3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

مهنية التدريس في المنظور السوسيولوجي

الخط



الحسن اللحية
مهنية التدريس  في منظور السوسيولوجيين:

إن مهنة المدرس ليست واقعا موحدا لأن المهنة تختلف حسب الشعبة والمادة والمستوى المدرس والمؤسسة والمنطقة الجغرافية. كما يجب الاحتراس من التعميم لأنه لكل مرحلة شروط لممارسة المهنة فيها، لكل مرحلة إكراهاتها وأوضاعها لكن هناك ثلاث محاور كبرى تعمل على تحويل وتغيير مهنة المدرس هي:
أولا: كانت الرهانات السياسية منذ قرن تتمثل في تعميم التعليم دون التطرق لتكافؤ الفرص أو المكتسبات. وأما الحديث الآن فيدور حول جعل كل جيل في مستوى عال من التكوين بعيدا عن إتقان المعارف الأساسية كالكتابة والقراءة والحساب. أضحى الخطاب السياسي التربوي يركز على تهيئ الناس للعيش في مجتمع معقد ومتعدد الثقافات ومصاب بالتحولات التكنولوجية السريعة وإعادة التشكلات الجغرافية والديمغرافية والاقتصادية والثقافية التي قلبت المشهد اليومي لكل فرد فرد، مثلها في ذلك مثل شروط العمل والسكن والاستهلاك والتواصل والتعايش.
إن هذه الجوانب المتعلقة بالسياسات التربوية تتوخى من المدرسة أن تكون ذات فعالية أكثر فأكثر. لم يعد الحديث عن متابعة الدراسة إلى نهايتها هو ما يهم الآن: إشكالية الفشل الدراسي, إن ما يهم هو تعليم المراهقين والأطفال كيف يلجون سوق الشغل بأسرع وقت ممكن عبر تنمية كفايات دنيا حتى يصبحوا مواطنين صالحين وعمالا صالحين كذلك؛ لذلك رفع سقف المطالب: يراد من النظام التربوي ومن المؤسسات التربوية والتعليمية ومن المدرسين أن يكونوا ناجعين وفعالين أكثر فأكثر في الفعل التربوي. وهكذا صار تقويم أداء النظام التربوي محط اهتمام لا مثيل له.
هناك تحول ثان آخذ في الحدوث يتمثل في بطء النمو الاقتصادي، حيث أصبحت البطالة بنيوية وانحسرت ميزانية التربية والتعليم بل انخفضت، ورغم ذلك بدأ الحديث عن القيام بما هو أحسن بنفس الموارد وبنفس الوسائل المحدودة. إنه ضغط ثان ينضاف إلى الأول على المدرسة، يستهدف مردودية و نجاعة الفعل البيداغوجي.
والجانب الثالث الذي ساهم و يساهم في تحول وتغيير مهنة المدرس أو في جعلها صعبة يتمثل فيما يوازي المدرسة: المدرسة الموازية كالتلفاز والفيديو والوسائط الإعلاميائية والسمعية والبصرية والمسجلات والأنترنت...إلخ. كان ينظر فيما سبق إلى هذه الوسائل كمنافس سيقتل المدرسة والمدرس لكنها اليوم تشكل مصادر متنوعة تتمثل في التوثيق ومنح المدرس إمكانات لا حصر لها في ممارسة التدريس بشكل لم يسبق إليه مثيل. إنه شيء مهم بالنسبة للمدرس لكنه مكلف ومضني لأنه يتطلب منه التكيف مع التحولات ومع التجدد المتسارع للمعارف العلمية والممارسات الاجتماعية والبرامج.
وتجب الإشارة إلى أن الأسر تغيرت بدورها وتعددت وتنوعت ولم يعد الجميع يرسل الأطفال إلى المدرسة ليخضعوا لسلطة المدرس أو ليتحملوا كلفة تدريس أبنائهم. وربما لمثل هذه الأسباب يجهد كثير من المدرسين أنفسهم يوميا ليبدعوا وليعيدوا إبداع شروط علاقة بيداغوجية تستجيب لهذه التحولات.
كما وجب التذكير اليوم بلامبالاة التلاميذ، وتضاعف العنف، وتدني مستويات التمكن من اللغات والعلوم، ورفض النصوص الكلاسيكية، ورفض الاستظهار، وتعميم الدروس الخصوصية...إلخ فكل هذه المظاهر تستدعي إعادة النظر في دور المدرس أو لنقل في مهنية المدرس.
منذ مدة طويلة وفليب ميريو يشتغل على البيداغوجيا الفارقية ليحرض المدرس على مواجهة التنوع في كل شيء شيء وليحثه على امتلاك قدر كاف من تنظيم وضعيات تعلمية و مفردنة لمسارات التكوين عوض النقل الخالص والبسيط للمعارف.
هل هذه الدواعي أو بلغة بيرنو هذه التحولات كافية لنقبل بمهنية المدرس؟ لننطلق من السؤال التالي: هل التعليم مهنة أم حرفة منفذة؟ حسب الانجلوساكسونيين فإن المهنة ليست حرفة كباقي الحرف لأنها تتسم بتكوين طويل ومسؤولية فردية قوية وتعبئة للمعارف ذات المستوى العالي في وضعيات الشك والاستعجال وأمام التعقيد. والمهنة كذلك هي جماعة اجتماعية منظمة بشكل قوي تعمل بأخلاقيات المهنة وأدب ومراقبة واسعة للتكوين الأساسي والتكوين المستمر. فكل مهني كالطبيب مثلا سواء أكان أجيرا أو مستقلا يسترشد بالمعارف وكفايات وأهداف عامة وأخلاقيات، فهو من هذه الناحية ينتمي للمهنيين الباحثين عن الوسائل والطرق والإجراءات التي تمكنهم من بلوغ الأهداف دون المس بالأخلاقيات. وعلى عكس كل هذا نجد حرفة المنفذ الذي لا يتوفر على أي استقلالية في التصور والإبداع والإنجاز لأنه يتبع قسرا إجراءات عملية موضوعة من طرف الغير: مكتب دراسات، مسؤول عن كذا، مهندس كذا أو كذا، أصحاب الدازين...إلخ. يرى فليب بيرنو أن السوسيولوجين رأوا في مهنية المدرس نصف مهنة لأنها قريبة من الطبيب من بعض الوجوه وقريبة من المنفذ في وجوه أخرى.
ويذكر فليب بيرنو كذلك بعض الأسباب التي بدأت تعجل بتحويل حرفة المدرس إلى منطق مهني منها:
                      تركز ساكنة تعيش أخطارا كثيرة في مناطق مهملة صارت تحظى بأولوية في التربية.
                      التنوع الإثني والثقافي للجمهور المدرسي الذي أزم التعاقد الديداكتيكي والطرق التقليدية للتعليم.
                      اللاتجانس المتزايد في التحصيل الدراسي.
                      الضبابية في العمل التربوي وبين المدرسين والأسر، حيث ينتظر الجميع أن تقوم المدرسة بكل شيء.
                      التضخم والتجدد السريع للمعارف التي تخلخل المحتويات والطرق وتتطلب تكوينا مستمرا.
                      مطلب أهداف ذات مستوى عال على المستوى الصنافاتي مثل التفكير والتواصل والتفاوض والتعاون والنقد والمعرفة بالحجاج والاستباق...إلخ، وهي أهداف صعبة الترجمة في النشاط التعلمي والتقويم وتدبير تطورها.
                      تطور المدارس الموازية مثل وسائل الإعلام والإعلاميات التي تقترح ليس المعلومات والصور فقط، بل تقترح تكوينات.
                      المنظور إلى البطالة وأزمة القيم و وجود مجتمع ثنائي يسمح بالحط من قيمة العمل المدرسي: لا مستقبل في المدرسة.
                      توسع مسالك ملحة مما يعني نهاية البيداغوجيات النخبوية[1].
تنطلق كثير من الدراسات السوسيولوجية من اعتبار هيأة التدريس تنتمي للبورجوازية الصغرى، وهي كذلك هيئات تشكل طوائف حقيقية لانخراطها في تنظيمات تدور حول التربية الوطنية. كما يمكن القول بـأن المدرسين والمدرسات يشكلون مجموعة لها مصالح وأفكار وقيم وطقوس وأهداف مشتركة. وككل مجموعة فإن الجسم التعليمي يعمل وفق منطق مجموعاتي ذي ثلاثة أبعاد جدلية هي:
o                     وجود وظائفية للجماعة تقوم على قواعد و طقوس، وقواعد القبول والرفض والطرد؛
o                    وجود تضامن داخل الجماعة، و وجود عدوانية وتردد اتجاه الأجنبي؛
o                    وجود هوية فردية وجماعية متبادلة التأثر والتأثير.
كما تمتاز هيأة التدريس بعدة خاصيات نوعية منها:
o                   نسونة المهنة؛
o                   وجود نقابات تمتاز بأهمية ما بالمقارنة مع باقي القطاعات. كما تلعب النزعة النقابية دور المازج بين رجال ونساء التعليم، والرفع من الوعي المهني لعموم المدرسين والمدرسات؛
o                   قوة إعادة الإنتاج؛
o                   ارتفاع نسب التزاوج بين المدرسين والمدرسات[2]؛
وجدير بالذكر أن لهيأة التدريس نظام قانوني يحدد الحقوق والواجبات والمسؤوليات والترقيات المتمثل في النظام الأساسي وقانون الوظيفة العمومية وجميع القوانين المرتبطة بمهنة التدريس وأخلاقيات المهنة.




[1] - Ph. Perrenoud, la formation au métier d’enseignant : complexité, professionnalisation et démarche clinique, in site de Perrenoud
[2]   للمزيد من التفصيل يمكن الرجوع إلى كرستيان بيالس www.christian bialès.net
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage