، وهي قادرة على ترسيخ الأحاسيس والمواقف تجاه النظام السياسي لدى الأفراد (التنشئة الاجتماعية).من غير المستبعد في نظر الباحث محمد الشرقاوي أن يكون التعليم ذا طابع معرفي صرفا إذا ما اقتصر على نقل بسيط لمعارف متعلقة بهذا النظام، غير أنه سيصبح عاطفيا عندما يقود الأفراد إلى تطوير مواقف إيجابية أو سلبية تجاه النظام الحاكم.
للاستفاضة في هذا الجانب يورد الباحث فرضيتين هما:
 * الفرضية الأولى ترى أن النظام التربوي المبني بطريقة منهجية وعقلانية يصبح قادرا على إنتاج أفراد مبرمجين على التصرف حسب القيم و البنى المكتسبة. والأنظمة الكليانية تتبنى هذا الاعتقاد وتحاول تطبيقه.
 * الفرضية الثانية ترى أن الأهداف التي تضعها الأنطمة السياسية للمؤسسة المدرسية هي أهداف غير ذات أهمية نظرا لمكانة المتواضعة التي تحتلها المدرسة في المجتمعات.
ليوضح الباحث الفرضية الأولى رام دراسة علاقة الإيديولوجية الهيتلرية بالمدرسة، مستندا إلى كتاب هتلر "كفاحي" ونصوص بعض المتطرفين النازيين مثل كيرك أو بوملر.
ترتكز البيداغوجية النازية على المبدأ العرقي للشعب الألماني، حيث الدولة تشكل الإطار التاريخي والوارثي، وهي القاعدة التي ينبني عليها التعليم، وهدفها هو تكوين فرد يتميزب البطولة.
هكذا تحث الإيديولوجيا النازية المربين على تكوين إنسان جديد ذي جوهر عسكري. و من هنا تصبح المدرسة في الدرجة الثانية مجرد ملحقة بمختلف مكوناتها للحزب النازي. وتتمثل فعالية  الحزب في إيجاد تلاقح بينه وبين المدرسة، أي ملء الهوة التي تفصل النخب عن الشعب. وبذلك ينقلب الفيلق، بل يصبح مكانا للتكوين على الوطنية، وينقلب رئيس الفيلق ليصبح معلما ملحقا.
ويستخلص الباحث أن هناك تغلغلا اجتماعيا وسياسيا في النظام التربوي لإزالة وهم حياة التربية وبراءتها لأن الطبقة الحاكمة تقوم بضبط النظام التربوي للمحافظة أو الزيادة في امتيازاتها وسلطتها داخل المجتمع.

ثانيا: التربية والأمية
يحلل الباحث محمد الشرقاوي الفرضية القائلة بأن التربية تساهم في الإدماج السياسي للأفراد. فالأنظمة التربوية المركزة بيد الدولة تساهم بقوة في تشكيل الهوية الوطنية، وذلك من خلال إزالة الجهويات تدريجيا في الدول المقسمة أو من خلال إدماج أبناء المهاجرين والأقليات الإثنية في الجماعة. إن منحى التحديث أي الانتقال من مجتمع بسيط إلى آخر معقد، و تفعيل الديموقراطية والتواصل بين النخب السياسية والشعب يتطلب محو الأمية وضرورة أن يضبط المواطنون على أسس وقواعد التربية (وظيفة التنشئة).
تعتبر الأمية عائقا أمام كل تطور. والملاحظ أن الدول المختلفة تعرف ارتفاعا شديدا في معدلات الأمية.
إن التعليم ومحو الأمية له نتائج ثقافية وسياسية مهمة، ففي المجتمعات الشفهية المحضة تعتبر فرص اكتساب ونقل المعرفة نادرة جدا، والإكراهات التي تدفع إلى الإنصهار، والتحول السلبي لكل قوانينه وقواعده كثيرة وعديدة أكثر من مجتمعات الكتابة.
في مجتمعات الأمية، وجتماعات بلا كتابة، وخارج الإرث المادي، تحمل كل التقاليد والعادات في الذاكرة، وتناقل المعلومات يتم عبر محادثات بين أفراد المجموعة في وضعية وجها لوجه. هكذا يتسلل النسيان إلى الذاكرة الجمعية فيحصل نوع من فقدان الذاكرة على المستوى البنيوي، فيكون الفرد في مواجهة خيارين إما التقليد الثقافي أو العزلة.
وعلى عكس ذلك نجد في مجتمعات الكتابة أن القراءة والكتابة هي أنشطة جد وحدوية ( تحقق الوحدة). تمكن الكتابة من المحافظة على المعلومات ومراكمة المعارف...إلخ. و علاوة على تكديس المعلومات، تحاول الكتابة المرور من السمعي إلى البصري مما يجعل الفحص النقدي للعمل والكلمات ممكنا، بالإضافة إلى التحكم السهل فيها.
تمكن الكتابة من تفريق بين الكلمات فيما بينها، وتنظيمها وتطوير الصور. وهكذا فإنه من السهولة بمكان ملاحظة التناقضات في نص مكتوب أكثر من ملاحظتها في خطاب شخصي لأنه بالكتابة يتجزأ "المد" الشفهي وتفحص المنطوقات في أوقات وأماكن مختلفة، دون أن نغفل الانعكاسات السياسية والاجتماعية الأساسية للمكتوب.


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage