3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

التدبير الجديد للمقاولة والمدرسة (1)

الخط





















الحسن اللحية



 أولا: سسيولوجيا التنظيمات عند فليب بيرنوكس

ينطلق فليب بيرنوكس من التعريف الشائع القائل بأن السسيولوجيا هي دراسة الوقائع الاجتماعية و السسيولوجي هو من يشرع في العمل بملاحظته للحقول متسائلا: كيف نفسر سلوكات الفرد والجماعات في التنظيمات؟. ولاحظه الباحث، وهو المشكل في نظره، لاعقلانية ظاهرة ولا توقعية السلوكات في التنظيمات. رأى، مثلا، أن أصحاب القرار من مستوى عال في المقاولات والعمال غير المؤهلين، أو اليد العاملة الرخيصة، يتخذون قرارات لا عقلانية وتصرفاتهم تطرح المشاكل دائما. فكان همه هو كيف نشرح السلوكات الفردية في التنظيم؟ وكيف لا يقوم الأفراد بالعمل الواجب القيام به؟(1).
لا يمكن، في نظر الباحث، رد كل ذلك إلى المزاج الشخصي أو الرغبات الذاتية، وهي التفسيرات التي كانت رائجة بين المحللين للتنظيمات. وبتعبير آخر ليست السلوكات هنا سلوكات فردية فحسب وإنما هي جماعية كذلك لأنها سلوكات اجتماعية حتى ولو اتخذت وجوها فردية. ففي المقاولات تحديدا لا ينبغي فهم سلوكات للفرد بردها لعلاقته الدائمة بمزاجه وحاجاته ورغباته لأن الجماعة تطرح المقاييس التي يجب على الفرد أن يخضع لها وإلا لم يعد منتميا لها. لا يتعلق الأمر بجوانية الفرد وإنما بالعلاقات القائمة بين ‘فراد الجماعة والمقاييس التي تنتجها الجماعة(2).فالمسألة المطروحة بالذات لا تعود إلى ظاهرة ثقافية تؤثر في السلوكات الفردية بشكل مباشر وإنما عبر ثنايا المؤسسات والتنظيمات مع عدم استبعاد الجنس والعمر وتأثير الأفراد، وهي أمور ينبغي دراستها كاستراتيجيات خاصة(3).
إذن نحن أمام محددات إما فردية كالمزاج والخصائص والسمات الشخصية أو جماعية كالثقافة الإثنية [شعب يعمل لأنه لا يعمل] والعمر والجنس إلخ...، وهي كلها غير كافية لتفسير السلوكات داخل التنظيمات؛ لذلك لماذا لا نتحدث عن التحفيز الفردي والجماعي؟ لأن التحفيز يدفع الأفراد للعمل في استقلالية عن السياق الذي يوجدون فيه؛ بمعنى انطلاقا من حاجاتهم. فالحديث عن التحفيز هو حديث عن التنظيم عوض الأفراد الذين يشكلونه.ورغم ذلك لا يمكن للتحفيز أن يحدد سلوكات الأفراد لأنه ينبغي أن ننظر إلى الفرد في علاقاته بالآخرين.
سيتصرف الفرد وفق مصالحه وما تمنحه إياه المقاولة كالأجر حسب المردودية مثلا، فيبدل بذلك الفرد مجهودات كبيرة. قد تتصرف المجموعة حسب مصالحها وفق النظام الأجري فنكون جماعة تحدد الاستراتيجية الشاملة والتنظيم يعرف استراتيجية منطق الفاعل(4).
يترجم منطق الفاعل في التنظيم بعلاقات السلط المعيشة؛ منها السلط التنظيمية والثقافية المحددة لمقاييس السلوكات:كيف تتغير أو تتبدل هذه المقاييس المحددة للسلوكات؟ هل بالتأثيرات الداخلية ( كتغيير أدوات العمل أو إدخال تكنولوجيات جديدة مما يعني تغيير ثقافة الفاعل) أم بتغيرات الخارجية ( المحيط)؟.
يقترح فليب بيرنوكس، للإجابة على هذه الأسئلة، نماذج تفسيرية مثل النموذح الحتماني الفرداني الذي ينطلق في تفسيره للسلوك من المتغير الذي يحدده محيط الفرد. والنموذج الثاني هو نموذج الواقعية الكلية الذي ينظر للسلوكات كنتاج للبنيات الاجتماعية، وحيث هذه الأخيرة تسم المجتمع في كليته. وأما النموذج الثالث فهو النموذج التفاعلي الذي ينظر للسلوكات والأفعال كأفعال خاصة بالمقاولة تستهدف بلوغ أهداف معينة (5).     
ولتفسير هذه النماذج عاد بيرنوكس للتاريخ مبينا كيف تشكلت في المجتمعات الصناعية بفضل الاكتشافات التقنية تنظيمات لخلق الثروات. وكان المكان الأول الذي تخلق فيه الثروة هو المعمل usine إلا أن المعمل وأوراشه لا يشتغلون من تلقاء نفسهما. وللوقوف على منظورات كل مرحلة في التنظيم الصناعي يقترح فليب بيرنوكس تتبع النماذج التنظيمية الكبرى التالية:
3-      تراكم الرأسمال
سيكون السسيولوجي ماكس فيبر شاهدا على التحولات التي عرفها التطور الصناعي خلال نهاية القرن التاسع عشر؛ ولذلك فإنه فكر في الظروف والعوامل والأسباب المفسرة لها، منطلقا من ملاحظة بسيطة مفادها أن رؤساء (المعامل) أو الزعماء المالكين للثروة لا علاقة لهم بالاقتصاد ولا يحصلون على ما يحصلون عليه بفضل المكانة الاجتماعية، ولكن بفضل عامل الدين، وخاصة المذهب البروتستانتي.
يفسر فيبر هذه الظاهرة بالرأسمالية التي تعني النظام الذي يقوم على المقاولة الصناعية، وحيث الهدف هو تحقيق الحد الأقصى من الأرباح بفضل التنظيم العقلاني للعمل والإنتاج. إنه لقاء بالصدفة بين الرغبة في الربح و النظام العقلاني اللذين يشكلان هذه الظاهرة المتفردة الأصيلة للرأسمالية الغربية(6).
بطبيعة الحال فإن الراغبين في الحصول على الثروة كثر ويوجدون في جميع المجتمعات لكن ليس بالتأمل ولا بالغزو لا بالمغامرة لكن بالعلم.
فما يميز المقاول هي الرغبة في مراكمة ثروة بلاحدود وبلا نهاية. وبهذا المعنى فإن هناك ذهنية وأخلاقا خاصة بالرأسمالي منها رفض المصاريف غير الضرورية وحب الظهور والعمل بلا كلل.إنه يعمل تلبية للدعوة الربانية.
ويرى فيبر أن الدعوة التي تجعل الرأسمالي يعمل بدون كلل ولا ملل تجد أصولها في المذهب الكلفاني. فعلى الإنسان أن يعمل تلبية لنداء الله ولا يجب أن يبذر الأموال تبذيرا حتى يراكم الثروة بأخلاق قاسية وطاهرة وحذرة. ثم إن هذه الرؤية تلتقي بفكرة الفردانية؛ إذ أن كل إنسان سيكون وحيدا أمام الله مما يضعف فكرة الجماعة(7).
ب- ميلاد القيم البورجوازية
تركز اهتمام كارل ماركس على الصراع الدائر حول من يملك وسائل الإنتاج ومن لا يملكها. وكان الاقتصاد في نظره المحدد الوحيد للأنظمة القيمية والدينية والتنظيمية للمجتمع والتاريخ ضرورة؛ أي وجود قانون تاريخي حتمي وضروري للتطور تمر منه المجتمعات.
لا شك أن البورجوازية قلبت النظام الفيودالي السابق الذي لم يعد يستجيب للحاجات الجديدة والأسواق الجديدة.فالمرور من المانفاكتورا إلى الإنتاج الآلي ستكون له انعكاسات على الإنتاج الصناعي مثلما يحدث اليوم مع ظهور أشكال جديدة في الإنتاج.
فالبورجوازية وهي تتطور تعمل على احتواء تناقضاتها، احتواء آخرها الذي هو البروليتاريا خوفا من انقلابها ضدها.لكن كارل ماركس ينطلق من تأكيد ثابت و ضرورة تاريخية وسببية تاريخية كذلك تقول بالتطور الحتمي الذي يجعل الطبقة اللاحقة أكثر تقدما من السابقة، وهي تحمل بذرة موتها بين مناكبها لتبرز طبقة أخرى.وفي حالة البورجوازية يرى ماركس بأن حاجتها إلى مراكمة الرأسمال جعلتها طبقة ثورية بامتياز.
فالبورجوازية نتاج سيرورة تاريخية طويلة. ومن أهم مميزاتها أنها مزقت الروابط المتعددة الألوان التي كانت تجمع الفرد بالسيد في المجتمع الفيودالي لتحل محلها رابطا جديدا بين الإنسان والإنسان يقوم على المصلحة العارية، وهو الرابط البارد؛ فهو رابط جعل الكرامة تابعة لقيمة التبادل؛ وبتعبير ماركس فإنه عوض الاستغلال المقنع بالأوهام الدينية والسياسية جعلت الاستغلال المفتوح المباشر كأساس للثروة. وتتمثل وجوه ثورتها في تغيير وظيفة الطبيب و القانوني والشاعر ورجل الدين ورجل العلم إلى أجراء، واختزلت العائلة في علاقة نقدية بسيطة(8).هكذا تكون البورجوازية قد حولت الأنظمة الاجتماعية والأخلاقية والبنيات لتفسح المجال للمجتمع الصناعي الجديد.
يلاحظ فليب بيرنوكس أن التنظيم الاجتماعي الذي تلا المرحلة الصناعية الأولى كان هشا وغير قادر على استيعاب التحولات لأنه يحتفظ بالنماذج الموروثة عن القرون الوسطى كالجسد الإنساني والتعاقد الاجتماعي. ففي النموذج الأول كان كل فرد يحتل وظيفة خاصة يعرفها جيدا ويتقنها جيدا كذلك. وفي المجتمع هناك من يتكلف بوظيفة الصلاة (القديس، الراهب..) وهناك من يتكلف بالدفاع، وهناك من يتكلف بالتجارة، وآخر بالصناعة التقليدية، وغيره بالفلاحة إلى آخر ذلك. وكان الاعتقاد أن هذا النظام يترجم مشيئة الله حيث لا يمكن تغييرها وإنما الخضوع لها. من جهة ثانية يضمن عدالة الأجر وكل ما يترتب عن ذلك مبرر دينيا.
في حين أن التعاقد الاجتماعي هو محاولة لائكية لم تبلغ مستوى قلب النظام الأول كليا وكانت الإحالة دوما إلى قانون طبيعي ثم إلى نظام اجتماعي لتحديد العلاقات بين المواطنين في الدولة. فالفيلسوف جون لوك (1632-1704) كان يرى أن تناغم القانون الطبيعي و الاجتماعي الموروث يتمثل في وجود الملكية، وخضوع الناس للقانون واجتماعهم البشري في ظل حكومة هو في الأساس من أجل استمرارية الملكية التي يحصل عليها الفرد بالعمل(9).
والملاحظ أن اللبرالية لم تظهر إلا بعد أن ظهر مفهوم الفردانية (ماكس فيبر). ففي السابق لم يكن الإنسان يدرك نفسه إلا كعضو في عرق من الأعراق أو كعضو في المجتمع أو كجزء أو كعضو في عائلة أو تعاونية، لكن هذا المعطى مافتئ سيتغير منذ القرن الثامن عشر بفضل نمو ثقافة الفردانية في المجالات الاجتماعية والدينية والاقتصادية بما فيها المقاولة الخاصة(10).
إنه لمن المهم المقارنة بين ثقافة السوق وكتاب أصل الأنواع لداروين(1859) لاستحضار التطور وإرادة الحياة أو إرادة البقاء.لم تعد تعاليم الكنيسة مجدية ليتضامن المجتمع وليساعد الغني الفقير والقوي الضعيف إلا وفق منظور مصلحي ومنفعي، بل إن مثل هذه الأخلاق ستبدو هي نفسها مناقضة للقيم الفردانية والاجتماعية. فالأقوياء هم الذين يصارعون من أجل البقاء وإنقاذ العرق[الطبقة]. ومن أجل ذلك وجب أن تكون الحرية شاملة (اتركه يعمل). وقد رأى كل من آدم سميث وريكاردو في هذا المبدأ تعميما للعيش الكريم. وبذلك عوضت المصلحة الشخصية التي ينعتها البعض بالأنانية العناية الإلهية(11).
يشار في تاريخ التنظيمات الاجتماعية ومنها الاقتصادية إلى الفيلسوف الإنجليزي جريمي بنتهام كرائد مارس تأثيرا كبيرا على التنظيمات الصناعية. وتقوم رؤيته الفلسفية على استبعاد الألم والرغبة في اللذة. فهناك رغبات تمليها المصلحة الشخصية قد تكون في صالح المجتمع مع مرور الوقت. ثم إن العامل لا يتحمل ازدواجية العمل والمعاناة إلا إذا كان المردود المالي يدفعه ليتجاوز ألم الفاقة(12).
ستعمل هذه الأنانية المستنيرة كمصدر للقانون الأخلاقي في توافق مع الشروط المادية. وفي الآن نفسه سيبدو العمل كضرورة مؤرقة ومؤلمة يعمل الإنسان على الهروب منه.
وأما القرن التاسع عشر فقد عرف ظهور التفكير العلمي في العمل حينما طرح مارسلان برتلوت مشكل العلم والأخلاق (1897) وتطبيقه في تطور المجتمعات. ولا حظ أن العلم يتضمن أخلاقه الخاصة منها النجاعة و قدرته على جعل الإنسان أفضل مما كان. ويرى برتلوت أن العالم لا يتوانى من أجل مضاعفة الثروة والرأسمال الجماعي للشعوب، ولا شئ يدفع للتخوف من التقدم العلمي ومن المستقبل ومن التراكم المستمر للمعارف وغناها النظري والعملي كما هو حاصل في الفلاحة حيث تجوزت الفلاحة التقليدية وتربية الماشية تقليديا إلى تركيب المواد والإضاءة التقليدية عن طريق الكهرباء(13).
هكذا سيكون العلم مصدر سعادة وتقدم في نظر تلك المرحلة الصناعية، لكن هؤلاء المنظرين الأوائل للعلم لم يتساءلوا، في نظر بيرنوكس بما فيه الكفاية، عن تأثيرات الآلات على الفضاء والمحيط والمستعملين والشروط الجديدة لاستعمالها.
إن ما يميز هذه النزعات العلموية للقرن التاسع عشر هو انتصار العقلنة، كما هو الحال مع سان سيمون وأوكست كونت وطبقة المقاولين الجدد الذين فكروا في استعمال الحساب العقلاني، والتقنويون المتصاعدون الذين أدخلوا العقلنة إلى المصانع التي خولت لهم ميلاد سلطة القرار. وقد كان تايلور واحدا من بين هؤلاء المهندسين الذين طبقوا العقلنة في تنظيم الشغل.

 تطور العمل في المقاولة  
 ستكون التايلورية، حسب آلا تورين، مرحلة انتقالية من تنظيم إلى آخر، من بداية المكننة الصناعية إلى عصر الأوتوماتيكية. وبذلك يكون العمل قد خضع لتأثيرات وتحولات أجملها فليب بيرنوكس في ثلاث مراحل هي:
أ- المرحلة الأولى: تبدأ منذ بدايات المرحلة الصناعية، وتقوم على ثلاثة عناصر هي الأداة و يد الصانع والمادة الواجب استعمالها في العمل. وفي الصناعة فإنها هي الآلة- الأداة، هي آلة كونية كان العامل يصدر أحكاما بشأنها تهم مرونتها. وتعلم استعمالها يتم في حالة العمل بها واكتساب المهارة بالتجربة مما يسمح للعامل بتكوين رأسمال بالتجربة لا يمتلكه غيره لأن المهندس الذي يشرف على العمل لا يقول له ماذا يجب عليه أن يفعل. والمهندس بدوره الذي يمتلك سلطة تقنية والمشرف على عدد من العمال تنحصر سلطته في الورش ويكتسب ما يكتسبه من خبرة تقنية بالممارسة تاركا المستعمل وحيدا أمام الآلة(14).
ب- المرحلة الثانية: تتميز هذه المرحلة بالإنتاج المتسلسل لتقطع مع الإنتاج الكلي والشامل والكوني الذي ميز المرحلة الأولى. بدأ تقطيع الإنتاج وفق حلقات متخصصة بآلات متخصصة كذلك لإنتاج منتوج واحد. وبدا ينظر للعامل والعاملة من منظور تخصصي رغم أن التخصص هو تخصص الآلات المستعملة. وقد تعمم هذا النموذج بسرعة كبيرة كما هو الشأن عند رونو(15).
ج- المرحلة الثالثة: صادفت هذه المرحلة وتحت الضغط الاقتصادي في الإنتاج الذي جعلها تنتج بأعداد وافرة وبتسلسل كبير الاكتشاف التقني الأوتوماتكي(معامل فورد1937). وتتميز بتجميع العمليات الموزعة في المرحلة الثانية فأصبحت الآلة تسمى آلة التحويل؛ كل آلة تحول العمل إلى آلة أخرى، والآلة لا تعمل إلا حينما تكون القطعة قد توصلت بها.
لقد كان لهذا التطور تأثيرا على اليد العاملة التي أصبحت تتناقص لصالح اليد العاملة المتخصصة أو اليد العاملة التي تكتفي بالمهام اليدوية مثل شحن الآلات المحولة أو إفراغها وكل عمل غير أوتوماتيكي مثل الحراسة والمراقبة دون مبادرة تذكر(16).

  تايلور والتايلورية
كان لتايلور (1856-1915) تأثيرا كبيرا في مجال تنظيم الشغل. فقد لا حظ أن تقاليد الحرف كانت سيئة لأن العامل يكون (في المرحلة الأولى ) المسؤول عن عمله. كما أن القيادة (الإدارة) تتركه ينظم ويوجه نفسه بنفسه مما يجعله يصدر عن رؤية اختبارية لا علمية.والنتيجة أن العامل يضيع كثيرا من الوقت في التنظيم السيئ.وحينما يرغب رب العمل في الزيادة في الإنتاج يتوجه إلى العامل وهو يعادل بين الزيادة في الإنتاج            والأجر.ولكن على أي أساس يتم ذلك مادام العامل هو الوحيد القادر على تقييم العمل. وقد كان الأجر يتم بتفاوض ووفق عدد القطع المنتجة والزمن الضروري المستغرق في إنتاجها.فإذا قال له المدير عليك أن تعمل أكثر لتربح أكثر لن يتذكر العامل إلا النصف الأخير للجملة وسيعمل على الزيادة في صناعة عدد القطع المنتجة (17).
كان هم تايلور هو القضاء على التنظيم السيئ والتفاوض الخاطئ لتحقيق نتائج لا يمكن الطعن في مصداقيتها؛ وذلك بإيراده لمفهوم التنظيم العلمي للشغل بإدخاله لحساب زمني يعوض الحساب القديم وتفاوضات جديدة أجملها كلها في التحديد العلمي للمهام(18).
يعمل العامل بدون معرفة نظرية ولا دعم سوى تجربته مما يجعله صاحب القرار.وقد رأى تايلور ضرورة وجود تقنيين مؤهلين وما على العمال والميكانكيين سوى التطبيق الحرفي للقرارات التي تصدر عنهم؛ ولذلك وجب أن يحرم العامل من مبادرته أي من هويته(19).وهكذا توصل تايلور إلى ضرورة إعادة تنظيم العمل بالانطلاق من تحليل دقيق مسبق للعمل كله وصولا إلى إعادة تركيب المهام.
إن هدف التنظيم العلمي للعمل هو العقلنة الشاملة.لكن ما هو العلم في نظر تايلورأو كيف يفهم تايلور العلم؟ يجيب قائلا بأن القيادة تتكلف بجمع جميع عناصر المعرفة التقليدية التي كانت في الماضي في ملكية العمال والعمل على ترتيبها وتركيبها واستخلاص قواعد و قوانين و صياغات منها لمساعدة العامل على إتمام عمله اليومي(20).
هكذا سيكون العلم في نظر تايلور هو الترتيب أو التصنيف والصياغة؛ أي ترتيب وصياغة ممارسات العمال، ثم تضاف إلى ذلك المعرفة النظرية لتقنيي المكاتب ووضع تصور لينفذ كل فرد- عامل ما سيقوم به. والحاصل أن هذا العلم الجديد هو علم في الإدارة المرتكز على المنفعة الذي يجعل من العامل أداة منفذة طيعة تقبل الأوامر بدون تردد ولا إبداء الملاحظة: إذا قيل لك اجلس فاجلس، وإذا قيل لك قف فقف، هكذا ستمضي يومك(21). وللعلم التايلوري خاصية الكونية مادمت نفعيته تهدف إلى تغيير العلاقات الإنسانية، وخاصة وأن العامل الجيد هو المنفذ لا الملاحظ أو المجادل.
تتميز التايلورية أو ما يعرف بالتنظيم العلمي للعمل بالخصائص التالية:
أولا: دراسة المعارف التقليدية وتسجيلها وتصنيفها وتحويلها إلى قوانين علمية.
ثانيا: الاختيار العلمي للعمال وفق الدقة في الجودة والمعارف.
ثالثا: تطبيق الرؤية العلمية من طرف العمال.
رابعا: التوزيع المتساوي للعمل بين العمال وأعضاء القيادة(22).
وقد رأى بيرنوكس أن هذه الخصائص تقوم على المنهج التجريبي التالي:
1- الملاحظة
2- التدوين
3- تصنيف الوقائع
4- التحليل
5- استخلاص القوانين المتعلقة بمهارة العمال
يتضح من خلال هذه المبادئ المؤسسة للتايلورية المنحى العقلاني لتنظيم العمل، بل إن التقدم الصناعي لا يمكن اختزاله في التحكم التقني، ولكن في عقلنة تنظيم العمل(23).


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage