3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

وثيقة (1) في اختلالات النظام التربوي

الخط



وثيقة 1.
الأعمال التحضيرية للميثاق الوطني للتربية و التكوين
إعداد: الحسن اللحية


I- لماذا إصلاح نظام التربية والتكوين؟

أولا: الحكم على مستوى التعليم
  

- يشكل الحكم على "مستوى" التعليم لا محالة مؤشرا أساسيا في تقويم مردودية المدرسة والحالة التي تسير عليها.
- إن هذا الحكم الذي يصدر غالبا بالنظر إلى نموذج مثالي غير ملموس يعدو اليوم سلبيا للغاية.
- يتضح من الأجوبة المحصل عليها من مختلف الفئات المدروسة، أن 88 % من الطلبة يعتبرون مستوى التعليم "مرضي قليلا" أو "غير مرضي تماما"، وكذا الشأن بالنسبة ل 80   % من المسؤولين عن المقاولات و77,1 % من تلاميذ الثانوي و75,2 % من العاطلين، وثلاثة مدرسين من أصل أربعة على صعيد المستويات الأولى.
- وبخصوص الأساتذة الباحثين، فإن 68,7 % منهم يرون أن مستوى طلبتهم "مرضي قليلا" أو "غير مرضي تماما".
- وحدها فئة الآباء، تعبر عن عدم ارتياحها بنسبة تقل عن  50 %. هذا الحكم يتأكد بخصوص تقويم الآباء لمستوى أبنائهم، ذلك أن 43,8  %منهم فقط، يرون أنه "مرض قليلا" أو "غير مرضي تماما".
-ويبقى الحكم إيجابيا أكثر عندما يتعلق بالأطفال الذين يدرسون بمؤسسات التكوين المهني: 75% كل من الآباء يرون أن مستوى أبنائهم "مرضي". إن تميز رأي الآباء في مستوى التعليم، عن باقي الفئات الأخرى، يؤكد أن نظرتهم الإجمالية لنظام التعليم بالمغرب أقل سلبية من باقي الفئات الأخرى. هذا الحكم سنجده كذلك عندما سنتعرض بشكل مفصل لتقويم درجة الارتياح. إلا أنه بخصوص المعايير التي على أساسها عبر الآباء عن مستوى أبنائهم، نسجل اختلافات ملموسة بين الوسط الحضري والوسط القروي. فإذا كان الآباء في الوسط الحضري يرتكزون أساسا في تقويم أبنائهم على النقط المحصل عليها في القسم، فإن الآباء في الوسط القروي يعتمدون في ذلك على قدرتهم على القراءة والكتابة.
- ويتأكد هذا الحكم الإجمالي على مستوى التعليم من خلال ما يقدمه المستجوبون من توضيحات مباشرة. إذ لا تتجاوز نسبة المسؤولين عن المقاولات الذين يؤكدون "رضاهم التام " عن أداء مساعديهم من خريجي التعليم العالي 12,5 %. أما عندما يتعلق الأمر بمساعديهم من خريجي التكوين المهني، فإن 81,1 % منهم فقط يعبرون عن "رضاهم التام ". بينما لا تتجاوز نسبة التلاميذ 16,6 % والطلبة 18,2 % الذين يؤكدون أن دراستهم مكنتهم من "تنمية مؤهلات واكتساب مهارات".
- ويعتمد هذا الحكم على مستوى التعليم ، في العديد من الحالات، على مقاربة تقويمية زمنية، تفضي إلى الإقرار "بتدني المستوى" بالمقارنة مع مراحل سابقة في حياة المدرسة المغربية. لكن بغض النظر عن هذا البعد "الحنيني"، فإن الأسباب الثلاثة التي تفسر ضعف المستوى اليوم هي : 1) "المقررات المثقلة"، ويأتي هذا المعطى في المقدمة دائما باعتباره مسؤولا عما ينجم عنه من صعوبات الاستيعاب من لدن المتعلمين وما ينتج عنه من "تقليص لدور المدرس ولعطائه الخاص". 2 ) "نوعية المقررات" التي يشير إليها التلاميذ (  ,1 34 %) والطلبة والمدرسون والعاطلون . 3) "كفاءة المدرسين" التي نجدها في أجوبة مسيري المقاولات (53,9 %) والآباء ( 34,4 %) والعاطلين (27,9 %). هذا البعد يوضحه مديرو المؤسسات بحديثهم عن "غياب الضمير المهني".
- يتحدث المؤطرون ( معلمون، أساتذة، مديرو المؤسسات ) عن مشكل "الخريطة المدرسية" (التي بفعل مبدأ النجاح حسب الحصص، تمكن التلاميذ من الانتقال بمعدلات ضعيفة، مما ينجم عنه غياب الانسجام بين المستويات داخل القسم الواحد )، كما يثيرون أسبابا خارجية أخرى مثل "عدم اهتمام الآباء " و"الظروف الاجتماعية غير الملائمة"، مرورا "بعدم ملاءمة محتويات التكوين للواقع المعيش للتلاميذ".
- يدلي المدرسون بالتعليم الأساسي والثانوي ومديرو المؤسسات التعليمية والأساتذة الباحثون بتوضيحات هامة حول الوضعية الخاصة بكل مستوى من مستويات التمدرس .
 - يشكل السلك الأول من التعليم الأساسي المحطة التي تحدد الرهانات الأساسية المتحكمة في "مستوى" المدرسة المغربية. فإذا ترسخ أي نقص في هذه المرحلة من المسار المدرسي، تكون له نتائج بالغة الخطورة قد ترهن المسار برمته. والحال أن الأغلبية الساحقة (  8 ,  88 %) من المدرسين المستجوبين يتفقون في الحكم سلبيا على "مستوى" هذا السلك ش الوقت الراهن ، معللين ذلك "بالمقررات السيئة والمثقلة جدا". بينما يتحدث المديرون بالخصوص عن "توزيع الحصص الزمنية" و"تنوع / تعدد المواد" (مما يسبب في تقليص "الوقت الحصص لتعلم الكتابة والقراءة ").
 وعلى مستوى السلك الثاني من التعليم الأساسي والتعليم الثانوي ، فإن الوضعية السائدة تعود أساسا في نظر المدرسين إلى "انعدام الأسس الجيدة لدى التلاميذ" (حسب 37% من المستجوبين ) وإلى " المقررات المثقلة" (28,7 %) أو "السيئة" 22,4 % كل بمعنى أنها تتضمن مواد "غير مفيدة" أو أن "محتواها لم يتم تحيينه ". أما المديرون فيرون، بالنسبة لهذه المرحلة، بأن الأسباب الرئيسية لتدني المستوى تعود إلى "استعمال العربية كلغة لتدريس المواد العلمية" وإلى "نظام الأكاديميات" وأثره على نظام تنظيم تدبير البكالوريا، و "نظام التوجيه المرتكز أساسا على التنقيط" وظاهرة "الدروس الإضافية" التي تؤدي على ما يبدو إلى "تكريس التفاوت وانعدام الانسجام بين المستويات داخل الفصل الدراسي الواحد".
- أما الأسباب التي تفسر عدم رضى الأساتذة الباحثين عن "مستوى" الدراسات بالجامعة، فهي على التوالي : 1) "أوضاع العمل غير الملائمة" (65%2) ضعف "إتقان اللغة الفرنسية" من طرف الطلبة (61,2 %) و3) "ضعف درجة مشاركة الطلبة" (50,5 %).

ثانيا: المدرسة وسوق الشغل

تحيل الآراء المتعلقة بصعوبات الاندماج المهني على مكونين اثنين : 1) نقص وعدم ملاءمة التكوين المحصل عليه ، 2) الإكراهات الحالية لسوق الشغل.
بخصوص مسؤولية التكوين المحصل عليه في صعوبات الاندماج المهني، يبرز بعدان اثنان :
 يجمع الشباب العاطل ممن تم استجوابهم، على الطابع "المجرد" للتعليم إن لم يكن عدم "جدواه " : "لا نعرف لم تصلح المواد التي ندرسها"، "ليس لها علاقة بالواقع ". ويشكو هؤلاء كذلك، من غياب التداريب وانعدام الروابط مع سوق العمل. أكثر من ربع العاطلين من حاملي الشهادات وحوالي نصف الأساتذة-الباحثين، يشيرون إلى الطابع "النظري" للتكوين ضمن الأسباب التي تفسر كون الخريجين لا يحصلون على شغل. ومن جانب آخر يؤكد الأساتذة الباحثون ضعف مضمون التعليم مقارنة بمتطلبات التكوين . إذ يرى 15,3 % منهم، أن "المقررات تغطي حاجات تكوين" الطلبة في التخصصات التي يدرسونها، بينما يرى 17% فقط أن مقررات التخصصات التي يدرسونها، "محينة بما يكفي" مما يمكنها من مسايرة تطور المعارف.
وعلى مستوى المؤهلات الأساسية، فإن المكتسبات التي تؤثر بشكل مباشر في الاندماج المهني تبقى غائبة، ذلك أن حوالي واحد من ثلاثة مستفيدين مباشرين يعتبرون أن التعليم الذي تلقوه مكنهم من تطوير "مؤهلات ومعارف" "وقدرات على التعبير"، و"قابلية للعمل ضمن فريق".



تقويم المكتسبات من طرف المستفيدين المباشرين

وتترجم النواقص التي تعتري المؤهلات الأساسية، في أغلب الحالات، الصعوبات الكثيرة التي تواجه الخريجين في ولوج الحياة العملية. فضعف القدرة على التعبير والتواصل تتولد عنها إكراهات يصعب التغلب عليها، وتعيق كل خطوات البحث عن شغل خاصة إبان المقابلات التي يجريها الخريجون بهدف التشغيل : "عندما تتقدم لمقاولة، فإنك تجد صعوبات مع الشخص الموجود ببابها، لا تعرف كيف يجب أن تتكلم مع الناس". هذه الصعوبات يزيد من حدتها ضعف إتقان اللغة الفرنسية والتي تعد أداة لا محيد عنها في عالم المقاولة. ضعف إتقان اللغة الفرنسية، يؤكده الأساتذة الباحثون من خلال المعدلات التي يمنحونها لطلبتهم عندما طلب منهم تنقيطهم، والتي لا تتجاوز في متوسطها 3,86 % من 10 ويزيد من ضعف المؤهلات الأساسية، مشكل التمكن من التقنيات الإعلامية الذي يقلص حظوظ الاندماج المهني، حسب ما ساقه % 12,2 من حاملي الشهادات العاطلين ضمن مبررات عدم عثورهم على شغل. هذا الرأي يؤكده كذلك الأساتذة الباحثون من خلال النقطة التي يمنحونها لكفاءة طلبتهم في مجال الإعلاميات والتي تساوي في متوسطها 1,7من 10.
انطلاقا من تجربتهم ومن تقويمهم للتعليم الذي تلقوه يرسم حاملو الشهادات العاطلون معالم التكوين المثالي. فهو في رأيهم يضمن الشغل،مدته قصيرة، ويرتكز أساسا على التدبير والإعلاميات والاتصال. كما يتطلب إتقان اللغات ويهم عددا قليلا من الطلبة في القسم الواحد، ويركز أكثر على الجانب التطبيقي وعلى علاقة التعليم مع المقاولة، ويتسم بالمرونة ويعتمد نظام الوحدات الدراسية، ويتضمن كذلك تداريب إجبارية.
وإلى جانب مسؤولية التكوين فيما يرجع إلى الصعوبات التي تواجه الخريجين لدى ولوج الحياة العملية، تنضاف إكراهات لصيقة بالوضعية الراهنة لسوق الشغل.
 سوق الشغل غير مفتوح : "لا بد من الوساطة". هذا العامل يضعه 56,5 % من الشباب العاطل في مقدمة الأسباب التي تفسر الصعوبات التي تحول دون ولوجهم سوق الشغل. سوق يتطلب بشكل أساسي خبرة مهنية في وقت فيه على ما يبدو فرص إجراء التداريب محدودة : 41% فقط من الشباب العاطل من الذين يتوفرون على شهادة والذين لا يتوفرون على شهادة، أتيحت لهم فرصة القيام بتداريب مهنية تزيد مدتها عن شهر.
المقاولة لها حاجات دقيقة لا يلبيها التكوين الذي تقدمه الجامعة. هذه الحاجات تهم بالخصوص التدبير والإعلاميات وحاجات لا مكانة لها ضمن التخصصات السائدة في الجامعة "كيف يمكنك أن تفيد المقاولة عندما تكون مجازا في القانون الخاص؟" "المقاولون لا يعترفون بأية قيمة لشهادة الكلية". هذا الرأي، يؤكده الأساتذة الباحثون :52% منهم يرون أن حظوظ خريجي الجامعات في الاندماج المهني ضعيفة نظرا لعدم ملاءمة التكوين المقدم لحاجيات الشغل.
عالم المقاولة "غير صبور" مع المستخدمين الجدد ويتسم بمعاداته لهم ("القدامى يحسون أن الجدد يهددونهم"). يرى الشباب في هذا الصدد أن المقاولة لا تبذل جهدا كافيا لدمج وتكوين المستخدمين الجدد، بينما تطلب منهم أن يصبحوا بسرعة عمليين. "إن المقاولات ليست صبورة فهي غير متسامحة ولا تعطي الوقت للتعلم". زيادة على ذلك فإن الشباب عند تخرجهم من الجامعة لا يكونون مهيئين بالشكل الكافي للاندماج في ميدان الشغل . هكذا يعطي الأساتذة الباحثون ل "درجة الاستعداد للحياة العملية" بالنسبة لطلبتهم نقطة لا تتجاوز في متوسطها 3,84 من 10.
وتتضح إشكالية التكوين / التشغيل كذلك من خلال آراء ممثلي المقاولات الذين يرون بنسبة 80% أن مستوى التعليم "غير مرضي". ويؤكد حكم مسيري المقاولات على مستخدميهم من حاملي شهادات التعليم العالي آراء الشباب العاطل في سوق الشغل. إذ يأسف 66% منهم ل "غياب تكوين تطبيقي" و36% ل "غياب التجربة" و%19,5 "غياب المعرفة بعالم الشغل". والمفارقة التي تسترعي الانتباه هي أن 70% من مسيري المقاولات يشيرون ل "غياب تكوين تطبيقي" لدى خريجي التكوين المهني.


II- مشاكل بنيوية وتأطيرية

أولا: المدرس والمدرسة

- الآراء المعبر عنها من طرف مدرسي التعليم الأساسي والثانوي تقر بتدهور وضعيتهم وظروف عملهم وهو ما تلخصه عبارة: "ليس عندنا أي مستقبل".
- الأوضاع المالية غير الملائمة هي منبع عدم رضى المدرسين: "إذا كان المعلم يعاني من مشاكل مالية بسبب ضعف راتبه، فكيف يمكن لعقله أن يشتغل ؟".
 - الظروف المادية لممارسة المهنة تعد صعبة نتيجة عدة عوامل من بينها : 1) عدد التلاميذ في القسم الواحد مرتفع جدا ويؤثر مباشرة على جودة التعليم المقدم؛ 2) الإطار العام الذي تقدمه المؤسسة "غير مريح " والتجهيزات الأساسية "ضعيفة"؛ 3) الوسائل الديداكتيكية غير الكافية تعيق تدريس بعض التخصصات. هذه الصورة تزداد قتامة عندما نتوقف عند العالم القروي ، بحيث تنضاف إليها عناصر أخرى، كبعد مقر العمل وغياب النقل، وظروف السكن غير الملائمة.
 - الآفاق المستقبلية المحدودة نتيجة لضعف فرص تطور المسار المهني للمدرس التي تسهم في تدهور وضعيته. فالأغلبية الساحقة 91,4 %  من مدرسي التعليم الأساسي والتعليم الثانوي تتفق على أن فرص تطور مسارهم المهني "محدودة أو جد محدودة " : "لم يعد بإمكاننا أن نصبح مفتشين أو أساتذة، أو ولوج الكلية، إنهم يريدون أن يبقى المدرس دائما مدرسا".
 - حركية مفروضة أحيانا تشكل في نفس الوقت مصدرا لعدم التأقلم وعدم الرضى: "كنت أدرس في الدار البيضاء وتم نقلي إلى منطقة قروية في نواحي أكادير، في الستة أشهر الأولى أحسست أني لم أتمكن من التواصل مع التلاميذ و مع الناس.
- تدهور الوضعية يرافقه إحساس مزدوج بتدني القيمة لدى المدرس وذلك على المستويين الاجتماعي والمؤسساتي .
- تدني القيمة الاجتماعية تغذيه الصورة السلبية لمهنة المدرس ، كما يعكسها "الآخرون " والتي تجعل المدرسين الذين تم اللقاء بهم يقولون بأن "المدرس فقد قيمته ووزنه في المجتمع "، "في السابق كنت فخورا بكوني مدرسا، واليوم عندما أسأل عن مهنتي أحس بالخجل ، وأصرح بمهنتي بصوت منخفض ". إن المركز الاجتماعي الهامشي الذي تزيد من حدته الأوضاع الأجرية، يسهم كذلك في تدني القيمة بحيث : "لا يمكن للمعلم أن يتزوج و هو لا يتوفر على سكن لائق . ونتيجة لذلك فهو مهمش من طرف المجتمع الذي من المفترض أنه يربي أبناءه ".
- داخل المؤسسة يحس المدرس بأنه مهمش أيضا، وذلك راجع لأن : 1) استشارته لا تتم إلا نادرا أو بشكل استثنائي: "بعد 17 سنة من الممارسة، إنها المرة الأولى التي يطلب فيها رأيي"، 2) هامش التصرف في تطبيق المقررات المتروك له ضعيف جدا؛ 3) نظام الامتحانات القائم بسبب المكانة المحدودة التي يخصصها للمراقبة المستمرة يسهم في تدني قيمة المهنة ويضعف سلطة المدرس.
- في هذه الظروف المطبوعة بتدني القيمة والتهميش، تبقى العلاقات التي يقيمها المدرس مع نظرائه ومع الفاعلين في نظام التعليم  متسمة بالتوتر.
- الآباء ينتقدون سلطة المدرس على التلميذ بشكل قد يتعدى أحيانا حدود اللياقة والاحترام :
" الآباء لا يحترموننا. إنهم يشتموننا ويهددوننا أمام الأطفال".
- والتلاميذ لا يعترفون إلا في حدود ضعيفة بسلطة الأستاذ. وذلك راجع، مرة ثانية، لتدني حصة المراقبة المستمرة في تقويم التلميذ، وإلى منع العقوبات الجسدية ؛ "لقد سحب منا الضرب، وبالتالي لم تعد لنا أية سلطة". لكن فقدان المدرس لسلطته، يعوض عنها، حسب آراء آباء التلاميذ، بتزايد العنف اللفظي " الذي يطبع علاقات المدرس والتلميذ بتوتر عنيف.
- أما العلاقات مع المسؤولين (مفتشون ، مديرون )، وفي غياب حوار حقيقي يغلب عليها أساسا طابع المراقبة / العقاب.

 

ثانيا: اكراهات متعددة


تعزى الصعوبات التي تعرقل تحقيق هدفي تعميم التعليم وتخفيض نسبة الأمية إلى محدودية التمدرس في العالم القروي أساسا. فبغض النظر عن الإكراهات المتصلة بالتشتت الجغرافي للمراكز السكنية والسكان في الوسط القروي، يتمثل المشكل المطروح في الواقع في طبيعة الخدمات نفسها التي تقدمها المدرسة في هذا الوسط. فمضامين التعليم والبنيات التحتية وتنظيم استعمالات الزمن ووتيرة السنة الدراسية تعتبر على حد سواء غير ملائمة إلا بدرجة محدودة لخصوصيات هذه الفئة من المستفيدين من النظام التربوي. وبالتالي لا تستقطب المدرسة القروية باعتبارها مشروعا اجتماعيا إلا اهتماما محدودا من قبل محيطها.

إن العجز الذي يشهده النظام التربوي المغربي تزيد حدته في الوسط القروي. فالمشكل المطروح في هذا الصدد يتعلق، بشكل أكيد، بقدرة المدرسة باعتبارها وسيلة للتنمية على تأمين التناسق الاجتماعي، حيث إن التهميش على مستوى النظام التربوي يسفر بالضرورة عن تهميش اقتصادي واجتماعي. وإن كان ما يتوقع عادة من نظام تربوي ما يتمثل في ضمان نوع من المساواة في الحظوظ للمستفيدين منه، فإنه يتبين خلافا لذلك، من مجرد الاطلاع على المعطيات الخاصة بالمدرسة في الوسط القروي فداحة التفاوت الحاصل، وهو تفاوت يتجسد على المستوى الكمي والمستوى النوعي على حد سواء :
·   إذا كان صحيحا أن التفاوت بين الوسط الحضري والوسط القروي الحاصل في مستوى التمدرس - حسب نسبة تمدرس الأطفال البالغين سن 7 سنوات - قد انخفض بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة ليصل إلى أقل من 8 نقط، فإن التفاوت الحاصل على مستوى الشرائح العمرية الموالية ليزيد حدة ليصل إلى 52 نقطة بالنسبة إلى الأطفال البالغين سن 13 سنة إلى 49 نقطة بالنسبة إلى الشباب البالغ سن 16 سنة ؛
·  كما ينعكس هذا التفاوت نوعيا على وجه الخصوص على مستوى الهدر المدرسي الذي يبلغ نسبا مرتفعة في الوسط القروي، ويعزى ذلك جزئيا إلى نوعية خدمات التعليم المقدمة (البعد الجغرافي، عدم توافر المراحل التعليمية الموالية في مناطق قريبة )، وإلى الأداء المدرسي للتلاميذ. حيث تكشف دراسة تتناول مستوى تحصيل تلاميذ السنة الرابعة من التعليم الأساسي عن تفاوت كبير بين التلاميذ المنتمين إلى الوسط الحضري وتلاميذ الوسط القروي : في حين أن التلاميذ الوسط الحضري نجحوا في بلوغ الأهداف المعينة في مادتي الرياضيات واللغة العربية بنسبة متوسطة تبلغ تباعا 63% و57%، لم تبلغ النسب التي حققها التلاميذ القرويون إلا 54% و45%.

من المؤكد أن وضعية التمدرس في الوسط القروي تعد نتيجة لضعف قدرة النظام التربوي على استيعاب التلاميذ فضلا عن تظافر عوامل النظام التربوي الداخلية المتصلة بنوعية الخدمات التي يقدمها والعوامل الخارجية المباشرة المتصلة بالوضعية التي يوجد عليها الطفل والأسرة في العالم القروي.

يبدو جليا من دراسة المعطيات المتعلقة بطاقة النظام على استيعاب التلاميذ أن العرض المتوفر في الوسط القروي محدود نسبيا، ولا سيما على صعيد السلك الثاني الأساسي والتعليم الثانوي. ففي سنة 1997-1998 بلغ عدد الحجرات الدراسية في الوسط الحضري 22.149 حجرة بالنسبة إلى السلك الثاني الأساسي، فيما لم يتجاوز هذا العدد 3.300 حجرة في الوسط القروي. وتتفاقم هذه الوضعية بالنسبة إلى مؤسسات التعليم الثانوي التي بلغت الحجرات التي تتوافر عليها في نفس السنة 13.194 حجرة في الوسط الحضري، فيما لم يبلغ هذا العدد سوى 636 حجرة في الوسط القروي في ما مجموعه 57 ثانوية. ومن جهة أخرى، تعتبر الطاقة الاستيعابية للتكوين المهني محدودة كذلك في الوسط القروي، مع العلم أن هذا النوع من التكوين كان من المفروض أن يشكل بديلا ملائما لخصوصيات العالم القروي : خلال سنة 1997-1998 لم تبلغ نسبة التلاميذ القرويين سوى 4 % من مجموع أعداد التلاميذ المسجلين في مؤسسات التكوين المهني. وتفسر هذه الأرقام بصورة جلية، العجز الحاصل في التمدرس على مستوى المراحل التعليمية الموالية (السلك الثاني من التعليم الأساسي والتعليم الثانوي)، خاصة أن طاقات استيعاب الداخليات تعد ضعيفة.

ومن جهة أخرى، فضلا عن محدودية الخدمات التعليمية المتوافرة في الوسط القروي، فإنها تصادف العديد من المعيقات التي تخل بشكل ملحوظ بنوعية التعليم، وتحد من استقطاب المستفيدين على حد سواء؛

يشكل البعد عن المؤسسة التعليمية عائقا إضافيا للتلاميذ في الوسط القروي يحد من عزيمتهم ويثير تحفظها لدى الآباء، خصوصا إذا تعلق الأمر بالفتيات. فبسبب تشتت الساكنة والعوائق الجغرافية (المناطق المعزولة، الظروف المناخية الصعبة ) وكذلك بسبب قلة عدد المؤسسات، غالبا ما تكون المسافات التي يقطعها الأطفال مشيا في غالب الأحوال لبلوغ المدارس بعيدة جدا. ويسهل إدراك الصعوبات التي تعترض المستفيدين من النظام التربوي لبلوغ المؤسسة حين نعلم أن المسافة التي تفصل بين ربع عدد الدواوير عن أقرب وحدة مدرسية تفوق 2 كلم. ويطرح مشكل بلوغ المؤسسات التعليمية مزيدا من الإشكالات بالنسبة إلى المراحل التعليمية الموالية، حيث كان يتعين في سنة 1995-1996 على 10% من التلاميذ قطع مسافة 4 كلم للوصول إلى المدرسة، وعلى 30% منهم قطع مسافة 5 كلم للوصول إلى الإعدادية.
·  فالعرض المحدود من حيث المستويات لا يشجع الآباء بخصوص تمدرس أبنائهم و يؤدي إلى إيقاف "مجبر" للتمدرس في حالة الشروع فيها. وبالفعل، فإن عددا كبيرا من الوحدات الدراسية لا يتوافر على جميع المستويات بالنسبة لنفس المرحلة التعليمية، مما يشكل عائقا أمام متابعة الدراسة، غالبا لا يمكن تجاوزه ؛
·  فغياب البنى التحتية الأساسية (الماء الصالح للشرب ، المراحيض ) والإطار العام للمؤسسة والنقص بشكل أكبر حدة مما هو عليه الحال في المدن في الوسائل التربوية، تشكل كلها عوامل تجعل من المدرسة مكانا غير جذاب بالنسبة للطفل، وتؤثر على وتيرة المواظبة على الدروس، إضافة إلى كونها تعيق سير الدروس بالشكل المطلوب ؛
·  تنظيم عملية التمدرس لا يتجاوب مع واقع العالم القروي. وهكذا، فبما أن السنة الدراسية لا تتماشى مع إيقاع السنة الفلاحية ومختلف أنشطتها، فإن التلاميذ يغادرون المدرسة أحيانا خلال السنة الدراسية للعمل في الحقول. وفيما يتعلق باستعمالات الزمن فهي لا تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات العالم القروي ( بما في ذلك يوم السوق والمشاركة في الأعمال الفلاحية أو المنزلية)، وبالتالي فهي تزيد من تقليص وتيرة المواظبة على الدروس ؛
·  عدم ملاءمة المعارف التي يتم تلقينها للاحتياجات الخاصة بالعالم القروي. بالفعل، بما أن نظام التعليم. موحد، فإن المعارف المكتسبة لا تمثل قيمة مضافة ملموسة يمكن للتلاميذ توظيفها بشكل مباشر، تمكن من تثمين وتبرير ما تستثمره الأسر من وقت وإمكانات من أجل تعليم أبنائها ؛
·  إن المدرس الذي يعد بمثابة اللبنة الأساسية في النظام برمته، والذي ينبغي إشراكه وحفزه بشكل أكبر في الوسط القروي، بالإضافة إلى كونه لا يتلقى تكوينا كافيا يمكنه من مواجهة واقع الوسط القروي، يعيش ظروفا مادية جد صعبة. كما أن كون المدرس غالبا لا ينحدر من نفس المنطقة التي يعمل بها، فإنه قد لا يتكيف مع البيئة التي يجد نفسه ملزما بالعمل فيها.

وأخيرا فإن الظروف الخاصة ببيئة المستفيدين تزيد من حدة تراجع قطاع التعليم بالعالم القروي مقارنة مع العالم الحضري :
·  الارتفاع المطرد في تكاليف التمدرس يجعل العديد من الآباء، بحكم ضعف قدراتهم الشرائية عاجزين عن تحمل هذه المصاريف ؛
·  عدم توافر المطاعم المدرسية والمنح الدراسية بشكل كاف؛
. استمرارية قيام اقتصاد معاشي يتطلب مشاركة الطفل في الأشغال المنزلية أو في أعمال الحقول؛ .
·  الظروف المادية للساكنة القروية التي غالبا ما تكون صعبة تدفع بالآباء أحيانا إلى اعتبار الطفل مصدرا محتملا للرزق تحرمهم منه المدرسة ؛
·  موقف الآباء تجاه المدرسة والقيمة المضافة التي يعطونها للتعليم الذي أسهم في تشويه صورته كون المدرسة أصبحت عاجزة عن الإدماج في الحياة العملية يؤثر سلبا على حظوظ الطفل في التمدرس، كما يؤثر على مساره التعليمي. وفي غياب حملات توعية مدعومة ومنتظمة يستفيد منها الآباء في العالم القروي. فإن ضعف توعية هؤلاء الآباء لا يشجع على تمدرس الأطفال أو يحرمهم من الدعم الضروري خارج المدرسة.

ومع كل هذه المشاكل فثمة بوادر للتطور والتغيير تتمثل أساسا في الوعي بضرورة إشراك السكان في العناية بالمدرسة وظهور إقبال جديد للفتاة القروية على التمدرس، وتحسين الجودة بمبادرات تربوية إبداعية على المستوى المحلي. وهناك حركيات تتطلب الدعم والتعميق والضبط مثل توسيع نطاق التمدرس، والشرع في ملاءمة المدرسة مع محيطها المباشر، وتنامي نشاط الجمعيات غير الحكومية المسهمة في تعميم التعليم.

III- مردودية النظام التربوي:

أولا: الاختلالات الكبرى للنظام التربوي المغربي

يتبين من خلال تحليل المردودية العامة للنظام ولطريقة سيره على مستوى مختلف المراحل وجود بعض الاختلالات في مختلف مستويات الهيكل. وهي الاختلالات عمرت على مر الزمن إلى درجة أنها أصبحت خاصية داخلية للنظام التربوي ، وتعرقل أداءه بصورة كبيرة. وتتمحور هذه الاختلالات حول أربعة أبعاد:
o                        اختلالات مرتبطة بالتنفيذ تواكب التدبير العملي تهم البرامج ومحتويات التكوين، وإشكالية اللغة، والهدر الدراسي، وانعدام التوازن بين شعب التكوين ، وهيكلة النظام ، والإعداد للحياة العملية، و إشراك الأولياء ؛
o                        اختلالات متصلة بتدبير الموارد البشرية ولاسيما هيئة التأطير؛
o                        اختلالات تشكل عائقا أمام تنمية التعليم في العالم القروي ؛
o                        اختلالات مرتبطة بهيكلة وتدبير النظام في حد ذاته، والتي تهم التسيير والتدبير والتمويل والتأطير.

البرامج : ثغرات متعددة

تتسم المقاربة المعتمدة في بلورة محتويات التكوينات المقدمة بالتماثل. وهكذا تقدم المدرسة في العالم القروي محتويات ليست إلا صورة طبق الأصل من التعليم المقدم في الوسط الحضري. ويعتمد اكتساب المعلومات وعناصر المعرفة على ثقافة مرتكزة على الكتاب، ولا تعتمد إلا قليلا على التجربة والاكتشاف. وينجم عن انعدام مرونة المساطر تمدد آجال الاستجابة عندما يتعلق الأمر بتحيين البرامج أو إدخال عناصر جديدة في المحتويات، وبالتالي فإن حقولا معرفية عصرية بكاملها تعد ضرورية للاندماج في روح العصر لا تجد إلا مكانا هامشيا في تكوينات المدرسة المغربية.

في كل مرة يتم الحديث فيها عن تقويم نظام التربية والتكوين أو بالأحرى تفسير مردوديته يتم وضع البرامج التعليمية في الواجهة. فمن جهة، تشكل البرامج مكونا أساسيا لممارسة المدرسين لعملهم كما أنها تؤثر بشكل مباشر على مكتسبات المتعلمين ومن ثم على مسارهم الدراسي. ومن جهة أخرى، فإنها تتحكم بقوة في حظوظ إدماج واندماج المستفيد في الحياة العملية. غير أنه إذا كانت البرامج ومحتوياتها تعتبر عناصر حاسمة على مستويات عديدة فإن تقويمها يبقي أمرا يصعب الحسم فيه.

تتأثر عملية وضع البرامج بفعل المركزية وغياب التناسق في التخطيط اللذين يطبعان بعض مكونات النظام؛ إذ أنها قلما تستند إلى رؤية شمولية.


يسود منطق الانغلاق والتخصص في عملية وضع البرامج التي تسند إلى لجان متخصصة منظمة حسب المواد والأسلاك . فبناء صرح "البرامج" ليس باكورة تفكير مشترك وشمولي، بقدر ما هو نتاج لمبادرات جزئية تتم في غياب هيئة تنسيق حقيقية قادرة على ضمان تماسك بين مختلف المكونات(....).

لا يتم في معظم الأحيان وضع البرامج قيد التجربة وتقويمها قبل الشروع في تطبيقها على المستوى الوطني مما يؤدي في النهاية إلى اعتماد برامج يكون محتواها بعيدا كل البعد عن الواقع ولا تترك أي مجال لإدخال تحسينات عليها ؛

رغبة في الحفاظ على الوحدة، لا تعطي عملية وضع البرامج أي اهتمام لخصوصيات المستفيدين ، سواء منها الاجتماعية أو الجهوية، مبتعدة بذلك عن اهتماماتهم الحقيقية. فبفرضه على جميع التلاميذ أيا كان الوسط الذي ينتمون إليه، لا يستفيد التعليم من اكتناز الثروات الجهوية و يتجاهل بذلك وسيلة مهمة للتعلم والإدماج في الوسط على حد سواء، وهو الشرخ الذي سيزداد في الاتساع على ما يبدو لكون المحتويات في المراحل الأولى من التعليم صممت أكثر لفائدة أطفال ينتمون إلى طبقات اجتماعية متوسطة إن لم نقل عليا ؛

صرامة المساطر وغياب بنية فعالة مكلفة بالتقويم المستمر للمناهج الدراسية يحدان من قدرة النظام على التفاعل مع التطورات السريعة للمعرفة والتحولات البيئية والاستجابة لمتطلبات سوق العمل. فإحداث شعب جامعية جديدة وكذلك تغيير البرامج يخضعان لمسطرة ثقيلة ومعقدة أشبه ما تكون باستصدار مرسوم قانون. ويترتب على ذلك الاستمرار في العمل ببرامج غير محينة لأنها لا تساير بما فيه الكفاية وبوتيرة سريعة التطورات الحديثة التي تحصل في مختلف حقول المعرفة. وتعاني البرامج بذلك من نواقص عديدة، تتجلى أهمها في الغياب شبه الكلي للمعلوميات ليس فقط في المراحل التعليمية الأولى بل كذلك في المستوى العالي، باستثناء المدارس والمعاهد العليا. وتصبح بذلك المحتويات الملقنة بعيدة سواء عن الحياة اليومية للمستفيد، أو عن الواقع الذي سيكون عليه مواجهته لدى ولوجه الحياة العملية. بالإضافة إلى ذلك، عندما يتم تحيين البرامج فإنها لا ترافق بدورات لإعادة تكوين المدرسين وتحيين معلوماتهم، مما ينتج عنه عدم إلمامهم بالمفاهيم الجديدة إلماما كافيا.

يعد إعطاء الأولوية للمعرفة المرتكزة على الكتاب على حساب الكفاية من بين الخاصيات الأخرى لمحتويات التعليم التي نعثر عليها في جميع مستويات النظام. ويترجم ذلك على مستوى التعليم الأساسي بالحصة الضعيفة التي تعطى للأنشطة اليدوية والخبرة في التمرس، ومن جهة أخرى بتعليم مواد تكتسي طابعا فنيا أو عمليا.

الأنشطة الموازية التي كان من الممكن مبدئيا أن تصحح النواقص التي تعاني منها البرامج وتسهم بصورة فعالة في الاندماج المجتمعي وانفتاح التلاميذ لا تحتل سوى مكانة محدودة ضمن الأنشطة المدرسية للتعليم العام. وبالفعل فتنظيم هذه الأنشطة يتأثر بمحدودية الموارد المالية المتاحة ولاسيما بالانخراط الضعيف للفاعلين الاستراتيجيين : المدرسين و إدارة المؤسسة والأولياء.
 الكتب المدرسية التي تشكل المكون الرئيسي للبرامج تعاني هي الأخرى من بعض النواقص من بين أهمها ما يلي :
·                          مجموعة كبيرة من الكتب المدرسية تزيد في تعقيد عملية التعلم بالنسبة للمستفيد، وتجعل تحسين المحتويات عملية صعبة ؛
·                          نقل ديداكتيكي ضعيف: تشكل محتويات الكتب المدرسية في بعض الحالات مجرد مختصر لمحتويات الكتب الجامعية، دون أي جهد للنقل أو التمثيل لتقريب المحتوى من التلميذ؛
·                          محتويات معالجة بصورة مغلقة، غير منفتحة لا على المواد المرتبطة بها، ولا على البيئة الاجتماعية والثقافية المباشرة للمدرسة ؛
·                          المنطق التجاري الذي يحكم إنتاج الكتب المدرسية يتسبب في بعض الأحيان في اضطرابات (...).

في الأخير، يعد عبء البرامج بالتأكيد الخاصية التي تزيد من انعدام الشفافية الذي يطبع إشكالية البرامج التعليمية، ويرجع في معظم خطابات المستفيدين والمؤطرين بشأن البرامج التي يشار إليها بالبنان كلما تعلق الأمر بإعطاء تفسيرات بشأن تدني مستوى التعليم أو المردودية الضعيفة للمدرسة. غير أن المسألة تهم مفهوما تصعب الإحاطة به الذي يتوقف تثمينه على الموقع حيث نوجد بالنظر إلى عملية التعلم. وهكذا فإن مفهوم "عبء البرامج" يهم ثقل المحتويات أكثر منه مشكل الحجم والعبء الزمني. فالرغبة في الشمولية التي تفرضها جزئيا متطلبات التحيين تؤدي على ما يعدو إلى تضخم في المواضيع والمباحث المغطاة في البرامج في مستوى من المستويات، وفي بعض الأحيان في مادة واحدة. بيد أن دراسات بينت بأن النتائج الدراسية التي يحققها التلاميذ متناسبة عكسيا مع عدد المواضيع التي يغطيها برنامج سنة ما.

يتأثر تحقيق الأهداف التربوية المرتبطة بالبرامج سلبا بسيطرة مناهج تعليمية ترتكز على التكرار والتقليد والحفظ، ولا تستند إلا قليلا على حل المشاكل والاكتشاف الذاتي لعناصر المعرفة. كما يصعب الخروج من هذه الوضعية بسبب تجذرها في الرؤية التي تكونت لدى المدرسين حول العملية التعليمية - والتي يرون أنها مجرد تمرير بسيط للمعارف - والعملية التعليمية - التي يفسرونها على أنها حفظ لمفاهيم واقعية. وتجعل هذه الرؤية من التلميذ مجرد مستفيد سلبي، وبالتالي فإنه لا يشارك بصورة نشيطة في العملية التعلمية.

(...) فالمدرس لا يتوافر سوى على هامش ضعيف للتصرف في تنفيذ البرامج. وينحصر بذلك تحقيق الأهداف في إتمام البرنامج في الوقت المحدد له.


ثانيا: التعليم الأولي نموذج عن الاختلال

تشير الدراسات التي أجريت بشأن التعليم قبل المدرسي في مختلف البلدان، بما في ذلك البلدان النامية، أن هذه المرحلة التعليمية تكتسى أهمية بالغة بالنسبة للمستقبل الدراسي للطفل.

فمن جهة تبين هذه الدراسات أن برامج التعليم المبكر تؤثر إيجابا في عملية التمدرس باعتبارها تمهد السبيل أمام تعميم التعليم الأساسي، ومن جهة أخرى تبرز أثرها الإيجالي على وتيرة التقدم الدراسي (معدل التكرار والانقطاع، النقط المدرسية)، وكذا على مستوى التحصيل خلال السنوات الأولى من مرحلة التعليم الابتدائي.

لذا فهي لا تتيح فحسب توفير الموارد على المدى القصير لصالح النظام التعليمي بأسره، بل تسهم أيضا في الحد من تفاوت الفرص المرتبطة بالفقر أو أمية الآباء.

يتسم التعليم قبل المدرسي الذي يعد ثمرة للمبادرات الخاصة أساسا بتباين كبير. فعلى الصعيد المؤسسي، نجد إلى جانب "المسيد" (غالبا ما يكون إزاء مسجد) الكتاب قبل المدرسي وروض الأطفال. وأما على صعيد المضمون. فكل مؤسسة تطور برامج خاصة بها. ويقوم بالتأطير معلمو مدارس ابتدائية، ومنشطون محترفون في التعليم قبل المدرسي (على الرغم من قلتهم)، أو مؤطرون لا يتوفرون على أدنى مؤهل بيداغوجي. ويتجلى التباين أيضا في لغات التعليم؛ إذ تتعدد التشكيلات اللغوية، من لغة واحدة إلى ثلاث لغات مرورا بالازدواجية اللغوية .

وإذا كان عدد الأطفال الذين يرتادون المؤسسات قبل المدرسية قد عرف إجمالا في الفترة بين 1990 و1997) ركودا نسبيا فإن توزيع العدد بين نمطي التعليم (التعليم قبل المدرسي العصري والكتاب) شهد تحولا عميقا. فبينما كان الكتاب يستقطب في مستهل التسعينيات جل الأطفال ذوي السن قبل المدرسي (85،95 %)، فقد تغير الوضع كثيرا لصالح التعليم قبل المدرسي العصري الذي استقبل في 1997-1998 زهاء ثلث العدد (31,5 %).

 

الجدول: تطور عدد الأطفال المسجلين في المؤسسات قبل المدرسية



1990-1991
1993-1994
1997-1998
الكتاب
778.776
611.729
595.897
التعليم قبل المدرسي العصري
33.345
171.727
274.078
مجموع الأطفال في السن قبل المدرسي
812.487
738.456
869.975
* ليست هناك بيانات عن عدد الأطفال يرتادون المسيد.

وبقطع النظر عن العوامل المرتبطة بالتطور العددي فإن التعميم قبل المدرسي بالمغرب لا يستقطب اليوم سوى طفل واحد من أصل ثلاثة، وهي نسبة لا تمثل فيها البنات سوى  32%. ومن ضمن العوامل التى يمكن أن تفسر ضعف الإقبال على التعليم قبل المدرسي، نذكر :
- لما كان التعليم قبل المدرسي يعتمد أساسا على المبادرة الخاصة فإن العرض والبنية التحتية لا يخضعان بالضرورة لمنطق تعميم الالتحاق وفتح المجال أمام الجميع؛ لذا نجد غالبية البنى التحتية الخاصة بالتعليم قبل المدرسي العصري تتركز حول محور الدار البيضاء- القنيطرة ؛

- غياب النصوص التشريعية أو التنيمية التي تحدد المهام والطرق الخاصة بتشغيل المؤسسات والمتدخلين ؛
- محدودية القدرة المالية للطلب، وبصفة عامة، المشكلات المرتبطة بتمويل القطاع الخاص ؛
- ضعف تدخل الجماعات المحلية على مستوى المبادرة والتسيير والمتابعة في آن واحد.

يؤدي تظافر الإكراهات التي تعيق تطوير التعليم قبل المدرسي في الواقع إلى التباين في استغلال العروض المتوافرة (الكتاب في مقابل روض الأطفال). ويخضع هذا التباين في الأساس إلى اختلاف المركز الاجتماعي والوضع الاقتصادي، وكذا مكان الإقامة. ونتيجة ذلك أن نوعية الخدمة، ولاسيما من الناحية البيداغوجية، تظل رهينة على الإطلاق، بالكلفة التي يمكن للأسرة أن تتحملها.

كما أن الخدمات التربوية قبل المدرسية تعاني من عدد من الاختلالات التي تعرقل تطوير النظام قبل المدرسي وتؤثر في تشكيل صورته وتغير في النهاية نوعية التعليم المقدم.
- فعلى مستوى المدرسين نجد أنه من أصل 39.000 مؤطر يعملون في هذه المرحلة التعليمية (ثلثهم من النساء)، لم يتلق إلا القليل منهم تكوينا مهنيا حقيقيا. وعلى الرغم من تزايد عدد الجامعيين الشباب الذين يلجون هذا الميدان عن طريق فتح الكتاتيب قبل المدرسية فإن المستوى الدراسي للمؤطرين يتراوح في العموم بين "نهاية المرحلة الابتدائية" و"الثانوي". وثمة عنصرا آخر يميز هذه الفئة من المؤطرين هو هزالة الأتعاب التي يتقاضونها.

وعلى مستوى الممارسات البيداغوجية نجد أن المقاربات المعتمدة غالبا ما تفرط في التركيز على الجانب التعليمي إلى حد إغفال حاجات الطفل الفعلية، إذ أن الجهد المبذول ينصب مبكرا - بإلحاح من قبل الآباء نفسهم في الغالب - على القراءة والكتابة. وكنتيجة للنقص في التكوين فإن مربي المرحلة قبل المدرسية يتعلمون، كيفما اتفق، طرق "ملء وقت" الأطفال عن طريق تقليد زملائهم. وفي غياب تجربة قبل مدرسية شخصية يكتفي معظمهم بتكرار تجربتهم الابتدائية الشخصية مع تبسيطها.

أما على مستوى البنى التحتية يلاحظ أن غالبية المباني لم تشيد في الأصل لغرض تربوي، فضلا عن أنها تفتقر لتجهيزات ملائمة للأطفال، وأنها تعاني في أغلب الأحيان من مشكلات الإنارة والتهوية وعدم احترام الشروط الأساسية للوقاية الصحية إضافة إلى اكتظاظ الفصول.

وعلى مستوى التأطير والمراقبة، وبالنظر إلى كون وزارة التربية الوطنية لم تهيئ سوى النزر اليسير من الوثائق البيداغوجية المحدودة الانتشار فإن المضامين التي طورتها هذه المؤسسات تتسم بعدم التجانس وقلة ملاءمتها مع الشروط البيداغوجية للمستفيدين من هذه المرحلة التعليمية. أما هيئة المستشارين التي تتألف في غالبيتها من معلمين سابقين، فتفتقر إلى التكوين في الميدان قبل المدرسي. وكنتيجة لذلك تطغى وظيفة المراقبة على وظيفة التأطير البيداغوجي وتحسين الممارسات.

وعلى صعيد إشراك الآباء قلما توجد مؤسسات تتعاون مع جمعيات الآباء ولاسيما أن الآباء أنفسهم لا يولون بشكل عام اهتماما كافيا لمسار أبنائهم في هذه المرحلة التعليمية.

إن أية خطوة ترمي إلى الرفع من نسبة الإقبال على التعليم قبل المدرسي وتعميمه، تتحدد أساسا بقياس مدى استعداد الأولياء والمؤطرين كأطراف معنية بهذا النوع من التعليم للإقبال عليه. وقد أظهرت الدراسة الاستطلاعية الخاصة بتصور نظام التربية والتكوين لدى المستفيدين و الفاعلين، أن التعليم قبل المدرسي عنصر من العناصر الأساسية في المسار الدراسي للطفل.

لوحظ أن لأولياء التلاميذ رغبة أكيدة في إدماج أبنائهم داخل سلك التعليم قبل المدرسي، فالأغلبية الساحقة منهم أبدت استعدادها لتسجيل أبنائها الذين لم يبلغوا بعد سن السادسة في إحدى المؤسسات المتخصصة في التعليم ما قبل المدرسي كالحضانة والكتاب والروض. وهذا التوجه يهم أولياء التلاميذ سواء في المجال الحضري أو في المجال القروي.

أما بخصوص تحديد السن التي يصبح فيها التعليم إلزاميا فقد اقترح 73% من المستفيدين والمدرسين الفترة المتراوحة بين ست سنوات فما تحت.

علاوة على ذلك، أجمع مدرسو السلك الأول الذين حضروا اجتماعات الفرق على القول بأن التعليم قبل المدرسي من العوامل المحددة جزئيا لنجاح المتمدرسين أثناء المرحلة الأولى من التعليم.

ورغم هذا التوجه فقد عبر أولياء التلاميذ القاطنين في المجال الحضري عن آراء متضاربة نسبيا عندما دعوا للاستفاضة في عرض تصوراتهم بخصوص مدى استفادة أطفالهم من التعليم قبل المدرسي وانقسموا إلى فريقين :
o                        فريق المؤيدين للتعليم قبل المدرسي الذين يعتبرون أن ولوج إحدى مؤسسات التعليم قبل المدرسي يمهد الانتقال من فضاء المنزل للانخراط في السلك الأول من التعليم الأساسي، وأن أهم الفوائد التى يتيحها هذا النوع من التعليم  تمكين الطفل المتمدرس من تطور قدراته على التعلم والتعود على نمط معين من الانضباط مما يجعله قادرا على الاندماج بسهولة داخل المنظومة المدرسية ؛
o                        فريق المعارضين للتعليم قبل المدرسي الذين يرون أن هذا النوع من التعليم ليس عديم الفائدة فحسب، بل أنه يجبر رواده على التقيد بضوابط معينة كاحترام الوقت والانضباط. و أنه يحرم الطفل من اللعب.


ثالثا: اختلالات الأسلاك الدراسية


يستند تقويم مردودية النظام إلى مؤشرات كمية ونوعية في آن واحد. وعند دراسة تطور المؤشرات الإحصائية المرتبطة بالإنجازات، يتضح بشكل لا جدال فيه أن الجهود التي بذلتها السلطات العمومية في مجال التعليم والتكوين كانت جبارة بحق. بيد أن مقارنة هذه المؤشرات مع المعيات ذات الصلة بكلفة النظام وإنجازاته الفعلية، مع أخذ الأهداف المحددة لهذا النظام بعين الاعتبار، تبين أن المردودية كانت دون مستوى الاستثمارات على وجه العموم.
ويوضح تحليل تطور عدد المستفيدين منذ سنة 1970، حدوث ارتفاع ملموس في العدد الإجمالي، مع وجود اختلافات ملحوظة حسب المراحل التعليمية :
- فعلى مستوى السلك الأول من التعليم الأساسي، سجل أكبر معدل نمو خلال عقد السبعينيات. وأثناء هذه الفترة، تضاعف عدد المسجلين في المدرسة الابتدائية مرتين؛ إذ قفز من 1.122.000 تلميذا إلى ما يقرب من 2.240.000 تلميذا إلا أن العقد الموالي لم يشهد نفس الوتيرة التصاعدية، إذ ما لبث عدد المسجلين أن عرف ركودا فعليا لفترة، ثم استأنف صعوده بوتيرة مماثلة للنمو المسجل في السبعينيات.
- وعلى مستوى السلك الثاني من التعليم الأساسي، لم تفتر الوتيرة التصاعدية خلال العقدين الأولين، فتضاعف بذلك عدد المسجلين في هذه الفترة، بيد أن فترة التسعينيات شهدث نموا بطيئا بشكل ملحوظ؛ إذ لم يتعد نسبة 2,2 في المائة في السنة.
- أما على مستوى التعليم الثانوي، فبينما لم يتجاوز عدد المسجلين 42.000 تلميذا فقط في سنة 1970، سيرتفع هذا العدد ليبلغ 247.000 تلميذا بعد عشر سنوات. وبعد هذا الارتفاع الهائل الذي سيحافظ على وتيرته لفترة من الزمن سيتباطأ معدل النمو خلال الثمانينيات، ليعود إلى وتيرة حثيثة بشكل أكبر منذ مطلع التسعينات، إذ ارتفعت أعداد المسجلين بفارق 100.000 في 1997-1998 بالمقارنة مع 1990-1991.




 أما على مستوى التعليم العالي فبعد أن كان العدد الإجمالي للمسجلين في البداية محدودا (14.808) طالبا، فقد سجلت أكبر معدلات النمو خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، حيث بلغ عدد المسجلين الجدد بالتعليم العالي 8.000 طالبا و12.402 طالبا في المتوسط على التوالي، وهو الأمر الذي يبين حجم الجهود التربوية المبذولة غداة الاستقلال. غير أن وتيرة التسجيل ستتدنى في عقد التسعينيات؛ إذ لم يتعد عدد المسجلين الجدد 6.100 طالبا في العام.

الجدول  : تطور عدد المسجلين في التعليم العام


1970-1971
1981-1982
1990-1991
1997-1998

السلك1 أساسي

1.122.000

2.240.560
2.394.615
3.119.025
السلك 2 أساسي
233.793
412.081
805.868
925.667
الثانوي
42.915
247.540
315.325
414.108
التعليم العالي
14.808
103653
215.271
252.199

تظهر الاتجاهات المشار إليها آنفا بشكل أوضح في ضوء الرسم البياني الذي يرصد تطور الأرقام البيانية لأعداد المسجلين في كل مرحلة تعليمية على أساس 100 بالمقارنة مع عدد المسجلين في مطلع السبعينيات. ويلاحظ أنه في الفترة المعنية، أي من 1970-1971 إلى غاية 1997-1998، سجلت أعلى المعدلات بالفعل في مرحلتي التعليم العالي (تضاعف الرقم البياني 17 مرة) والثانوي (تضاعف الرقم البياني بنسبة 9,6).

(...) عند تحليل تنامي عدد المدرسين من سنة 1970 إلى سنة 1998، يتبين أنه على غرار عدد المسجلين، عرف عدد المدرسين على وجه العموم ارتفاعا ملحوظا إلى حد ما، مع وجود اختلافات حسب المراحل التعليمية :
- فبينما شهد عدد المدرسين بالسلك الأول من التعليم الأساسي تطورا ثابتا، عرف عدد المدرسين بالسلك الثاني من التعليم الأساسي ارتفاعا كبيرا خلال العقدين الأولين، ثم ما لبث أن استقر أثناء التسعينيات ؛
- أما عدد مدرسى الطور الثانوي، فقد عرف تطورا منتظما وثابتا في آن واحد، ليد أنه عانى من انخفاض طفيف في مستهل التسعينيات. وعلى مدى الفترة المعنية، تضاعف عدد مدرسي الطور الثانوي 12 مرة ؛
- لا ريب أن أقوى نسبة تطور هي التي أحرزها التعليم العالي، حيث شهدت هذه المرحلة التعليمية ارتفاعا هائلا، ولا أدل على ذلك من تضاعف عدد المدرسين 22 مرة خلال 27 سنة.


تطور مؤشرات أعداد المدرسين في التعليم العام لكل مرحلة تعليمية





عند مقارنة تطور عدد المدرسين بنمو عدد المسجلين، يلاحظ ما يلي :
- يتبين من تحليل تطور الوضع أثناء السبعينات أن عدد المدرسين بالسلك الأول من التعليم الأساسي وبالطور الثانوي، قد ارتفع بالموازاة مع عدد المسجلين، فيما لم نلمس نفس الارتفاع المتوازي بالنسبة للسلك الثاني من التعليم الأساسي. ففي الوقت الذي ارتفع فيه عدد المسجلين بنسبة 76% فقط، نجد أن عدد المدرسين في هذه المرحلة التعليمية تضاعف ثلاث مرات ؛

- خلال الثمانينات، شهد هذان العنصران تطورا مماثلا، ماعدا في السلك الأول من التعليم الأساسى، حيث ما فتئت أعداد المدرسين ترتفع بشكل ملحوظ (أكثر من % 28 )، فيما ظلت أعداد المسجلين في مستواها العادي تقريبا ؛
- وسيظهر هذا التطور غير المنسجم بشكل خاص في التعليم العالي، خلال التسعينات، إذ شهد عدد المدرسين ارتفاعا فاق 40% في الفترة ما بين 1990-1991 و1996-1997 فيما لم يرتفع عدد الطلبة إلا بنسبة 17,1  %في الفترة ما بين 1990-1991 و1996-1997. وقد يبدو هذا التطور لأول وهلة "غير منسجم"، إلا أن الأمر يعزى جزئيا إلى الجهود التي بذلت أثناء هذه الفترة في سبيل تنويع الاختصاصات ومجالات الدراسة.

 

الجدول  : تطور عدد المدرسين في التعليم العام

 


1970-1971
1981-1982
1990-1991
1997-1998
السلك الأساسي 1
30.209
68.986
88.242
116.638
السلك الأساسي 2
8.889
26.004
48.342
50.882
الثانوي
2.611
12.868
23.423
31.707
التعليم العالي
488
3.977
7.825
10.969 (*)
المعطيات الخاصة بالفترة 1996-1997.

منذ إصلاح نظام التكوين المهني في سنة 1984، تطورعدد الطلبة المسجلين بوتيرة متواصلة (فاقت 40% ) خلال السنوات الأولى (1984-1990) من انطلاق عملية الإصلاح بالمقارنة مع التطور المسجل في التسعينيات، والذي لم يتعد نسبة 23,6 %. إلا أن هذا الاتجاه العام يظل متسما بعدد من الخصوصيات المرتبطة بكل مستوى على حدة التى تشير إلى أن عدد المسجلين في مستوى "التخصص" ما فتئ يتقلص باستمرار (بلغت نسبة الانخفاض زهاء 19% خلال الفترة الأخيرة)، بخلاف عدد المتدربين في مستويي "التأهيل" و"التقني".

 

الجدول  : تطور عدد المتدربين في التكوين المهني حسب المستوى (التعليمان العام والخاص )



1984-1985
1993-1992
1998-1999
مستوى "التخصص"
30.401
27.214
27.995
مستوى "التأهيل"
23.320
46.408
52.087
مستوى "التقني"
21.058
40.318
42.347
مستوى"التقني المتخصص"
-
1.138
7.720
المجموع
74.779
115.078
130.149


تبين المعطيات المتعلقة بمصاريف الدولة في إطار تمويل النظام التربوي أنه تم بذل جهود استثنائية خلال السبعينيات، إذ ارتفعت حصة التربية (التربية الوطنية والتعليم العالي ) في الميزانية العامة للدولة من 18,7 % في سنة 1972 إلى 27,8 % فى سنة 1981. بيد أنه منذ ذلك الحين، عرفت هذه الحصة انخفاضا نسبيا. وإذا كانت القيمة الإسمية لمجموع النفقات قد سجلت ارتفاعا، فإن حصتها فى الميزانية الإجمالية قد انخفضت نسبيا؛ إذ لم تتجاوز 25,4 % في سنة 1991 و24,3 % في فترة 1997/1996 لتنتقل إلى نسبة 26,05 % في 1999-1998. وعلى الرغم من هذا التراجع الطفيف، فإن المغرب يظل ضمن مجموعة الدول ذات مستوى التنمية المماثل التي تخصص أعلى النسب لقطاع التربية في الميزانية العامة للدولة.
ويمكن الوصول إلى الاستنتاج نفسه عند مقارنة ميزانية التربية بالناتج الداخلي الإجمالي. فقد انتقلت هذه النسبة من 5,9 % في سنة 1980 إلى 5,3 % في سنة 1990، لتهبط إلى 5% في 1996-1997. وسجلت الوتيرة نفسها في الاتحاد الأورلي إجمالا، في حين بلغ المتوسط في آسيا وأمريكا اللاتينية في سنة 1995 نسبة 4,3 % و3,9 % على التوالي.

الجدول  : تطور نفقات الدولة في ميدان التربية


1972
1981
1991
1996/1997
الميزانية بالدرهم الجاري (بالمليون)
827,8
4818,4
11802
16373
الميزانية بالدرهم القار (1996) (بالمليون)
482,2
11933,3
15105,8
16373
الحصة في ميزانية الدولة
18,7 %
27,8 %
25,4 %
24,3 %
نسبة نفقات التسيير في الميزانية العامة
88,0 %
82,5 %
86,3 %
92,3 %


غير أنه يتضح من خلال تحليل الميزانيات على أساس البنود الرئيسية للنفقات أن ميزانية التسيير تستحوذ على حصة الأسد من الموارد (بنسبة 9 للتسيير و1 للاستثمارات)، كما أن الحصة المخصصة للاستثمار عرفت تقلصا حادا منذ مطلع التسعينيات. وفي هذا الصدد تستأثر النفقات المرتبطة بالرواتب بجل موارد ميزانية التسيير، إذ تمثل زهاء 90  % من ميزانية التسيير الخاصة بوزارة التربية الوطنية وقرابة 73% من ميزانية وزارة التعليم العالي.
وفيما يتعلق بالمردودية تشير عدة مؤشرات إلى أن أداء نظام التربية والتكوين كان محدودا وغير متكافئ مع الجهود المبذولة كما اتسم بعدم التساوي في التوزيع بين مختلف فئات السكان.
 وبالنظر إلى مؤشر التنمية البشرية المعتمد من قبل برنامج الأم المتحدة الإنمائي منذ 1990 نجد أن المغرب أصبح يحشر بانتظام في زمرة الدول الأقل تقدما وفي موقع انتقل على التوالي من الرتبة 111 في سنة 1992، إلى الرتبة 119 في سنة 1996، ثم إلى الرتبة 125 في سنة 1997. كذلك يشير التقرير العالمي بشأن التربية الذي نشرته اليونسكو في 1997 إلى أن معدلات التمدرس الإجمالية تعرف تراجعا بلغت نسبته 5 % في التعليم الابتدائي، و10 %في السلك الثاني من التعليم الأساسي وفي الطور الثانوي، بالمقارنة مع البلدان ذات مستوى التنمية المماثل ؛
- وعليه فإن نسبة الأمية تظل مرتفعة جدا. وحسب المعطيات المستقاة من الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 1994 فإن 54,9 % من الأشخاص الذين لمحلغ عمرهم 10 سنوات فما فوق لا يعرفون القراءة والكتابة، على أن هذه النسبة تقترب من 75% من سكان المناطق الريفية، وزهاء 90% من نساء الأرياف ؛
 - يتضح من تحليل معدل التمدرس أن النظام التربوي قاصر عن استقطاب كافة المستفيدين المحتملين. ويبرز هذا الوضع مرة أخرى مدى العجز الذي تعاني منه المناطق الريفية وفئة النساء. وإذا كان معدل تمدرس الأطفال من سن السابعة في الفترة 1998-1999 يبلغ 77,35 % على المستوى الوطني فإنه لا يتعدى نسبة 70,67 % في الأوساط الريفية، بل ويهبط إلى 64,03 % بالنسبة للفتيات في الأرياف.
فمن أصل 100 طفل في سن السابعة في المناطق الريفية لا يحظى 23 طفلا بالتمدرس. وحتى في المناطق الحضرية ومع احتساب الأطفال المتمدرسين في القطاع الخاص فإن 10 أطفال في سن السابعة من أصل 100 طفل لا يلتحقون بالمدرسة. كما أن القدرة على الحفاظ على المتمدرسين فى المراحل التعليمية الأولى انخفضت بشكل ملحوظ، فانحصر معدل التمدرس بالنسبة لأطفال سن 13 في نسبة 53,86 % على المستوى الوطني، وتدنى إلى 29,31 % في الأوساط الريفية.

 

الجدول  : نسبة التمدرس في التعليم العام في 1998-1999


المجموع

ذكور
إناث

المعدل

أطفال سن السابعة المتمدرسون / مجموع أطفال السابعة
81,61
72,91
77,35
أطفال سن الثالثة عشر المتدرسون / مجموع أطفال الثالثة عشر
62,37
45,08
53,86
أطفال سن السادسة عشر المتمدرسون/مجموع أطفال السادسة عشر
37,70
28,44
33,11
المناطق الحضرية



أطفال سن السابعة المتمدرسون / مجموع أطفال السابعة
87,28
83,07
85,19
أطفال سن الثالثة عشر المتدرسون / مجموع أطفال الثالثة عشر
88,72
73,06
80,79
أطفال سن السادسة عشر المتمدرسون/مجموع أطفال السادسة عشر
63,50
51,49
57,46
المناطق الريفية



أطفال سن السابعة المتمدرسون / مجموع أطفال السابعة
76,90
64,03
70,67
أطفال سن الثالثة عشر المتدرسون / مجموع أطفال الثالثة عشر
39,59
18,14
29,31
أطفال سن السادسة عشر المتمدرسون/مجموع أطفال السادسة عشر
12,22
4,20
8,31


- تعد معدلات الهدر العالية المسجلة في مستويات النظام التعليمي كافة مؤشرا إضافيا على ضعف أداء هذا النظام؛ إذ لا يصل إلى نهاية السلك الأول من التعليم الأساسي سوى 5 أطفال من أصل 10، فيما لا يحرز البكالوريا إلا طفلان من أصل 10، ويغادر التعليم العالي 6 طلبة من أصل 10 دون الحصول على أي دبلوم أو تأهيل ؛
- كما يبين تحليل تدفق خريجي النظام التعليمي هزالة أدائه بالنظر إلى التأهيل الذي يقدمه للمستفيدين. فمن أصل 673.000 خريج في سنة 1997، لم يحظ سوى 9,5 % بدبلوم في التكوين المهني ، وحصل 15,4 % فقط على شهادة البكالوريا، أو دبلوم في التعليم العالي. وبعبارة أخرى، فإن ما يربو عن 75% حاليا من التلاميذ والطلبة الذين يغادرون النظام التعليمي كل سنة، يغادرونه وهم في وضع الرسوب ؟
- لقد تزامن تقلص منافذ العمل في التعليم والإدارة مع ارتفاع عدد الطلبة في الثمانينيات وتنامي معدلات بطالة حملة الشواهد الجامعية. وعلى الرغم من الطابع الجزئي للمعطيات المرتبطة بهذه الإشكالية، فإن استطلاعا أجري في سنة 1996 على مجموعة من الأسر المعيشية يشير إلى أن معدل عمل حملة الشواهد العالية في المناطق الحضرية لم يتجاوز 72,2 %، بل ومن المحتمل أن يكون هذا التوجه قد تفاقم بشكل حاد.

رابعا: الفشل المدرسي

 - كيفما كان البعد أو المستوى الذي نتوقف عنده، فإن مجموع الفئات المستجوبة ترجع بالدرجة الأولى أسباب الفشل المدرسي إلى "الظروف المادية والاجتماعية الصعبة للتلاميذ/الطلبة" :50 % تقريبا من العاطلين الشباب، 36,2 % من التلاميذ، 44% من الطلبة، وما بين 40% و 48% من المدرسين - حسب المستويات - يشيرون إلى ذلك في تفسير أسباب التكرار. أما بالنسبة للانقطاع الكلي عن الدراسة فإن نفس الاتجاه يزداد قوة بنسبة تساوي 65,5 % عند الشباب العاطل ، و62,2 % عند التلاميذ و51,4 % عند الآباء، و66,8 % عند الطلبة، وما بين 35% كل و 70,8 % عند المدرسين.
- وبصرف النظر عن هذا السبب المهيمن الذي يحيل في نهاية المطاف على عوامل خارجية في المنظومة المدرسية تعزى ظاهرة التكرار -عندما تثار بصفة التعميم - إلى سببين اثنين، من جهة هناك "شعور التلميذ أو الطالب بالإحباط" ( ويقصد بذلك عدم القدرة على التغلب على الصعوبات التي يلاقيها التلميذ أو الطالب )، ومن جهة أخرى فقدان الحافز على مواصلة الدراسة، وذلك ما تلخصه عبارة "التلميذ أو الطالب لم تعد له رغبة في الدراسة" وهذا يشير في الواقع إلى انهيار مصداقية التمدرس كمشروع في مرحلة من مراحل الحياة، وذلك لفائدة بدائل أخرى اكثر "جاذبية".
- عندما نتوقف عند مختلف مراحل التمدرس تظهر بعض الخصوصيات :
- يؤكد المدرسون بنسبة تتجاوز 41% بأن التكرار يعود إلى "ضعف اهتمام الآباء/ قلة مراقبتهم لأبنائهم" في مستوى السلك الأول من التعليم الأساسي. نفس السبب يسوقه 30,6 % من الآباء الذين يرون بنسبة 44 % أن "التلميذ لم تعد له رغبة في الدراسة".
- التفسير الرئيسي للتكرار في السلك الثاني من التعليم الأساسي، يكمن في "غياب الأسس الجيدة في المستويات السابقة" بالنسبة ل 40% من المدرسين، بينما يكمن بالأساس ، عند الآباء، في مسؤولية التلميذ : حوالي نصف الآباء ذكروا أن "التلميذ لم تعد له رغبة في الدراسة" و31,5 % منهم تحدثوا عن " غياب السلوك " كسبب رئيسي في التكرار في السلك المذكور.
- غياب الأسس الجيدة في مستوى الثانوي : يضعها 45% من المدرسين على رأس قائمة أسباب التكرار، بينما يشير 35% من تلاميذ الثانوي و49% من الآباء إلى "انعدام الحافز على التحصيل" وإلى " إحباط التلاميذ" بنسبة 28,7 % (...) ثم إلى "انعدام السلوك بنسب تصل إلى 28% عند تلاميذ الثانوي و30% كل عند الآباء. كما تهيمن الأسباب المرتبطة بغياب الحافز لدى التلميذ على التحصيل وعلى تفسير الصعوبات التي تعترضه خلال دراسته، إذ يرجعها حاملو الشهادات العاطلون إلى "المناهج البيداغوجية التي لا تغري التلميذ بما فيه الكفاية وتجعله يختزل الدراسة في هدف واحد ألا وهو النجاح في الامتحانات (" فتصبح الدروس عبارة عن شيء مفروض أو عقوبة " إننا ندرس كي ننجح في الامتحان "، وكذلك إلى النظرة التي تترسخ لدى المستفيد من المعرفة التي يتلقاها التي تبقى في نظره "مبهمة" وأحيانا غير "مجدية" (" لا ندري ما الفائدة من المواد المدرسة ؟ " ).
 - التكرار في الجامعة يعود سببه عند 37% من الطلبة المستجوبين إلى "المقررات المثقلة" وعند 30% كل منهم إلى " إحباط الطالب ". عبر العاطلون عن نفس السببين وبنسبة مماثلة، وكذا 46,7 % من الأساتذة الباحثين الذين يضعون بالمقابل (بنسبة 50,7 %) "غياب الأسس الجيدة في المستويات السابقة" في صدارة أسباب التكرار في الجامعة. بينما يرى عاطل واحد من بين أربعة أن البكالوريا تهيئ "بشكل مرضي " لمتابعة دراسات عليا.
 - الإحباط يفرض نفسه كمفهوم مركزي في خطاب المستفيدين من التكوين عندما يتحدثون عن المدرسة المغربية. وكما يتضح من أجوبة مختلف الفئات المستهدفة فإن " الإحباط " يظهر في نقطة تقاطع بين عاملين : فمن جهة نجد مجابهة التلميذ / الطالب ل " صعوبات المتابعة التي تكمن على ما يبدو في التفاوت الكبير بين نظام التعليم الثانوي ونظام التعليم العالي وفي المقررات المثقلة وفي "ضعف التمكن من اللغة الفرنسية " وفي "سوء " اختيار شعبة التخصص. ومن جهة ثانية نجد صورة الفشل الماثلة باستمرار في المحيط من جراء "الصعوبات التي يعانيها بعض الأقارب والأصدقاء الذين اختاروا نفس التخصص  في الاندماج في الحياة العملية ".
 - أما الانقطاع النهائي عن الدراسة، فينظر إليه ، بصرف النظر مرة أخرى عن " الصعوبات المادية والاجتماعية"، على أنه تتويج لمسلسل يبدأ "بسوء التوجيه (عند الانتقال من مستوى لآخر) الذي تترتب عنه "صعوبات في متابعة الدراسة" التي يستقر" الإحباط " تدريجيا من جرائها و يفضي بدوره في نهاية المطاف إلى الانقطاع عن الدراسة.
- من هنا يبدو "التكرار كرافد أساسي من الروافد المؤدية إلى الانقطاع عن الدراسة، خاصة وأن المعنيين غالبا ما يعيشون هذه التجربة بشعور كبير "بالغبن.
 - كيفما كان المستوى الذي ننكب عليه، فإن الانقطاع عن الدراسة يقدم بكثافة كنتيجة
ل "الإحباط"/ "فقدان الحافز" لدى المستفيد من التكوين. حوالي 63
% من الأساتذة الباحثين يصرحون بذلك. المدرسون بالمستويات الأخرى يعطون نفس التفسير بنسب تتراوح بين 25% و49,5 % وتلاميذ الثانوي بنسبة 30,4 % والتلاميذ المتدربون بالتكوين المهني بنسبة 30,4 % وطلبة التعليم العالي بنسبة 46,8 % والعاطلون الشباب بنسبة  % 44,4.
- تؤكد هذه الملاحظة حول الانقطاع عن الدراسة في مجملها الأسباب التي سيطرحها حاملو الشهادات العاطلون لتفسير تجربتهم الشخصية؛ إذ يرجعون أسباب الانقطاع عن الدراسة إلى "الظروف المادية والاجتماعية الصعبة" بنسبة 32,9 % وإلى "التكرار باستمرار" بنسبة 29,1 % وبنسبة 23,6 % إلى " الإحباط".
 - ويعطي المدرسون بالتعليم الأساسي وبالثانوي توضيحا دقيقا عن أسباب الانقطاع عن الدراسة في الوسط القروي بالإشارة إلى الحالة المادية للآباء ( 4,54 %) وإلى "بعد المؤسسات التعليمية" بنسبة (57,8 %) وإلى "تفضيل الآباء الاحتفاظ بالأطفال في البيت للاستفادة من عملهم بنسبة(51,6 %). التفسيران الأخيران يذكرهما كذلك الآباء بالوسط القروي بنسب تساوي على التوالي 18,1 % و26,7 %.

 

 خامسا: الهدر الدراسي

 

تكشف نسبة الهدر المرتفعة في كل المراحل الدراسية عن ضعف في الفعالية الداخلية لنظام التربية والتكوين؛ إذ تنقطع أعداد هائلة من التلاميذ عن الدراسة دون أي تأهيل، أي بدون استعداد حقيقي للاندماج في عالم الشغل.

إذا كان نظام التربية والتكوين المغربي لا يستقطب على مستوى القطاع العام سوى 77,3 % من الأطفال في سن التمدرس فإنه لا يبرهن سوى على قدرة محدودة للاحتفاظ بهم لمدة طويلة للتمكن من القضاء على الأمية وكذلك لتمكينهم من تكوين يؤهلهم مهنيا.

بالإضافة إلى تقديم فكرة عن عدد المستفيدين الذين يغادرون النظام ويتركون بذلك تأهيلهم وتحديد المستويات حيث يتم تسجيل نسب هدر مرتفعة، يسمح تحليل عدد الخريجين من الوقوف على مردودية نظام التربية والتكوين بواسطة دراسة المسار الدراسي والمهني لمختلف الأصناف المستفيدين.

حسب إحصائيات سنة 1997 بلغ مجموع عدد المنقطعين عن الدراسة 667.768. يقصد ب "الخريجين" الأشخاص الذين يغادرون نهائيا نظام التعليم بمؤهل أو بدونه، وكذلك الأشخاص الذين يصلون إلى نهاية مرحلة تتوج بالحصول على دبلوم. ويمكن التمييز بالخصوص بين الأصناف التالية :

- الخريجون دون دبلوم أو تأهيل يتوج عادة المستوى الذي يكونون مسجلين فيه. ونجد ضمنهم الخريجين من التعليم العام غير الحاصلين على شهادة البكالوريا- الذين سيلتحق جزء منهم بالتكوين المهني- والخريجين من التعليم العالي والتكوين المهني غير الحاصلين على دبلوم ؛

- الخريجون الحاصلون على دبلوم مؤهل من التعليم العالي والتكوين المهني ؛

- الحاصلون على البكالوريا الذين سيلتحق جزء مهم منهم بالتعليم العالي أو التكوين المهني.

يقدم الرسم البياني التالي أعداد الخريجين برسم السنة الدراسية 1996-1997 حسب المراحل الدراسية الكبرى على مستوى المدرسة العمومية. في المجموع نجد من بين 667.768 خريج 501.160 أي ثلاثة أرباع تغادر النظام بدون أي مؤهل، منهم 205.000 تنقطع عن الدراسة في السلك الأول من التعليم الأساسي، و168.143 خلال السلك الثاني من الأساسي. ويبقى المنفذ الوحيد المتوفر لهؤلاء المنقطعين هو أسلاك "التخصص" -وبدرجة أقل- "التأهيل" اللذين يعرضهما التكوين المهني. غير أن طاقة الاستقبال في مراكز التكوين المهني لم تفق بالنسبة لهذا المستوى 62.000 مقعدا سنة 1997. وتشكل هذه المسألة مصدرا للقلق لا سيما وأنه لم يتم إيجاد أي بديل للتربية والتكوين لاسترجاع هؤلاء الشباب الذين لم يبلغوا بعد، في معظمهم، السن الأدنى المطلوب (15 سنة) لولوج عالم الشغل.

ومن جهة أخرى، فمن بين العدد الإجمالي للخريجين لا تتجاوز نسبة حاملي الشهادات الجامعية % 5,3 ونسبة حاملي شهادات التكوين المهني 9,5 %، أما باقي الخريجين (نسبة 10,2 %) فهم من حاملي شهادات البكالوريا، ويلتحقون بذلك بالنظام التعليمي في مستوى التعليم العالي. وبعبارة أخرى يتبين من قراءة المعطيات المتعلقة بمغادرة النظام التعليمي أن مجمل منتوج المدرسة المغربية يتكون من شباب لا يتوفر إلا على حظوظ ضئيلة لولوج عالم الشغل لانعدام تأهيلهم، ولا يجد كذلك أمامه إلا فرصا قليلة لإعادة التكوين من خلال دورات تكوينية بديلة.


توزيع الخريجين بحسب الشهادة / التأهيل (1996-1997)

 

إن تتبع المسار الافتراضي لزمرة من 100 تلميذ يأتي تتميما لهذا التحليل الذي يتناول موضوع الهدر المدرسي، حيث يمكن من توفير أرقام عن مردودية النظام التعليمي ومن تقويم الآثار التي تنطوي عليها هاته الظاهرة. فعلى أساس نسب الانقطاع عن الدراسة والنجاح الخاصة بالسنة الدراسية 1996-1997 من الممكن تتبع المسار الافتراضي لزمرة من التلاميذ. وهذا المسار وإن كان افتراضيا فإنه يعطي تصورا عن الوضعية الحالية للنظام التعليمي حسب الأداء الذي شهده خلال السنة الدراسية 1996-1997 على مستوى المردودية - الفعالية الداخلية. فمن بين 100 تلميذ يلج النظام المدرسي، 65 تلميذا فقط ينهي السلك الأول من التعليم الأساسي، فيما يباشر 36 تلميذا منهم فقط التعليم الثانوي، ولا يحصل على شهادة البكالوريا إلا 13 منهم، ولا يحرز شهادة جامعية إلا 5 منهم. ويلتحق 13 من مجموع التلاميذ المائة بالتكوين المهني، ويحصل 10 منهم على شهادة.

وبذلك يبدو بلوغ هدف تعميم التعليم الأساسي صعب المنال إذا استمر أداء النظام التربوي في إعطاء نسب فعالية داخلية هزيلة من هذا القبيل ؛

ويتبين بالتوقف عند كل مرحلة من مراحل التعليم أن ما يقرب من ثلث التلاميذ المسجلين في السنة الأولى لا ينهون السلك الأول من التعليم الأساسي، وأن نسبة 44 % من التلاميذ الذين يلجون السلك الثاني من التعليم الأساسي ينقطعون عن الدراسة قبل ولوج التعليم الثانوي، وأن نسبة 41% من التلاميذ الذين يبلغون السلك الثانوي ينقطعون عن الدراسة قبل إتمامه ؛

وتسجل أعلى نسب للانقطاع عن الدراسة في السنة السابعة (10 تلاميذ ينقطعون عن الدراسة)، والسنة التاسعة (12 تلميذا ينقطع عن الدراسة) مما يدل فيما يبدو على أن تغيير كل من نظام التعليم في المستوى السابع ونمط التوجيه في المستوى التاسع يشكل مصدرا أساسيا لاضطرابات التمدرس لدى التلاميذ. كما أن التلاميذ المنحدرين من أوساط قروية يواجهون على مستوى السلك الثاني من التعليم الأساسي مشاكل تتعلق بقلة المؤسسات التعليمية وببعدها الجغرافي.

وتزيد خطورة هذا الواقع المعاين إذا ما عممنا هذا التحليل على مستوى الساكنة ككل. فبالنظر إلى نسب ولوج المدرسة يمكن رسم مسار زمرة من 100 طفل بلغ سن التمدرس على الشكل التالي : 77 فقط منهم يلجون المدارس العمومية، فيما ينهي 50 منهم السلك الأول من التعليم الأساسي، ولا يتجاوز مرحلة السنة التاسعة سوى 28 منهم، ولا يحصل على شهادة البكالوريا إلا 10 منهم.

وباعتبار تراكم عوامل الهدر المدرسي فإن المتوسط الإجمالي لمدة تمدرس طفل ما يسجل لأول مرة في المدرسة ينحصر في سبع مستويات دراسية. وبعبارة أخرى يمكن تحديد المستوى المتوسط للانقطاع عن النظام التربوي في مستوى السنة الثامنة من التعليم الأساسي.

يعتبر الانقطاع عن الدراسة في غالب الأحيان، بغض النظر عن الأسباب الراجعة إلى "الظروف المادية والاجتماعية الصعبة" للمستفيد من النظام التربوي نتيجة لنسق يبتدأ من عملية "توجيه غير صائب" يتفاقم بفعل تدهور المستوى الدراسي بسبب اتباع منهج "الحصص" للانتقال من مرحلة إلى أخرى مما يتولد عنه "صعوبات مدرسية" تفضي بالتدريج إلى فتور النشاط المدرسي الذي يفضي بدوره في نهاية المطاف إلى الانقطاع عن الدراسة.

"الفتور المدرسي" مصطلح أساسي وشائع حاليا في حديث المستفيدين من النظام التكويني عن المدرسة المغربية. حيث يستشف من آراء مختلف الشرائح المستهدفة أن "الفتور المدرسي" ينتج فيما يبدو عن تقاطع عنصرين اثنين : من جهة أولى يستشعر التلميذ /الطالب "صعوبات في تتبع الدروس" راجعة أحيانا إلى "التباين الشاسع" بين نظام التعليم الثانوي ونظام التعليم العالي" أو إلى "البرامج المدرسية المكثفة" أو إلى "عدم إتقان اللغة الفرنسية"، أو أحيانا راجعة إلى اختيار غير صائب للمسالك أو الشعب المختارة. ومن جهة أخرى، يخضع التلميذ إلى التأثير القوي الذي لا يبعث على التشجيع لمن يصادفهم في محيطه من الأشخاص الذين اختاروا اتباع نفس الشعبة وانتهى بهم الأمر إلى "مواجهة صعوبات كبرى للاندماج في الحياة المهنية". ومن تم يبدو عامل التكرار رافدا أساسيا في المسار الذي يؤدي إلى الانقطاع عن الدراسة، خاصة أنه غالبا ما يعتبره المعني بالأمر إجحافا في حقه.

 


وتتفاقم ظاهرة الهدر المدرسي في المجال القروي على وجه الخصوص بسبب عدم وفرة المنافذ ما بين مرحلة دراسية وأخرى، بالإضافة إلى البعد الجغرافي للمؤسسات الدراسية.

على الرغم من خطورة ظاهرة الهدر المدرسي وجسامة انعكاساتها، سواء على المستوى الاجتماعي فيما يخص مستقبل المستفيدين من النظام التعليمي، أو على المستوى المادي فيما يتعلق بالأعباء المالية التي تتحملها الدولة، فإن النظام التربوي لم يضع، لا على المستوى المركزي ولا على صعيد المؤسسات المدرسية، نظما وآليات ناجعة تستهدف التلميذ أو الطالب كفرد متميز، وترمي إلى مراقبته وتتبع أدائه وتشجيعه، وذلك ما كان من شأنه أن يحد من الآثار السلبية لتلك الظاهرة. فينبغي في هذا الصدد مراعاة هذا العامل، لا سيما أن الانقطاع عن الدراسة يعد مبادرة شخصية للتلميذ يتخذها في جو من التجاهل من لدن الأبوين والمدرسين والمسؤولين عن المؤسسة المدرسية التي يتردد عليها التلميذ.



سادسا: مشكل اللغات

نجم عن انعدام الانسجام والتردد اللذين طبعا الخيارات اللغوية عدة اضطرابات على مستوى إتقان اللغات من طرف المستفيدين. ويعترف الجميع بكون هذا الإتقان عنصرا من العناصر الحاسمة سواء بالنسبة لنجاح التكوين أو الإدماج المهني.

تشكل اللغات الأداة الأساسية سواء بالنسبة لاكتساب المعارف والمهارات، أو لتوسيع الآفاق الفكرية للمستفيدين من التكوين. فنجاحهم في مسارهم الدراسي، وحظوظهم للاندماج الاجتماعي ، وولوج سوق الشغل مرتبطة بدرجة إتقانهم للغات. من خلال البعدين المتمثلين في "لغة التعليم" و"تعليم اللغات" فرضت مسألة اللغات نفسها على مر السنين كعنصر مركزي في الأزمة التي تعيشها المدرسة المغربية. فكل التقويمات التي أجريت على مستوى كل مراحل النظام أثبتت ضعف الإتقان وانعدام التماسك اللذين يؤديان بدورهما إلى خلق اضطرابات مهمة، ويسهمان في تغيير نوعية التكوين والتعليم المقدمين وفي الزيادة من الهدر.

لم يسمح التوازن غير المستقر بين الرغبة في تعزيز الهوية (الذي كان وراء التعريب ) و ضرورة الانفتاح على الآخر (الذي سيترجم بالإبقاء على تعليم اللغات الأجنبية) بتمكين المدرسة من العمل في ظروف منسجمة مع بيئتها الاجتماعية والثقافية.

بواسطة الاستعاضة التدريجية عن الفرنسية بالعربية في مختلف مراحل النظام التربوي تعمل المدرسة حاليا بالأساس باللغة العربية الفصحى. وتستعمل اللغة العربية المعيارية في النظام التربوي العمومي في التعليم الأساسي والثانوي كلغة للتعليم (أي كوسيلة لتلقين الرياضيات والفيزياء والكيمياء والعلوم الطبيعية والتكنولوجيا والتاريخ والجغرافية والتربية الوطنية والإسلامية). وتدرس العربية كذلك كمادة لغوية عن طريق تعلم النحو والتعبير الكتابي ومهارات القراءة.

غير أن اللغة الفرنسية بقيت بالرغم من تعريب المواد العلمية لغة تدريس المواد التقنية (التعليم الثانوي الصناعي والاقتصادي) والتعليم المهني و في عدد من شعب التعليم العالي التي لم يشمل التعريب فيها إلا التعليم الخاص بالعلوم الإنسانية. وهكذا لم يشمل التعريب التعليم العلمي والتقني في المدارس العليا وفي المعاهد وكليات العلوم ومهن الصحة ومؤسسات التعليم المهن وفي مراكز تكوين أطر وزارة التربية الوطنية التي ما زالت تستعمل اللغة الفرنسية كأداة للتدريس. بالإضافة إلى ذلك  لا تزال الأنظمة التربوية التي خلقتها البعثات الأجنبية تقترح تكوينات يشكل تعليم العربية فيها مكونا غير ذي أهمية. أما القطاع الخاص فبالرغم من استعماله للعربية كلغة لتدريس معظم المواد فإنه في الوقت ذاته يولي أهمية كبيرة للفرنسية واللغات الأجنبية الأخرى.

إن الانقطاعات اللغوية المتتالية التي نصادفها كلما تقدمنا في المسار الدراسي إذا ما قورنت بالمتطلبات الخاصة بسوق العمل تخلق إكراهات يصعب على المستفيدين ومنتوج النظام مواجهتها :

يلاقي تلاميذ التعليم الثانوي الذين يلتحقون بالشعب العلمية والتقنية أو المهنية في التعليم العالي، حيث يتم التدريس باللغة الفرنسية، مصاعب هائلة للاندماج لا تعيرها مؤسسات الاستقبال أي اهتمام ؛

ولا يتوافر لخريجي المسالك المعربة سوى حظوظ هزيلة في الحصول على عمل في مقاولات القطاع الخاص العصرية. فهذه المقاولات تفضل عليهم حاملي الشواهد الذين يتقنون اللغة الفرنسية و اللغات الأجنبية الأخرى.

ومن جهة أخرى، فإن تنفيذ خيار التعريب لم تتم ترجمته عمليا لإتقان المستفيدين للغة العربية .

وسيعمل الانقطاع عن اللغة الأم في المراحل الأولى من التمدرس - ومصاعب التكيف التي تتبعها لدى الأطفال، بالإضافة إلى انعدام الانسجام في تكوينات مدرسي التعليم الأساسي- (التي نجم عن سياسة المغربة، وعن غياب تكوين مستمر يتلاءم مع متطلبات الإصلاحات المتتالية التي أدخلت على النظام التربوي) على إضعاف ملكة استعمال اللغة العربية لدى تلاميذ المراحل الأولى من التعليم بشكل ملموس. وتسود الوضعية نفسها على مستوى التعليم العالي. فالمقررات القديمة والكتب المدرسية التي تمرر ثقافة غير متفتحة على الحداثة ومناهج التعليم المتجاوزة، بالإضافة إلى ميكانزمات تقويم مرتكزة أساسا على الحفظ كلها عناصر تؤثر سلبا على نوعية كتعليم العربية. علاوة على ذلك، فتعليم اللغة العربية يقوم أساسا على تلقين المهارة اللغوية (النحوية) ولا يهتم إلا قليلا بتلقين المهارات التواصلية (الاستعمال السوسيو ثقافي للغة). ويترتب عن ذلك استعمالات تفتقد إلى التنوع وتوظيف اصطناعي يأخذ فيه الشكل الغلبة على المضمون، ويطغى المنحى إلى التكلف واستعمال الرواسم اللغوية على التوظيف الحي والطبيعي الإبداعي للغة.

ومن جهته فتعليم اللغة الفرنسية الذي يسهر عليه مدرسون ينقصهم التأهيل أكثر فأكثر لا يصل إلى النتائج المتوخاة، فبالرغم من الوضع الذي تتميز به في النظام بوصفها "اللغة الأجنبية الأولى". ففي نهاية التعليم الثانوي، يتضح أن معظم التلاميذ، ولا سيما منهم الأدبيين لا يتقنون لا قواعد كتابة الفرنسية ولا قواعد التحدث بها.

بغض النظر عن مستوى جودة التكوين البيداغوجي للمكونين، وانعدام الحافز لديهم، والوضع المتضارب لهذه اللغة داخل النظام، ترجع النواقص المسجلة على مستوى تدريس الفرنسية إلى عوامل متصلة بالخصائص اللغوية والثقافية للبيئة. وينجم عن هذه الأسباب نتائج سوسيو ثقافية مباشرة : تنحصر رقعة الفرنكفونية داخل المجتمع أكثر فأكثر في النخبة الحضرية التي تتوفر على الوسائل لضمان بيئة وتكوين فرنكفونيين جيدين لأطفالهم. (...).


على مستوى آخر وبالنظر إلى الدينامية الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها البلاد، أخذ إتقان اللغة الانجليزية يفرض نفسه أكثر فأكثر كممر إجباري نحو تكوين ممتاز. غير أن المكانة المعطاة لهذه اللغة في المدرسة لا ترقى إلى هذا المستوى. بيد أنه عندما يطلب منهم إبداء رأي بشأن إتقان اللغات الأجنبية التي يتعين على المدرسة أن تضمنه عند التخرج من الثانوي يجمع كافة شركاء وفاعلي النظام على وضع الإنجليزية على قدم المساواة مع الفرنسية في الترتيب.

نموذج الاتصال
NomE-mailMessage