3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

مآل المدرسة : التفسير الاقتصادي

الخط















الحسن اللحية

  التفسير الاقتصادي

يرى الباحث الفرنسي دومنيك بليهون أن العالم دخل الثورة الصناعية الثالثة، موضحا أن الرأسمالية مرت بحقب ثلاث هي مرحلة الآلة البخارية و السكك الحديدية والفحم والمعادن(1760-1875) لتصل إلى الكهرباء والبترول (1890-1965)، وأخيرا دخلت عصر البيوتكنولوجيا و التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال.
تعني تكنولوجيا الأعلام والاتصال الهاتف والسمعي-البصري والإعلاميات، ويعود أصل هذا التحول الثالث إلى الحرب العالمية الثانية مع اكتشاف الحاسوب والإعلاميات من قبل الإنجليز، وكان ذلك من أجل فك الرسائل الألمانية السرية، ومن قبل الأمريكان الذين أنتجوا القنبلة الذرية. وما نعيشه حاليا، المتمثل في شبكة الانترنت والإعلاميات، يشكل المرحلة الثانية من هذه الثورة التكنولوجية. في حين قد بدأت مرحلتها الثالثة المتجسدة في قواعد المعطيات التي تشكل بدورها رهانا اقتصاديا كبيرا(1).
تؤثر التكنولوجيات الجديدة، في نظر دومنيك بليهون، في مجموع المجتمع والاقتصاد بالمقارنة مع الثورات السابقة؛ مثلا أثرت الثورات السابقة عميقا في الفلاحة ثم المانيفاكتورا.إن الأمر يشبه السكك الحديدية في القرن التاسع عشر والسيارة في القرن العشرين، وحيث الاستهلاك المعمم للتكنولوجيات الجديدة فإنها حولت حضارتنا بفضل الشبكات العالمية والتكنولوجيا الرقمية.وبذلك ظهر مجتمع جديد تحتل فيه المعلومة والمعارف مكانة هامة.ثم إن تكنولوجيا الإعلام والاتصال ثورة نشيطة عمت النسيج الاقتصادي الاجتماعي كله بدء بالتوزيع والبنك والمالية، وكذا مجالات أخرى كالصحة والتربية والتعليم، حيث انتقل دور الأستاذ من الوقوف أمام السبورة إلى الوقوف أمام جهاز إلكتروني. ومن جهة التلميذ فقد أصبح أمام كم كبير من المعلومات.ثم إن تكنولوجيا الإعلام والاتصال مست مجالات اقتصادية تقليدية وفي الآن نفسه غيرت نماذج البحث العلمي وطرقه وتقنياته.
 وخلاصة القول إن الاقتصاد المبني على المعرفة وجد أساسا تكنولوجيا خاصا به ليتطور أكثر من حيث النجاعة المرتبطة بخزن المعلومات ومعالجتها وتبادلها، ومن حيث إمكانية تطور وتطوير الصناعات الجديدة كتعدد الوسائط التكنولوجية والبرانم والاقتصاد الالكتروني، ومن حيث الدعوة إلى تبني نماذج تنظيمية جديدة واستغلال امكانات جديدة في إنتاج و توزيع المعلومة(2).  
لم يكن قطاع الخدمات يمثل إلا نسبة قليلة خلال القرن التاسع عشر بالمقارنة مع الفلاحة والصناعة، لكنه أضحى يمثل نسبا مهمة مع نهاية القرن العشرين لنصل إلى تلاشي الحدود بين الممتلكات والخدمات.وهو ما يعني ظهور الاقتصاد اللامادي، حيث العلاقة المركزية تقوم بين الإنسان والفكرة والصور (3).لم تعد القيمة كل القيمة للملكية الفيزيائية عوض القدرة على على إعطاء منفذ لأداءات لا مادية، وذلك هو الاقتصاد المسمى باقتصاد المنافذ حسب جريمي ريفكلان (2000)، وهو اقتصاد عوض فيه تبادل الخيرات والممتلكات بنظام للمنافذ مراقب عبر إجراءات عديدة للاستئجار والامتياز وحقوق الولوج و الارتباط.إنه عالم عوض فيه نظام الولوج الملكية، وحل الاستئجار محل الشراء مثل المستهلك الذي لم يعد يشتري السيارة وإنما صار يستأجرها. بل إن التصور للاستهلاك نفسه تغير بالنسبة للمقاولات حتى يتماشى والتغيرات الحاصلة من جراء تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وحيث لم يعد المنتوج المادي إلا كحامل لتوزيع الخدمات وإقامة علاقة خدماتية مستديمة بين الزبون والمقاولة. وهذا ما يفسر بيع المنتوج من قبل المقاولة بأقل من ثمنه الحقيقي كما هو الحال عند الشركات التي تستغل رخص الهواتف النقالة.ثم إن تكنولوجيا الإعلام والاتصال سمحت للمقاولات بتكييف عروضها مع متطلبات الزبناء.إنها ثورة فعلية تجسد الانتقال من الإنتاج الموحد المعمم إلى إنتاج الخادمات النوعية كما يحدث في الابناك مثلا(10). غير أن أهم التحولات الناجمة عن تكنولوجيا الإعلام والاتصال تتجسد في تنظيم المقاولات في شبكات، وذلك ما أثر فعليا في طرق العمل والتنظيم الداخلي للمقاولات.
لقد كان الإنتاج في المقاولات التقليدية يعتمد التسلسل حسب التصور التايلوري، بينما صار في المقاولات التي تنتمي للعالم الصناعي الجديد يقوم على المرونة؛ أي التكيف المستمر مع تطور الطلب على الخدمات الخاصة نتيحة انتشار تكنولوجيا الإعلام والاتصال والتجهيزات المبرمجة والتجديدات التنظيمية. ثم إن المقاولة لم تعد هرمية التنظيم لتأطير آلاف العمال لأنها أصبحت ذات علاقات أفقية. ووفق هذا المنظور انتقلت المقاولة، بفضل تكنولوجيا الإعلام والاتصال، من الهرمية ومركزة المعلومة إلى نموذج تفاعلي تكون فيه المعلومة موزعة بين الجميع. ولذلك يعمل هذا التدبير الجديد على تعبئة جميع الذكاءات لصالح خدمة الحاجات الجديدة للزبناء(5).
هناك داع آخر لفهم ما يحصل في مجال الكفايات يتمثل في تحول المقاولات نحو الرأسمال الفكري، وهو ما يعني أن الرأسمال المادي صار ثانويا. فالمقاولة غيرت النموذج الإنتاجي؛ إذ كان هذا النموذج مع التايلورية استاتيكيا يقوم على أساس التوزيع التقني للعمل، وحيث العلاقة قارة بين الآلات والمنتجات، فإن المقاولات الجديدة تسعى إلى توزيع العمل وفق منطق فكري لأن تكنولوجيا الإعلام والاتصال تلعب دورا أساسيا في هذا التهافت على المعارف.
لقد بدا في هذا العالم الصناعي الجديد أن هناك مصدرين للنجاعة بالنسبة للمقاولة هما الإبداعية التقنية و المهارة التجارية. فالمناصب المخولة للإنتاج مافتئت تتناقص بفعل الاوتوماتيكية وصار الشغل يتمركز حول التصور لإبداع منتجات جديدة وتقنيات إنتاجية جديدة أكثر تنافسية، وحول مهام توزيع تلك المنتجات.
لاشك أن العصر الصناعي الجديد يقوم على تنامي المردودية وتنامي اقتصاد المعرفة، حيث صار الرأسمال الاحتياطي للتربية والتكوين والبحث التنموي والصحة أهم من احتياطي التجهيزات، وهوما يفسر القول بتحول الاقتصاد نحو المعرفة المطبوع بسيرورة الإنتاج والمعالجة ونشر المعارف وكل ذلك أضحى يتم عن طريق الانترنت.
إن خاصيات التكنولوجيات الجديدة واقتصاد المعرفة يقود إلى القول بالنموذج التنافسي المطلق، وذلك ما يطرح مشكلة التحكم في السوق وتنظيمه وتعديله ودور السلط العمومية في الاقتصاد المعاصر. تستعمل المقاولات في هذه الحرب كل الأسلحة الممكنة لبلوغ أهدافها مما يعنى أن المنافسة المطلقة مقيدة بشروط غير شروط المنافسة المطلقة (6).
وما تجب الإشارة إليه أن التكنولوجيات ورؤوس الأموال والخدمات تتجاوز كل الحدود الممكنة للدول وبسهولة لا يمكن تصورها.
لقد مر الاقتصاد من الإقليم والمكان الجغرافي إلى السبير-فضاء.إنها سرعة جديدة يدخلها عالم الاقتصاد منذ نهاية 1970 إلى اليوم، وهي سرعة تتلاءم وسرعة الاستهلاك ، بحث أن المنتجات الالكترونية لبعض الدول لا يتجاوز عمرها الثلاثة أشهر (7)  .لكن ما يهم في التكنولوجيات الجديدة ليس المكان الجغرافي ما إذا كان بعيدا أو قريبا، لكنها سرعة التنفيذ والأداء والتماهي مع سرعة الضوء. فاقتصاد الوقت أهم من أي اقتصاد آخر. والخلاصة أن التكنولوجيات الجديدة جرت معها تحولات كبيرة وعميقة أثرت على المقاولات والاقتصاد والمجتمع. ويجمل دومنك بليهون كل ذلك التأثير فيما يلي:
1- صارت المعرفة عاملا رئيسيا في التنمية.
2- خضعت المقاولات لتحولات عميقة.
3- تسارع النموذج العولمي.
4- تأزم النموذج الاقتصادي التقليدي القائم على التوحيد.
ولم يغفل الكاتب العولمة المالية التي جعلها الوجه الآخر لتكنولوجيا الإعلام والاتصال. وعرفها بالقول كسيرورة على اعتبار أنها سيرورة تربط العلائق والاتصالات بين أسواق رؤوس الأموال على المستوى العالمي، محرضة على ظهور سوق عالمية موحدة للنقود.
ليست العولمة ظاهرة جديدة لأنها تعود إلى القرن الخامس عشر في نظر المؤرخين، لكنها في الاقتصاديين تعود إلى القرن التاسع عشر، حيث ظهور المبادلات التجارية بين أوربا والعالم الجديد الأمريكي.يكنه رد ميلادها الحقيقي إلى 1914-1918 لما انتصرت الرأسمالية عالميا.
ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي ساد الاعتقاد، بعد أزمات اقتصادية كثيرة، بأن الدول ليست في المستوى لتدبر الاقتصاد؛ ولذلك يجب أن تعطي الأولوية للأفراد والمقاولات في التدبير الاقتصادي، ووحده السوق المالي المحرر من القيود قادر على خلق الاستثمار والتنمية.وذلك هو مضمون الأفكار التي تنبني عليها اللبرالية الجديدة (8) التي تستهدف توحيد المكان بربطه بشبكات الاتصال، والزمان بجعله متواصلا ليلا ونهارا.
ولم يغفل المؤلف علاقة الأسواق المالية بالتكنولوجيات الجديدة مثل الحاسوب وشبكات الاتصال والبرانم والإنترنيت إلخ... وما تقوم به هذه التكنولوجيات من معالجة ونقل آلاف المعلومات في أزمنة قياسية، وتقييمها للأثمنة في كل لحظة من اللحظات وتحويل المعلومات ونقلها عالميا.إنها ثورة متبادلة بين تكنولوجيا الإعلام والاتصال والأسواق المالية.كما لا ينبغي أن نغفل، في نظر الكاتب، بأن المالية صناعة تتأسس على معالجة المعلومة؛ لذلك فإن السوق المالية ترتبط ارتباطا كبيرا بالتكنولوجيات الجديد.ولكن كذلك أصبحت أسواق المال تتحكم في سيادة الدول وتزيح رمز عملتها الوطنية كما حصل للمكسيك وكوريا الجنوبية والبرازيل والأرجنتين منذ 1993. فما يحصل من أزمات مالية وطنية يعني فشل السياسات الماكرو-اقتصادية الوطنية وخضوع الدول لاستبداديات الأسواق، حيث صارت البنوك المركزية للدول مستقلة عن السلطة السياسية الوطنية (9) وخاضعة لمتطلبات سوق مالية عالمية.
ويخلص الكاتب دومنيك بليهون في الفصل السادس من كتابه إلى أن تطور التكنولوجيات الجديدة وسيادة القوة المالية العالمية وظهور نظام رأسمالي جديد كلها عوامل ستحدث تحولات عميقة في المجتمع والعلاقات الاجتماعية، وبالتالي ستعرف معها المجتمعات أشكال جديدة من اللامساواة.
فقد سادت في النظام الرأسمالي القديم الفوردية كشكل تنظيمي يتحدد من خلال ثلاث خاصيات هي أولا؛ خاصية تمركز المؤسسات، ثانيا؛ خاصية العلاقات الاجتماعية القارة، ثالثا؛ خاصية القيم الاجتماعية الجماعية القوية. وأما مع مجئ (مجتمع الشبكات)، حسب تعبير السسيولوجي مانويل كاستيل، مع عصر الإعلام فقد أصبحت اللامركزية هي الخاصية المميزة للعلاقات في المقاولة والعائلة والدولة.إنه تحول يتجاوز الهرمية التايلورية ليدخل المجتمع أشكال جديدة من العمل والاستهلاك، محدثا انفجارا في العلاقات الأجرية.
إنه لمن البديهي أن تقوم المنافسة على الجودة و التجديد مما يطرح مسألة تنوع عقود العمل وفردنة الأجور كأمر واقع، أخذا بعين الاعتبار تعدد التأهيلات وتنوعها والاستعدادات والتحفيزات. فقيمة الأجير تظل قائمة فيما يميزه عن الآخرين من أمثاله. وهو ما يفسر تراجع التضامن الطبقي ووحدة العمال. إنها قطيعة عميقة مع التصور القائم على الوحدة (10).
يفيد هذا التحول أن وضع العمل وقانونه قد عرفا تحولات عميقة من عقد لا محدود يرمز إلى الاستقرار إلى المرونة (العقد المحدود المرتبط بالمهمة المحدودة في الزمن).ثم إن شروط العمل بدورها عرفت تحولات وانقلابات ما أن أصبحت المقاولات خاضعة لإعادة التنظيم لتتكيف مع المعطيات الجديدة للرأسمالية الجديدة: العولمة و الإعلاميات وبرانية الإنتاج إلخ...
إن تحول العلاقات الاجتماعية للإنتاج بفضل المنطق الصناعي الجديد والمالي للمقاولات يترجم بضعف موقف العمال؛ فمن جهة أولى اختفى التضامن الاجتماعي بفعل دخول المقاولات في شبكات مما أثر على المفاوضات بين العمال وأرباب الشغل، ثم الإلحاح على مطلب المردودية الدائمة للعمال.وهكذا دخلت الرأسمالية الجديدة مرحلة الرأسملة المالية والبشرية ( تقويم كل فرد على حدة انطلاقا من وظائف معارفه) (11).وقد أفضى هذا الواقع الجديد إلى مايلي:
1- فردنة عقود العمل والتخلي عن البعد الجماعي: يفاوض العامل منفردا رب العمل.
2- الهيمنة القبلية للعقد المقاولاتي على المفاوضات القطاعية والجماعية الذي لايسمح بظهور قوة نقابية.
3- تطور منطق كفايات فردية وتشغيلية لتحل محل منطق التأهيل.
4- التدبير الفردي للحماية الاجتماعية. فنسق الحماية الاجتماعية من الأخطار (العائلة، البطالة، التقاعد..) المؤسسة على التضامن المميز لدولة الرفاه في المرحلة الفوردية عوض بنسق تأميني خاص يقوم على الادخار المالي الفردي.
5- إعطاء الأولوية للفرد على الجماعة ، وللاقتصادي على  الاجتماعي، ولعقد العمل على القانون.وبذلك صار الأجراء مسؤولين فرديا على مسارهم المهني وحمايتهم الاجتماعية.(12).

   
ثانيا: التفسير الماكروسسيولوجي

يرتبط التحول الذي أصاب المدرسة، وبالتالي اللجوء إلى بيداغوجيا الكفايات، بالعلاقة القائمة المباشرة للمدرسة بالعقل الاقتصادي؛ بحيث ليس للمؤسسات من معنى، بما فيها المدرسة، إلا في الخدمات التي يمكن أن تقدمها للمقاولة وللاقتصاد.ولعل شعار"الإنسان المرن" و"العامل المرن" هما المرجعان للبيداغوجيا المثالية الجديدة(13).
 يفسر كرستان لافال العلاقة الجديدة بين المدرسة والعقل الاقتصادي النفعي بردها إلى تحول مضاعف؛ فمن جهة هناك المنافسة العالمية، ومن جهة ثانية هناك الدور الحاسم للتأهيل والمعرفة في تصور الإنتاج وبيع الممتلكات والخدمات(14).فالمنظمات العالمية ترافق الدول في التحرير والخوصصة وتدفع في اتجاه أن تصبح المدرسة رافدا من روافد المنافسة؛ المنافسة الاقتصادية هي منافسة الأنظمة التربوية لأن الرهانات الاستراتيجية تريد أن تجعل من (الموارد البشرية) شيئا مهما وحاسما في المنافسة بين المقاولات العابرة للقارات والاقتصاديات الوطنية.فالمورد البشري مورد اقتصادي والدول المنظوية تحت OCDE تنتظر من أنظمتها التربوية ومختلف برامج التكوين المهني تبني هذه الرؤية الإصلاحية. لذلك اعتبر التكوين الأساسي هدفا اقتصاديا أو نشاطا اقتصاديا ذا تكلفة ومردودية. ولعل هذه الرؤية الاقتصادوية الصرفة جعلت المدرسة تفقد استقلاليتها لتصبح المقاولة مقاولة معلمة ومؤهلة في إطار رؤية تنبني على المرونة(15) .
لقد شكل ظهور المدرسة ومؤسسات التربية بعد العائلة، في حد ذاته، تحولا عميقا بالمقاونة مع ماسبق. واللبرالية الجديدة، الحالية، لا تريد تحويل المدرسة بسرعة كبيرة، بل تعمل على تحيينها، يكفي الرجوع إلى هربرت سبنسر أحد رواد النزعة النفعية في القرن التاسع عشر، وإلى بنيامين فرانكلين، وإلى جون جاك روسو، لنجد أن دور المدرسة والتربية هو تهييئ الفرد لحياة كاملة. وبالاستناد إلى آدام سميث نجد المدرسة تعلم أشياء نافعة، لذلك عليها أن تصغي للطلب الآتي من الكبارأو السوق.
تبلورت هذه الرؤى النفعية واللبرالية عبر مراحل؛ فمنذ 1980 ظهر تصور فرداني وأكثر تسويقي للمدرسة تزامن وانهيار المرحلة الفوردية وتصوراتها للعمل.وقد صار العامل المرن النموذج المثالي للمدرسة والمقاولة معا. يجب على العامل أن يكون قادرا على استعمال التكنولوجيات الجديدة ومبادرا لا ينتظر الإملاءات الفوقية، وذلك هو معنى الاستقلالية.
إن التطورات الحاصلة المجسدة في التبضيع تريد أن تجعل من المدرسة معملا جديدا لإنتاج المعارف: التكوين، التكوين المستمر للعمال. لقد مرت الإنسانية من الإنسان المؤمن، ثم مواطن الدولة، ثم المثقف صاحب المثال الإنساني لتصل إلى التصنيع والتسويق الذي يعين الإنسان ككائن اقتصادي وكفرد خاص. لم نعد نفكر في الإنسان إلا كمورد من بين موارد أخرى، ثم كمستهلك ينبغي إشباع حاجاته (16).
لقد عرفت المدرسة كغيرها من المؤسسات تحولات عميقة في مفاهيمها، وتحويلا في الجهاز المفاهيمي لاستقبال الروح اللبرالية. فالمعجم والفكر التدبيري بدأ ينطبق شيئا فشيئا على التربية في جميع أبعادها، وذلك ما يجعل المؤسسة المدرسية كمقاولة تربوية منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي. ومن بين تلك المفاهيم التدبيرية نجد التعلم مدى الحياة والإنجاز والأداء والكفاية إلخ...
   1- التعلم مدى الحياة        
  هناك جدل دائر بين المدافعين عن التكوين والمدافعين عن التربية حينما طرح مفهوم التكوين للنقاش بمعنى خاص. وأصبح ينظر إلى التعليم المدرسي كتكوين أولي؛ بمعنى أنه تعليم تحضيري للحياة المهنية. والمدرسة بهذا المعنى لا تقدم إلا تراكما بدائيا ومتخلفا يقبل التجديد لأن المقاولة لا تعيد التكوين بالانطلاق من الصفر، بل تطالب بقاعدة من الكفايات الضرورية للعامل المتعدد الأدوار والمرن. وسيكون التكوين موجها وفق أهداف مهنية محضة.إلا أننا لا يمكننا أن ندرك المقصود من التكوين إذا لم نضع بعين الاعتبار بأن المقاولة نفسها أصبحت مقاولة مكونة تبحث عن الجمع بين الإنتاج والتكوين.
يسمح هذا التصور للمقاولة بإعطاء وجهة نظرها في التربية، وإعطائها المشروعية لتتدخل في التكوين الأولي .وهذا ما يفسر إصرار الباترونا على أشكال التواجد والعمل ومختلف وجوه الشخصية.
وبفضل الاستعمال الواسع والخاص للفظ التكوين شاع بين الناس تعبير التعلم مدى الحياة منذ1970 الذي استعادته OCDE مرة ثانية سنة1996.ومنذ ذلك التاريخ أصبح التعبير المتداول والمهيمن في خطابات الجميع.
يفيد اللفظ الاستدراك والتخلي. ويفيد كذلك مسؤولية المواطنين عن تكوينهم الذاتي. إنه إلزام للاستمرار في الحياة : الحكومة الذاتية والتعلم الذاتي من اجل الاستمرار في الحياة الخاضعة للسوق. إنه عود أبدي؛ بداية لا تهدأ ونهاية لا تنتهي؛ هناك تعلم في المنزل وفي العمل وفي المدرسة وفي مقر العمل وفي أماكن الاستراحة واللهو، وعروض التعلم كثيرة ومتنوعة من حيث المضامين والطرق والمستويات.والفرد المسؤول هو الذي يقدر إيجابيات وتكاليف هذه التكوينات غير المؤسساتية. ولكي يكون تكوينه مقبولا عليه أن يتوجه إلى وكالات التوجيه التي تقدم له المعطيات والمعلومات و دقة القرار. وأما دور المدرسين في هذه التكوينات فيتمثل في التوجيه والوصاية و الوساطة.إنهم كاليعسوب يحكمون خلايا المكونين عن بعد.
2- الاستعمال الاستراتيجي للكفايات
يرى كرستان لافال أن الاستعمالات الجديدة للفظ الكفاية لا علاقة لها بالاستعمالات القانونية لرابلي أو إرازم، إنها استعمالات تستهدف، في المقاولة والمدرسة، تدبيرا جديدا للموارد البشرية، وهو استعمال يعيد طرح المهام التقليدية للمدرسة من جديد ونقل المعارف والتكوين الفكري والثقافي بالمعنى الواسع (17).
فالكفاية موضوع نقاشات كثيرة من منظورات متعددة، ومعناها متعدد ( لساني، نفسي-معرفي، واستعمالاتي اجتماعي...) مما قد يوحي بحياد اللفظ وديمقراطيته لما يتعلق الأمر بإجراء الاعتراف بمهارة العمال وأجراة دون إقصائهم لعدم توفرهم على دبلوم معين. والنقابات من جانبها تعترف بذلك. ثم إن الكفاية تعيد ربط المعرفة بالممارسة، وهي بذلك تؤزم الثنائية الصلبة المتمثلة في المجرد/الملموس. وبالقابل فإنها تخضع لأدوات القياس والتقويم والمراقبة لتجعل من اليد العاملة كاحتياطي للكفايات؛ ذلك ما يتبن حينما نجدها مرتبطة أيما ارتباط بالفعل والمهارة والإحالة على المعرفة العملية والقدرة على إنجاز مهمة بمساعدة أداة مادية أو فكرية.وأخيرا ترتبط الكفاية بتحولات العمل مع التكنولوجيات الجديدة ومطلب النجاعة والمرونة في مجتمع المعرفة(18).
وأما على المستوى الاقتصادي والمهني فقد عوضت الكفاية فكرة التأهيل. فقد كان التأهيل، في المجتمع الأجري القديم، يعمل كمقولة اجتماعية ترتبط به مجموعة من الضمانات والحقوق تلعب فيها الدولة دور الوسيط والمالك والضامن.كان التأهيل يتوج بدبلوم للاعتراف بالفرد، أنه مع سيادة السوق والفردانية المتزايدة للعلاقات الاجتماعية دخلت الكفاية هذا الرهان؛ إذ لم يعد الدبلوم محددا للاعتراف لأن رؤساء المقاولات يجعلون من الكفاية أداة تسمح بتحليل دقيق للتشغيلية ومراقبة دائمة لليد العاملة والسيطرة الدقيقة على العمل بدعوى النجاعة والمردودية.
هكذا نكون قد مررنا من نظام كان فيه الحكم على قيمة الفرد من اختصاص مؤسسة عمومية إلى مرحلة حيث التقويم لعبة مرتبطة برهان سوق العمل. وبذلك يكون السوق قد حل محل الدولة (19)، أي عوض إثبات الصلاحية للقيمة الشخصية من طرف الدولة بسوق للقيمة المهنية الأكثر مرونة والأكثر شفافية.
وعلى الرغم من ذلك لا بد من إيجاد معيار عام يجعل الكفاية مرئية تقوم مقام الشهادة المدرسية.لهذا لا بد من إدخال منطق الكفايات إلى المدرسة.إذن على المدرسة أن تمر من منطق المعارف إلى منطق الكفايات  (20) .
3- إيديولوجيا التمهين
لم يعد هناك تناقض كبير بين عالم الاقتصاد والمدرسة لأن الالتباسات القائمة في لغتيهما (اللغة الاقتصادية واللغة المدرسية التربوية) سهلت إدخال إيديولوجيا قوية لجعل المدرسة في خدمة الاقتصاد. وأما المهنية فهي واحدة من بين القواعد الجديدة لنظام المدرسة.يتضح ذلك من خلال جعل جميع المسالك الدراسية تفضي إلى المهنية.
لقد صارت المهنية متخيلا يعيد تأويل كل شئ وفق هدف واحد، وهي ايدولوجيا تعمل على تحويل السياسة التربوية إلى سياسة التكيف مع سوق الشغل مما يفقد المدرسة والجامعة استقلالهما.
قد يبدو ذلك تحديثا ودمقرطة أو تأهيلا للمقاولات، لكن اللجنة الأوربية ترى بأن المدرسة والمقاولة هما معا أمكنة لتحصيل المعرفة المتكاملة ومن الواجب التقريب بينهما.
يبدو أن مهننة الدراسة أمرا لارجعة فيه والنجاح المدرسي لم يعد هو الحصول على شهادة مدرسية وإنما النجاح الاجتماعي والمهني. فمعظم العائلات تدافع عن النجاح المهني والاجتماعي ، فيما يتعلق بالتمدرس، وتدافع عن المهنة الجيدة وهي تتمنى الحصول عن تمدرس كامل.ومن جهة أخرى، وبالنظر لتراكم العاطلين هناك من يجد الفرصة مناسبة لينادي بتقريب المدرسة من المقاولة لأن المدرسة لا تؤهل المتخرجين منها بالشكل الكافي والمناسب لولوج الحياة المهنية(21) والمبررات قائمة لدى المدافعين عن هذا المنظور منها أن المدرسة عاجزة عن الاضطلاع بالتكوين دون اللجوء إلى المقاولة، ومن ثمة أصبح الحديث عن المقاولة المكونة.إنها فكرة ماكرة تريد أن تقنع الجميع بأن المدرسة ليست جزيرة معزولة عن المقاولة والاقتصاد والمجتمع، لذلك وجب القبول بأن تساهم المقاولات في تحديد المحتويات والمناهج التعليمية (22) .
4- المدرسة كسوق
صار من المستحيل في نظر كرستان لافال تصور مؤسسة ما كشئ أوكأداة في متناول الفرد-المستهلك، عوض تصورها كخدمة مقترحة على زبناء.وإذا كانت المدرسة منظورا إليها من خلال هذا المنطق الذي يجعلها مقاولة فإنه بالامكان تفسيرها بلغة اقتصادية.فالملاحظ أن المدرسة دخلت المنطق التسويقي مستعملة تقنيات السوق لجذب الزبناء وكل ما له علاقة بذلك وبثقافة السوق.
 لقد أصبحت المدرسة تتحدث لغة الطلب والعرض المدرسي مودعة المؤسسة المدرسية التي كانت ضرورة سياسية واقتصادية لتصير عرضا يتكيف مع السوق المعممة، ولا تعمل، على مقاومته على الأقل بالنسبة للمدرسة العمومية، ولهذا السبب يرى لافال أن المدرسة أخذت مكانها فيما يسميه في التسويق التربوي (23).
إن هذا التمثل الذي يجعل من التربية علاقة بضائعية يجعلها في الآن نفسه ترجمة للمنظمات المالية الدولية، حيث التربية والتجارة توحدتا في كثير من البلدان بفعل الخوصصة الكاسحة بما فيها خوصصة التعليم نفسه(24).
5- سوق التربية
تعمل اللبرالية الجديدة على تنامي المصالح الخاصة في التعليم والتربية وخلق مكانة للتمويل الخاص.ويظل مفهومها لتحديث المدرسة مقتصرا على المحو المتنامي للحدود بين المجال العام والمجال الخاص حتى يصبح التكوين شغلا.
لا يمكننا تجاهل أن التجهيزات المدرسية في جزء كبير منها تنتمي للسوق: الآت، كتاب مدرسي، كتب، وثائق، كتب التمارين، تجيهيزات من كل صنف إلخ... علما بأن المدرسة توجد في اقتصاد السوق مما يجعل الشباب بالنسبة للمقاولات الكبرى هدفا تجاريا خاصا ينبغي بلوغه عبر استراتيجيات خاصة ونوعية كوسائل الإعلام لتحويل الذهنيات وتنشئتها على استهلاك منتجات معينة (25).
لتبضيع المدرسة وجوه كثيرة منها الرؤية التي تجعل منها معملا لتفريخ اليد العاملة المتكيفة مع حاجات الاقتصاد، وهي علاقة تجعل المقاولة تتدخل مباشرة في المجال البيداغوجي والمحتويات وأشكال التصديق والدبلومات لارتباطها بسوق الشغل.ثم هناك الشركات المحتضنة كماكدونالد أو مكروسفت مثلا لمؤسسات مدرسية معينة. وقد تختلف هذه الشراكات والتوأمات حسب الظروف والأمكنة. لكن أحد كبار المختصين في التسويق الأمريكي الذي هو ألكس مولنار يحدد ثلاث سيناريوهات للتحويل التجاري للمدرسة؛ منها أن الماركتينغ المدرسي لا رجعة فيه مادام التلاميذ والمدارس والعائلات يقتنون المنتجات والبضائع.ثم يرى، وهيالوجه الثاني أن التسويق المدرسي حديث العهد سيمر بأشكال متعددة من التمويل والاحتضان والحضور الاشهاري والبيع الحصري في المدرسة نفسها.وأخير، وهيي المرحلة المتقدمة التي تجعل المدرسة نفسها مقاولة لتسويق منتجات مخصصة لخلق المواصفات تدخل في منافسة كباقي المقاولات الأخرى (26).
يستخلص كرستان لافال من هذه السيناريوهات نوعين من الاستراتيجيات؛ أولهما أن المقاولات ستدخل إلى المجال المدرسي بحجة الإشهار، أوأن المقاولات ستلج عالم التربية والمدرسة لبيع المنتجات. ولما تتحقق الاستراتيجيتان أو احداهما نكون أمام تسويق الفضاء المدرسي.والنوع الثاني من الاستراتيجيات حسب نفس الخلاصة تريد أن تجعل من المدرسة مقاولة منتجة: تسويق الأنشطة التربوية(27).
لا ينبغي تفسير ما يحصل برده إلى عصر الإيديولوجيا الخالصة، بل إلى سيرورة ليبرالية للمبادلات في زمن تطورت فيه التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال على المستوى العالمي، بحيث يسير الاتجاه العالمي نحو جعل الأنظمة التربوية تدخل في تنافس فيما بينها لاكتساح سوق شمولية.ومن هذا المنطلق بدأ تشجيع التبادل الحر وتحفيز يوتوبيا شبكة تربوية واسعة عالمية عابرة للحدود والأوطان.وإن عولمة التربية لا تطال جميع الأسلاك ولا جميع المواد، وإنما المواد التي لها علاقة مباشرة بالأنشطة الاقتصادية(28).وفي حالة ما إذا وجدت عوائق ينصح البنك الدولي بتشجيع القطاع الخاص في التعليم أو تفويت مؤسسات التعليم الرسمية للقطاع الخاص لأنه يرى بان تكلفة التعليم ما تزال ثقيلة بالنسبة للدول، ومن ثمة فإنه يشجع على تعدد تمويله.
يتضح أحد وجوه هذه الخوصصة من خلال مايسمى بالمدرسة الثانية أو تربية الظل مثل الدروس الخصوصية؛ بمعنى متابعة دروس موازية في إطار خاص تحت إشراف مقاولات خاصة.
6- سوق التكنولوجيات الجديدة
 برزت منذ التسعينيات من القرن الماضي سوق تكنولوجية جديدة للاستعمال التربوي في أوربا بينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية سباقة إلى ذلك منذ الثمانينيات من القرن العشرين، وذلك من خلال عقد اتفاقيات بين الثانويات والشركات الكبرى كميكروسفت مثلا، فكان من نتائج ذلك تهافت الشركات على المدارس (29).وأما في أوربا فقد بدأ التفكير في الشراكات وتشجيع البحث المتعلق بالبرانم التربوية والتعليم عن بعد إلخ....
يترافق ظهور سوق التكنولوجيات الجديدة التربوية مع خطاب بيداغوجي يعلن عن نهاية الأستاذ: موت الأستاذ، كما أعلن عن ذلك لويس روسوتو مدير مجلة Wired الذي يرى بأن التكنولوجيات التربوية على الويب تخلص الأطفال من عبودية الأقسام والمدرسة (30).
لا ينظر إلى الإعلاميات والانترنت كأشياء وموضوعات تقنية ينبغي تعلمها وفهمها ولا كأدوات (معينات تربوية) تساعد على التعلم، وإنما كرافعة تعمل على التغيير الرادكالي للمدرسة والبيداغوجيا.
إن جعل الأستاذ كوصي وموجه ومرشد ومنشط ومرافق للتلاميذ في بحثهم الشخصي والتمارين الجماعية والموجه عن طريق الإعلاميات يسمح بتبرير الاقتناء الواسع للتجهيزات التكنولوجية. ويعني ذلك أن التربية ستصير سوقا صناعية.وحسب منظري هذه السوق فإنها الأكثر مردودية المشار إليها بالثقافة الجديدة للمدرسة التي يبنيها التلميذ بالمحاولات التجريبية، وهو انتصار للبنائية البيداغوجية، حيث التلميذ يبني معرفته الخاصة.وقد تعالت أصوات المتطرفين لتنادي بإلغاء المدرسة جملة وتفصيلا تحقيقا لتكافؤ الفرص والتخلص من سلطة المدرسة بالذات، حيث سيتابع التلميذ والطالب دروسه في المنزل وفق إيقاعه الخاص. كما يمكنه أن يمدد هذا التكوين طيلة حياته.وأما الأستاذ فسيعوض بدوره بخانات افتراضية أكثر نجاعة(31) من حيث المراقبة والتقويم.
 يسمح هذا التصور بإقامة عولمة تربوية مباشرة قائمة على بيع المنتجات التربوية تشبه الأسواق العالمية الممتازة للتكوينات المباشرة تكون المرونة أساسها في التكوين وعالمية الطلب والعرض.
 يلاحظ كرستان لافال أن جميع النظريات تتأسس على حكم مسبق يتمثل في سيادة المستهلك المدعو لاختيار، بكل حرية، المنتجات، لكن ما هذا الاستهلاك؟ وماهذه المؤسسة المدرسية التي ستعمل على تلبية حاجة المستهلك؟ وما طبيعة المعلومة الضرورية للاختيار؟ وهل يعرف المستهلك المنعزل ماهو ضروري بالنسبة إليه؟ وهل يتوفر على الوسائل الضرورية ليعرف نتائج اختياراته على المدى البعيد؟ تريد السلطات العمومية توفير المعلومة بالمقابل حسب المنطق القائل بأن الزبون-ملك. لكن اعتبار التربية، حسب لافال، كملك خاص يمكن أن يتملكه الفرد يفترض كثيرا من اللاواقعية لأن الألفاظ الاقتصادية تستعمل بكثير من الاستعارة في مجالي العرض والطلب في التربية لأن المستهلكين ليسوا لا متساويين ولا أحرارا، خاصة وأن المؤسسات الجيدة باهظة التكاليف والمنتوجات أو العروض المطروحة في السوق عادية. وهكذا فإن سوق التربية سوق انتقائي لا يخلو من خطابة منظري اللبرالية الجديدة(32) .
يستند منظرو سوق التربية في دعواهم التسويقية إلى النجاعة، مستحضرين ما قاله آدام سميث يوما الداعي إلى أن الدولة عليها أن تمول جزء هاما من تربية أبناء الفقراء، وتلك هي وسيلة التجديد للاستجابة للطلب من أجل التجديد حتى تصير المدرسة مرنة مجددة مقتضية بالمقاولة. 
يتداول اليوم لفظ تحديث المدرسة في تزامن مع الإصلاحات الجارية، وهو لفظ لا يخلو من بلاغة صراعية لتفادي النقد، وخاصة إذا ما علمنا أن الحداثة تفيد من بين ما تفيده التقدم والتجديد والإصلاح والتكيف مع الحياة المعاصرة إلخ...، وحيث من السهولة بما كان تعبئة الناس من أجل ذلك.
لكن لفظ الحداثة ليس محايدا كما يريده المدافعون عن الإصلاح. كانت الحداثة في الستينيات تكسيرا للتقاليد، وفعل التحديث: حدث، يفيد البحث عن النجاعة في التنظيمات والمؤسسات لترقى إلى مستوى الإنتاجية.
يجب أن نتذكر بأن المدرسة كانت دوما موضوع سيرورة عقلانية مستمرة على جميع المستويات لتصل إلى افتراض معرفة ماهي النجاعة في التعليم. كما أن طبيعة النجاعة لها علاقة بالغايات المتبعة. ومهما تكن الاعتبارات فإن وظيفة المدرسة هي نقل المعرفة والمقاربات التي ترى فيها انعدام النجاعة المجسدة في الشغل والتكيف مع المقاولات إلخ... وهذا ما يعني أن النجاعة منتوج علاقات اجتماعية.
يحدد الاقتصاد اليوم النجاعة المرغوب فيها.ومن تم كان الخلط بين نجاعة التعليم والقدرة على المردودية والأداءefficience في الاقتصاد التي تحيل على نتائج مرقمة. ثم إن موضوع التجديد عرف بدوره رواجا كبيرا منذ الثمانينيات من القرن الماضي:تجديد المدرسة.فانخرطت الأذهان المجددة وأصحاب النيات الحسنة المناضلة وهي تغض الطرف عن مطالب النجاعة والمنافسة الاقتصاديين المعتبرين كخلفية أساسية للتجديد.
إن إيديولوجيا التجديد هي نتيجة فقر الأوهام التقدمية لليسار السياسي والبيداغوجي الذي لا يتساءل عن ماهية هذه الايديولوجيا وما إذا كانت تقدمية، كما يعتقد، في دواعيها ونتائجها(33). والتجديد الملوح به من جهة التكنولوجيا والبيداغوجيا يقدم كتحسين قوي وناجع لما كان سائدا.لهذا السبب ينظر إلى الفكر التدبيري للتجديد كهدف في حد ذاته، كموضوع تدبيري خاص يلتقي حوله الإداري والخبير والبيداغوجي، مما يجعل المدرسة خاضعة لمقاييس أخرى لا تختلف عن مقاييس المقاولة والمنافسة.
يحيل التجديد على ميتافيزيقا المطلق. بالتجديد ستحل مشاكل المدرسة كلها لو اتبعت في ذلك نموذج المقاولة بإدخال الآلات الجديدة وتدبير جديد من أجل النجاعة والتكيف مع السوق والإنتاجية والمردودية. هكذا تكون التكنولوجيات الجديدة المحرك الأساسي لتحويل المدرسة في أشكالها ومضامينها باسم مجتمع المعرفة والإعلام.
لن تعود المدرسة فضاء عاما للتربية والتكوين الفكري وإنما مكانا للانتقاء وتخزين المعلومات ومعالجتها بفضل التكنولوحيا التي لا تملي فقط أشكال التعلم الجديدة وإنما تملي أشكال التفكير الجديدة المتمثلة في القيام بفعل ما والتواصل الافتراضي كامتداد للمحيط المهني والمقاولاتي(34) لأن الإبداع والمعالجة ونقل المعلومة صارت المصادر الأولى للإنتاجية.
لقد أصبحت المدرسة أمام غموض واضح وهي تتبنى الكفايات، غموض يتجلى في معجمها و اصطلاحاتها ومفاهيمها، مثلما يحصل أثناء الحديث عن المعلومات والمعارف، والتواصل والتأمل والتفكير.
إن التكنولوجيات الجديدة تجعل حدا للعلاقة القائمة بين الأستاذ والتلاميذ؛ منذ اليوم لا وجود لدينامية الجماعة ولا يمكن أن يكون الأستاذ أمام التلاميذ، ذلك ما تأكد في أحد تقارير طاولة المصنعين الأوربيين الذي ينص على تحويل فضاء القسم عن طريق التكنولوجيات الجديدة.
7- اللامركزية
من بين المفاتيح التي تحدد الشكل الجديد للمدرسة مفتاح التعددية في مقابل الوحدة.هذا ما يلاحظ مع الإصلاح الجديد الذي أعطى حرية كبيرة أو لنقل استقلالية كبرى للمؤسسات على المستوى المالي والبيداغوجي والإداري.
تستجيب اللامركزية لخطاب اليسار من حيث إشراك الفاعلين المحليين وميلاد ديمقراطية القرب وتقريب القرار من المواطنين. فالمواطن هو الفاعل والمستعمل والمساهم والناخب إلخ...لكن ما يحصل في لامركزية التربية في عصر اللبرالية الجديدة يستهدف أمورا أخرى مادامت التربية قد صارت عاملا اقتصاديا والمدرسة مقاولة مافتئت تفقد كل يوم مثالها التكويني والتربوي وتهجر قيم المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين، بل تفقد نموذج المؤسسة الوطنية العمومية.

إن الانتقادات الموجهة للمركزية كثيرة للغاية من طرف اليمين واليسار، ومن طرف البيداغوجيين والتربويين وأصحاب النزعات الجهوية والمحلية، لكن الجهوية المقصودة هنا مختلفة لأن إصلاح المدرسة سيصير قضية تنظيم مدرسي معزولا عن إشكالات الوطنية والثقافات المحلية التي ستعمل بموجبه الدولة على رسم الخطوط العامة والأهداف البعيدة وتحديدها وتحتفظ بالتوظيف وتنظيم وتكوين "الموارد البشرية" وتترك الباقي.وسيكون الهامش متعددا ومتنوعا مساهما في التمويل ورسم السياسات المحلية وفق متطلبات السوق ومطالب الممولين الجدد. وتحت غطاء إنهاء المركزة وصد البيروقراطية سيكون التدبير الجديد للمدرسة شبيها بالتدبير المقاولاتي لأن الهدف المركزي هو أن تصير المدرسة آلة ناجعة في خدمة المنافسة الاقتصادية عبر تحرير المبادرات الفردية وخلق الشراكات وإدماج المقاولات في التسيير والتدبير والمحتويات والطرق البيداغوجية.
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage