3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

الخطأ مبحثاً في البيداغوجيا

الخط




















الخطأ مبحثاً في البيداغوجيا

بقلم: فريد أمعضـشو*


اَلخطأ، في معاجم اللغة العربية، هو نقيضُ الصواب[i]. ويُمَدّ أحياناً (الخَطاء)، وبه قرأ الأعمش قوله تعالى: ﴿وما كانَ لِمُومِنٍ أنْ يَقتُلَ مُومِناً إلاّ خَطأ، وَمَنْ قَتَلَ مُومِناً خَطَأ فتَحْريرُ رَقَبَةٍ مُومِنَةٍ، ودِيَةٌ مُسَلَّمَة إلى أهْلِه إلاّ أنْ يَصَّدَّقُوا...[ii]. ومنه، كذلك، "الخَطْء" و"الخِطْء". وقيل الخطأ هو الذنب. ويُميِّزه بعضُهم من مفاهيمَ أخرى، تلتبس به أحياناً، بكونه غيرَ متعمَّد. لذا يقال لمن أراد شيئاً، ولكنه أصاب، عن غير قصد، غيْرَه: أخْطأ، ومصدره إخْطاء وخطأ أيضاً. على حين يقال لمَنْ تعمَّد الخطأ أو الذنب: خَطِئ يَخْطأ خِطْئاً (بكسر الخاء المُعْجَمة)، مثل أثِم يَأثَم إثماً[iii]. ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تَقتُلوا أوْلادَكُم خَشْيَةَ إمْلاقٍ نحْنُ نَرْزُقُهمْ وإيّاكُمْ. إنّ قتْلَهُم كانَ خِطْئاً كَبيراً[iv].
ويَرد لفظ "الخطأ"، في الاستعمال، مرادفاً للفظ "الغلط" أحياناً كثيرة، وكذلك في عدد من كتابات التراث العربي والإسلامي؛ مثل رسالة القابسي عن أحوال المتعلمين، ومقدمة ابن خلدون الحضْرَمي[v]. ويقصد بالغلط، لغةً، عدم معرفة وجه الصواب في الشيء أو الأمر، وهو مشتقّ، على رأي أهل الكوفة، من الفعل الثلاثي "غَلِط" الذي مُضارعُه "يغلط" بفتح اللام. وغلَّط فلانٌ فلاناً نسبه إلى الغلط، وأغْلطه وغالطه أوْقعَه في الغلط[vi].
ويعرَّف الخطأ (L’ erreur)، اصطلاحاً، بأنه حالة ذِهنية يجد المرءُ نفسَه أحياناً فيها، وتجعله يَعُدّ صائباً ما هو خاطئ عُرْفاً ولدى الناس، وخاطئاً ما انعقد الإجماعُ على صوابه[vii]. ويحدَّد الغلط (La faute) بأنه خروج عن المألوف المتداوَل، أو فارق عن معيار (Norme) معين سواء أكان متعلقاً بالاستعمال اللغوي أم بقوانين اللغة وقواعدها الصرفية والتركيبية أم بإنتاج ملفوظات لغوية أو كلامية. وتتحدد درجة الغلط بقدر انحرافه عن المعيار/ القاعدة[viii].
وقد شكل الخطأ – وما يزال – مجالاً خَصيباً لعدد من حقول المعرفة، وعلى رأسها السيكولوجيا وعلوم التربية، إلى درجة أنه أضحى مِحْور بيداغوجيا قائمة بذاتها، ذات مقوّمات وخصوصيات، أطلق عليها "بيداغوجيا الخطإ" (Pédagogie de l’erreur)، وهي تنطلق من مبادئ علم النفس التكويني، ومن معطيات الإبستمولوجيا، ولاسيما من جهود غاستون باشلار (G. Bachelard) المتميزة فيها، لتقدم تصوراً لعملية التعليم والتعلم مؤدّاه أن الخطأ استراتيجية مهمّة في العملية المذكورة، بخلاف النظريات البيداغوجية الكلاسيكية المعيارية التي كانت تعد الخطأ أمراً غير مقبول، يتعيّن إقصاؤه مباشرة، وعدم الوقوف عنده لكونه مشوِّشاً ومُعَرْقِلاً لعملية التعلم.
إن الخطأ، في نظر باشلار، ظاهرة بيداغوجية تحظى بقدْر كبير من الأهمية في عالم التربية؛ لأنه "ليس مجرد تعثر في الطريق، ولا يظهر فقط بفعل ما هو خارجٌ عن المعرفة، بل إنه نقطة انطلاق المعرفة. ذلك أن المعرفة لا تبدأ من الصفر، بل تصطدم بمعرفة مستعمَلة موجودة من قبلُ، وهذا ما لا ينبغي للبيداغوجيا أن تتجاهله"[ix]. فالخطأ يكون، حسب الرجل وآخرين غيرِه، طريقاً إلى المعرفة والحقيقة، وسبيلاً إلى التعلم واكتساب المعارف والتجارب والمهارات؛ لأنه يكشف الثغرات، ويُجلي مكامن الضعف والقصور، ويعين، بالتالي، على بناء استراتيجيات وتعلمات تتجاوَز الهفوات السابقة. وكثيراً ما انتهت إلى أسْماعنا عبارة "مِن الخطإ يتعلم الإنسان"، ولكنّا – في أحايين عدة – لا نُلقي لها بالاً! ويدعو مُرَبّون كثيرون التلاميذ إلى أن يعبّروا ويُخطئوا، دون أن يعاقبوهم على ذلك طبعاً، على أساس أنْ يتخذ المتعلمون من أخطائهم تلك مُنطلقاً للتعلم. والحق أن لهذه الطريقة في البيداغوجيا الحديثة الوظيفية أهميتها الواضحة التي تُقرَن عادة بتاريخ أي علم من العلوم الذي هو تراكُم لجملة، قليلة أو كثيرة، من الأخطاء والإخفاقات، أعيد فيها النظر، وصُحِّحت مراتٍ ومرات، قبل أن تستويَ في صورة نظريات علمية على قدر كبير من الاكتمال والنجاعة.
يعدّ الخطأ، كما أسْلفنا القيل، استراتيجية فعّالة في التعليم والتعلم على حد سواء. فهو، من وجهة أولى، طريقٌ مُفْضية إلى التعليم؛ لأن "الوضعيات الديدكتيكية تعد وتنظم في ضوء المسار الذي يقطعه المتعلم لاكتساب المعرفة أو بنائها من خلال بحْثه وما يمكن أن يتخلل هذا البحث من أخطاء"[x]. وهو، من وجهة ثانية، خطة للتعلم؛ لأنه "يعتبر الخطأ أمراً طبيعياً وإيجابياً يُترجم سَعْي المتعلم للوصول إلى المعرفة."[xi]
ومثلما هو الشأن بالنسبة إلى الخطإ، فقد شكل الغلط، كذلك، موضوعَ بيداغوجيا أخرى يعبِّر عنها الفرنسيون باصطلاح "Pédagogie de la faute"، الذي يترجمه الدارسون العرب المعاصرون بـ"بيداغوجيا الغلط" أحياناً، وبـ"بيداغوجيا الخطإ" أحياناً أخرى! وقد حدَّدها مؤلفو "معجم علوم التربية" بأنها "عملية تشخيص أغلاط التلاميذ، وبالأخصّ الأغلاط اللغوية، وتحليلها قصد تمييز أنواعها، والكشْف عن أسبابها، وبحْث سُبُل معالجتها."[xii] وعليه، فإنها تجد مرجعيتها النظرية ومُستَنَدَها العلمي في علم اللغة التطبيقي، واللسانيات النفسية.



الهـوامش:
* باحث من المغرب.
([i])– ابن منظور: لسان العرب، مادة "خ ط ء".
([ii])– سورة "النساء"، من الآية 91، رواية الإمام ورش.
([iii])– الأزهري: تهذيب اللغة، مادة "خ ط ء".
([iv])– الإسراء، 31.
([v])– مجموعة من الباحثين: مصطلحات تعليمية من التراث الإسلامي، إشراف: خالد الصمدي، من منشورات الإيسيسكو، الرباط، ط.1، 2008، ص 364.
([vi])– لسان العرب، مادة "غ ل ط".
- A. Lalande : Vocabulaire technique et critique de la philosophie, P.U.F, Paris, Edition 12, 1976, P 297.([vii])
- R. Galisson & D. Coste : Dictionnaire de didactique des langues, Ed. Hachette, Paris, 1976, P 82. ([viii])
([ix])– نقلاً من "معجم علوم التربية"، تأليف عبد الكريم غريب وآخرين، سلسلة "علوم التربية"، ع.9/10، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، ط.2، 1998، ص 118.
([x])– معجم علوم التربية، ص 258.
([xi])– نفســه.
([xii])– نفســه.
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage