3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

العنف المجتمعي والعنف المدرسي: قراءة في العلاقة

الخط









                                                                                       


د مصطفى شميعة
 هناك تأكيد من لدن الكثير من الخبراء والدارسين والمهتمين بالشأن التربوي،  على تلازمية العلاقة بين عنف المحيط المجتمعي  وبين العنف الذي يبديه التلميذ بالمدرسة. فالمحيط يشكل أهم مرجع يمتاح منه التلميذ الكثير من مفاهيم السلوك التي تتدخل في بناء تصوراته ومواقفه، فإذا كان هذا المحيط سليما، أفرز تلميذا متساويا ومنسجما مع نفسه ومتجاوبا مع مستجدات الحياة المحيطة به ، وإذا كان المحيط فاسداً أنتج لنا تلميذاً عدوانيا وغير منسجم مع الجماعات التواصلية المحيطة به. مع التأكيد هنا على الاستثناء الذي يمثله بعض التلاميذ المنتمين إلى الأسر الراقية والذين يعنفون مؤسساتهم على مستوى التلفظ النابي في حق أساتذتهم، وهذا طبعا يعود إلى التربية داخل المحيط الأسري وليس المحيط الخارج عن أسوار المنزل.
والحاصل أن مستويات المحيط تتعدد من حيث السلب والإيجاب، فالتمظهرات التي تعكس فساد السلوكات الاجتماعية، لا تنحصر فقط في أنماط ما هو قائم، بل أيضا وبشكل كبير في نوع التربية التي يتلقاها الطفل من والديه. إن عنف هذه التربية تتجلى في ردود أفعال الآباء اتجاه أفعال الأبناء، وهي مسألة في غاية الأهمية.
لكن لنقف على طبيعة الأوساط الأسرية التي تدلنا عليها الوقائع الملموسة: ليتبين لنا من خلالها أن عنف التلميذ  هو حصيلة وسط فقير يعيش خصاصا ماديا كبيرا، يترجمه الإحساس بالنقص وبالحرمان الذي يستشعرهما التلميذ كلما رغب أو حلم بتحقيق وضع أفضل من الوضع الذي يعيش فيه، والحال أن أغلب المعنفين ينتسبون لأسر لا تتوفر على أسباب العيش الكريم. فالكثير من الآباء  مياومون يشتغلون بالحد الأدنى من الأجور، أو معطلون لا يشتغلون إلا نادرا، مما يجعلهم يكابدون معاناة صدف العيش ويترجمون هذه المعاناة في سلوكات التذمر أمام الأبناء،  هذه السلوكات التي تصل إلى حد الانتقام من وجودهم الذاتي لا المعنوي، باعتبار أن الأب يرغب في وجود أبناء داخل البيت، لملء شبح الفراغ الذي يهدد وجوده المعنوي، في عالم بئيس لا يرحم. وأيضا لتوظيفهم كأدوات لمساعدته في تحصيل لقمة العيش لا غير، لكنه لا يرغب في وجودهم الذاتي الاستهلاكي الذي يتطلب منه توفير التغذية اليومية لهم كل لحظة وحين، وهذا ما يفسر سبب اضطرار الكثير من  التلاميذ إلى مغادرة المدرسة في سن مبكرة للبحث عن عمل متواضع، يستطيعون به إرضاء آبائهم ، أو البقاء في سياق التمدرس لكن بردود أفعال انتقامية من الفقر الذي يعيشونه ومن الجهل الذي تتخبط فيه أسرهم، فيكون العنف المدرسي أقرب وسيلة لتفريغ معاناة التواصل مع الأسرة بالشكل الذي نراه بالمدرسة.
    إن الفقر المدقع الذي تعيشه الأسر المُعوِزة لا يتجلى فقط على مستوى الفاقة المادية و قلة ذات اليد، بل أيضا على مستوى نوع السكن الذي يأوي المعنف بين جدرانيه، وهذه مسألة طبيعية مادام أن هناك تلازما بين الوضع المادي والوضع المعيشي، فالبيئة العمرانية التي يسكنها المعنف لا تقل أهمية في التأثير على وضعه النفسي، من باقي العوامل المؤثرة الأخرى. فالتلميذ الذي يسكن في منزل مهترئ البنيان، ولا يتوفر على الحد الأدنى من وسائل الحياة الكريمة، لا يمكن أن تتولد بداخله سوى مشاعر الحرمان والمهانة اليومية، خصوصا وهو يرى نفسه  في بيت لا يوفر له مجالات التعلم الذاتي ( بيت خاص ومكتب وإنارة كافية...) فيجد نفسه وهو داخل بيته، في وضع الاضطراب والتقطع في سيرورة تعلماته الذاتية، خصوصا وهو مطالب من قبل مدرّسيه بأنشطة الإعداد القبلي الذي تؤشر له على إمكانية التواجد في سياق التمدرس سواء داخل الفصل أو خارجه.
لهذا ومن خلال ملاحظة ميدانية بسيطة يتأكد لنا أن أغلب مشاكل العنف التي تواجه المدرسة تعود في جزء أهم منها إلى الإحساس بضيق المكان الذي ينمو بنمو شخصية التلميذ  في  مراحل تعلمه المدرسي، فقد أبانت لنا الوقائع الحية أن أغلب المنازل  التي تأوي التلاميذ المعنفين هي منازل صغيرة لا تتوفر على الحد الأدنى من العيش الكريم، وبعبارة أخرى إن العنف المدرسي الذي تعيشه المدرسة المغربية هو و بشكل موضوعي عنف بيئي أولي، لا ينطلق من ساحة المدرسة كما يمكن أن يُتصور، ولا من باب المؤسسة أو من من داخل الفصل الدراسي، وإنما من وسط الدار التي يسكنها التلميذ. إن شخصية المعنف شخصية غير سوية، فهي تعيش اضطراباتها النفسية الخاصة، والحال أن ليس كل التلاميذ غير أسوياء، بل هناك من يتأثر بواقعه المعيش وهناك من لا يتأثر به، وهذا يدل على أن عوامل كثيرة تتدخل في خلق وضعيات العنف داخل المدرسة والتي تأتي في مطلعها التربية الوالدية والظروف المعيشية ، إن التربية الوالدية في هذا الإطار تلعب دورا حاسما في تنشئة التلميذ التنشئة المرجوة ، لهذا لا نستغرب إذا وجدنا بعض الأسر المعوزة التي تربي أبناءها على قيم التسامح والخير رغم الحرمان المادي الذي تعيشه، والتي يكون لها الفضل الكبير في نضج شخصية التلميذ.    


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage