3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

قصة: شاي وبرودة وحرقة

الخط








مصطفى لمودن 
مدرس

كنت خارجا لتوي من المنزل، بعدما ارتديت معطفا ثقيلا، أحتفظ به لأعوام، ولا أستعمله إلا بضعة أسابيع لما يبرد الطقس كثيرا، ويتجمد الماء على جنبات الرصيف، وتنكمش أصابع يداي وتكاد تفقد دفق الحياة.. فإذا بي التقي صديقا كنت قد تعرفت عليه قبل بضعة أعوام فقط، وقد تمتنت علاقتنا فيما يشبه الألفة المتبادلة، دائما أرى فيه جانبا مني، أو طرفا يخصني.. كأنه مرآة تعكس هذا الجزء الذي أحسه.. 
بدوره يرتدي اليوم معطفا شتويا أسود، هو أطول مني قليلا، أضطر لرفع نظري كي اقرأ ملامح وجهه ونحن نتمشى في الطريق... جبهته اتسعت إلى الخلف قليلا، بفعل تساقط الشعر، أقول له عن ذلك؛ في غضون عقد من الزمن ستتوفر على صلعة معتبرة!.. يضع يده على رأسه، ويتحسس المكان الذي افتقد الشعر، يبتسم، ولا ينبس بكلمة.. لكنه، مرة تأمل رأسي، وحاول أن يرد "الصاع صاعين"! فقال:" وأنت خلال بضع سنوات سيغطي رأسك الثلج، وتسيل عين ماء من انفك!". حينها تحسست بجيبي علبة المناديل الورقية. ولما رجعت إلى المنزل تأكدت فعلا من غزو الشيب لرأسي بشكل لا لبس فيه..
حتى اليوم كذلك يتأبط صديقي كتبا؛ رأيت كتابين ودفترا، وقد وضعهما بين جريدة نصف مطوية.. صديقي هذا مهووس بالقراءة والكتابة، لا يمكن أن أجده بدون أن يكون منهمكا في القراءة أو حاملا شيء مقروءا، أو متوجها إلى مكان لاقتناء ما سيقرأ.. وفي نفس الوقت لصديقي هذا خاصية أخرى يتميز بها، حيث إنه يكتب، ينشر أحيانا على جرائد ومجلات، ولكن الأهم، هو أنه أصدر لحد الآن أربعة كتب، واحد في النقد الأدبي، والباقي في السرد. باستمرار يقول لي إنه لن يتوقف عن الكتابة، رغم أنه هو من يتكلف بطبع كتبه، ويقوم بتوزيعها، ويشتكي باستمرار من ضعف القراءة عند الشعب، وأن كتبه لا تجد من يقتنيها.. لهذا تبقى مركونة في منزله إلى أجل غير محدد.. 
ونحن في طريقنا اليوم، قال لي إنه منهمك في كتابة رواية، وينتظر أن تجد إقبالا من طرف المهتمين وعموم القراء.. وعلى أي فهو يراكم كما يؤكد ذلك بنفسه، وسيأتي اليوم الذي يقع الاعتراف فيه بقدراته الأدبية والنقدية حسب إيمانه العميق بذلك.. 
رافقته برغبة منه إلى مقهاه المفضل، دخلنا، اختار مكانا منزويا في ركن المقهى حيث واجهة زجاجية تطل على حركة الشارع الدؤوبة.. وضع محمولاته على الطاولة وألقى بجسده على كرسي مجاور، وطلب مني أن أجلس... اعتذرت، قلت له ما تزال تنتظرني جولة عليّ القيام بها.. 
كنت راغبا في رشف الشاي، لكن المقاهي لا تحسن صنعه، رغم توصية النادل والإلحاح عليه، يأتيك بشاي ليس له طعم أو مذاق.. 
خرجت من المقهى، وقد ازدادت رغبتي في شرب شاي أصيل ينعش الجسد في هذا الطقس البارد.. 
لم يخطر في بالي حينه غير صديق قديم في حي شعبي غرب المدينة، كنت أقطن نفس الحي قبل أن أحصل على وظيف، وانتقل إلى السكن في حي جديد بالجهة الشرقي من المدينة.. صديقي القديم هذا يكبرني بعقدين على الأقل، كنا جيرانا، كان منزل أسرتي بزقاق ضيق، صديقي هذا يمر أمام باب منزلنا قبل أن يصل إلى داره، كان يحلو له السمر، ورغم فارق السن كان يجلس معنا نحن بضعة من شباب الحي، يحكي كثيرا ويستمع قليلا، ولا يكف عن إطلاق النكات والضحكات المجلجلة.. اسمه المفضل، لكن يطلق عليه معارفه لقب "الفضولي"، لأنه ظل دائما لا يجد أدنى حرج في أن يكون أحد جماعة كيفما كان نوع أفرادها. 
ولعل الحرفة التي يمتهنها تساعده على ذلك، أو تفرض عليه التعامل مع الجميع، له محل صغير بمدخل الحي، فيه يصلح الأواني المنزلية، من غلالي وأباريق وصواني.. ولهذا أضاف كل من يعرفه إلى لقبه اسم "الكواي"، فأصبح "الكواي الفضولي"، أو "الفضولي الكواي"، أما أنا فأحرص على مناداته بسي المفضل، فضله ظاهر على الجميع، وعلى كل الأواني التي يصلحها، وهو يتقن عمله إلى درجة مبهرة، يمكن أن يصنع قاعا جديدا لطنجرة أو غلاية احترقت أو اهترأت، كم من مرة كنت شاهدا على ذلك، وعبرت له عن إعجابي، فيخرج من رُكـْنةٍ بجانبه آخرَ ما أصلح من أواني نحاسية أو فضية أو ألمينيومية، ويصر على أن ألمسها وأقلبها.. 
بجانب صديقي سي المفضل موقد على الأرض، في غالب الأحيان يكون موقدا، يستعمل لذلك قطعا من الفاخر (الفحم الحطبي)، فهو يحتاج إلى الحرارة المرتفعة ليذيب لدائن معدنية، يغلق بها أثقاب الأواني.. 
ما يهمني الآن من هذه الجمرات الملتهبة، هو إبريق الشاي الحديدي، حينما يوضع فوق الجمر ويطبخ على مهل شايا رفيعا، لا تجد مشقة في الوصول إليه ولو من بعيد، ولترشف منه قطرات، تكفي لتنعش جسدا بكامله.. 
إنها مناسبة إذا لأزور صديقا قديما، وألقي نظرة على حيي السابق.. 
وجدت سي المفضل منكمشا بداخل دكانه الصغير، مازال كل شيء كما هو، إلا النقص الواضح في الأواني، التي لم تعد كما كانت سابقا؛ منها التي تنتظر دورها للإصلاح، ومنها المعلقة، ومنها المركونة جانبا.. اسودت جدران وأرضية الدكان أكثر، وعلا الغبار كل شبر فيه، وسي المفضل في جلابته الرمادية، وهو بذلك جزء لا يتجزأ من عالمه الصغير هذا، وقد ظهرت عليه علامات الشيخوخة، وأصبحت حركاته بطيئة. 
سلمت، رحب (هو) بحرارة لا يشوبها أي تصنع، فسح لي موضعا بجانبه، ألقيت نظرة على الموقد، يغطيه الرماد وبقايا قطع صغيرة من الفحم.. 
عالجني بسؤال آني كنت أنتظره: 
ـ " أين غبت؟ لم نرك منذ مدة طويلة". 
بماذا عساي أجيب؟ أشعر أنني جد مفرط في علاقاتي الإنسانية السابقة مع أناس كثيرين، منهم سي المفضل هذا وآخرين.. أثارني في سؤاله كذلك حديثه باسم الجميع؛ "لم نرك منذ مدة طويلة"، فهو لا يتحدث عن نفسه فقط، ربما يقصد سكان الحي أجمعين، أو بقية الأصدقاء الآخرين، أو على الأقل يشير إلى أعضاء أسرته.. كانت لي علاقة وطيدة بكل فرد منها، وليس بأسرة سي المفضل وحده، بل بجميع من يقطن الزقاق، كنا كعائلة واحدة.. 
غير أنني في حضرة سي المفضل، تذكرت شيء مهما، كان سيكون له أثر وتأثير على حياتي، لقد كنت ألتقي في شبابي بإحدى بناته، آمنه التي كانت تصغرني بأربع أو خمس سنوات.. كنا نأخذ نفس الطريق متوجهين للدراسة، إنا في الثانوي، وهي في الإعدادي، كانت (وما تزال) الإعدادية والثانوية متجاورتين.. كلما كان لدينا نفس التوقيت نتعمد اللقاء، ونسير، نتحدث، نخطو صامتين، أودعها وتودعني بمدخل المؤسسة التعليمية أو بمدخل الزقاق الضيق.. حينما وصلت هي إلى الثانوي، كنت أنا قد بدأت حياتي المهنية، وطبعا لم أنس آمنة، قلت هاته ستكون زوجتي، عليّ أن أحرسها من بعيد وأرعاها كما استطيع.. ونتفق على مسار مشترك، على أساس أن تكمل دراستها، إلى أن تحقق رغبتها في ذلك.. لن أكون حائلا بينها وبين إتمام دراستها.. كان هذا رأينا معا، وبما أنني عملت بداية في منطقة أخرى بعيدة، لم أعد أحضر كثيرا، لكن بقيت علاقتنا متوطدة، أنتظر بلهفة وشوق عودتي إلى المدينة وإلى حيي الشعبي لأرى أو ألتقي بآمنة.. وهي تصارحني بنفس الشعور.. 
لم نعد نكتفي بالمشي في نفس الطريق، أصبحنا نقتطع جزء من الوقت، ونجلس في أماكن مختلفة، حقل بجوار المدينة، حديقة صغيرة، محلبة وسط المدينة، وتكاد علاقتنا تأخذ طابعا رسميا، كنت جادا فعلا.. 
مرة في محلبة، قالت إنها تريد دخول المرحاض، تركت بجانبي حقيبتها، قلت مع نفسي عليّ أن أعرف أسرار هذه الفتاة التي ستصبح زوجتي، فتحت جيبا جانبيا من الحقيبة، وأخرجت بسرعة محتوياته، أوراق، أظرفة، ألقيت نظرة على الأوراق.. وجدتها تقطر عشقا وحبا من شخصين، أحدهما من نفس المدينة، والآخر من منطقة أخرى بعيدة، قلبت الأوراق بسرعة، قرأت بعض الجمل، بداية الرسائل وخواتمها، وأرجعت كل ذلك إلى مكانه.. 
هذا الاكتشاف غير نظرتي إلى آمنة، لكنني تمالكت نفسي، جعلتها لم تشعر بشيء، استعلجتها الخروج، وعلى خلاف العادة، ودعتها بباب المحلبة، وفي نفس اليوم غادرت إلى مكان عملي.. 
بعد أيام عدت إلى المدينة، لم أتوجه إلى المنزل أو الزقاق أو الحي.. وقفت في الطريق التي تعبرها آمنة من الثانوية إلى المنزل، بقيت متكئا على حائط هناك، وقد وضعت طربوشا على رأسي.. فإذا بها تظهر إلى جانب الشخص الذي يبعث لها رسائل العشق، أعرفه، فهو من نفس الحي.. تبعثهما، هي تضحك، وتتمايل، وتشد الذي بجانبها من ذراعه.. لم يعد مجديا أن أسير وراءهما، ولم يعد من اللائق أن تبقى علاقتي بآمنة كما كانت سابقا.. 
قلت لها في وقت لاحق:
ـ" لم يعد يربطنا أي شيء، لا نصلح لبعضنا البعض يا آمنة". 
كأنها تفاجأت بالأمر، حاولت أن تبدي حيرة ثم حزنا، لم يقنعني ذلك بشيء.. 
نظرت في وجهي ثم أحنت رأسها، أضفتُ بنبرة ملؤها الأسى:
ـ" كنت دائما واضحا معك يا آمنة، بينما أنت فضلت الغموض، لا أعرف كيف هي نظرتك إلى العلاقات الإنسانية، ولا يوجد ما هو أكثر وأقوى حميمية في ذلك من علاقة رجل بامرأة وقد اتفقا عن طيب خاطر ليقطعا نفس المشوار، كنتِ الوحيدة التي أعرفها.. لكن بدا لي فيما بعد أنني لم أكن أعرف..". 
وأنا ابتعد عنها، ختمت بقولي:
ـ" من الآن لم يبق بيننا أي شيء..". ولم أحدثها عن بقية التفاصيل.
وأنا في حضرة أبيها الآن، الرجل الطيب، سي المفضل، لم أشأ أن أسأل عنها، لقد مرت سنوات طويلة بعد حادث فراقنا النهائي، لكن لا أدري ما السبب الذي يجعلني أتقفى أثر أخبارها.. لهذا اكتفيت بسؤال عام وجهته لصديقي حول أفراد أسرته جميعها.. وآتى رده مقتضبا وعاما:
ـ "كلشي بخير". 
ـ "وأنت سي المفضل كيف أحوالك؟" 
ـ كما ترى، لا يمكنني في هذا السن أن أبدل الحرفة، هذا ما تعلمته وهذا ما أعرفه". 
ـ" لا بأس، المهم أن يعيش الإنسان بكرامة". 
ـ "أي كرامة؟" (بنبرة أقوى وأحد). استوى في قعدته وأضاف: 
ـ" هذا الصباح، والبارحة كذلك، حضر رجال السلطة، لقد أمروننا أن نجتمع غدا، نساء ورجالا وأطفالا بجانب الطريق.. قالوا سيحضر مسؤول مهم من العاصمة، وعلينا أن نقف بجانب الطريق لتحيته، عليّ أن أغلق الدكان، طبعا كل الدكاكين ستغلق، تلك هي الأوامر، لا أعرف كم من الوقت سنبقى في الطريق، هل اليوم كله؟، وكما ترى، أصبحت لا أتحرك كثيرا، وأشعر بالوهن يغزو عظامي..". 
كأنه وجه السؤال لي، هذا ما شعرت به، لم أجب.. بل لم أكن أعلم بهذه الأخبار، سكان الأحياء الأخرى لا تصلها مثل هذه الأوامر، السلطة في مثل هذه الحالة، تركز على الأحياء الشعبية المهمشة وعلى العالم القروي.. 
خيم لهنيهة صمت على المكان المرمد، وبعد برهة من زمن ثقيل، سمعت تنهيدة عميقة انبعثت مع حشرجة من صدر سي المفضل، ثم تحدث مع قليل من السخرية التي ظل يتقنها باستمرار: 
ـ" تصور أن هذا المسؤول المهم الذي سيأتي من العاصمة.. كيف سأستقبله بنعلي هذا المثقوب (وأشار إلى تقبة بارزة في مقدمة حذائه). لعل الذي سيحييه هو حذائي المثقوب هذا!". 
وإذا بطفل لم يكمل بعد عقده الأول وقف يلهث بالمدخل الضيق للمحل، أخذ نفسا وخاطب بسرعة سي المفضل: 
ـ" أمي تريد ثمن طهو الخبز في الفران". 
ـ" شحال من خبزة قالت ليك؟". 
ـ" ثلاث خبزات." 
أدخل سي المفضل يده في جيبه، وناول الطفل قطعا معدنية.. التفت نحوي: 
ـ" هذا ابن آمينة، يقول لجدته أمي، هو وأخته معنا..". 
أبديت استفهاما واضحا، وقد غزت جسدي قشعريرة عند سماع اسم آمنة. 
ـ" ربما لا تعلم أنها قد طلقت ولها طفلان". 
لم أدر كيف خرجت مني مسرعة العبارة التالي: 
ـ" وأين هي الآن؟"
ـ" إنها في أكادير.. انتقلت إلى هناك قبل شهر، هي تعمل في حقول الطماطم". 
ـ" مسكينة لا تستحق هذه المعاناة". 
ـ " السنة الماضية عملت بإسبانيا في حقول التوت.. ورجعت بعد ثلاثة أشهر.. بفضل ما ادخرت، بنينا غرفة بالآجور، لقد هدمنا الجهة الخلفية من منزلنا الترابي، عليك أن تزورنا لترى ذلك.." 
أجبت :ـ "سأكون سعيدا بذلك". 
في الحقيقة أنا لست سعيدا إطلاقا.. لقد انقطعت عن زيارة الحي الذي كبرت فيه، عليّ أن أربط العلاقة من جديد بهؤلاء الطيبين الفقراء من أمثال سي المفضل وغيره.. وإلا ما كنت أعود إلى العمل بهذه المدينة أصلا، ولتبقى علاقتي بالمكان وأهله تقتصر على وسط المدينة والحي الجديد الذي أقطنه.. 
لم أقو على طلب شاي من سي المفضل، وهو لم يشعل جمرا، ولا توجد أواني تنتظر إصلاحا، قمت مودعا وقد وعدته بزيارة قريبة لأرى ما أضافوه لمنزلهم.. عدت إلى وسط المدينة بخطى متثاقلة، الشارع الرئيسي صاخب بالحركة، ولافتات كثيرة علقت تتحدث عن النماء والرخاء الذي تعيش فيه المدينة، وتمدح بكثير من المبالغة المفرطة المسؤول الكبير الذي سيزور المدينة غدا.. يبدو على الشباب ذكورا وإناثا الفرح الغامر، منتشون بدون سبب واضح، وهم يتمشون جيئة وذهابا في الشارع الكبير الذي يقطع المدينة إلى شطرين.. رأيت تجمعا بشريا على الرصيف، قصدته، فوجدت زحاما شديدا حول بائع البابوش (الحلزون) والفول المسلوق.. ورأيت صاحبي الكاتب كما تركته وراء واجهة المقهى غارقا في قراءة أوراقه..
سيدي سليمان ، خريف 2012 
-------

تعريف: مصطفى لمودن، مدرس التعليم الابتدائي بإقليم سيدي قاسم، كاتب وقصاص، نشر لحد الآن مجموعة قصصية بعنوان "نزيل في التراب"، يكتب كذلك القصة للأطفال، ينشر بالجرائد والمجلات كمجلة "لعربي الصغير"، وبمواقع الكترونية خاصة موقع "لكم" و "الحوار المتمدن".. 
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage