3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

التأهيل و الكفاية عند فليب زارفيان

الخط
















الحسن اللحية
منذ سنوات وإلى حد الآن يسود تعارض بين التأهيل والكفاية في نظر الكثير من الباحثين(47) الشئ الذي انعكس على التفاوضات الاجتماعية، لكن يبدو أن هذا التعارض بدا في الاختفاء لما اقترن في نظر النقابات بالعودة من جديد للتأهيل لأنه لا يمكن أن التقدم في الكفايات دون اعطاء ضمانات في التأهيل.ومن تم بدا تحديد جديد للتأهيل والكفاية معا. يعني التأهيل المعارف والمهارات والسلوكات إلخ... المكتسبة من قبل الفرد سواء عن طريق التكوين أو عن طريق ممارسات مهنية مختلفة أو غيرها.وتفيد الكفاية تنفيذ تلك الموارد في وضعية معينة؛ وبتعبير النقابات فإن التأهيل عبارة عن علبة أدوات يمتلكها الأجير والكفاية تبين الطريقة التي يستعملها في الوضعية الملموسة.
يطرح هذا التمييز عدة مشاكل عملية؛ منها مثلا كيف يمكن التعرف على التصنيف ونظام التأجير هل بالاعتماد على الكفاية أم التأهيل أو عليهما معا؟ ووفق أي مستوى هل باعتماد الاجتماعي أم المقاولاتي؟.
نعرف جميعا بأن التأهيل مسألة اجتماعية: تأهيل الأجراء، والكفاية شكل جديد للتأهيل بدأ في الظهور(48)؛ فهي تأهيل مزدوج سواء بالنسبة لمساهمة الأجير في سيرورة الإنتاج أو على مستوى مكانته في التراتبية الأجرية.هل يتعلق الأمر بتأهيل في الشغل أو بالتأهيل دون تمييز؟
يلاحظ زارفيان اختفاء التمييز لما نطرح مثل هذه الأسئلة؛ لذلك فإن استعمال لفظة التأهيل يكون بغاية تعيين مشكلة وليس إعطاء حل.
لابد من الإشارة إلى أن ظهور النموذج الكفاياتي كان تحولا طويل المدى انتشر على مدة زمنية طويلة ليحل محل نماذج قديمة مثل النموذج الحرفي ونموذج منصب الشغل(49).
أولا: النموذج الحرفي  
تمتد جذور هذا النموذج في التاريخ؛ إذ بدأ مع تعاونيات الصناعة التقليدية في المدن. وكان يمارس في وسط اجتماعي حرفي؛ إما أننا من أهل الحرفة أو لسنا منهم. وكان يمارس بتعلم يتوارث التجارب والخبرات وفي تراتبية للعلاقات، حيث نجد المبتدئ والصانع الماهر الذي يمتلك معرفة مهنية لا تحيل فقط على قواعد المهنة، بل على الجودة و الأصالة. ثم إن العلاقة بالسوق كانت علاقة مباشرة.
لقد تعرض هذا النموذج للهجومات منذ نهاية القرن XVIII من طرف الثوريين الذين رأوا فيه شكلا لا ديمقراطيا يستند إلى العهود القديمة، معيقا للمواطنة ووحدة الأمة. ثم رأى فيه المقاولون المصنعون الجدد، الطبقة الرأسمالية الجديدة، حاجزا يعيق التحول وعقلنة طرق العمل كمراقبة الساكنة العمالية منذ أن بدأت تتجمع في المصنع(50).
ثانيا: نموذج منصب الشغل      
لقد تنبأ كارل ماركس بنباهة كبيرة إلى النزعة الآلية من حيث أنها آلة حرب ضد النموذج المهني. وقد دامت هذه الحرب قرنين من الزمن لينتصر نموذج منصب الشغل مع التايلورية في الأخير، ومع ذلك ظلت الحرفة تقاوم الشغل حينما يقال avoir un métier وليس avoir un emploi أو tenir un poste، فصرنا نتحدث عن حرفة الإعلامي و المهندس.
ففي مثل هذه الحالات ستبقى الحرفة هي التي تحدد le socle الانتماءات الاجتماعية والمهنية والاعترافات المهنية(51). بينما يعمل نموذج الشغل أو منصب الشغل على تحديد أشكال أخرى من الاعترافات والانتماءات المهنية، علما أنه كان في السابق مع كارل ماركس يعتمد الانتماء الطبقي كانتماء يحدد الهوية، أي الهوية الاجتماعية. وأما مع النموذج الكفاياتي فإن التصنيف المرتبط بالمكتسبات والقدرات والمهارات والكفايات، وبالاجمال مرجع الكفايات(52) هو الذي يحددها.
لقد كان العمل في القرن الثامن عشر يعني الذكاء العملي (بما فيه الذكاء الحركي) للصانع أو الفلاح. ولم يكن من المقبول ولا من اللائق والمستساغ التمييز بين الفرد العامل والعمل.ولكن ماذا حصل لما دخل عنصر العمل ليصبح التمييز بين الفرد والعمل، هذا العمل الذي يمكن موضعته وتحليله و عقلنته ووصفه وتغييره في استقلال عن العامل، عن الفرد، عن الفلاح والصانع الذي ينجزه، ولم يعد العامل شيئا آخر سوى موضوعا مشيئا يحمل قدرات (وظيفية) ضرورية لإنجاز ذلك العمل؟.
 سيكون التأهيل طريقة لتأهيل العلاقة بين العمل وقدرات العامل وطريقة وتصنيف ذلك وفق درجات التعقيد لتتأتى الوظيفة بدقة وإمكانية المراقبة والتقويم(53)؛ وبتعبير كلاسيكي فإن الفرد في الفترة الصناعية لم يكن يمتلك نشاطه الاقتصادي الذي يظهر كشكل خارجي وبراني. لقدكان الصراع منذ القرنXIX صراعا مريرا بين أهل الحرف وحركيات العقلنة ونزع تملك العمل التي يمثلها المهندسون قبل ظهور التايلورية لنصل إلى مرحلتنا هذه التي أصبح العمل فيها يعني الكفاية المتوفر عليها التي يستطيع العامل تنفيذها(54).
وعلى وجه الإجمال فإن إعادة تملك العمل من طرف من يمارسه، في أزمنة الكفاية، ليس سوى التكرار البسيط للماضي، علما بأن الشروط الاجتماعية وشروط الإنتاج قد تغيرت بشكل راديكالي. وهناك حسب زارفيان ثلاث سمات تميز الحداثة الحالية هي:
أولا: ظهور الفردانية التي يتكثف معناها في الذات كصاحبة أفعالها والمتحكمة في حياتها. ثم إن أشكال التنشئة الاجتماعية تعمل على ظهورها وفردنتها، وتنمي الوعي الذاتي لكل فرد داخل الحياة الاجتماعية. وإن هذا الفرد المتفرد بنشاطه هو العامل.
ثانيا: مستوى الارتباط وفضاؤه ويعني أن العمل الجماعي المتسلسل الميكانيكي بدأ في التراجع شيئا فشيئا ليظهر في تبادل الحوار ووجهات النظر والتواصل وتبادل المعلومات.لا وجود فيه للاتفاقات الظاهرة أو الخفية، هناك شبكة من التفاعلات متعددة ومعقدة وتعددية في التعاقدات.
ثالثا: سيادة اللايقين في السوق ووجودالمصادفات الاقتصادية(55).
إن تحول العمل جعله تعبيرا مباشرا عن قوة فكر وفعل الفرد ومعرفته وذكائه العملي والتزامه، وحيث لا يعين كأجير إلا في إطار مراقب لإظهار كفاياته مع تحريك وتشغيل موارد خاصة وتنظيمية. إنه تجريد للذوات ( التلاميذ و الطلاب و الأجراء) وفق تجاربهم مع فردنة واضحة صاحبتها تكنولوجيا الإعلام والاتصال لتزيد منها (56)، بل إن العمل المهني الاحترافي ينظر إليه من المنظور الشخصي والخاص مباشرة ليصبح الفرد في النهاية ذاتا وفاعلا في الآن نفسه.
إن المسألة المطروحة في نموذج الكفايات هي ما العمل حينما لا يقال لي مايجب القيام به؟ ذلك هو نموذج الاستقلالية المرغوب فيه المتسم بالمبادرة التي تعني البدء في شئ جديد في هذا العالم. والمبادرة لها علاقة بفعل agir المشتق من اللاتينية agere الذي يعني إدخال الحركة في الشئ أو إلى شئ أو إطلاق سيرورة معينة.ثم إن مفهوم الاستقلالية أحدث داخل المقاولة تحديدا جديدا لعلاقات السلطة وقواعد العمل، غير أن مفهوم المبادرة ظل يعني الكفاية وهي في الفعل ذاته والتزام ألذات ليس في علاقتها بالقواعد بل بآثار الأفق. وبذلك فإن الكفاية هي المبادرة موجهة بالاستقلالية(57) .
تصاحب المبادرة أحكام أو لنقل لا وجود لمبادرة بدون أحكام. فالشخص الكافي لا يأخذ أية مبادرة كيفما كانت. وأول مبادرة ينبغي أن يتخذها المبادر هي المبادرة نفسها، ولكن أي مبادرة؟.
يرى السسيولوجي الفرنسي أن هناك نوعين من الانتماءات تعرف أزمة هما الانتماء الطبقي (الانتماء للطبقة العاملة) والانتماء الحرفي (بالمعنى القديم للفظ) (58).وإن ما هو في حيز الظهور الآن هو الانتماء للمقاولة.وبذلك فإن تعريف الكفاية سيكون هو" أخذ المبادرة والمسؤولية من طرف الفرد في الوضعيات المهنية التي سيواجهها". فالكفاية بهذا المعنى ذكاء عملي فردي وقدرة على تشغيل شبكات الفاعلين حول نفس الوضعيات وتقاسم الرهان والاضطلاع بمسؤوليات (59).

لا يمكن أن تعرف الكفاية من خلال وضعية واحدة، وخاصة الكفاية المهنية. فالوضعية هي إطار وسياق، وهي مكونات لوضعية تظهر كمرتكزات وموارد [ في ورش مثلا نجد آلات ومواد وإجراءات...]، وهي مشكل ومجموعة مشاكل على الفرد أن يواجهها، وهي النتيجة المنتظرة، وهي كذلك المبادرة والتفاعل مع فاعلين آخرين يشترط النجاح أو الفشل بوجودهم. وأخيرا هي نمط أو إجراء تقويمي(60).
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage