3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

سوسيولوجيا التربية - قضايا في سوسيولوجيا التربية- (2)

الخط


















إعداد: الحسن اللحية

ثالثا: الانفجار الديمغرافي والمطالبة بتعميم التمدرس
إذا ما حاولنا، في نظر محمد الشرقاوي،  ترتيب المشاكل التي يواجهها أصحاب سوسيولوجيا التربية حسب الأهمية فإننا سنضع أولا توسيع النظام التعليمي كقضية حضيت بالدراسات الكثيرة. فهذا التوسع شامل ودولي. ومهما اختلف مستوى تطور الدول فإن جميع الدول قامت بتجربة لم يسبق لها مثيل في ما يخص تغيير الديمغرافية المدرسية.
تؤكد نشرات اليونيسكو الإحصائية على ارتفاع عدد المسجلين بالمؤسسات التعليمية في الابتدائي والثانوي والعالي، و يبقى التساؤل مطروحا: هل هذا التطور والارتفاع في نسب الملتحقين بالنظام التعليمي يتبع نفس المنحنى أو أنه يتغير ويتنوع حسب الدول والمجموعات السياسية والاقتصادية؟.
إن تطور أعداد التلاميذ نشأ عن عدد كبير من العوامل التي يجب توضيحها في نظر الباحث محمد الشرقاوي.
إن تحليل المعطيات المفسرة لتوسع الأنظمة التعليمية يتم حسب نموذجين هما النموذج الأسي exporentiel والنموذج اللوحيستيكي من جهة، ومن جهة ثانية تحاول بعض النظريات تفسير انتشار الأنظمة التعليمية بالدور المؤثر للدولة أو أكثر تعميما بالمتغيرات السياسية.فالإشراك السياسي للمواطن يستلزم حد أدنى من التربية؛ وبذلك تصبح التربية آلية مساهمة بفعالية في الاندماج الوطني خصوصا عندما يتعلق الأمر بالدولة . ثم إن الحصول على الشهادات يسمح بدخول الأفراد أو المجموعات في المنافسة من أجل الأماكن المحدثة، وهذا الأمر يحدث، خاصة، في الدول الحديثة العهد بالاستقلال.
يستنتج الباحث أن المجتمعات غير المستقلة تشهد ارتفاعا بطيئا أو أقل حدة بالنسبة لأعداد المتمدرسين مقارنة بالدول المستقلة .
وفي الأخير فإن تطور قدرة أو قوة الدولة التي إحدى مميزاتها الأساسية هي المركزية ستكون مرتبطة بتوسع الأنظمة التعليمية . وبهذا الاحتكار التدريجي للتربية سوف تقلص الدولة من استقلالية النظام المدرسي.
هناك عوامل أخرى ساهمت في انتشار التمدرس منها علاقة التربية بالتطور الاقتصادي وسوق الشغل و المستوى الثقافي للفرد له علاقة بالمدخول و نمو الانتاج وعلاقته بالتربية.

رابعا: التنشئة الاجتماعية
يعود مفهوم التنشئة الاجتماعية في الأصل إلى السوسيولوجي الفرنسي إميل دوركايم. لا شك مفهوم التنشئة الاجتماعية  كان حاضرا في الأدبيات الاجتماعية الالمانية في أواخر القرن 19 – لدى زيمل خاصة – إلا أنه لم يكن موضوع تأطير داخل نسق نظري كما هو الحال في كتابات عالم الاجتماع الفرنسي، بل وأكثر من ذلك فإن الفكرة التي مفادها أن المدرسة أصبحت عامل تنشئة بامتياز في المجتمعات الحديثة هي نتاج الفكر الدوركايمي.
يفسر دوركايم بأن المدرسة إذا كانت تكتسب شيئا فشيئا الأهمية في نشر الثقافة والتمايز الاجتماعي فإن ذلك راجع إلى أفول المؤسسات التقليدية كالدين والأسرة . تعني التنشئة الاجتماعية التغيير، وعلى المستوى المثالي هي تحويل شخص من كائن غير اجتماعي إلى كائن اجتماعي بتلقينه أنساق تفكير ومعتقدات وتقاليد وقيم أخلاقية مهنية أو طبقية حيث البعض منها غير قابل للمراجعة، وأخرى، على العكس من ذلك، تتغير تبعا للتجارب المكتسبة والحالة المعيشة للفرد أو الأسرة.
يفترض هذا التعريف للتنشئة الاجتماعية الماقبل والمابعد في تاريخ الأفراد، وأسبقية الاجتماعي على الفردي، وممارسة الاكراهات وتوزيع السلطة. وأخير حضور بعض الأهداف كإدماج الأفراد في المجموعات الإيديولوجية أو المعرفية.
إن هذا التعريف لا يقصي لا مقاومة ولا فشل المراقبة الاجتماعية للافراد من طرف المؤسسة المدرسية؛ ولهذا يرتبط هذا التعريف بالانتقاء. فالتنشئة الاجتماعية والانتقاء هما وجهان لواقع واحد. ما هي خطوطهما العريضة؟ وكيف يتغيران بتغيير الشرائح الاجتماعية والمدرسية والمشاريع الفردية وإلى أي حد تؤثر التنشئة في النجاح المدرسي؟...إلخ.

خامسا: الانتقاء
كل مؤسسة كيف ماكانت، في نظر الباحث محمد الشرقاوي، هي، في نفس الوقت، مؤسسة للانتقاء وإوالية توحيد، مثلا تنقل الأسرة إلى أبنائها إرثها الجينيتيكي والاجتماعي والثقافي.
فكل مجموعة تمييزها علاقات حميمية وشعور بالتماسك بين الأفراد والتكافل القوي وتجانس ثقافي كبير للمعايير والقيم المشتركة بين الأفراد المكونة لها هي إذن مجموعة أولية بامتياز وهكذا فهي توحد، إلا أنها تعطي مكانة خاصة لبعض الأفراد حسب الصحة والجنس ومكانتهم بين إخوتهم. وبإيجاز فالأسرة هي عامل انتقاء.
وإذا كان التناقض ينخر عظام الجماعة الأولية بامتياز فليس من المدهش أن نلاحظه في الجماعة الثانوية كالمدرسة.
توحد المدرسة عن طريق التنشئة الاجتماعية وتفرق من خلال الانتقاء وباعتبارها توسط أخلاقي منظم على حد تعبير دوركايم فإنها تصقل هوية التلميذ بطريقتين؛ من جهة أولى، بتقليد بشكل جماعي وبدون تمايز مجموعة من الأفكار والسلوكات والقيم المشتركة ، ومن جهة أخرى من خلال محاولة تحويل الفرد وأنساق تفكيره و وجهة نظره جذريا في الحياة. إذن، فالتنشئة الاجتماعية تعني نشر المضامين كما هي تجسيد للبنيات.
من بين وظائف المدرسة، في نظر باحثنا، خلق النظام أو على الأقل المساهمة فيه مع باقي المؤسسات الأخرى. وزيادة على ذلك فهي تفترض بأن الفرد هو في نفس الوقت سلبي وقابل للتغيير كقطعة شمع.
يرى بعض علماء الاجتماع والسياسة أن القيم لا ترتبط بأية إرادة خاصة وبفضل نشرهم هاته القيم يحصل التوافق الاجتماعي، وحسب البعض الآخر فإن النظام مفروض من طرف جماعات مهيمنة.
نلاحظ وجود علاقات بين نوع التنشئة الاجتماعية والبنية الاجتماعية. يتفق مجموعة من علماء الاجتماع والمؤرخون على ميلاده هذا البعد الأساسي في التنشئة الاجتماعية في أواخر القرن 15م، وانطلاقا من هذا التاريخ لم يعد يتحدد الفرد من خلال علاقته مع مجموعة أو نظام مثلا، فهو قائم بذاته على الاقل في الجانب التطبيقي، وفي نسق من التمثلات لبعض الطبقات الاجتماعية، وفي هذا المنظور نلاحظ تشابها كبيرا بين التنشئة الاجتماعية الأسرية والتنشئة الاجتماعية المدرسية ومن جهة أخرى نلاحظ تواجد علاقة عضوية بين هاتين التنشئتين وتطور المجتمع الرأسمالي.
ففي المجال التربوي تصبح المناقشة الإطار السائد في العلاقات بين الأفراد لهذا نرى نظام الجوائز والمباريات داخل المؤسسات التربوية، وبذلك تترجم المدرسة القواعد التي يقوم بها المجتمع وتتمم هوية الفرد، لكنها إذا كانت توحد من خلال ترسيخ النظام التعبيري فهي تفرق من خلال الانتقاء.
إن المدرسة تفرق وتذيع النظام الآلي الذي يعتمد على مجموعة من الظواهر والوسائل التطبيقية من أجل اكتساب كفايات علمية وتقنية وأدبية.
إن هذا النظام ينتمي إلى مجال القياس أي قياس مدى التمكن من المعرفة ومهارة الإنجاز من خلال مناهج موضوعية. إن هذه العملية تقود إلى تراتبية الأفراد.
إن التراتبية داخل الفصل الدراسي مرتبطة ومقيدة بالمميزات النفسية والاجتماعية كالسن والجنس أو الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها التلميذ، فكلما ركزنا على النظام الآلي كليا انخفضت أهمية النظام التعبيري والعكس صحيح وكلما اهتمت الثقافة المدرسية بالاختبارات وشغلت آلية التوزيع والانتقاء كلما انخفضت قدرة القيم التوافقية.
تتغير هذه العلاقة من الحضانة إلى الجامعة، كما أن التحولات التي تعرفها لا تتيح بالضرورة التطور الخطي، وهكذا يهيمن في المدرسة الابتدائية النظام الآلي بشكل كبير في دروس أكثر من الأقسام التحضيرية، وفي دروس المتوسط الثاني أكثر مما هو مهيمن في دروس الأقسام الأساسية.
إن الشعور بالانتماء لجماعة مدرسية والإحساس بالوفاء اتجاهها هو أكثر حدث داخل بعض الفصول المدرسية حيث الانقسامات والاختلافات تقريبا غائبة على عكس فصول أخرى حيث التراتبيات واضحة للجميع.

سادسا: المعرفة المدرسية
يبدو لنا الأمر متناقضا اذ ما قمنا بربط الانقسامات المدرسية، في نظر الباحث محمد الشرقاوي، بالمعرفة التي ليست في الظاهر سوى ترجمة للكتب و المعارف الموضوعية. لكن تبقى المسلمة الضمنية التي من خلالها تصبح المعرفة التي تنشرها المدرسة محايدة لكنها تؤدي إلى تراتبية التلاميذ. فمند عقدين زمنيين، فقط، قطع البحث السوسيولوجي الصلة مع هذه الفرضية وأضحى يحلل المعرفة المدرسية كتنظيم وكسيرورة للاندماج الاجتماعي والفكري، وكرهان للصرعات بين المجموعات.
إن المعارف المنشورة من طرف المدرسة هي مدروسة سواء كنظام مستقل عن السلطة والسياسة ومجموعات الضغط أو الابستيمولوجية المهيمنة أو كثقافة بإمكانها تحديد النماذج وأنساق التفكير.


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage