3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

الحياة المدرسية

الخط





الحياة المدرسية

                    
      المصطفى الحسناوي
                                                                                                باحث تربوي و ممارس بيداغوجي – مريـرت


تقديــم :
الأنشطة الإنسانية المبنية على العيش المشترك، محكوم عليها بالإشتغال في إطار روابط و علاقات مركبة، و النشاط التربوي بمؤسساته المتنوعة الفروع : (الأسرة – المدرسة – المحيط ...) يتأسس بدوره على علاقات تربط بين مختلف الأطراف المتداخلة و الفاعلة فيه، و ذلك من أجل تذليل الصعاب و تيسير سبل تقدم هذا النشاط الذي يتم في إطار ما يسمى بالحياة المدرسية.
*    فما المقصود بالحياة المدرسية؟
*    أهناك إشكالية في المعنى و ضبابية في المغزى بالنسبة للحياة المدرسية بالمغرب؟
*    ما هي السبل القيمة بجعل الحياة المدرسية حية و مفعمة بالحياة القائمة على الخلق و الإبداع و البحث و الإبتكار؟
*    هل يعيش المتعلم (ة) اليوم حياة مدرسية شبيهة بالحياة العامة التي تتميز بالسرعة و التدفق و الحيوية؟
          I.            مفهـوم الحيـاة المدرسيـــة :
تعتبر الحياة المدرسية بمثابة المناخ الذي يمكن من خلاله لكل الفاعلين المفترضين في المدرسة، العيش فيه و هم ينعمون بالسلام و الأمن و التعاون و الإندماج، بدء بالإدارة التربوية، مرورا بالمدرس (ة)، وصولا إلى المتعلم (ة) الذي من حقه أن يحس بكون المدرسة لا تختلف عن البيت و عن الحي أو الدوار الذي يقطنه، إن لم نقل أفضل من كل هذه الأمكنة.
الحياة المدرسية بأدق التفاصيل، هي الحياة الإعتيادية اليومية للمتعلمين و المتعلمات، التي يعيشونها داخل الفضاءات المدرسية وفق نسق منظم، و هي بيئة منظمة تحكمها ضوابط إدارية و تربوية. و تتشكل هذه الحياة من مجموع العوامل الزمنية و المكانية و التنظيمية و العلائقية و التواصلية و الثقافية و التنشيطية.(1)
و لابد للحياة المدرسية من دعامات و مرتكزات و متدخلين و فضاءات و مرافق، و كذا مناهج و برامج و أنشطة متنوعة و إيقاعات منظمة.
نستخلص مما سبق أن الحياة المدرسية فلسفة تربوية تهدف إلى أن تكون سيرورة متجددة قادرة على مواكبة الحراك الإجتماعي و السياسي و المستجدات المعرفية و التكنولوجية، و ذلك لاعتبار المدرسة ركيزة التنشئة الاجتماعية للأفراد و الجماعات، و أساس تحقيق التنمية الشاملة، من هنا تأتي أهمية إعادة الروح للمدرسة العمومية المغربية و تجديدها بشكل يناسب المفاهيم الجديدة التي أصبحت تطلق عليها : (مدرسة النجاح – المدرسة الموجهة – المدرسة المندمجة – المدرسة الحرة – المدرسة المضيافة – مدرسة الإنفتاح – المدرسة المواكبة – المدرسة النشيطة – مدرسة المستقبل – المدرسة الريادية – المدرسة الجديدة – المدرسة الجماعتية ...).
        II.            واقـع حال الحياة المدرسيـة ببلادنــا :
إن المتتبع للشأن التربوي ببلادنا يقف أحيانا على مظاهر سلبية بفضاءات المؤسسات التربوية، أبرزها الفوضى و الإرتجالية في التدبير و التسيير ببعض هذه المرافق الحيوية، مما ينم عن أزمة بنيوية تتخبط فيها هذه المؤسسات التي تعتبر مشتلا لزرع قيم المواطنة و التسامح و احترام الآخر و قبول الإختلاف، و مصنعا لصقل و تأهيل العقول البشرية التي هي أساس كل تنمية.(2)
و حسب اعتقادي فأبرز مشكل تواجهه المدرسة/الحياة التربوية حاليا يتجسد في فقدان الثقة فيها من قبل فئات عريضة من مجتمعنا  إضافة إلى التطاول على مرافقها أحيانا، و انتهاك حرمتها و "قدسيتها" في أحايين أخرى، أما باقي الإختلالات الأخرى فبإمكان بلادنا تجاوزها، و ذلك باستحضار الإرادة الوطنية و إشراك جميع الأطراف في الإصلاح ارتكازا على مقاربات شمولية تروم النهوض بأوضاع العنصر البشري أولا و أخيرا.
الحقيقة المرة أن الأطراف المتعايشة داخل مدارسنا العمومية تريد أن تقود – بعضها – بنفسها نموذج الحياة الذي تراه مفيدا لها و خادما لطموحها، إن لم نقل لطموحات المتحكمين في دواليب التربية و التكوين : (إعادة الإنتاج الإجتماعي عل حد تعبير : "بيير بورديو")، و لا يهمها التفاعل مع المتغيرات الإجتماعية و التطورات السياسية و إشاعة القيم النبيلة و الأخلاق الحسنة التي قال بشأنها "إدغار موران" : (يجب ترسيخ الأخلاق في العقول) أو ما يصطلح عليه : "تخليق الحياة العامة".
و تظل الرتابة التي تطال فضاءات المؤسسات التعليمية نقطة سوداء فهندسة البنايات التربوية تغيب فيها الجمالية  و المجالات الخضراء مما يولد النفور لدى المتعلمين، ينضاف إلى هذا كله تأزم العلاقات أحيانا و كثافة المواد الدراسية و الإكتظاظ داخل الفصول الدراسية و داخل المؤسسات التعليمية ككل.
و هذه المشاكل المختلفة في جوانبها الذاتية و الموضوعية تساهم في خلق نظام تربوي غير سليم لتأطير فعلي التعليم و التعلم و في تعثر مستوى التحصيل الدراسي لدى المتعلمات و المتعلمين، الذين يتحول بعضهم إلى عناصر سلبية للمؤسسة بانفلات سلوكاتهم و تمردهم على القيم و النظم التربوية، و تحولهم إلى مشاغبين همهم الوحيد تخريب ممتلكات مرفقهم العمومي و إذاية القائمين عليه و رواده.
      III.            من أجل بدائل للرفع من جودة الحيـاة المدرسيـــة :
إن المفهوم الجديد للمدرسة العمومية يجعل وظيفتها لا تنحصر فقط في تحصيل المعارف و السلوكات، بل تتعداه إلى ضمان القواعد الضرورية لاندماج النشء في المحيط الاجتماعي و الثقافي و السياسي ... و التفاعل الإيجابي مع المكتسبات الدستورية ببلادنا.
و هنا لابد من اعتماد مقاربة العمل بمشروع المؤسسة كآلية ناجعة لتجاوز مشاكل الحياة التربوية و لتحسين جودة التربية و التكوين بها، فالعمل ببيداغوجيا/مقاربة المشروع تشخيصا و تخطيطا و تنفيذا و تتبعا قيميا بتفعيل أدوار الحياة المدرسية و الرقي بها إلى مصاف الفضاءات التربوية الجذابة التي تستجيب لحاجات و ميولات المتعلمات و المتلعمين (التعلم – التربية – الأمن – اللعب – حب الإستطلاع – تأكيد الذات – الحرية و الإستقلالية ...).
و مع هبوب رياح العولمة و ظهور مفاهيم تربوية جديدة من قبيل : (التعاقد – المشروع – الميثاق – السلوك المدني – حقوق الطفل – الحق و الواجب ...)، بات من الضروري دمقرطة العقد التربوي داخل مؤسستنا التربوية و تحصينها من كل أشكال التعصب و التطرف و الانحراف، و ذلك باعتماد مقاربات تربوية عمادها تشريب الناشئة مبادئ التربية على حقوق الإنسان و التربية على المواطنة و السلوك المدني، و احترام ثوابت الهوية الوطنية، زيادة على أهمية تنويع أمكنة التعلم لتحقيق التكامل بين الفعل التعليمي و الفعل التربوي و احترام الفوارق الموجودة بين المتعلمين، لأن "المدرسة الواحدة تساوي مدرسة منقسمة على نفسها ..." على حد تعبير كل من : "بودلو" و "استبليت"، دون إغفال اعتماد ثقافة التشارك في تدبير شؤون المنظمة/المؤسسة التربوية، و تشجيع التنافسية نحو الأفضل و إشاعة ثقافة الإنصاف و الإعتراف و التكريم في مقابل تفعيل القوانين : (النظام الداخلي للمؤسسة – ميثاق القسم – التعاقد البيداغوجي ...) الرامية إلى خلق الإلتزام بالواجبات إلى جانب المطالبة بالحقوق.
إن العلاقة التربوية تعامل و تفاعل إنساني يتم بين أفراد يوجدون في وضعية جماعة كما قال : "جون كلود فليو" لذلك على المسؤولين التربويين و جميع الشركاء العمل على ترسيخ الممارسة الديمقراطية في الفضاءات التعليمية  و التكوينية و التدبيرية، سواء في الفصل الدراسي أو في مجالس المؤسسات التربوية، و ذلك لكون استمرارية توطيد البناء الديمقراطي ببلادنا، بقدر ما تتم من خلال الإصلاحات الجارية، بقدر ما تقع على عاتق نخب الغد، التي تمثلها الناشئة المتعلمة اليوم.(3)
بناء على ما سبق يتبين أن الحياة المدرسية هي الركيزة الأساس في أي إصلاح تربوي مرتقب، لاعتبارها قاعدة تشكيل و بناء منظومة القيم و الهوية المشتركة لأفراد المجتمع.
من هذا المنطلق يبدو أن الإصلاح التربوي الصحيح، الذي يستطيع الصمود و الاستمرارية حتى تحقيق الغايات المجتمعية المنشودة، هو الذي ينطلق من تحت، بمعنى آخر هو الذي ينطلق من الواقع المعيش الذي تعرفه المؤسسات التعليمية، و لن يتأتى ذلك ما لم نأخذ بعين الإعتبار مكونات فضاءات المدرسة.(4)

خلاصــة :

في إطار الرجات و الثورات الهادئة و العنيفة التي يعرفها العالم العربي في إطار ما يسمى بربيع الحرية أو"الربيع الديمقراطي"، أضحى أكثر من أي وقت مضى وضع تصور متكامل الأبعاد للحياة المدرسية ببلادنا، و ذلك بتفعيل أمثل لمختلف مضامين الأوراش الإصلاحية لمنظومتنا التربوية، بغية جعل مدرستنا العمومية/الشعبية مدرسة وطنية جديدة مفعمة بالحياة و منبعا للعطاء و فضاء للإبداع. نتمنى ألا نخلف موعدنا مع الإصلاح و مع التاريخ، كما نتمنى أن تتضافر كل الجهود لإعادة الهيبة لمدارسنا و للعاملين بها، و للحد من كل الإختلالات و متاهات الأزمة التي يتخبط فيها نظام التربية و التكوين ببلادنا.                             


هوامش

1.       ذ. إبراهيم الباعمراني : (الحياة المدرسية و دمقرطة الفضاء التربوي بين التصور و الواقع)، جريدة :  "المنعطف – المنعطف التربوي" العدد : 3761، "الأربعاء : 30 – 06 – 2010"، ص : 6.
2.       د. أحمد أوزي : (من تقديم العدد : 45 من مجلة علوم التربية) – أكتوبر 2010 – ص :6.
3.       ذ. عبد اللطيف المودني : (الإصلاح التربوي و أوراش مدرسة المستقبل) جريدة : "علوم التربية" – العدد : 45 (30 – 06 – 2010) ص : 9 – 10.

4.       ذ. رشيد الخديمي : (الحياة المدرسية بين التصور و الممارسة) جريدة : "الإتحاد الإشتراكي –                     الملف التربوية –" العدد : 9769 (الخميس : 28/04/2011)، ص : 9.
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage