3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

الكفايات : الاستعمالات الاجتماعية والاستعمالات العالمة

الخط



الكفايات :    الاستعمالات الاجتماعية والاستعمالات العالمة










تعريب الحسن اللحية و عبد الإله شرياط

إن لفظ الكفاية الذي ينتمي منذ مدة طويلة إلى اللغة العادية لا يعود إلا مدة قصيرة إلى المعجم العلمي، وأما وجوده في مصاف المفاهيم العالمية فهو غير متأكد منه. وفي المعنى الواسع الذي أعطى له كذلك الذي نجده بمنجد روبير Robert الذي يشكل إحالتنا هنا، فإن لفظ الكفاية كان يعني في أول الأمر أهلية معروفة قانونيا لسلطة عمومية للقيام بهذا الفعل أو ذاك في ظروف محددة. بهذا المعنى يحيل اللفظ على إسناد مهمات لهذا الحائز عليها وللسلطة التي هي رهن إشارته. منذ نهاية القرن XVII تعني الكفاية تعبيريا معرفة عميقة معروفة تسمح بحق إصدار الحكم أو أخذ قرارات في بعض المواد. يتبين من خلال هذا التعريف التقارب بين الكفاية والقدرة والمهارة والمعرفة، في احتفاظ الكفاية بمعناها وجمعها مع السلطة: (حق إصدار الحكم).
وفي اللغة اليومية للمدبر تعني الكفاية الموارد البشرية. هنا أخذت معنى واسعا والاستثناءات جد مختلفة، تلك التي تغطي مصادر الخلط.
ولكي نصل إلى مفهمة قارة ومستعملة في مجال التدبير نقترح قطع الحقول المعرفية التي تبدو لنا أكثر إسهاما، وبذلك فإن لفظ الكفاية يقبع في مجالات معرفية متنوعة، وكل واحد منها يحمل إلينا إضاءة نوعية حول واحد من بين مستويات التحليل الثلاثة: على المستوى الفردي نجد علم النفس ومبحث تنظيم الشغل وعلوم التربية، وعلى مستوى الجماعة والدلالة الاجتماعية للتقويم نجد السوسيولوجيا وعلم النفس الاجتماعي، وعلى مستوى الإنجاز بالمقاولة نجد القانون والاقتصاد الميكروسكوبي وعلم التدبير.
وقبل أن نأخذ بهذا الاستعمال يجدر بنا أن نذكر بأن الكفاية تاريخيا قد ظهرت في التأمل العلمي عن طريق اللسانيات، ثم أنها أخذت تتكيف فيما بعد مع سياقات أخرى.
لقد أنجز ن.تشومسكي (1965) تمييزا بين الكفاية والإنجاز. فحسب صاحب النحو التوليدي فإن الكفاية تفهم كقدرة المتكلم على إنتاج لغة والإنجاز كاستعمال فعلي في وضعيات ملموسة.
فالإنجاز يصير إذا تحيينا للكفاية في العبارة أو فهما لعدد غير محدود من الجمل الصحيحة من وجهة نظر نسق قواعد لغة ما، حتى ولو كان المتكلم لم يتلفظها ولم يسمع بها من ذي قبل.
إذا كان لفظ الكفاية قد ظهر في مراحل مختلفة من تطور المعارف العلمية فهو لا يعني في كل مرة واقعة جديدة كليا لكنه يشكل دوما طريقة أو كيفية جديدة لضبط وترميز وقائع مضبوطة سلفا من مختلف زوايا حقول البحث والممارسات. وضمن هذا المنظور يهمنا التركيز على القيمة المضافة من طرف هذا البناء الجديد للبناءات الموجودة التي تخص النمذجة وتطوير ممارسات التقويم كذلك.
1- فكرة الكفايات في علم النفس
لفظ الكفاية في معجم علم النفس الكلاسيكي
في البحث التجريبي في علم النفس لم يعرف لفظ الكفاية إلا كلفظ نوعي في مجال معرفي، كما أنه لاغ يدخل في حقل علم النفس القياس Psychométrie، حيث ننتظر وجوده هناك.
فالقواميس المتخصصة التي تحصي الاستعمالات الثابتة والمؤكدة في علم النفس أو في المعارف المجاورة تعطي لهذا اللفظ جانبا ضيقا من المعنى.
وهكذا فإن لفظ الكفاية لا مكان له في معجم علم النفس المنجز من طرف ه.بيرون H.Pièron سنة 1973 (الطبعة الخامسة). ما لا يوجد له أثر بالنعجم السيكو- بيداغوجي psychopédagogie لصاحبه ر.لافون R.Lafon سنة 1969. وبالمقابل نجد في القاموس الكبير لعلم النفس Le grand dictionnaire de la psychologie الصادر عن لاروس سنة 1991 إشارة إلى لفظ الكفاية في ارتباط مع القواعد. تعني الأولى علم النفس النمو psychologie de développement. حيث أنه في تطور الكائن هناك مجموعة من إمكانات الإجابة الأكثر اكتمالا بالمقارنة مع المحيط.
بالنسبة لبلوخ H.Bloch، نجد في مادة كفاية المتضمنة في لاروس 1991، أن هذه الكفايات الأولية تحدد انطلاقا من أربعة أنواع من الدراسات التي تهتم بتشريح التشكل التي تثبت حضور المسالك العصبية والارتباطات، وبنيات متباينة كما تحدد مراحل تكونها.
ثم هناك الدراسات العصبية- الفيزيولوجية التي تسمح من جهتها بتحديد القواعد الوظيفية لمختلف المجموعات الصغرى، ودراسات علم الأعصاب التي تهتم بوضع لوحات لقابلية رد الفعل، وأخيرا دراسات السلوك التي تبحث في الشروط الضرورية لتحسين إمكانات محددة من قبل الدراسات التي سبق ذكرها أو تلك التي يمكن حدسها انطلاقا من القدرة: اللفظ الإنجليزي capacity.
الاستعمال الثاني للفظ الكفاية يوجد في العلاقة بين اللسانيات وعلم النفس، وهو ما يدل عليه علم النفس اللساني الذي يعنى بمجموعة من المعارف اللسانية لمتكلم تسمح له بفهم وإنتاج عدد لا نهائي من الجمل.
وكما قلنا فيما سبق من القول فإنه في نظرية تشومسكي N.Chomsky فإن الكفاية تتعارض مع الإنجاز. ففي الأشكال الأولى للنحو التوليدي فإن اللسانيات هي الوحيدة التي تضع القواعد التي تشكل الكفاية أما علم النفس فإنه يهتم بدراسة القدرة على الإنجاز وتحديد كيف تعمل هذه القواعد عند المتكلم الحقيقي، مع حدود تعود إلى ضعف ذاكرته ونسقه للمعالجة المعرفية.
وفيما بعد كما أعتقد ج.ف.لوني J.F.Leny مادة الكفاية لاروس 1991، حيث محاولة وضع نماذج للكفايات تصف هذه الأخيرة من منظور علم النفس.
أما فكرة الكفاية الفردية فقد صارت حالة خاصة للقدرة أو إذا كانت مبجلة فإنها ذات صلة بالخبرة: اللفظ الإنجليزي: كفاية.
مرادفات لها معنى قريب أكثر استعمالا على العموم: القابلية والقدرة Capacité
إن لفظ القابلية أو الاستعداد باللغة الإنجليزية Competence. Skill.Ability محدد كإمكانية للنجاح في تنفيذ مهمة بالنسبة ه.بيرون H.Pièron (1973) فإنه من بين شروط هذا النجاح هو امتلاك أولي لبعض الكفاءة.
يمكن أن نقيس درجة فهذا النجاح. هذا الأخير يحدد قدرة الذات، لكن وانطلاقا من هذا القياس يمكننا كذلك في بعض الشروط، تقدير الكفاءة. فيما سبق كان التمييز بين الكفاءة والقابلية مستبعدا دائما كما تشهد على ذلك المصطلحات الإنجليزية التي تستعمل نفس الكلمة Ability لتعني بها الفكرتين معا. وفي اللغة الفرنسية فإن الدلالات المرتبطة بلغة الكفاءات تغتني داخل التطور التاريخي المتنوع المعنى. وهكذا فإن الكفاءة تحدد بخصائصها البنيوية على الأقل في جزء منها وبعوامل وراثية، وبذلك فنحن أمام مشاكل مطروحة نتيجة التمييز بين العوامل الموروثة وعامل الوسط المتغير بين الأفراد. يبدو هذا التمييز الآن أقل بساطة لما كان عليه الأمر سابقا حيث تقوم تفاعلات بين هذين النوعين من العوامل.
في مختلف الأعمال الفرنسية، ومن أجل الاستجابة بشكل خاص لحاجيات اختيارات الانتقاء المهني فقد استعملت بشكل كبير النماذج الإنجليزية والأمريكية للكفايات. بالنسبة لتورستون L.L.Thurstune (1983) فإن الكفاءات اعتبرت كخصائص أولية مفترضة بشكل أساسي. وبالمقابل فإن النموذج العالمي التراتبي المنبعث من أعمال سبيرمان C.Spaerman وبرت C.Burt، والذي استعمله كذلك فرنون P.Vernon (1952) يقدم بنية للكفايات الإنسانية في شكل شجرة تجعلها قيد الاستعمال في حقل أكثر اتساعا.
حدد روشلين M.Reuchlin (في مادة الكفاية لاروس 1991) الكفاءة كبعد يختلف فيه الأفراد من حيث دراسة السلوك، مترجمة عن Ability. فحسب هذا المؤلف فإن الاختلافات الحاصلة بين الأفراد، والتي يمكن ملاحظتها في وضعية طبيعية أو اصطناعية هي بالأساس محمولة على خصائص غير ظاهرة مباشرة للعيان. ويمكن اعتبار الكفاءات، بشكل خاص، كخصائص معرفية مسؤولة عن التحصيل ومعالجة المعلومة. تتميز هنا بخواصها هذه عن المميزات التحفيزية والمزاجية لأنها معينة بمحددات تتعلق ببعض الغايات أو يضفي عليها نسق من الوظيفية يهم تلك الميكانيزمات المعرفية.
ما وراء الألفاظ: مقارنات متنوعة
إن علم النفس بما هو اهتمام رئيسي باختلاف الأفراد فإنه قد وضع عبر مفهوم الكفاءة، في واضحة النهار، سمتين يمكنهما أن تدخلا معا في تحديد مفهوم الكفاية. فمن جهة أولى فإن الكفاءة لا يمكن ملاحظتها، لكن ما يبدو لنا هو بناء معرفي يدل على وقائع يمكن ملاحظتها. ومن جانب ثان، وهذا ما يعمق استعمال الاختبارات العملية فإن صلاحية هذه الاستدلالات ونفعيتها تقوم على خلفية علاقات اختيارية ما بين الوقائع الملاحظة وما نبحث عنه قبل التكهن به. فالحكم الذي يصدر عن ذلك لا يصاغ بألفاظ لليقين، ولكن بألفاظ الاحتمال. انطلاقا من هذا المنظور فإن فكرة الكفاءة هي عبارة عن طريقة في التعبير، عن حكم، على قدرة تكيف الفرد مع التكوين أو الشغل (كفاية تكيفية إلى حد ما).
إن ما أضافه علم النفس لبناء مفهوم الكفاية لا يمكنه أن ينحصر في تقليد القياس. فإذا كانت لغة المكونين والمدبرين في مجال الموارد البشرية تستحضر فكرة الكفايات الوراثية والكفايات المستعرضة والكفايات القابلة للتحويل والكفايات الاجتماعية فإنها لا تتأسس على المحتوى النفسي المعطى لهذه التعابير. والحال أنه انطلاقا من وجهة النظر هذه فإن الآداب النفسية التجريبية، وتحت مظاهرها العامة والمختلفة فإنها تحمل مساهمة أساسية لفهم مشاكل التحويل وأسلوب التعلم والأساليب المعرفية. كما أنها تهتم بدور التمثلات كذلك، وبما وراء المعرفي والشخصية والحوافز. ولتطوير هذا الجانب يمكن الرجوع، من مختلف الزوايا إلى الأطروحة التي أنجزها هوتو 1985-1987 إن مثالا بين أمثلة أخرى يمكنه أن يؤكد هذا الغموض اللغوي: حول ماذا نتكلم حينما يتعلق الأمر بالكفايات الوراثية؟ نحن أمام نموذج تنظيمي تراتبي للكفايات، حيث هناك بعض الكفايات محررة من محتويات الحركة أكثر من أخرى، تلك التي تعمل على جعلها ظاهرة في النشاط المهني؟ نحن ببساطة ضمن نموذج يميز الكفاءات انطلاقا من مجال تطبيقها بدون الإحالة على أي علاقة سابقة كيفما كانت فيما بينها؟ سيكون لدينا هنا كفايات نوعية جدا خاصة بمجال محدد وأخرى عامة قابلة للتطبيق في مجالات متعددة في نفس الوقت (وهذا النقاش ليس جديدا ما دامت هناك مشاكل متشابهة مطروحة في الحوار الدائر حول تنظيم الكفاءات). فالاستعمال الذي أنجز حول ما يسمى بـ generic SKILLS (المترجم إلى الفرنسية بالكفايات الوراثية) يحتل المرتبة الثانية. تشبه الإحدى عشر كفاية المحصورة من طرف COCIL FOR ADULT AND EXPERIMENTAL LEARNIG.CAEL بالولايات المتحدة الأمريكية على فهرسة تحدد أسباب النجاح ضرورة في كل الظروف، في الحياة الاجتماعية والمهنية، وهي تدخل في باب التكيف. لكن يبقى النقاش قائما بين مقاربتين: المقاربة الأولى بنيوية سيكولوجية ترتكز على تقويم الكفاءات المجردة نسبيا بالمقارنة مع النشاط المهني. تستعمل في غالب الأحيان تقنيات سيكولوجية. والمقاربة الثانية هي مقارنة وظيفية تتأسس على تحديد الكفايات العملياتية أو الإجرائية المتحققة دائما انطلاقا من تحليل الإعلان عنها أو تذكر تجارب الذات. نجد جزء من هذا النقاش المشهور عند ج.ف.باري ور.ل.دوبني (1991).
إن تقنية STUDENT POTENTAL PROGRAM الموضوعة من طرف CAEL تعمل على تحديد الكفايات المؤسسة على المقابلة وتستهدف وضعها قيد الإنجاز، انطلاقا من شهادة مفصلة للمستجوب حول وضعيات حياته الاجتماعية والمهنية، حيث يشعر أنه يعمل بارتياح ومقتنع بما يقوم به. وعبر المقابلة يبحث المستجوب عن مؤشرات لنمط عمل الفرد. يسمح له رمز للتأويل بوضع المعلومات التي حصل عليها في شبكة للكفايات الموروثة بغاية إنجاز موصفات للفرد. وما أن يتم الوصول إلى الهدف صحبة المستجوب حتى ينتقل العمل إلى كتابة بيان السيرة ووضع مشروع للتوجيه.
يتأسس منطق المقابلة على البحث عن الإحدى عشر كفاية وراثية وقد اختيرت هذه الأخيرة كعينة ممثلة لمجموع القدرات المعتبرة كشيء يسمح بالنجاح في الحياة الاجتماعية والمهنية. وها هي اللائحة أمامكم، حيث كل كفاية هنا تحدد بمثل من السلوك يمكن أن يدل على مؤشر على الكفاية.
1-                            روح المبادرة: سلوك تلقائي منضبط للوضعية
2-                            الصلابة: تجريب مختلف الاستراتيجيات من أجل حل مشكل: إعطاء نموذج على المثابرة
3-                            الابتكار: ابتكار مواد جديدة: الأصالة
4-                            الحس التنظيمي: التخطيط للمهام، الأخذ بالإمكانات قبل الشروع في إنجاز شيء ما، العمل بأولويات المهام المتعددة.
5-                            الروح النقدية: إدارك الاختلاف والتشابه بين الوضعيات، واستعمال مفاهيم أو مبادئ في وصف الأحداث.
6-                            الرقابة الذاتية: أن يظل المعني هادئا في جميع الوضعيات ويجب عليه ألا يستخلص أي شيء بتسرع.
7-                            كفاءة القيادة: التنظيم أو التكفل بجماعة أو نشاط، تنشيط جماعة حوار.
8-                            قوة الإقناع: القيام بفعل أو الإدلاء بقول مؤثر: تقديم حجج كثيرة في نفس الآن لإقناع أي كان.
9-                            الثقة في النفس: حصول خلاف مع أحدهم
10-                       العلاقة مع الآخر: إدراك حالة غضب الآخر، ملاحظة وفهم سلوك غير لفظي قام به الآخر، وصف تصوره للحاجيات وأهدافه.
11-                       الحساسية: أخذ الوقت الكافي للاستماع لمشاكل الآخرين، شد عضدهم وتسكين روعهم.
في هذا التقديم عملنا، بصمت، للمرور إلى إسهامات علم النفس الاجتماعي. بالنسبة لس.موسوفسكي (1984) فإن علم النفس الاجتماعي يختلف عن علم النفس وعلم الاجتماع بنظرية النفس- اجتماعية التي ترتبط بالعلاقة القائمة بين لفظي الذات والموضوع (الفيزيقية والاجتماعية، المتخيلة والواقعية). إنها علاقة ثلاثية الأركان: الذات الفردية والموضوع الاجتماعي والشيء المحسوس. ويتجلى همها في دراسة العلاقة المضطربة بين الفرد والمجتمع. إن علم النفس الاجتماعي لا يهتم كعلم النفس بمسألة تحديد المتغيرات الشخصية للسلوك، ولا كعلم الاجتماع الذي يهتم هو الآخر بالموضوع الجماعي تاريخيا واقتصاديا، إنه يهتم تحديدا بدراسة تفاعل الشخصيات الفردية مع التأثيرات الاجتماعية. وهكذا فإن الكفايات المهنية لا ترسو إلا بشكل غير مباشر انطلاقا من دراسة سيرورات التأثير الاجتماعي. كما يوجد هناك مجال يشكل مكسبا كبيرا بالنسبة لموضوعنا وهو مجال التصرفات الاجتماعية للتقويم. وأخيرا تبرز أمام أعيننا عينة من الكفايات، كانت موضوع أبحاث كثيرة في مجال علم النفس الاجتماعي، يتعلق الأمر هنا بكفاية التواصل.
2- الكفايات المهنية وتنظيم الشغل
الظهور الحديث لمفهوم الكفايات في تنظيم الشغل
في مؤلفه المدخل إلى تنظيم الشغل وضع م.دو مونتملان (1990) أمام القارئ تيارين متكاملين: تنظيم المركب البشري الذي يشكل التيار الأول الأكثر قدما وهو من أصل أمريكي، ثم نجد الخصاص (التشريعية والفزيولوجية والسيكوفزيولوجية) للعنصر البشري التي تؤخذ بعين الاعتبار في توجيه التصور للآلات وقضايا تقنية أخرى. وأما التيار الثاني الذي يهم تنظيم شغل الأنشطة البشرية فهو أكثر حداثة من الأول فيه نفخة أوربية، حيث يعتبر تنظيم الشغل كدراسة نوعية للعمل الإنساني في أفق تحسينه. يتم تحليل العمل ضمن منظور سيكولوجي عوض المنظور الفزيولوجي، وكسيرورة حيث يتفاعل العامل والمحيط. فهذا التنظيم الثاني المتعلق بالعامل- الفاعل حسب تعبير م.دو مونتملان تطور في نفس الوقت الذي انتشرت فيه الآلية والنزعة المعلوماتية، حيث يتم تحويل أعمال يدوية إلى أعمال آلية متكررة. وبذلك تكلفت التكنولوجيات الجديدة بالمهام الأكثر تعقيدا وساهمت في تطوير العمل الذهني وبرزت مجاوزة المستوى الوحيد لتحليل المهمة حتى تستفيض في تحليل العمل على مستوى سيرورة الفكر كما بين ذلك ج.س.سبرانديو 1984.
نعتقد بأن النشاط اللفظي بدأ يأخذ مكانة شيئا فشيئا، وعلماء تنظيم الشغل على وشك وضع أساس لنظام الحوار FLAZON 1989، ومع ذلك فإن مفهوم الكفاية لم يدخل إلى هذه المجالات إلا حديثا. فحسب تقدير دو مونتملان على مستوى التجديد المعجمي صار المفهوم، شيئا فشيئا، لا غنى عنه إذا ما أردنا ليس فقط الوصف، ولكن كذلك، على الأخص، تفسير الممارسات المهنية: تفترض أنشطة العالمين شيئا يشبه بنيات رهن الإشارة متكيفة مع إنجاز بعض المهام أو ما له علاقة بها.
يستحضر هذا المؤلف بأن سيرورات تحديد الرواتب تتمحور حول مهنة أو حرفة وبمعنى كفاية مهنية (...) وتحديد هذه الكفايات كمجموعة قارة من المعارف والخبرة المهنية العملية وممارسات نموذجية وإجراءات عامة، وأنواع التفكير التي يمكن إنجازها بدون تعلم جديد (P122). كما تم الاهتمام مؤخرا بوظائفية وضع عامل أو عنصر يثبت هذه الممارسة. يقترح م.مونتملان (1991) تمييز ثلاثة مركبات في الكفاءات هي: المعارف التي تسمح بفهم كيف يعمل هذا، والتي يمكنها أن تتحصل عن طريق تكوين تمهيدي تم الخبرة التي تشير إلى كيف يعمل، وما وراء المعارف التي تسمح بتدبير معارف والتي لا تتحصل إلا بالتجربة.
في مؤلف جماعي خصص لأنواع تحليل وضعيات الشغل لج.لبلات (1991) اهتم بالمسألة التالية: كيف يمكن إدخال هذا المفهوم في مجال تنظيم العمل، ماذا يمكن أن نجني من هذا كله P263؟ لننطلق من القاعدة- التي اقترحها م.دو مونتملان، فهو يعتقد بأن مفهوم الكفاية لا يختلف كثيرا عن مرادفاته المجاورة: المهارة، الخبرة، القدرة، المعرفة، حسن الأداء. فهي كلها تشرح بعضها البعض كذلك P264 ما يميز لج.لبلات بيم مفهومين للكفاية هما: السلوكية والمعرفية، حيث يحدد المنحى السلوكي للكفاية انطلاقا من المهمات التي يقوم أو يستطيع الفرد القيام بها، بينما على العكس من ذلك فإن المفهوم المعرفي يجعل منها استراتيجية، أي نسقا من المعارف يسمح بالإحاطة بالنشاط. ويذكر بأن البحث عن كفاية ثاوية في النشاط يبدأ في بتحليل هذا النشاط، ويرى بأنه لا وجود لتناسب بسيط بين المهمة والكفاية ما دامت نفس المتطلبات يمكنها أن تكون مقنعة بواسطة كفايات مختلفة، وهذا الأمر يزداد كلما كانت المهمات معقدة.
يحدد هذا المؤلف أربع سمات للكفايات (266- P265) هي:
1- غائية الكفايات: القدرة على الفعل وهي معارف إجرائية أو وظيفية ما دامت قد وضعت ضمن رهان أو تحقق الهدف.
2- تتعلم الكفايات أي أن نصير أصحاب كفاية (قادرين على). تحصل الكفاية بالتعلم في المدرسة أو في مكان العمل.
3- تنظيم الكفاية في وحدات متناسقة حسب الترتيبات أو العلاقات.
4- الكفاية فكرة مجردة أو افتراضية: لا يمكن أن نلاحظ إلا تمظهراتها ولا يستدل عليها إلا من خلال الاعتقاد بتجليها.
تلتقي هذه الخصائص المعروضة أمامنا مع الأفكار التي طرحها م.دو مونتملان ور.أملبرتي في نفس الكتاب، مع العلم أن هذا الأخير أميل إلى مفاهيم الخبرة والفعل عوض الكفاية. ونسجل هنا بشكل عام فيما يخص تنظيم الشغل تقويم الكفايات الذي لا يمكن أن يتم إلا من خلال المباشرة على المهام المنجزة التامة المتكملة. أشار ج. لوبلات إلى أن اللجوء إلى الاختبارات يظل إلى حد الآن مسألة خادعة ودو.مونتملان (1984) يشير إلى أبعد من ذلك ما دام يرى بأن الكفاية مفهوم لنظام من الوصف والشرح وليس التقويم.
إن تحليل أنظمة الشغل للكفايات ليست برانية عن تدبير المقاولات وأيديها العاملة. كما نورد هنا تدخلات التنظيمات المتخصصة من قبيل الوكالة الوطنية لتحسين شروط العمل أكثر من ممارسات بعض المقاولات الكبرى مثل FRANCE TELECOM.

تقاربات بين وجهة نظر تنظيم الشغل المعرفي وما للتخصصات الأخرى

يكشف دو.مونتملان (1981) من خلال تنظيم الشغل المعرفي والإدراكي (إنجاز أنساق خبراء) عن خدع ما بين الاختصاصي في إنجاز أنساق الخبراء وتنظيم الشغل: فالمتخصص في تنظيم الشغل والعارف لهما خصائص مشتركة منها أنهما يهتمان بإنجاز المهام من قبل عمال خبراء. ويضيف بعد ذلك بأن النماذج المقترحة من طرف العارفين المدركين من أجل بنينة المتخصصين في تنظيم الشغل. فمن بين النماذج المستعملة بكثرة في علم تنظيم الشغل المعرفي نجد النموذج المتعلق بالخصائص الفكرية للعامل لج.رسموسن (1986). فالمختصون في علم تنظيم الشغل هم كثر، لكننا نركز هنا، بشكل خاص، على الأطروحة التي قدمها ب.فالزون (1989) (23.P20) الذي يفكك هذا النموذج- النشاط إلى ثلاثة أنواع من السلوكات هي:
1- إن السلوك المرتكز على القدرات يضع جوانب الحواس كقاطرة للذوات حينما تقوم هذه الأخيرة بأعمال من دون مراقبة واعية (...).
إن السلوك المؤسس على القدرات يمكنه أن يسمح بإتمام المهمات المعقدة: سياقة سيارة مثلا هو سلوك آلي، على الأقل إذا لم يظهر اصطدام.
2- سلوك المرتكز على قواعد يحدد باستعمال قواعد أو إجراءات مختزنة في الذاكرة سواء كانت لها علاقة بما هو اختباري مبني على التجربة أو ينقال من طرف زميل أو أخذه أثناء التكوين. فالسلوك المؤسس على القواعد (في اختلافه عن القدرات) هو ملفوظ: الذوات غالبا ما تكون قادرة على شرح القواعد التي تستعملها.
3- إن السلوك المؤسس على المعارف يكون ضروريا حينما تكون الذات أمام وضعية جديدة غير عادية، حيث لا تمتلك الذات هنا لا الخبرة العلمية ولا القواعد. فالوضعية تتطلب، بالتالي، وضع مخطط عمل في ارتباط بأهداف متبعة من ذب قبل.
إن التقاء الاهتمامات تحمل المتخصص في المدارك، كما هو الحال بالنسبة للمختص في علم تنظيم الشغل الذي يهتم بالأنشطة الذهنية، على النهل من معين علم النفس المعرفي. فالتقنيات التي لها علاقة بذلك (انظر مثلا ج.ف.غالوين 1988) الذي يرى بأن تلك الأمور تكون مشتركة مع تقنيات تحليل الكفايات في علم تنظيم الشغل.

علم تنظيم الشغل المعرفي وعلوم التربية

 إن مفهمة الكفاية التي يقترحها علماء تنظيم الشغل لا تختلف كثيرا عن تلك التي يقترحها المختصون في علوم التربية، على الأقل على مستوى التحليل الأولي، ولذا سيكون من العبث استخلاص تطابق مباشر بين المجالين كما تقوم بذلك بعض مناهج التحليل الخاصة بالكفايات. يقول ج.لبلات وج.بلهوس (1981): «يوجد مجال لتمييز تحصيل تقنيات ووضعها قيد الإنجاز. فالسيرورات المعرفية التي تتدخل في الحالتين يمكنها أن تكون مختلفة».

3- الكفايات في علوم التربية والتكوين

تشتغل علوم التربية والتكوين على أهداف تتموقع في تمفصلها بين الفرد (المتعلم) والمحيط الاجتماعي والمهني، والذي منه تؤخذ الأهداف التي تبرر التربية والتكوين. ليس من المبهر في شيء أن نجد بأن لغة هذه العلوم ذاتها عبارة عن مؤشرات لها اهتمامات مزدوجة: الذات المتعلمة والأهداف المتوخاة. فبمجرد وصف برنامج التحصيل بالمقارنة مع حقل الأنشطة (الفزيائية والمعرفية والاجتماعية) المراد التحكم فيها يمكن التحريض على خصائص أفراد يستلهمون تحديد ما حصل سلفا. يمكن لفكرة الكفاية أن تلعب هذا الدور. في السابق لم نجد مثل هذه التعاريف في القواميس الكلاسيكية التي نراها تطور استعمال هذه اللغة، وبالمقابل فإن الأمر يتعلق بموضوع راهني في الآداب حول التكوين.
نجد في منجد التقويم والبحث في التربية لصاحبه ج.دولانشير (1979) تعريفا للكفاية يحيل على معجم النحو التوليدي الذي أسسه نعوم تشومسكي. وحسب معجم ألفاظ اللغة البيداغوجية لصاحبه ب.فولكيي (1971) فإن لفظ الكفاية مشتق من اللفظ اللاتني COMPTENS وهو اسم الفاعل COMPTER مع وجود CUM التي تعني مناسبا ومتكيفا مع قدرة سواء أكانت قانونية أو مهنية محصلة للقيام ببعض الوظائف، أو الاضطلاع بعمل ما. وفي معجم الألفاظ التربوية الذي أشرف عليه ج.ميالري (1979) نجد أن لفظ الكفاية مشتق من اللاتينية القانونية COMPTENTA الذي يعني تحديدا التقرير. فالكفاية هنا هي حصيلة كفاءة أو قدرة أو أهلية. فالأهلية هي غياب كل ما له علاقة بالفردي، وأكثر من ذلك كل ما هو سيكولوجي بينما القدرة أو الكفاءة تقر بوجود تأثيرات الوسط بشكل عام، وتحديدا الوسط المدرسي (...).
ما وراء التعاريف المعروفة فإن استعمال لفظ الكفاية مرتبط بنوعين من الانشغالات نابعتان على التوالي من علم النفس- الشغل والتكوين. ثم يعود إلى علماء البيداغوجيا والمكونين. فالأول مرتبط بإنتاج الكفايات. فالكفاية بالنسبة لج.مالجليف هي معرفة في استعمال تهم كلية متحركة، لكنها مبنينة وعملية، بمعنى منضبطة للحركة ولمختلف الحوادث (1992 و1990)، علاوة على المعارف لمشكلة للمعرفة العلمية، والإحالة على معرفة تستعمل وتدمج المعارف التكنولوجية (معارف يضعها العاملون ويحولونها إلى واقع)، ومعارف منهجية، وهي (معارف تسمح بالتحرك الناجع في وضعية معقدة أو صعبة) ثم خبرة متراكمة انطلاقا من التجربة (خليط مجموع من العوائد، من وجهة نظر حول الأشياء، حدوسات، ردود فعل وعوائد) لكن بالنسبة لج.مالجليف فإن المسألة المركزية تتمثل في معرفة كيف استعمال هذه المعارف في النشاط وكيف نبني بها الذات. إن الجواب الذي قدمه يمكن تلخيصه في العبارة التالية: المعرفة المستعملة وشكلنتها هما وجهان متكاملان للكفاية، والتي حسب تحليلنا، تتمثل كبنية دينامية، حيث محركها ليس سوى النشاط
(
1992 p.272).
يبقى لنا الآن النظر في مشكل تنظيم الكفايات: هل يجوز الحديث عن الكفايات بالجمع أم بالمفرد؟ وإذا كان الجمع ملائما كيف ندرك نسقا يمكن أن تتخذه مرتكزا في الحالة التي لا يمكن أن نكون فيها متخصصين في علم النفس أو التكوين؟ نوقش المشكل من قبل كل من ب.جلبير وم.بارليي (1991 p.17)، وارتبط بمشكل إنجاز صنافات للأهداف البيداغوجية التي تحدد مجال الكفايات المراد تحقيقها.
أول صنافة طبقت في حقل التربية هي صنافة ب.س بلوم (1956) وكانت تهم المجال المعرفي ثم تلتها العديد من المحاولات التي طالت مجالات الحركي- النفسي والعواطف. ظهرت صنافة بلوم بعد بحث قريب من تنظيمات التكوين بغاية وضع تصنيف التحصيل إلى التقويم، بمعنى القدرة على صياغة أحكام نوعية وكمية، وكل واحد من هذه المستويات يغطي مستويات متعددة.
وقريبا، وانطلاقا من العمل الذي قام به كل من (فليشمان وكنتانس، 1984) اقترح فليشمان سلالم لتجميع الأنشطة التمثيلية لمختلف أنواع القدرات، بحيث يحتوي مؤلفه على اثنان وخمسين من القدرات، كل واحدة منها وضع لها تعريفا مضبوطا، ثم احتوى المؤلف على أنشطة لتحصيل هذه القدرة أو تلك. فيما سبق كان يرى فليشمان بأن معنى لفظ القدرة واسع جدا بالمقارنة مع الكفاية ما دام يأخذ في الحسبان الاستعدادات (سلاسة المهارة اليدوية، الاستدلال الرياضي...).
أما السلم المقدم من طـرف أ.دربارن (1989 p.158) فإنه يـظهر لنا أكثر إقناعا، فهو يرتكز على ثلاثة مستويات من الكفايات هي:
1- كفايات التقليد تمكن من إعادة إنتاج عن الأصل أنشطة بدون معرفة بالمبادئ. فهي كفايات تجعل إنجاز أنشطة ممكنا ومتكررا وآليا، حسب الإجراءات النوعية المحددة سلفا.
2- كفايات النقل أو الانتقال تسمح من جهتها بالانطلاق من وضعية قائمة وحملها إلى وضعيات غير معروفة، لكنها قريبة منها، وذلك بواسطة القياس. يتعلق الأمر، في هذه الحالة، بالتكيف والتحكم في وضعيات مختلفة (...).
3- كفايات الابتكار تسمح بمواجهة مشكل جديد بحل مجهول، ويتم ذلك باستغلال تراث من المعارف يركب في عناصر ضرورية للحل. لا يكون الفرد المعني مرتبطا ضرورة بنموذج سابق يحيل عليه أو ينطلق منه. فقط عليه أن يبحث ويدرك ويبدع. هي إذن، وضعية لحل المشكل، والمبتغي من إنجاز هذه الاستراتيجيات يستهدف وضع حل غير محدد سلفا.
فحسب أ.دربارن فإن نقط الارتكاز تشكل إحالات تقدم في الكفايات، ويمكنها إن تعتبر كمراحل في تحصيل الكفايات.
كما أن مشكل الملاحظة وتقويم حصائل التكوين، حيث تظهر التجربة الاجتماعية والمهنية، يشكل مدخلا ثانيا للفظ الكفاية في معجم التكوين المهني (...).

4- وجهة نظر علم الاجتماع

إن علم الاجتماع هو المجال الطبيعي لدراسة الشغل في مختلف وجوهه، بمعنى أن علم اجتماع الشغل يبدو خصبا حينما نتوسع في مسألة الكفاية المهنية. ومع ذلك يظهر لنا أن طرح هذه الفكرة (فكرة الكفاية) يظل حديث العهد في أعمال علماء علم الاجتماع، بينما كانت نعوتها ضمن اهتماماتهم بسبب أثرها وعلاقاتها بموضوعات أساسية كالشغل والأجر وتقسيم العمل والتحول التقني إلخ... سنلاحظ كيف أن الدراسات المخصصة في الكفاية المهنية تنجم مباشرة عن تطور الأبحاث المرتكزة على التأهيل أو الكفاءة. كما سنتبع كذلك أن اللجوء إلى هذه الفكرة (فكرة الكفاية) الجديدة حول النماذج التي وضعها علماء الاجتماع وفيما يمكن أن تفيدنا في كشف وتوضيح ما يتعلق بإشكاليتنا.
اعتقد كثير من المؤلفين بأن ظهور فكرة الكفاية جاء ليحل محل التأهيل، وبشكل خاص انطلاقا من عدد كبير من الدراسات الدقيقة لعلماء الاجتماع، فهذا م.ستروبانتس (1991) لاحظ بأنه منذ سنوات وقع انزلاق في معنى لفظ التأهيل نحو الكفاية. ومع ذلك علينا ألا نقر بأن هذا الانزلاق ذي نظام لساني كما يعتقد الحس المشترك: إنه يترجم تطورا واقعيا إن لم يكن إشكالات ونماذج منجزة سلفا فهو على الأقل عبارة عن مقاربات مستعملة في تحليل الشغل.
وبالفعل فإن تطور الآداب ما بين 1970 و1980 تشهد على تمثل مختلف للعامل والعمل. ففي سنوات 1970 يكاد أن ينحصر هم علم الاجتماع في دراسة مناصب الشغل والمهام المطلوبة. فما يمكن استخلاصه من تلك الأبحاث بشكل مكثف هو انحصارها بقوة في خبرة العامل وفي جبره آليا وفق التنظيم العلمي للشغل (انظر كوريات أورده ستروبانتس، 1991 ص 31). فخلال هذه المرحلة لم يكن الاهتمام إلا بالتأهيل، أساسا، من حيث أنه موضوع. منذ سنوات 1980، في سياق التغيير والنمو الواقعي للمشهد الصناعي وبشكل أساسي مع ظهور الآلية، آنذاك تم الاهتمام أكثر بالمعارف المستعملة في الشغل كما تمت دراسة المعارف والخبرة وكفاية العمال. وفي الآن نفسه تغيرت الرؤية للعامل، حيث صار أجيرا أو شغيلا. وصار العمال، جماعيا، يحددون بمظهرهم في المقاولة أو كجزء حادث لجماعة. إنهم هنا ليبينوا عن خبرتهم وتمكنهم وكفايتهم وتجربتهم. (و م.سترابانتس، 1991، ص 32) ثم بالنسبة لهذا الأخير فإننا نضع، هنا تغييرا في التمثل إذ بموجبه تفقد المعرفة قانونها لتسند للذات (...) وتنحو علاقة المعرفي نحو تحديد نوع الكائن (الوجود القادر) وليس حسب ما يمكن أن يتحصل (تحصيل معرفة أو الخوف من فقدانها) (1991، P36).
إن اللجوء إلى فكرة الكفاية يترجم استعمال المقاربات الأكثر وجودية الممركزة أساس على الفرد. يتعلق الأمر هنا، وكما يظهر لنا، في هذا التخصص الذي ظل لمدة طويلة ممركزا حول العامل من حيث أنه ممثل جماعي. فمن الآن فصاعدا، وتحت تأثير التطورات العلمية والمعرفية، سيهتم جزء كبير من علم الاجتماع كذلك بالمعارف والخبرات في ذاتها عوض الطريقة التي يكسبها بها الأفراد، سيستعملونها أو سيتفاوضون عليها. أشار م.ستربانتس إلى نقطة مشتركة بين جميع الأبحاث: بمجرد الإعلان أو الكشف تبدو الممارسات المعرفية للعمال فعلية وضرورية ونسبيا غير معروفة. لا شيء يجمعها بالتمثلات الصورية التي كانت قد شيدتها التصنيفات المهنية والشـواهد المدرسية (1991, p32). إن عـلم الاجتماع يركـز على وجود معارف غير مهيكلة إلى جانب معارف صورية، وعلى معارف عملية إلى جانب مخزون محدد من المعارف، وأن وضع هذا التعارض بين الشكلي وغير الشكلي ضمن حيز عملي يسمح بتأمل وجود هوامش مستقلة رغم الإكراهات القوية للشغل.

مسألة إعادة معرفة الكفاية

إذا ما تقبلنا التفاوت الحاصل بين المعرفة المنصوص عليها والمعرفة الواقعية فإن ذلك يفترض مباشرة مشكل إعادة معرفة الكفاية وتقييمها، لأنه وكما أشار إلى ذلك ج.مرشييش J.Merchiers وب.فارو P.Pharo بقولهما أنه «لا يمكن الاكتفاء بأن يعلن الفرد عن نفسه بأنه قادر» (1992, p60). ولكي نتحدث عن الكفاية هل ينبغي أن تكون معروفة للعموم خاصة في مجال المقاولة؟
فيما يخص الطريقة التي تحصل بها إعادة المعرفة هذه والشروط التي تحقق فيها، أو فيما يخص رهانات التأهيل فإن رؤى الفاعلين ليست متطابقة دوما.
ضبطت س.بردييس C.Paradeise (1987) وجهة نظر الاقتصاديين للشغل الذين يحددون التأهيل كتمفصل بين قيمة الاستعمال وقيمة تبادل قوة العمل. وحسب المؤلفة فإن قوة العمل لا يمكن أن تكون متشابهة لوجود نشخ بسيط لمؤهلات العمال في استقلال عن شروط وضعها قيد الإنجاز. لذلك فإن جزء كبير من النشاط الجماعي للعمال يتمثل في بناء شروط اجتماعية لمعارفهم وخبراتهم المشتركة
(
p42). ومع ذلك تشرح س.برديس Paradeise قائلة بأن «بناء وحماية الكفاية لا تبدو الضرورة الوحيدة للعمال (...) فالتعرف مجددا على الكفاية يمكن أن يصدر عن العمال أو الدولة (p43). تورد الباحثة هنا مثال رب عمل أبوي وهو يخلق شروط إخلاص اليد العاملة له، وهي تعمل في حقل "الجزر" بالتناوب جميع الامتيازات والعوائق الهامشية (و"العصا" (العراقيل الموجودة في الطرق التي يمكن للعمال أن يتخلصوا منها في مثل هذه الظروف) وهكذا يشارك العديد من الفاعلين في بناء الكفاية ومنهم:
المقاولات: يمكنها أن تجبر على التوقيع الضروري لإعادة التوزيع من أجل المحافظة على الكفايات التي تكونها» (بردييس 1984 ص 43).
الدولة: تعمل انطلاقا من القانون والتنظيم على «تحديد بعض الشروط العامة أو الخاصة بقانون الشغل». تساهم الدولة مباشرة، من حيث أنها مشغل مباشر أو غير مباشر ومتدخل في التربية وساهر على سياسات التشغيل مثلا، في تحديد «مرة واحدة الاستعاضة وندرة الخبرة العملية» (p44). وتخلص بردييس إلى القول بأن «المعارف والخبرات تبدو كلغة من خلالها التوافقات داخل كل واحدة صغرى من الوحدات الكبرى للعمال والشغيلة والدولة» (1987, p46).
يبدو العمال أنفسهم، بنشاطهم الفردي أو الجماعي، من هذا المنظور الكفاياتي والتأهيلي كعناصر قابلة التعويض في رسم علاقة اجتماعية مرتهنة، بشكل دائم، إلى وظيفة تطور سوق الشغل. فالتأهيل بدون كفاية ليس معطى يمكنه أن يتحقق بشكل أساسي، بناء على المعارف المحصلة انطلاقا من منصب شغل (تتهم س.بردييس المقاربات السوسيولوجية التي تتصور الكفاية كمنتوج عوامل عن فعل العمل، بمعنى الإحالة على أنساق التكوين وتنظيم الشغل). إنها إذن نتيجة تفاوض اجتماعي دائم يعني عددا من الفاعلين لتهيئ استراتيجية تهم خدمة مصالحهم، في علاقة مع وضعيات نوعية مرتبطة بسوق الشغل في لحظة معينة.
يطرح كل من ج.مرشيش وب.فارو (1992)، المنتميان لتيار في علم الاجتماع مسألة تهتم «بالمحددات الاجتماعية للنشاط الكفء وتحديد الكفاية»، ومشكل إعادة معرفة الكفاية بشكل أساسي يقولان: من بين مشاكل الكفاية تلك التي تهم العلاقة من الكفاية إلى الحصيلة، وعليه يتوجب تحديد وجهين أساسيين للكفاية هما:
1- وجه معياري يأخذ في الحسبان شروط النجاح إذا ما اعتبرنا الكفاية تلازم نشاط فعال يحصل بنجاح.
2- وجه معرفي يأخذ بعين الاعتبار المعارف الضرورية المستعملة في نشاط معطى (1992, p48).
انطلاقا من دراسة خاصة بالأنساق المتخصصة يقترح المؤلفان نموذجا سوسيولوجيا للكفاية يرتكز على فكرتين مركزيتين هما:
1- أن الكفاية «تستخدم في منطوقات اجتماعية، وتلك هي الرؤية المعيارية، والتي انطلاقا من استخدامها يمكن التعرف على كفاية الفرد». وهذا ما يفسر «الوجه التفاعلي والمعياري والاستردادي للحكم على الكفاية».
2- «تفترض إعادة المعرفة هاته تنظيم المعرفة من قبل الفرد حتى تسمح له بالحصول على نتائج» (1992 p60). وهذا بالنسبة مرشيرس وفارو، هو النجاح العمومي الذي يجعل الكفاية مشروطة: لا يمكن بلوغ كفاية بدون نجاح عمومي، أي بمعنى بدون إعادة معرفة اجتماعية.

4- الكفاية وتنظيم الشغل

من بين الأسباب التي تفسر ظهور الكفاية في علم الاجتماع، هي بدون شك، تتجلى في تنامي تنظيم الشغل. وبالفعل فما دامت التايلورية النموذج الذي يحال عليه فإن كثيرا من الباحثين قد درسوا تأثيرات التحولات التايلورية وما بعدها أو التايلورية الجديدة على مستوى المعارف والخبرات التي يستعملها العمال.
سال كثير من المداد فيما يخص مسألة انعدام التأهيل، التي سيطرت إلى حدود 1980. ومع ظهور النزعة الآلية وإدماج المعلوميات في سيرورة الإنتاج اعتقد الباحثون دوما بتغير حاصل فعليا في الكفايات.
وقد سجل ستربانتس بأن الملاحظين وعوا أخيرا حيل ومهارات وتعدد المهام الذي موؤس كويلا بشكل مستتر داخل المقاولة (Stroobants 1991, p33)، مثلا هناك بعض الباحثين الذين يميزون "المهمة النظرية" عن "النشاط الواقعي" (منطق استعمال منطوقات آلية) واكتشفوا تعقد إجراءات الشغل والسيرورات الذهنية التي تتضمن مهام العمال المشغلين للآلة» وبشكل خاص في الصناعات. فكثير من الأعمال ظهرت إلى الوجود «لتعزيز نسق التعددية» و«إعادة تركيب مناصب الشغل» التي تسمح من جهتها بتحقيق مقارنات «من زاوية حركية الكفايات التحويلية» (1991, p53).
تشبه الممارسات الجديدة للمقاولات في مجال تنظيم العمل والتدبير إلى منح المسؤولية للعمال فمجموعات التعبير ودوائر الجودة وتوسيع مهام التصنيع والمقابلة وتقليص مستويات التراثية ليست أجزاء بسيطة تعود للآلة أو لمدراء الأعمال. إنها ترجمة واقعية لمحاولات تحويل تنظيم العمل من أجل استعمال جيد للمعارف والخبرات، وبشكل خاص إزالة الحواجز أمام المعرفة الإجرائية والنظرية.
وأخيرا، نعتقد بأن إدخال الآلية قد ساهم في تطور فرضية التجريد المتنامي للكفايات المرتبطة بها. ومع ذلك فإن التمييز بين التصور والتنفيذ يجر كثيرا من النقاش. فالكتاب الذين طوروا خلال سنوات السبعينات أطروحة التأهيل وضبط معرفة العمال لم يلاحظوا نفس الظواهر التي عرفتها المقاولات منذ خمسة عشر سنة فيما بعد. وذلك ما حملهم على استخلاص مغلوط: إنهم يشاهدون اليوم إعادة تركيب المعارف والخبرات التي يستعملها العمال ويجمعون بين التصور والتنفيذ ويطالبون بكفايات مجردة (انظر أطروحة كرن وشومان 1992 أوردها مستروبانتس).
وبالمقابل، هناك باحثون يعتقدون بأن فكرة «وضع المعلوميات (إدخال المعلوميات) إلى قطاع الإنتاج تتطلب معارف أكثر تجريدا (م.ستروبانتس 1992) مثلا ي.لوكاش Y.Lucas (الذي أورده م.ستروبانتس) يرفض فكرة "التثقيف المتنامي للعامل"، مبينا بأن "دور اليد العاملة" للحرفي أو المهني لم تكن يوما يدوية لكنها تفترض، على العكس من ذلك، قدرات عقلية ومعرفية مضمرة لم تؤخذ في الحسبان لأنها كانت مجهولة (1992, p8). ومن أجل الختم نقول بأن كثيرا من المؤلفين أولوا اكتشاف وضع المعارف قيد التطبيق بتعقيد وتجريد كبيرين وأقل تجزيئا بالمقارنة مع النزعة التايلورية التي لم تسمح بافتراضها في ضوء تحولات سيرورات الإنتاج، وبشكل خاص إدخال المعلوميات والآلية. وفيما يخص الصنف الآخر من المؤلفين فإنه يرى بأن تلك الاكتشافات تسمح دوما، وبمساعدة العلوم المعرفية بالتحقق. وهكذا انتقد م.ستروبانتس بتأثير من علماء الاجتماع والاقتصاديين المختصين في الشغل، الذين اكتشفوا من جديد ما كان يعلمه علماء تنظيم الشغل منذ زمن بعيد، حيث تعمل الاستراتيجيات المعرفية المعقدة على ضم الانشطة المعتادة للغاية. وبالنسبة للمؤلف فإن هذه «الكفايات الجديدة المكتشفة ليست منتوج تحول راديكالي لممارسات الشغل، لكنها أثر تمثلات جديدة. (انظر أطروحة ستروبانتس).

ما هو تعريف الكفاية؟

يبدو أن الموضوعة théme المركزية في جميع المنشورات التي نحيل عليها هنا حول الكفايات كأنها لم تعط معنى محددا للكفاية. ويظهر في نفس الآن أنها تعمل على عدم السقوط في الفصل بين الكفاءات والمهارة والمعارف والتأهيل، حيث يستعمل هذا اللفظ أو ذلك كمترادفات. غير أن الأبحاث تفضل وجهة نظر أكثر معرفية.
انطلاقا من تحليل الكفاية الخبيرة ترك كل من ج.مرشييرس J.Merchiers وب.فارو P.Pharo (1990) المعارف العلمية جانيا، وبينا أنه حسب طبيعة الهدف المتوخى بلوغه يمكن تحديد، على الأقل، ثلاثة نماذج للكفاية هي:
الكفاية التقنية أو القانونية: تظهر حينما يكون الهدف المتوخى معروفا مسبقا (...) أو الحصول على نتيجة فزيائية مرغوب فيها (...).
الكفاية التاكتيكية التي لا يحدد فيها الهدف إلا من خلال النشاط (...).
الكفاية الأخلاقية أو الجمالية حيث لا يحدد الهدف إلا بعد الإنجاز (...) إنه حكم جمهور بعدي هو الذي يحدد الكفاية. على المستوى المعرفي يشرح ج.مرشييرس J.Merchiers وب.فارو P.Pharo بأن المعارف تتناسب والكفاية، بمعنى حيازة بعض النجاحات العمومية، وتتميز عن المعارف الدلالية والمعارف العامية (Procurales). في حين أن اللجوء إلى العلوم المعرفية يبدو مثمرا، وبشكل خاص في علم الاجتماع، حيث يعمل هذا الأخير على صد جميع الانحرافات الممكنة لهذه المقاربة أو تلك بعيدا عن وضع اليد على الكيفية التي تتطور بها معارف العمال وتتباين وتختلف، فإن ما يهم هو وضع اليد على الذكاء العملي (...) (ستروبانتس، 1991، ص 38).
لهذا السبب يظهر لنا أن النموذج المقترح من طرف مرشييرس وفارو مهما في الحدود التي يضع فيها ثنائية الكفاية في الحسبان [...] لأن الكفايات هي في نفس الوقت [...] عملية تستهدف من جهة وجها تعبيريا، محاورا، ومن ناحية أخرى مصادقة الغير عليها. ففيما يتعلق بهذين المؤلفين فإن هناك شرطين Sine qua non للكفاية: الحكم المناسب للغير والمطابقة العملية لمعرفته مع الواقع (1991, p106).
وفي الختام نقول بأن الكفاية ليس لها معنى في ذاتها، لا تأخذ معناها إلا في علاقة خاصة سير العمل.

5- استعمال فكرة الكفاية في التدبير

لا تنفلت الأعمال الخاصة بعلوم التدبير والمتعلقة بالكفاية من الحوار الدائر بين الأكاديميين ومدبري المقاولة، بحيث أن كل واحد من هؤلاء يعتقد بأنه يمتلك "ال" معرفة. فالأوائل يؤسسون حجتهم على مظهر عالم أكاديمي ويتوخون جعل التدبير تخصصا علميا. والفريق الثاني يرى أنه لا وجود للتدبير إلا إجرائيا مطبقا في الميدان الذي هو المقاولة، ولذا فإنه هو وحده من له حق الكلام ويدرك "ما ينبغي فعله".
وبشكل مفاجئ ترجمت هذه الوضعية في الأدب بالتفاوت بين تقادم ثابت يقول به الباحثون والإنجازات الفعلية بالمقاولات، حيث عملت كثير من الدراسات على الاكتفاء بملاحظة الأحداث من أجل تفسيرها، في حين أن أعمال الباحثين في مجال التدبير كانت تحتوي على "مسالك حلول" ما، وتقول بكثير أو بقليل من السلطة ما ينبغي فعله وما يجب تركه. وفي مادة تدبير الكفايات سنرى كيف أن الحصص الجامعية كانت دوما خاصة لعلم الاجتماع أو علم النفس. فضلا عن ذلك تصطدم بعدم الاهتمام اللبق للمديرين الذين يظهر بأنهم يتبعون خطى ضد الرياح أو التيار، ودائما، دائما وبلا كلل
يتبعون تلك الممارسات بتركيزهم على الجديد بلا هوادة، ولكن كذلك، وعلى ما يبدو، بدون أن يكون لذلك كفايته كذلك.

ظهور المفهوم والتعاريف

إن الاستعمال الحديث العهد للكفاية في المعجم المتداول للموارد البشرية يشكل عاملا جر إليه أنظار الباحثين. في نشرة صادرة عن المؤتمر للجمعية الفرنسية لتدبير الموارد البشرية (AGRH) قام م.لوبير (M.LA BERRE) بتتبع تطور المفهوم في أزمنة مختلفة عن الآداب المتخصصة وصولا إلى التأهيل، وهكذا فقد حدد أربع مراحل هي:
1- من سنة 1945 إلى 1975 كان الشغل يؤهل بمنهاج عام "متعددة المعايير" (...) وما حازه ذلك هو أنه حمل إلى المأجورين بعض الاستقرار في وضعية العمل، وبالنسبة للذين «لا يعرفون كيف أو لا يستطيعون التفاوض بشأن وضعيتهم الخاصة فقد تمتعوا بضمانة تعاقدية».
2- من سنة 1975 إلى 1980 ظهرت مناهج، يمكن أن يقال في حقها بأنها، "تركيبية" لأنها لم تستعمل إلا عددا محدودا من المعايير. وكان من بين المعروف من تلك الطريقة منهج Hay الذي يستهدف تحديد الأجر والأجور المتناسبة مع شغل هذا المنصب أو ذاك.
3- من 1980 إلى 1988 أعطيت الأولوية لمفهوم المهنة (...) وهكذا أنجز مركز الدراسات والبحث في الشغل والتأهيلات (CEREQ) فكرة "الشغل النموذج" الدائر حول "نواة صلبة للأنشطة المعتبرة كأنشطة أساسية واستراتيجية).
4- عرفت نهاية الثمانينات تعقيدا في فكرة الشغل «في ارتباط بالتأهيل، بمعنى بكفايات الشخص الذي يشغل ذلك المنصب» (1991, p183).
لكي يوضح هذا التعقيد قدم م.لبير، فضلا عن ذلك، في نفس المقالة، نتائج استقراء للرأي أجري على مأجورين استدعوا لإعطاء مفهومهم أو ما تعنيه الكلمات التالية في نظرهم: مهنة، حرفة، مهمة، منصب، وظيفة، بعثة، بادرة، حسن أداء، كفاية، أهلية، استعداد، تحفيز. لقد ظهر بعض الفقر في استعمال المعجم من أجل تعريف الألفاظ المقترحة، كما بدا القلق على المستجوبين، ورغم ذلك اعتقد الكاتب بأن المستجوبين اختاروا «تعريف الألفاظ حسب تصوارتهم الشخصية للتأهيل المهني».
وأخيرا اعتقد كذلك المؤلف ببعض التبعثر في التصورات التي تغطي الألفاظ المقترحة فاستخلص المؤلف بضرورة الأخذ بعين الاعتبار بالتفاوت الحاصل بين المعنى الذي تقدمه مقاولة لمأجورها والطريقة التي يتلقى بها أو يتصور بها هؤلاء المأجورين ما يتلقونه.
كما اهتم كل من ي.ف.لفيان Y.E.Livian ود.كوربسون D.Courpasson
(1991) من جانبهما بدلالة استعمال لفظ الكفاية؛ هل يتعلق الأمر إذن، "بانزلاق دلالي بسيط" أو بظهور "إيديولوجيا" جديدة؟ اعتقد الرجلان "بتمييز بين التأهيلات والكفايات" في لغة التدبير، وقالا بأن "فكرة الكفايات تحوز على بعض الخصائص المتناسبة كثيرا مع التحولات العميقة في سياسات التدبير للموارد البشرية" ص 15- 1991.
على المستوى الأول «فالكفاية فردية مرتبطة بخصائص فردية للمأجورين»، وبالتالي فإنها «متمحورة حول عناصر ذاتية جدا، وهذا يصعب تقويم الكفاية أو قياسها». وهذا ما يدفع بالمقاولات، حسب المؤلفين إلى تخصيص هامش واسع في التحضير لقواعد شروط الشغل القار إلى تحديد الميكانيزمات الجماعية» (Cf les apports sociologiques) التي توجد في أزمة. وبقليل من الموضعاتية المرتبطة بتنظيم معطى سيصعب أن تكون الكفاية موضوع استراتيجيات جماعية للدفاع عن حقهم أو لإعادة المعرفة.
وبعيدا عن ظهورها، فقط كمشكل ذي طبيعة إيديولوجية فإن هذا التطور، حسب لفيان وكورباسون، ليس بدون خطورة على المستوى المنهجي والتحليل لأنه «يقود إلى ظهور عينات اجتماعية مصطنعة أخذا بعين الاعتبار عناصر أخرى تطفو في مجرى نمو سوق الشغل» (...).
والمأخذ الثاني للفيان وكورباسون على فكرة الكفاية يرتكز على تناقضها الجزئي «مع واقع بعض التطورات الأساسية لمجموعات مهنية حاضرة في المقاولات». وحسب المؤلفين فنحن نشاهد مطالبة الأجيال الشابة بتقوية الانتماء للحرفية أو مهنية وتعريف الهوية المهنية «في ارتباط بمتطلبات كلاسيكية في منظوراتها للمكانة». والحال أن فكرة الكفاية «الشاملة، المفردنة والذاتية إلى هذا الحد أو ذاك أخذت في معاكستها لهذه التطورات الأساسية»، وبالمساهمة في خلق مجموعات مهنية شفافة غير صلبة تخفق حسب المؤلفين، في الأخذ بعين الاعتبار «بالرهان الاجتماعي الواسع الذي هو واقعيا يدخل في إطار تدبير المجموعات المهنية في المقاولة» ص9، 1991.
بدون أن يكونا نمطين، لاحظ كل من ب.جلبير P.Gilbert وم.بارليي M.Parlier (1992) التعدد الكبير في استعمالات لفظ الكفاية، على مستوى الدراسات المقاولاتية عوض تعريفه تعريفا واضحا، مما يفرض بعض الحرص في ذلك. اعتقدا في الاستعمال المتواتر للفظ الكفاية، بينما «أنه أقل مفهمة». فالخطر الذي قد ينجم نتيجة إرادة وضع مفهوم "يلتصق" أكثر فأكثر بواقع أي مقاولة، (ولكن هل يتعلق الأمر فعلا "بمفهوم"؟) إنه مآل مفهوم فارغ من كل معنى، وجعله «عبارة عن "لفظ بحقيبة" أو لفظ بإسفنجة يستعمل بقوة لكنه يظل فارغا من جوهره.
ويبحثه عن تعريف مفهوم إجرائي حاول كل من جلبير وبارليي (Gilbert, Parlier) وضع بعض الخصائص الأساسية لفكرة الكفاية انطلاقا من مختلف التعاريف المستعملة. وقد لاحظا توافقا حول الخصائص المشتركة الآتية:
1- تحتوي الكفاية على خاصية عملية وغائية مزدوجة؛ لا معنى لها إلا في علاقتها بالحركة.
2- هي مقترنة بوضعية معطاة.
3- تجمع بشكل دينامي (المعارف، والمعارف العلمية والبرهانية) ومختلف العناصر التي تشكلها للإجابة عن متطلبات التكيف.
وانطلاقا من هذه الخصائص استخلص الكاتبان تعريفهما للكفاية حينما قالا: «نتفق على تسمية كفايات مجموع المعارف والقدرات والسلوكات المبنينة وظائفيا وفق هدف في الوضعيات المعطاة نوعيا» (ص 16، 1992). وليجعلا من هذا التعريف أمرا عمليا اهتم الكاتبان بالأبعاد البنائية للكفاية التي تتلاءم في نظرهما مع ما يلي:
أولا: مضمون الكفاية وهو ما يفترض تحليلا مفصلا للأنشطة البنائية للشغل بغاية تمييز مختلف أنواع المعارف (معارف نظرية، معارف عملية وإجرائية، خبرات).
ثانيا: تحديد الكفايات التحويلية، بمعنى تلك التي يمكنها أن تستخدم في مجال متعدد الوضعيات، مع إقامة ترتبية للكفايات حتى يتسنى «تشخيص وضعيات سيرورة نمو الكفايات» (ص 18، 1992).
وهكذا بالنسبة لعلوم التدبير فإن فكرة الكفايات ليست مهمة إلا باستعمال يستخدمها في المقاولة.
تدبير الكفايات وتدبير النجاح في المهن
يستفاض في مسألة الكفاية من زاوية تدبير شيء معين حصرا، ودائما في نفس الوقت، أخذا بعين الاعتبار المكان والزمان عوض مسألة تدبير النجاح في المهن. نقدم هنا دليلا على ذلك من خلال أول منشور لأول لجنة عن مؤتمر AGRH سنة 1990 المعنون بـ "تدبير النجاحات المهنية والكفايات". بالإضافة إلى ذلك، فما دامت الأشغال والممارسات حول تدبير النجاح المهني تهم بشكل عام الأطر فإن الأشغال حول الكفاية تهم بدورها بشكل واسع، الأطر.
تبدو لنا أن اشغال المؤتمرين المتتالين (ARGH) ببوردو Bordieux الخاصة «بتدبير النجاحات المهنية والكفايات» إلى مجموعتين هما:
من جهة نجد تحليلات لسلوكات فردية داخل التنظيم المقاولاتي. يتعلق الأمر بمقاربات تستند دائما على علم النفس الاجتماعي.
من جهة ثانية تحليلات لممارسات تدبير النجاحات المهنية والكفايات داخل المقاولة.
تكتسي هذه الأعمال أهمية لرؤيتها النقدية التي تخصصها لممارسات المقاولات. يعتقد ي.ف.لفيان (1990) Y.F.Livian بوجود بعض التقليدانية من جانب المقاولات في مجال التدبير التوقعي وتدبير النجاحات المهنية. وقبل ذلك، وحدهم الأطر والطاقات الكبرى الكامنة هي التي تهم هنا. وفي مواجهة التنافر المتنامي لهذه الفئة والرهان الجديد الذي يهم تأهيل جميع الموارد البشرية داخل المقاولة يقترح ي.ف.لفيان تقسيم الموارد البشرية حتى يتم الأخذ بعين الاعتبار النوعيات التي يتميز بها كل فرد (هوية مهنية يعاد تركيبها، وضعيات نوعية على مستوى سوق الشغل...).
وعلاوة على ذلك، فإن هذا التقسيم عليه أن يكون مصحوبا بمقاربة "للحرف أو المهن"، حتى تتسنى المعرفة والأخذ بعين الاعتبار المنتظرات والاستراتيجيات لبعض مجموعات الفاعلين. وإن انطلاقة مثل هذه، حسب لفيان Livian تمثل، كذلك، امتيازا للأخذ في الحسبان دور الفاعلين، بمعنى الظواهر الملاحظة داخل المقاولة، والتي هي (الظواهر) ناتجة عن تأثير قرارات حساسية ولها علاقة بأدوار التأثير.  ولهذا يقترح لفيان وضع هذه الظواهر موضع دراسة بغاية التحكم فيها أكثر.
وأخيرا يقترح ي.ف.لفيان Y.F.Livian معرفة ثانية لوجود مصفاة معرفية. وكجميع القرارات، بما فيها تلك المتعلقة بتدبير النجاحات المهنية للأطر لا يمكنها أن تخضع "لمعايير عقلانية غير مجسدة" في الكتب المرشدة Manuel. تتمثل القوة هنا إعادة معرفة وجود هذه المصنفات المعرفية "الكتيبات المرشدة" التي تحول رؤية بعض المسؤولين. يتعلق الأمر هنا بتفسير ممكن بالوفاء لتوظيف بعض المدارس والوهم المسموح به لبعض الوظائف، والعمر المسموح به للوصل إلى بعض المسؤوليات.
في نفس هذا المجال المتعلق بتحليل ممارسات المقاولات تجدر الإشارة إلى مقالة ر.برنار R.Bernard وت.ويلس T.Wils الذين اعتزا بتصنيفهما لممارسات تدبير النجاحات المهنية في بعض التنظيمات الكيبيكية. وقد وضعا أربعة أنواع متباينة في هذا المجال هي:
النوع الأول من الأنساق المهتمة بشكل خاص "بالنجاح اللاشخصي"، بمعنى يحتوي على ممارسات كالإعلان على المناصب الفارغة، واستعمال الترقية الداخلية والانتشار الجانبي، وممارسات لها توجهات قصيرة المدى.
نوع ثان، يوجد بالكيبك: يتحدد بتوريط الأشياء الأكثر دقة بما هي مخصصة (للإعلان) (كتدبير نجاح الأفراد على مستوى الإمكانات العالية).
نوع ثالث يشكل جزءا كبيرا من النجاح المهني المشخص وبرامج الدعم (مساعدة العمال كما هم (mentoring)، والقيام بأوراش حول النجاحات المهنية، وإقامة مصالح مرشد مختص في النجاح المهني، إلخ...
وأخيرا، هناك نوع رابع «يتميز بمقاربة فردية في مجال النجاح المهني»؛ وهو ما يمكن أن نطلق عليه كذلك غياب تدبير للنجاحات المهنية.
يتبين من هذين المثالين السابقين الانحراف الكلي والمباشر عن فكرة "تدبير الكفايات" بالمقارنة مع "تدبير النجاحات المهنية"، وهو ما يؤكد أن فكرة الكفايات في استعمالها الجديد للتنظيمات ما زالت لم تستقر بعد على أي أمر.
أثناء هذا المؤتمر قدمت اللجنة «بخصوص الشغل والتدبير التوقعي للموارد البشرية» نوعين من الأبحاث تظهر الخاصية الصورية، بعض الشيء، لنوع التقطيع. ففي مقالة تتطرق لتطور المهن داخل البنك يبين د.كورباسون D.Courpasson (1990) بأن فكرة "النجاح المهني"، كما كانت عليه قديما، حيث أنه في الخطاب التقليدي المهيمن فإن النجاح المهني هو من جهة يتوخى توارث المناصب التي تعتبر كاكتشاف أحسن بين الشغل والأجر الذي يسمح بالاستقرار. وحسب د.كورباسون فإن تجديدا حصل بنفس الدرجة التي حصل فيها تجديد في تصور للنجاح المهني، والذي فرض نفسه وفق الخصائص التالية:
-                             هيكلة السوق الداخلي انطلاقا من المهنة (وليس انطلاقا من هرمية مباشرة).
-                             تذويب الهويات المهنية والنفوذية داخل المهن.
-                             ثقل الاستراتيجيات كما هو شأن المشاريع المهنية وسيرورات إعادة التأهيل في المكان والحياة المهنية والأقدمية.
رغم المصلحة الحقيقية التي تفرض ضرورة الانتباه إلى ملائمة بعض الأفكار المتنامية فان مسالة الكفايات تظل مضمرة بشكل كبير في هذه الأعمال أو أنها غائبة عنها.
كما يتبين من أشغال المؤتمر الثاني ل (AGRH ) حضور المسالة بشكل دائم، وهو ما يعني أن الباحثين يتمسكون برأي أو أن المسألة ما زالت عصية عن التناول.
نسجل هنا أن لفظ "الكفايات" لم يستعمل "كمنظم" للتوا صلات المعنية. فهذه الأخيرة تم جمعها تحت عنوان "التأهيل المهني". كما هو الحال في علم الاجتماع فان الكفاية والتأهيل تظهران غير متمايزين بوضوح تام ألح ج.توماس G.Thomas (1991) في بداية أشغال هذه الندوة على تحديد المقصود بالتأهيل المهني، ما دام أن استعمال هذه العبارة، حسب توماس، «يستدعي، في نفس الوقت، معالجتها من حيث أنها مسألة تهم الشغل والكفايات» (...).
تدبير الكفاءات وتدبير الشغل
أجبرت جميع المقاولات على التفكير في الكفايات لأنها دفعت إلى ذلك نتيجة تعرضها لمشاكل على مستوى تدبير الشغل. يحضر وعي بهذه المشاكل في أعمال د.تييري D.Thierry (1990-1986). فلأول مرة، دون شك، وقف تييري على الأسباب التقليدي لإشكالية تدبير الشغل بإدخاله لمفهوم "التوقعية" التي تسمح من جهتها بوضع التقسيم التقليدي للشغل موضع تساؤل وبالتالي الحديث عن الكفايات. وهذا ما جعل زاوية النظر تتبدل في المقاربة: فعوض الركون إلى جانب التنظيم الجماعي أو الاكتفاء بالتصنيفات أو تصنيف الأشغال، فإن المنطلق حسب د.تييري، سيرتكز على الأفراد بشكل أساسي.
وبتعبير آخر فإن الأمر بتعلق بالتفكير في تدبير الشغل ليس من منطلق منطق المنصب، لكن انطلاقا من منطق الأفراد. فعوض البحث عن تنبؤ كيف تتطور المناصب وما تتطلبه من نشاط خاضع للصدفة بشكل كبير في وسط غير مضبوط، فإن الأمر يتعلق بتحديد وتصنيف كفايات الأفراد من أجل حصر تلك التي يمكنها أن تتطور لتسهيل التكيف مع الوظائف الجديدة التي لا نجهل تحديدها.
ويشكل أدق فإن د.تييري D.Thierry يقترح تحديد الكفاية "كمعرفة إجرائية مثبتة وممارسة". ففيما يخص المقاولة فإن كل معرفة أو خبرة عملية ليست بالضرورة صالحة في ذاتها (...).
الكفاية ورهانات الاقتصاد ما بعد الصناعي
رغم ما تحبل به هذه المقاربة أو تلك فإنه من الضروري الوقوف عند ظهور فكرة الكفاية في سياق التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي له تأثير على حياة المقاولات.
في مقالة مخصصة لمتطلبات الاقتصاد ما بعد الصناعي، تطرق ل.هرشورن L.Hirshorn (1987) للتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية لنمو قطاع الخدمات، حيث بدا له «أن هذا التحول هو في العمق حاصل في العلاقات، ويترجم ذلك بتوجه المقاولات نحو "تقليص عرضها عوض الكلفة وخلق قيمة مضاقة أكثر من التحكم في أثمنة بخيسة، وتأكيد الجودة في تعارض مع إنتاج موسع» (ص 42، 1987).
فإذا كانت تصرفات المقاولات قد تغيرت فإن الأجور هي الأخرى قد تغيرت بدورها: «إعادة تركيب قوة عمل المقاولة لتأكيد المرونة» اللازمة للتكيف مع الطلب. ومن بين ما تقوم به كذلك المقاولات «نجد توسيع مجال كفايات اليد العاملة بشكل دائم»، التي «لا أهمية لها من دون قدرة وتكيف». وهكذا «تعيد المقاولات هيكلة ذاتها». نلاحظ أن ما كان يشكل سببا من أسباب النجاح المهني قديما في طريقه إلى الزوال. فالمقاولات اليوم تعتمد التربية والكفاية عوض الأقدمية
(ص 42). (...).
6- الكفاية: نحو بناء إجرائي أو أداتي
إن تنوع المقاربات العلمية لفكرة الكفاية تترك الأمل لمن يرغب في وضع تعريف "بسيط" واضح، يجمع بين كل هذه المقاربات التي تسمح بالتوفيق بين الخاصية الاجتماعية للكفاية وأسسها عبر النجاح، ثم رؤية الغير أو الإقرار الاجتماعي ووجهها المعرفي (حسن أداء السيرورات الذهنية النوعية للفرد). وعوض أن نفقد هذا الوجه أو ذاك، من تلك الوجوه التي تحدثنا عنها، ألا يمكننا أن ننطلق من منظور تدبير الموارد البشرية، في جانب الكفايات المهنية، من زاوية منفعتها؟ فالسؤال المناسب ليس هو: "عما نتحدث؟" لكن «أي مفهوم نحن في حاجة إليه؟».
فيما يتعلق بتعدد الاستعمالات العلمية التي تعكس مختلف حقول الاستعمال الممكنة لفكرة الكفاية، حيث تسمح لنا بالإجابة عن هذا السؤال على شكل خطوط قابلة لتحديد دائرة تعريف إجرائي. فالبناء المشار إليه أو المحدد تحت لفظ الكفاية يسمح بما يلي:
أولا: تركيز الملاحظة حول الشخص الذي قوم أولا بذلك النشاط، حتى ولو كان النشاط يتعلق ببداية اختبار ما يراد إنجازه. وبلغة أخرى نقول بأن الخطاب حول الكفايات لا يقود إلى التسليم الضمني بالتماثل بين تحليل العمل وتحليل طرق التنظيم وطرق اشتغال ذاك الذي يقوم بعمل مطلوب.
ثانيا: التركيز على مستقبل وليس على حاضر أو ماضي الفرد. إنه لمن المؤكد أنه إذا كان ما ينجزه الفرد في الماضي والحاضر له مؤشرات على ما يمكن أن يقوم به الفرد فإن تدبير الموارد البشرية يتضمن درسا راهنيا حول "المصير"، بمعنى ما لم يغب عنه فيما سبق، لكنه يمكن أن يوجد بفعل ظروف ملائمة. غير ان الحديث عن "المصير" ليس هو التعبير عن حقيقة مخفية، لكنه تقدير فرص التكيف انطلاقا من المعلومات المتاحة حول الفرص والعلاقات التي قد تتحقق حول الإحالة على طبيعة هذه الملاحظات والتصرفات اللاحقة.
ثالثا: الاعتبار في كل الظروف أن النشاط البشري ( انطلاقا منه يتم تقدير الكفاية) هو دائما حصيلة "إدماج" لعناصر مختلفة، حيث الشكل يختلف من فردى إلى أخر، أو من نشاط إلى آخر بالنسبة للفرد، ولكن في جميع الحالات لا يعود إلى المعارف والمهارة والخبرة.
رابعا: إعطاء أهمية للتحديد وإعادة المعرفة اجتماعيا من اجل أن تستعمل فكرة الكفاية واقعيا في التبادلات الاجتماعية( تواصل، تقييم، حصائل مهنية وطاقمية، تفاوض). انه لمن الأساسي بان يكون المحتوي المرغوب فيه مضبوطا بعيدا عن كل إحالة إلى طرق نظرية لا تكون في متناول إلا قلة قليلة من الأشخاص ("الشفافية الاجتماعية") وفي هذا المنظور نقبل بأن تحدد الكفاية في مجال تطبيقها.
خامسا: جعل التدبير والنشاط ممكنا فالتنسيق الضروري في مجال الموارد البشرية بمختلف وجوهه (توظيف، تدبير مسارات التكوين والتأهيل، تنظيم الأشغال والوظائف حسب الموارد الممكنة، انتقالات، تكيف مع التحولات) يمكنها أن تصادف بعض الامتيازات ضمن استمرارية ممكنة نسبيا ("عرضانية") ا يخص طرق الوقوف على مؤهلات الأفراد. يمكن للكفاية أن تلعب هذا الدور بشكل ناجع بشرط احترام الشروط الأخرى المشار إليها أعلاه.
معرفة وسلطة
مساءلة الكفايات
جاك أوبري
باتريك جلبير
فردريك بغييري
منشورات بيف 1993 ص.ص 19-50

نموذج الاتصال
NomE-mailMessage