3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

التدبير في سوسيولوجيا التنظيمات

الخط



التدبير في سسيولوجيا التنظيمات
الحسن اللحية

ينطلق فليب بيرنوكس من التعريف الشائع القائل بأن السسيولوجيا هي دراسة الوقائع الاجتماعية و السسيولوجي هو من يشرع في العمل بملاحظته للحقول متسائلا: كيف نفسر سلوكات الفرد والجماعات في التنظيمات؟. ولاحظ الباحث، وهو المشكل في نظره، لاعقلانية ظاهرة ولا توقعية السلوكات في التنظيمات. رأى، مثلا، أن أصحاب القرار من مستوى عال في المقاولات والعمال غير المؤهلين، أو اليد العاملة الرخيصة، يتخذون قرارات لا عقلانية وتصرفاتهم تطرح المشاكل دائما. فكان همه هو كيف نشرح السلوكات الفردية في التنظيم؟ وكيف لا يقوم الأفراد بالعمل الواجب القيام به[1]؟
لا يمكن، في نظر الباحث، رد كل ذلك إلى المزاج الشخصي أو الرغبات الذاتية، وهي التفسيرات التي كانت رائجة بين محللي التنظيمات، وبتعبير آخر ليست السلوكات هنا سلوكات فردية فحسب وإنما هي جماعية كذلك لأنها سلوكات اجتماعية حتى ولو اتخذت وجوها فردية. ففي المقاولات تحديدا لا ينبغي فهم سلوكات الفرد بردها لعلاقته الدائمة بمزاجه وحاجاته ورغباته لأن الجماعة تطرح المقاييس التي يجب على الفرد أن يخضع لها وإلا لم يعد منتميا إليها.
لا يتعلق الأمر بجوانية الفرد وإنما بالعلاقات القائمة بين أفراد الجماعة والمقاييس التي تنتجها الجماعة[2]. فالمسألة المطروحة لا تعود إلى ظاهرة ثقافية تؤثر في السلوكات الفردية بشكل مباشر وإنما عبر ثنايا المؤسسات والتنظيمات مع عدم استبعاد الجنس والعمر وتأثير الأفراد، وهي أمور ينبغي دراستها كاستراتيجيات خاصة[3].
إذن نحن أمام محددات إما فردية كالمزاج والخصائص والسمات الشخصية، أو جماعية كالثقافة الإثنية [شعب يعمل لأنه لا يعمل] والعمر والجنس إلخ...، وهي كلها غير كافية لتفسير السلوكات داخل التنظيمات؛ لذلك لماذا لا نتحدث عن التحفيز الفردي والجماعي؟ لأن التحفيز يدفع الأفراد للعمل في استقلالية عن السياق الذي يوجدون فيه؛ بمعنى انطلاقا من حاجاتهم. فالحديث عن التحفيز هو حديث عن التنظيم عوض الأفراد الذين يشكلونه. ورغم ذلك لا يمكن للتحفيز أن يحدد سلوكات الأفراد لأنه ينبغي أن ننظر إلى الفرد في علاقاته بالآخرين.
سيتصرف الفرد وفق مصالحه وما تمنحه إياه المقاولة كالأجر حسب المردودية مثلا، فيبذل بذلك مجهودات كبيرة. قد تتصرف المجموعة حسب مصالحها وفق النظام الأجري فنكون أمام جماعة تحدد الاستراتيجية الشاملة والتنظيم يعرف استراتيجية منطق الفاعل[4].
يترجم منطق الفاعل في التنظيم بعلاقات السلط المعيشة؛ منها السلط التنظيمية والثقافية المحددة لمقاييس السلوكات: كيف تتغير أو تتبدل هذه المقاييس المحددة للسلوكات؟ هل بالتأثيرات الداخلية ( كتغيير أدوات العمل أو إدخال تكنولوجيات جديدة مما يعني تغيير ثقافة الفاعل) أم بتغيرات الخارجية ( المحيط)؟.
يقترح فليب بيرنوكس، للإجابة على هذه الأسئلة، نماذج تفسيرية مثل النموذح الحتماني الفرداني الذي ينطلق في تفسيره للسلوك من المتغير الذي يحدده محيط الفرد. والنموذج الثاني هو نموذج الواقعية الكلية الذي ينظر إلى السلوكات كنتاج للبنيات الاجتماعية، وحيث هذه الأخيرة تسم المجتمع في كليته. وأما النموذج الثالث فهو النموذج التفاعلي الذي ينظر إلى السلوكات والأفعال كأفعال خاصة بالمقاولة تستهدف بلوغ أهداف معينة[5].     
عاد بيرنوكس لتفسير هذه النماذج للتاريخ مبينا كيف تشكلت في المجتمعات الصناعية بفضل الاكتشافات التقنية تنظيمات لخلق الثروات، وكان المكان الأول الذي تخلق فيه الثروة هو المعمل usine إلا أن المعمل وأوراشه لا تشتغل من تلقاء نفسها. وللوقوف على منظورات كل مرحلة في التنظيم الصناعي يقترح فليب بيرنوكس تتبع النماذج التنظيمية الكبرى التالية:
1.1. تراكم الرأسمال:
سيكون السسيولوجي ماكس فيبر شاهدا على التحولات التي عرفها التطور الصناعي خلال نهاية القرن التاسع عشر؛ ولذلك فإنه فكر في الظروف والعوامل والأسباب المفسرة لها، منطلقا من ملاحظة بسيطة مفادها أن رؤساء (المعامل) أو الزعماء المالكين للثروة لا علاقة لهم بالاقتصاد ولا يحصلون على ما يحصلون عليه بفضل المكانة الاجتماعية، ولكن بفضل عامل الدين، وخاصة المذهب البروتستانتي.
يفسر فيبر هذه الظاهرة بالرأسمالية التي تعني النظام الذي يقوم على المقاولة الصناعية، وحيث الهدف هو تحقيق الحد الأقصى من الأرباح بفضل التنظيم العقلاني للعمل والإنتاج. إنه لقاء بالصدفة بين الرغبة في الربح و النظام العقلاني اللذين يشكلان هذه الظاهرة المتفردة الأصيلة للرأسمالية الغربية[6].
بطبيعة الحال فإن الراغبين في الحصول على الثروة كثر ويوجدون في جميع المجتمعات لكن ليس بالتأمل ولا بالغزو لا بالمغامرة لكن بالعلم.
فما يميز المقاول هي الرغبة في مراكمة ثروة بلاحدود وبلا نهاية. وبهذا المعنى فإن هناك ذهنية وأخلاقا خاصة بالرأسمالي منها رفض المصاريف غير الضرورية وحب الظهور والعمل بلا كلل. إنه يعمل تلبية للدعوة الربانية.
ويرى فيبر أن الدعوة التي تجعل الرأسمالي يعمل بدون كلل ولا ملل تجد أصولها في المذهب الكلفاني. فعلى الإنسان أن يعمل تلبية لنداء الله ولا يجب أن يبذر الأموال تبذيرا حتى يراكم الثروة بأخلاق قاسية وطاهرة وحذرة. ثم إن هذه الرؤية تلتقي بفكرة الفردانية؛ إذ أن كل إنسان سيكون وحيدا أمام الله مما يضعف فكرة الجماعة[7].
2.1. ميلاد القيم البورجوازية:
تركز اهتمام كارل ماركس على الصراع الدائر حول من يملك وسائل الإنتاج ومن لا يملكها. وكان الاقتصاد في نظره المحدد الوحيد للأنظمة القيمية والدينية والتنظيمية للمجتمع والتاريخ ضرورة؛ أي وجود قانون تاريخي حتمي وضروري للتطور تمر منه المجتمعات.
لا شك أن البورجوازية قلبت النظام الفيودالي السابق الذي لم يعد يستجيب للحاجات الجديدة والأسواق الجديدة. فالمرور من المانفاكتورا إلى الإنتاج الآلي ستكون له انعكاسات على الإنتاج الصناعي مثلما يحدث اليوم مع ظهور أشكال جديدة في الإنتاج.
فالبورجوازية وهي تتطور تعمل على احتواء تناقضاتها، احتواء آخرها الذي هو البروليتاريا خوفا من انقلابه ضدها. لكن كارل ماركس ينطلق من تأكيد ثابت و ضرورة تاريخية وسببية تاريخية كذلك تقول بالتطور الحتمي الذي يجعل الطبقة اللاحقة أكثر تقدما من السابقة، وهي تحمل بذرة موتها بين مناكبها لتبرز طبقة أخرى. وفي حالة البورجوازية يرى ماركس بأن حاجتها إلى مراكمة الرأسمال جعلتها طبقة ثورية بامتياز.
فالبورجوازية نتاج سيرورة تاريخية طويلة. ومن أهم مميزاتها أنها مزقت الروابط المتعددة الألوان التي كانت تجمع الفرد بالسيد في المجتمع الفيودالي لتحل محلها رابطا جديدا بين الإنسان والإنسان يقوم على المصلحة العارية، وهو الرابط البارد؛ فهو رابط جعل الكرامة تابعة لقيمة التبادل؛ وبتعبير ماركس فإنه عوض الاستغلال المقنع بالأوهام الدينية والسياسية جعلت الاستغلال المفتوح المباشر كأساس للثروة. وتتمثل وجوه ثورتها في تغيير وظيفة الطبيب و القانوني والشاعر ورجل الدين ورجل العلم إلى أجراء، واختزلت العائلة في علاقة نقدية بسيطة[8]. هكذا حولت البورجوازية الأنظمة الاجتماعية والأخلاقية والبنيات لتفسح المجال للمجتمع الصناعي الجديد.
يلاحظ فليب بيرنوكس أن التنظيم الاجتماعي الذي تلا المرحلة الصناعية الأولى كان هشا وغير قادر على استيعاب التحولات لأنه يحتفظ بالنماذج الموروثة عن القرون الوسطى كالجسد الإنساني والتعاقد الاجتماعي. ففي النموذج الأول كان كل فرد يحتل وظيفة خاصة يعرفها جيدا ويتقنها جيدا كذلك. وفي المجتمع هناك من يتكلف بوظيفة الصلاة (القديس، الراهب..) وهناك من يتكلف بالدفاع، وهناك من يتكلف بالتجارة، وآخر بالصناعة التقليدية، وغيره بالفلاحة إلى غير ذلك. وكان الاعتقاد أن هذا النظام يترجم مشيئة الله حيث لا يمكن تغييرها وإنما الخضوع لها. من جهة ثانية يضمن عدالة الأجر وكل ما يترتب عن ذلك مبرر دينيا.
في حين أن التعاقد الاجتماعي هو محاولة لائكية لم تبلغ مستوى قلب النظام الأول كليا وكانت الإحالة دوما إلى قانون طبيعي ثم إلى نظام اجتماعي لتحديد العلاقات بين المواطنين في الدولة. فالفيلسوف جون لوك (1632-1704) كان يرى أن تناغم القانون الطبيعي و الاجتماعي الموروث يتمثل في وجود الملكية، وخضوع الناس للقانون واجتماعهم البشري في ظل حكومة هو في الأساس من أجل استمرارية الملكية التي يحصل عليها الفرد بالعمل[9].
والملاحظ أن اللبرالية لم تظهر إلا بعد أن ظهر مفهوم الفردانية (ماكس فيبر). ففي السابق لم يكن الإنسان يدرك نفسه إلا كعضو في عرق من الأعراق أو كعضو في المجتمع أو كجزء أو كعضو في عائلة أو تعاونية، لكن هذا المعطى مافتئ يتغير منذ القرن الثامن عشر بفضل نمو ثقافة الفردانية في المجالات الاجتماعية والدينية والاقتصادية بما فيها المقاولة الخاصة[10].
إنه لمن المهم المقارنة بين ثقافة السوق وكتاب أصل الأنواع لداروين(1859) لاستحضار التطور وإرادة الحياة أو إرادة البقاء. لم تعد تعاليم الكنيسة مجدية ليتضامن المجتمع وليساعد الغني الفقير والقوي الضعيف إلا وفق منظور مصلحي ومنفعي، بل إن مثل هذه الأخلاق ستبدو هي نفسها مناقضة للقيم الفردانية والاجتماعية. فالأقوياء هم الذين يصارعون من أجل البقاء وإنقاذ العرق[الطبقة]. ومن أجل ذلك وجب أن تكون الحرية شاملة (اتركه يعمل). وقد رأى كل من آدم سميث وريكاردو في هذا المبدأ تعميما للعيش الكريم. وبذلك عوضت المصلحة الشخصية التي ينعتها البعض بالأنانية العناية الإلهية[11].
يشار في تاريخ التنظيمات الاجتماعية ومنها الاقتصادية إلى الفيلسوف الإنجليزي جريمي بنتهام كرائد مارس تأثيرا كبيرا على التنظيمات الصناعية. وتقوم رؤيته الفلسفية على استبعاد الألم والرغبة في اللذة. فهناك رغبات تمليها المصلحة الشخصية قد تكون في صالح المجتمع مع مرور الوقت. ثم إن العامل لا يتحمل ازدواجية العمل والمعاناة إلا إذا كان المردود المالي يدفعه ليتجاوز ألم الفاقة[12].
ستعمل هذه الأنانية المستنيرة كمصدر للقانون الأخلاقي في توافق مع الشروط المادية. وفي الآن نفسه سيبدو العمل كضرورة مؤرقة ومؤلمة يعمل الإنسان على الهروب منها.
وأما القرن التاسع عشر فقد عرف ظهور التفكير العلمي في العمل حينما طرح مارسلان برتلوت مشكل العلم والأخلاق (1897) وتطبيقه في تطور المجتمعات. ولا حظ أن العلم يتضمن أخلاقه الخاصة منها النجاعة و قدرته على جعل الإنسان أفضل مما كان. ويرى برتلوت أن العالم لا يتوانى من أجل مضاعفة الثروة والرأسمال الجماعي للشعوب، ولا شئ يدفع للتخوف من التقدم العلمي ومن المستقبل ومن التراكم المستمر للمعارف وغناها النظري والعملي كما هو حاصل في الفلاحة حيث تجوزت الفلاحة التقليدية وتربية الماشية تقليديا إلى تركيب المواد والإضاءة التقليدية عن طريق الكهرباء[13].
هكذا سيكون العلم مصدر سعادة وتقدم في نظر تلك المرحلة الصناعية، لكن هؤلاء المنظرين الأوائل للعلم لم يتساءلوا، في نظر بيرنوكس بما فيه الكفاية، عن تأثير الآلات على الفضاء والمحيط والمستعملين والشروط الجديدة لاستعمالها.
إن ما يميز هذه النزعات العلموية للقرن التاسع عشر هو انتصار العقلنة، كما هو الحال مع سان سيمون وأوكست كونت وطبقة المقاولين الجدد الذين فكروا في استعمال الحساب العقلاني، والتقنيين المتصاعدين الذين أدخلوا العقلنة إلى المصانع التي خولت لهم ميلاد سلطة القرار. وقد كان تايلور واحدا من بين هؤلاء المهندسين الذين طبقوا العقلنة في تنظيم الشغل.
3.1. تطور العمل في المقاولة:  
 ستكون التايلورية، حسب آلا تورين، مرحلة انتقالية من تنظيم إلى آخر، من بداية المكننة الصناعية إلى عصر الأوتوماتيكية. وبذلك يكون العمل قد خضع لتأثيرات وتحولات أجملها فليب بيرنوكس في ثلاث مراحل هي:
أ- المرحلة الأولى: تبدأ منذ بدايات المرحلة الصناعية، وتقوم على ثلاثة عناصر هي الأداة و يد الصانع والمادة الواجب استعمالها في العمل. وفي الصناعة فإنها هي الآلة- الأداة، هي آلة كونية كان العامل يصدر أحكاما بشأنها تهم مرونتها. وتعلم استعمالها يتم في العمل بها واكتساب المهارة بالتجربة مما يسمح للعامل بتكوين رأسمال بالتجربة لا يمتلكه غيره لأن المهندس الذي يشرف على العمل لا يقول له ماذا يجب عليه أن يفعل. والمهندس بدوره الذي يمتلك سلطة تقنية والمشرف على عدد من العمال تنحصر سلطته في الورش ويكتسب ما يكتسبه من خبرة تقنية بالممارسة تاركا المستعمل وحيدا أمام الآلة[14].
ب- المرحلة الثانية: تتميز هذه المرحلة بالإنتاج المتسلسل لتقطع مع الإنتاج الكلي والشامل والكوني الذي ميز المرحلة الأولى. بدأ تقطيع الإنتاج وفق حلقات متخصصة بآلات متخصصة كذلك لإنتاج منتوج واحد. وبدا ينظر للعامل والعاملة من منظور تخصصي رغم أن التخصص هو تخصص الآلات المستعملة. وقد تعمم هذا النموذج بسرعة كبيرة كما هو الشأن عند رونو[15].
ج- المرحلة الثالثة: صادفت هذه المرحلة وتحت الضغط الاقتصادي في الإنتاج الذي جعلها تنتج بأعداد وافرة وبتسلسل كبير الاكتشاف التقني الأوتوماتكي(معامل فورد1937). وتتميز بتجميع العمليات الموزعة في المرحلة الثانية فأصبحت الآلة تسمى آلة التحويل؛ كل آلة تحول العمل إلى آلة أخرى، والآلة لا تعمل إلا حينما تكون القطعة قد توصلت بها.
لقد كان لهذا التطور تأثيرا على اليد العاملة التي أصبحت تتناقص لصالح اليد العاملة المتخصصة أو اليد العاملة التي تكتفي بالمهام اليدوية مثل شحن الآلات المحولة أو إفراغها وكل عمل غير أوتوماتيكي مثل الحراسة والمراقبة ليست له أهمية[16].
  4.1. تايلور والتايلورية:
كان لتايلور (1856-1915) تأثيرا كبيرا في مجال تنظيم الشغل. فقد لا حظ أن تقاليد الحرف كانت سيئة لأن العامل يكون (في المرحلة الأولى ) المسؤول عن عمله. كما أن القيادة (الإدارة) تتركه ينظم ويوجه نفسه بنفسه مما يجعله يصدر عن رؤية اختبارية لا علمية. والنتيجة أن العامل يضيع كثيرا من الوقت في التنظيم السيئ. وحينما يرغب رب العمل في الزيادة في الإنتاج يتوجه إلى العامل وهو يعادل بين الزيادة في الإنتاج والأجر. ولكن على أي أساس يتم ذلك مادام العامل هو الوحيد القادر على تقييم العمل؟
 لقد كان الأجر يتم بتفاوض ووفق عدد القطع المنتجة والزمن الضروري المستغرق في إنتاجها. فإذا قال له المدير عليك أن تعمل أكثر لتربح أكثر لن يتذكر العامل إلا النصف الأخير للجملة وسيعمل على الزيادة في صناعة عدد القطع المنتجة[17].
كان هم تايلور هو القضاء على التنظيم السيئ والتفاوض الخاطئ لتحقيق نتائج لا يمكن الطعن في مصداقيتها؛ وذلك بإيراده لمفهوم التنظيم العلمي للشغل بإدخاله لحساب زمني يعوض الحساب القديم وتفاوضات جديدة أجملها كلها في التحديد العلمي للمهام[18].
يعمل العامل بدون معرفة نظرية ولا دعم سوى تجربته مما يجعله صاحب القرار. وقد رأى تايلور ضرورة وجود تقنيين مؤهلين وما على العمال والميكانيكيين سوى التطبيق الحرفي للقرارات التي تصدر عنهم؛ ولذلك وجب أن يحرم العامل من مبادرته أي من هويته[19]. وهكذا توصل تايلور إلى ضرورة إعادة تنظيم العمل بالانطلاق من تحليل دقيق مسبق للعمل كله وصولا إلى إعادة تركيب المهام.
إن هدف التنظيم العلمي للعمل هو العقلنة الشاملة. لكن ما هو العلم في نظر تايلورأو كيف يفهم تايلور العلم؟ يجيب قائلا بأن القيادة تتكلف بجمع جميع عناصر المعرفة التقليدية التي كانت في الماضي في ملكية العمال والعمل على ترتيبها وتركيبها واستخلاص قواعد و قوانين و صياغات لمساعدة العامل على إتمام عمله اليومي[20].
هكذا سيكون العلم في نظر تايلور هو الترتيب أو التصنيف والصياغة؛ أي ترتيب وصياغة ممارسات العمال، ثم تضاف إلى ذلك المعرفة النظرية لتقنيي المكاتب ووضع تصور لينفذ كل فرد- عامل ما سيقوم به. والحاصل أن هذا العلم الجديد هو علم في الإدارة المرتكز على المنفعة الذي يجعل من العامل أداة منفذة طيعة تقبل الأوامر بدون تردد ولا إبداء الملاحظة: إذا قيل لك اجلس فاجلس، وإذا قيل لك قف فقف، هكذا ستمضي يومك[21]. وللعلم التايلوري خاصية الكونية مادمت نفعيته تهدف إلى تغيير العلاقات الإنسانية، وخاصة وأن العامل الجيد هو المنفذ لا الملاحظ أو المجادل.
تتميز التايلورية أو ما يعرف بالتنظيم العلمي للعمل بالخصائص التالية:
أولا: دراسة المعارف التقليدية وتسجيلها وتصنيفها وتحويلها إلى قوانين علمية.
ثانيا: الاختيار العلمي للعمال وفق الدقة في الجودة والمعارف.
ثالثا: تطبيق الرؤية العلمية من طرف العمال.
رابعا: التوزيع المتساوي للعمل بين العمال وأعضاء القيادة[22].
وقد رأى بيرنوكس أن هذه الخصائص تقوم على المنهج التجريبي التالي:
ü                 الملاحظة؛
ü                 التدوين؛
ü                 تصنيف الوقائع؛
ü                 التحليل؛
ü                 استخلاص القوانين المتعلقة بمهارة العمال.
يتضح من خلال هذه المبادئ المؤسسة للتايلورية المنحى العقلاني لتنظيم العمل، بل إن التقدم الصناعي لا يمكن اختزاله في التحكم التقني، ولكن في عقلنة تنظيم العمل[23].

5.1. عقلنة العامل البشري:
تواصلت المجهودات، بعد تايلور إلى يومنا هذا، الرامية إلى تنظيم العمل نظرا للتطور الصناعي نفسه. وكان التطور يشمل الإدارة والمقاولة، ولكن كذلك علم النفس وعلم النفس الاجتماعي اللذين يساعدان المنظم على التوجيه الأمثل للعامل والمعرفة المثلى للفرد والجماعة والتفاعل الحاصل بين الفرد والجماعة والجماعة والتنظيم والفرد والتنظيم. يبدو كما لو كان التوجه الجديد المستعين بهذه العلوم يتجاوز التحليل السلطوي والقرار البيروقراطي مكتفيا بالمعرفة الدقيقة بالجماعة والفرد تحت اسم العلاقات الإنسانية[24].
كانت بداية مدرسة العلاقات البشرية مع أوراش هاوتورن التابعة لشركة وسترن إلكتريك في سنة 1924. وقد شملت الدراسة 29000 شخص يعملون بمعامل ضاحية شيكاغو المتخصصة في كل ما يتعلق بالهواتف.
ورغم الشروط المادية والظروف الجيدة التي يعمل فيها العمال كالأجور المرتفعة والتطبيب والخدمات المقدمة والتغذية بعين المكان والعلاج لوحظ أن علامات عدم الرضى كثيرة مثل التغيبات المتكررة والتوقف عن العمل وانعدام الجدية والجودة في العمل.
سارعت الإدارة وبمساعدات باحثين جامعيين إلى البحث في شروط العمل، فكانت البداية بالإنارة التي تبين أن لها تأثير كبير على الإنتاج[25]. وقد دامت التجارب الخاصة بالإنارة من 1924إلى 1927. وبعد ذلك تم التركيز على عمل فريق من الباحثين المتخصصين في علم النفس الاجتماعي الذي دامت أبحاثه ست سنوات كاملة على مجموعة معزولة من العمال. وكان هذا الفريق يبحث في تأثيرات ومتغيرات- غير الإنارة- على الإنتاج مثل العمل الفردي والجماعي والغلاف الزمني والعمل في نهاية الأسبوع. وقد بدا للباحثين أن إحداث متغير كحذف العمل في نهاية الأسبوع مثلا يزيد من المردودية. وهكذا ظل فريق الباحثين يحدث المتغيرات ويعود إلى الحالة الأولى للوقوف على أسباب التغيبات وعدم الرضى وقلة الإنتاجية.
6.1. الحاجات والتحفيزات:
ترتكز هذه النظرية على علم النفس وعلم النفس الاجتماعي وقد بدأت تكتسح جميع أشكال تنظيمات الشغل والمهن، مما ترتب عن ذلك إعادة النظر في هيكلة المهام داخل تنظيمات الشغل ودوائر الجودة.
يعتبر أ.ه.ماسلو رائد هذا الاتجاه الذي يرى أن الحاجات شئ من الحياة الإنسانية وأن أصلها ليست حاجات نفسية أو فطرية فقط وإنما هي ثقافية واجتماعية كذلك، وهي تتولد عن ضرورات التملك أو الاستهلاك مما تترتب عنه تحفيزات تدفع الفرد للقيام بشئ ما قصد إشباع الرغبات[26]. ثم إن ماسلو لا يقيم تراتبية بين الحاجات ومن تم تكون أولوية لحاجة عن أخرى؛ أي أن هناك حاجة عليا وجب إشباعها أولا ثم هناك حاجة دنيا تختفي لما تظهر أو تشبع الأولى. تشبه الحاجات هرما يتكون من الحاجات العضوية والأمنية والانتمائية والحاجة إلى التقدير وتحقيق الذات، علما أن ماسلو يعطي الأولوية للحاجات العضوية ثم تأتي الحاجات الأخرى في المرتبة الثانية بعد الإشباع.
ويلاحظ أن الحاجات العضوية يمكن إشباعها في المجتمع الحالي وبالتحديد في الولايات المتحدة الأمريكية والدول المتطورة اقتصاديا. وما الأصوات التي ترتفع لتنادي بالأمن لتأمين العمل وتأمين الشغل سوى علامة على المرور من مستوى إلى آخر، لكن لا يمكن مباشرة هذه الحاجات في الوقت الذي لا تكون فيه الحاجات العضوية أو الحاجات الأجرية مشبعة. ومن تم على إدارات المقاولات أن تنتبه إلى ذلك قبل النظر في الأمن بجميع أشكاله[27].
يتحقق الانتماء في حركيات التضامن الاجتماعي والهوية الطبقية (النضال النقابي مثلا). وتقدير الذات يشمل تقدير الفرد لذاته وتقدير المجتمع له .وقد يقل تقدير الذات في العمل نتيجة تقسيمه وتجزيئ المهام.
يلاحظ بيرنوكس أن أسس تحليل ماسلو براجماتية لأنها تلتقي في جانب منها بالواقعية. فهي من جانب ثان تحطم أسطورة الإنسان الاقتصادي l'homo oeconomicus الذي لا يتحدد إلا بالربح، وهي الصورة السائدة عند كل من تايلور والفوردية والتقاليد الاقتصادية. وهكذا لا يمكن تفسير سلوك الفرد في المقاولة بالجانب النقدي وحده وإنما هناك حاجات أخرى مثل الأمن والتقدير وتحقيق الذات، وبالأجمال المصلحة الشخصية للفرد[28].
سيعمل دوغلاس ماكغريغور على البحث في نظرية الإدارة management؛ أي طريقة قيادة الناس. وقد انطلق في ذلك من المقارنات بين برامج تكوين المسؤولين في الشركات الأمريكية الكبرى وتقويمها ميدانيا (في تطبيقها ). وقد استنتج أن تصرفات المسؤولين تستند إلى سياسات تدبيرية لا ترتبط مباشرة بالمحتويات التي تلقوها وإنما بافتراضات حول الطبيعة الإنسانية والسلوكات الفردية[29] التي تصبح كمبادئ يقوم عليها التكوين وتنقل من جيل إلى آخر. ولتجاوز ذلك اقترح ماكغريغور التكوين المرتبط بالمنفعة دون إغفال الجودة البيداغوجية والمصلحة الشخصية.
ترتكز نظرية الحاجات على وظيفة بيداغوجية، وكانت موجهة للمستشارين ومدراء تنظيمات الشغل، وهي لا تخلو من تصورات افتراضية عن الطبيعة البشرية رغم أنها تقترح طرقا لتغيير الطرق السابقة في التعامل مع العمال. هل يتعلق الأمر بتلبية الحاجات أم بتنظيم العمل بشكل يعطي قيمة لقدرات الأفراد؟ إن العلاقة بين إشباع الحاجات والإنتاجية لم تظهر الدراسات بشأنها أي نتائج تذكر، ثم إن العمل المنظم جيدا قد يعطى نتائج كبيرة.
والحاصل أن مدرسة العلاقات الإنسانية ونظرية التحفيزات تتميز بخصائص تقنية لأن المنظم هو الذي يفكر في عمل الأفراد، وكل خاصية فردانية وأخرى إنسانية. وقد راهنت هذه النظريات على النجاعة عن طريق المشاركة والاندماج للتغلب على مشاكل التكيف[30].
لقد كان الهم الأساسي المحرك للمدارس التي تبحث في تنظيم الشغل والمقاولات هو النظر إلى التنظيمات كإجابات عن إكراهات موضوعية مما يجعل، وفق هذا المنظور، لا النظر إلى مشكل التكيف مع المحيط كحل نهائي وغاية الغايات، بل عدم جعل المحيط معطى لا يمكن تغييره، أو نظر إليه كقدر لا راد له. وبناء على ذلك ينبغي أن تتغير التنظيمات وتتحول لتتكيف معه، علما أن المقصود بالمحيط هنا هي قوانين السوق والتطور التكنولوجي.
لقد كان يتمثل هم تايلور، حسب فليب بيرنوكس، فيما يلي:
ü                 تحليل العمل في الأوراش،
ü                 تقسيم العمل إلى عناصر دقيقة صغرى،
ü                 دراسة المهام وعقلنتها،
ü                 اقتراح تنظيم لتكييف العمال مع المقاولة.
وجاءت بعده مدرسة العلاقات الإنسانية ونظرية التحفيزات مرتكزة على تقنيات في علم النفس وعلم النفس الاجتماعي والسسيولوجيا وهي تتوخى من ذلك تكيف العمال مع عملهم[31].
لقد كان المشكل هو دراسة القوانين الداخلية للتنظيمات في استقلال عن الاكراهات السياسية والاقتصادية، لكن بدا أن التنظيمات لا تتكيف ميكانيكيا وآليا مع التطورات الخارجية بالاقتصار على دراسة عناصرها الداخلية.
لم يسلم مشيل كروزيي وإرهارد فرايدريغ من الرؤية التي تجعل التنظيم مستقلا استقلالية كاملة؛ أي التنظيم الذي لا يخضع إلا لقوانينه الخاصة، القوانين والقواعد الوظيفية لا التنظيم الذي يتحدد بالعوامل والمؤثرات الخارجية. وقد تمثل نقدهما للنظريات السابقة في الجانب الذي يجعلها تنظر إلى الفرد والجماعة في الفراغ؛ بمعنى إما بالانطلاق من الحاجات المنظور إليها بالمطلق، ثم في استقلال عن استراتيجيات الفاعلين وعن تنظيمات ملموسة[32].ولأنهما أخذا ظاهرة التنظيمات على محمل الجد فقد جعلا منها ظاهرة مستقلة كليا ومصطنعة في الآن نفسه.
يتميز التنظيم في نظر هذين الباحثين بالسمات التالية:
ü                 تقسيم المهام؛
ü                 توزيع الأدوار؛
ü                 نظام السلطة؛
ü                 نظام التواصل؛
ü                 نظام المساهمة والأجر[33].
ورغم هذه السمات التي تبدو كركائز أو كأسس لكل تنظيم كيفما كان نوعه توقف بيرنوكس عند جانب مهم تمثل في الهيكلة[34] l'organigramme مستحضرا أطروحات ماكس فيبر حول السلطة والبيروقراطية[35]، وجوانب أخرى مثل الجوانب اللاشخصية، والجوانب العقلانية التي تتداخل في العمل، الشئ الذي جعله يقبل بأطروحة فايول هنري الذي ينظر إلى المقاولة كجسد اجتماعي. وخلص الباحث بعد ذلك إلى استنباط مسلمات التحليل الاستراتيجي التي تدور حول المسلمات التالية:
المسلمة الأولى: لا يقبل الناس أن يعالجوا كأدوات لخدمة أهداف يضعها المنظمون للتنظيمات؛
المسلمة الثانية: الحرية الخاصة بكل فاعل نسبيا داخل المقاولة أو التنظيم، ومعناها أن كل فاعل يحتفظ بشيء من الاستقلالية يستعملها قليلا أو كثيرا حتى ولو كان داخل السجن؛
المسلمة الثالثة: تكون الاستراتيجيات عقلانية دائما في رهانات السلطة إلا أنها عقلانية محدودة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار استراتجيات الآخرين واكراهات المحيط[36].
للتحليل الاستراتيجي مفاتيحه الأساسية أو لنقل مفاهيمه الأساسية، ومن هذه المفاهيم نجد الفاعل والنسق والسلطة:
 يلعب الفاعل دورا أساسيا في نظرية التحليل الاستراتيجي. وقد كان كل من مشيل كروزيي و إرهارد فريدبرغ هما من أبدعا نظرية الفاعل. وهي نظرية تقوم ضد دوركهايم الذي أراد أن يطبق العلوم الحقة في دراسته على الوقائع الاجتماعية دون الأخذ بقصدية الفاعلين.
تنطلق سسيولوجيا الفاعل من الفرضية القائلة بأن وضعية الفعل أولية، وهي وضعية قابلة للتفسير وفق منطق الأفعال ومنطق وضعية الفعل.
وأما النسق فإنه يحتل بدوره مكانة هامة في التحليل الاستراتيجي. ويأتي معناه من التنظيم أو البناء الإنساني أو مجموعة من الناس مبنينين بناء معينا. يتكون هذا المجموع من عدة عناصر لها استراتيجيات تتطور بتفاوت، ولها علاقات تخضع لاكراهات المحيط. ثم إن التنظيم في مجموعه يكون في حركة لا تهدأ قد يبدل أهدافا قديمة بأخرى جديدة، وقد يوظف عمالا آخرين يستبدل بهم غيرهم بمستويات دراسية معينة.
لابد أن التمييز بين الفاعل والنسق يوحي بتمييز بين التحليل الفاعلي والتحليل النسقي أو نمط التفكير الاستراتيجي ونمط التفكير النسقي. هناك فاعلون مستقلون نسبيا وأحرار يخلقون نظاما معينا (نسقا)، ويجعلونه يعمل عبر شبكة من العلاقات تسمح لهم بالتفاوض والتبادل وأخذ القرار[37].
سيكون من المهم في منظور التحليل النسقي تحديد المجموع، كلية العناصر والعلاقات بين العناصر عوض تحليل كل عنصر على حدة لتفادي النزعة الوظائفية التي تركز على عامل أو فاعل أو جزء دون الكل. ثم يستحيل الحديث عن النسقية من دون استحضار التنظيم بما فيه جانب الموارد البشرية وسيرورة التحولات وتمويل منتوج معين. ويعني ذلك أن النسق شبكة من العلاقات غير المستقلة، شبكة متداخلة مترابطة فيما بينها. وإذا ما حصل تغيير في إحداها تغيرت العلاقات الأخرى، بل يتحول المجموع في كليته. ولتمييز النسق عن التنظيم أدخل السسيولوجيون جانب الغاية؛ إذ يسعى التنظيم إلى التوازن بمجرد التغيير لأن هناك حالة مثالية من التوازن ينبغي الرجوع إليها أو الحصول عليها، لكن النسق يجهل معنى التغيير رغم أن مثاله هو التوازن[38].
تسمى الطريقة التي تبني بها مجموعة من الناس علاقاتها نسقا للفعل الملموس بما فيها الأنساق الصغرى للفعل الملموس. والتحليل الاستراتيجي لا يكتفي بدراسة هذه العلاقات بمعزل عن دراسة الشك الذي يعني الاكراهات الخارجية التي ترمي بظلالها على التنظيم، والشك الجاثم على العلاقات الداخلية للتنظيم.
والجانب الثالث في التحليل الاستراتيجي هو الجانب المتعلق بالسلطة كمشكل مركزي في التنظيم. وهنا لا يتعلق الأمر بالمنظورات الكلاسيكية التي كانت تنظر إلى من يحتكر السلطة من جهة وإلى من ينفذها من جهة ثانية. ربما أصبح الأمر يسير بشكل جماعي، بتقاسم السلط والتفاوض والاجتماعات المتكررة لإيجاد الحل للجميع.
سيكون من الملائم حتى في مثل هذه الحالات التي تتخذ فيها القرارات أن نعرف السلطة بأنها قدرة بعض الأفراد أو الجماعة على ممارسة السلطة على آخرين سواء أكانوا جماعة أو أفرادا.
تعيدنا دراسة نسق الفعل الملموس إلى تعريف الجماعة، سواء إلى العلاقات البينشخصية أو إلى تاريخها وثقافتها. ومن أجل توضيح هذه المعطيات لابد من الرجوع إلى فرويد الذي عمل على تحليل علاقة الفرد بالجماعة فيما يخص الجوانب المتعلقة بالثقافة والتاريخ[39].
أليس الحديث عن التحليل النفسي هو حديث عن الفرد؟ ثم أليس الحديث عن علاقات جماعة تشكل نسقا هو إحالة على بنية؟ أليست، أخيرا، ثقافة المقاولة هي نسق فعل ملموس؟.
لنتذكر بأن السسيولوجيا تدرس الظواهر كظاهرة التنظيم نفسه إلا أنه هناك أسئلة تنفلت من التحليل مثل دراسة الروابط الاجتماعية و أمراض التنظيمات والدور الكرزماتي للزعماء الذي لا يتناوله التحليل النسقي تحديدا، فتظل هذه الأمور، بذلك، منسية ومهمشة قابعة في الظل، بل إن علاقة الفاعل بالتنظيم لا يمكن أن تختزل في السلطة والاستراتيجيات وحدها.
قد لا نستغرب إذا قلنا بأن فرويد لم يكتف بتحليل العلاقة بين الطفل والأب والأم؛ إذ تعداها إلى تحليل التنظيمات والمجتمعات؛ ذلك ما تشير إليه مؤلفات مثل تحليل الحرب 1914-1918 و سيكولوجيا الجماعات وتحليل الأنا 1921 ومستقبل وهم 1927 ومرض في الحضارة1929، حيث التحليل يذهب إلى ماوراء العلاقات البينشخصية الفردية ليطال المجتمع والتنظيم[40].
إن الإنسان كائن ذو رغبات. والحال أن هذه الرغبات ينبغي أن يعترف بها الآخر ويقبل بها ليس بالمعنى القبول الساقط وإنما الاعتراف الاجتماعي، حيث يعترف بصاحب الأهواء والرغبات كذات لأن الرغبات لا يمكن التعبير عنها اجتماعيا وإنما هي منتوج دافع ما.
هناك من جمع بين الاعتراف والهوية مثل ر.سانسوليو . وهناك من رأى بأن جميع البنيات التنظيمية ترتبط بالمتخيل الاجتماعي. فعلى سبيل المثال فإن علاقة الغواية والاستمالة تدخل في علاقة السلطة والعصابات الفردية تترجم تنظيميا أو بلغة التنظيم. هناك تفاعل بين المتخيل الفردي والاجتماعي، والبارانويا قد تكون جوابا جنونيا على مشاكل واقعية مطروحة في الحياة الاجتماعية. وإجمالا فإن التحليل النفسي هو تحليل اللاوعي ، تحليل ما ينفلت من الوعي وعقلانية التنظيمات.
عمل فرويد في سايكولوجيا الجماعة وتحليل الأنا على تأزيم التعارض بين علم النفس وعلم النفس الاجتماعي لأن علم النفس لا يمكنه تجريد علاقات الأفراد بالآخرين والعلم الآخر سيتدخل بانتظام من حيث أنه نموذج ودعم للمنافس. ثم إن بنيات التنظيمات لها سيرورات عصابية لا يمكن فهمها إلا باستحضار لا وعي الأفراد.
لا يمكن أن توجد التنظيمات إلا لأنها موجودة من أجلنا، وذلك ما يعني وجود رابط مثل تحقيق الذات والحب والتضامن والجسارة كدافع لبناء شئ ما مع الغير. ولكي يوجد ذلك لابد من وجود مدخل ليبيدي libidinal أو استثمار عاطفي[41].
إن مجتمعا مؤسسا على حب الأب والمساواة بين الأبناء يعني وجود رابط ليبيدي ونرجسي. فهل يمكن الانطلاق من هذه المسلمة الفرويدية لتحليل العلاقات داخل التنظيمات؟ يلاحظ بيرنوكس أن الصعوبة الأولى تتمثل في غموض صورة الرئيس. فهل من المعقول القول بأن الأفراد لا يعيشون معا بإحالتهم على الغير وبالتحديد على الأب أو المؤسس أم أن هذه الصورة خطيرة وقاتلة لأنه على الأبناء التمرد لقتل الأب؟ تجسد هذه الحالة حالة علاقة السلطة المليئة بغموض صورة الأب.
والجانب الثاني في التحليل الفرويدي أن الأنا لا يتشكل إلا عبر الغير، باعتراف الغير، وهو ما يجعل الذات، الاعتراف بالذات، مهددا ومبدأ المساواة بين الإخوة في خطر مثل ما يحدث في النظرة المباينة المفاضلة بين الجنسين وامتداداتها في العمل والحياة اليومية، فتهدد بذلك الغيرية الجماعة. لكن المنطق السليم في التحليل النفسي يقول: لكي أظل أنا نفسي ينبغي أن أكون مختلفا. لكن لكي تستمر الجماعة ستتصدى للأفراد الذين يظهرون رغبات القتل ودوافع الهدم والعدوان (أسباب الحروب).
سيكون وضع اليد على رابط ليبيدي من بين الوسائل التي تعزز التماسك الجماعي لمنع العدوانية بالسماح بالتعبير أمام أعضاء الجماعة وتحويل تلك العدوانية نحو الخارج، نحو تنظيمات أو جماعات أو مجموعات أخرى.
هناك نوعان من النزوعات في جميع المجتمات؛ أولها النزوع نحو التدمير الذاتي الذي يلغي كل غيرية أو أن الجميع صار منافسا وعدوا، حيث تكون نهاية الروابط الاجتماعية، نهاية العلاقة بين الحاكم والمحكوم أو بالإبداع الدائم لأعداء جدد يوجدون في الخارج، حيث لا توجد الدولة إلا بالحروب أو التحضير المستمر لحرب آتية[42].
والخلاصة أن التنظيم الجيد يفترض، حسب هذا المنظور، وجود رابط الحب وغيرية الأب والقبول بالاختلاف والغيرية مع مناقشة التبادلية.
لم يعد خافيا أن العصاب هو عصاب تنظيمي. والعصاب هو انعدام القدرة على العيش المشترك أو في الجماعة. وإذا انطلقنا من المسلمة القائلة بأنه على كل فرد أن يعمل في جماعة والجماعة تناقش باستمرار أنشطتها سيكون ذلك علاجا للعصاب. وقد خلص الباحث بيون، في هذا الباب، إلى الاستنباجات التالية:
أولا: إن نفسية الأفراد هي بالأساس سيكولوجية الجماعة لأنه هناك تأثير متبادل بين الأفراد؛
ثانيا: إن العمل الواعي العقلاني لجماعة معينة يتأثر بالأحاسيس اللاواعية وانفعالات المشاركين؛
ثالثا: إن مشاكل التدبير والقيادة هي شخصية وبينشخصية تترجم بلغة تنظيمية؛
رابعا: كلما كانت الجماعة تواجه الواقع كثيرا كلما لوحظ تطورها الايجابي[43].
ويرد عند بيرنوكس جانبا آخر يسمح بفهم الجماعة بعيدا عن التحليل النفسي يتمثل في ثقافة الجماعة رغم أنها غير مدركة إدراكا جيدا من قبل السسيولوجيين.
لاشك أن للثقافة تعاريف كثيرة وقد تحيل إلى التأثيرات على الأفراد والجماعة أو القيم التي يقدمها المجتمع أو القيم المنتظمة في نسق بتأثيراتها الرمزية أو التمثلية. والصعوبة الثانية في تحديد الثقافة تنجم عن إمبريالية المدارس الثقافوية وبالتحديد التفسيرات التعميمية التي تنشرها[44]؛ ومنها جهوية الثقافة ووطنيتها.إنه التحديد العام المرتكز على الذهنيات والقيم العامة الجماعية الذي تدرسه سسيولوجيا التربية أثناء تناولها لنقل المعارف (العائلة والمدرسة) إلا أن الدراسات المهتمة بالجانب الثقافي في التنظيمات تنطلق من وضعيات ملموسة في العمل، ومن الاختلافات السسيو-مهنية للفاعلين والهوية المهنية للفاعلين[45].
كان رونود سانسوليو أول من انتبه إلى آثار العمل على السلوكات العلائقية وليس على النفسيات الفردية. وقد لا حظ وجود تعدديات ثقافية تميز العمال غير المؤهلين مثل السلبية عند العمال المؤهلين الذين يستعملون التقنيات والآلات القديمة، والتضامن عند مستعملي التقنية الجديدة، والانعزالية عند التقنيين والأطر ومستخدمي المكاتب وغيرهم.
يعزي الباحث هذه الثقافة إلى عدة عوامل منها:
أولا: الثقافة السابقة وتشمل على سبيل المثال الرجال والنساء، القرويين أو الحضريين، الثقافة الأسرية والتقنية، الثقافة المكتسبة في مقاولة أخرى... إلخ؛
ثانيا: وضعية العمل ونوع العمل؛
ثالثا: الوضعية الاستراتيجية لعلاقات السلطة وتشمل سياسة القيادة والتنقيب والصراعات الاجتماعية وعلاقات السلطة في ورش ما...إلخ[46].
ويخلص الباحث بيرنوكس أن هذه النمذجة تسمح بالتخلص من التعقيد الثقافي للمقاولة التي ستعالج برؤية وظيفية انطلاقا من المنتظرات والأدوار في التنظيم. وبلغة استراتيجية، تسمح هذه النمذجة بالانطلاق من علاقات السلطة.




[1] - Philippe Bernoux, La sociologie des organisations.Ed.seuil.Paris 1985 .coll.points Essais.p17-20

[2] - ibid.p23
[3] - ibid.p25
[4] - ibid.p27
[5] - ibid. p.30-31-34
[6] - ibid. p.38
[7] - ibid. p.39-40-41
[8] - ibid. p.44-45
[9] - ibid. p44-45
[10] - ibid. p.46
[11] - ibid. p.47
[12] - ibid. p.47
[13] - ibid. ibid.p48
[14] - Ibid.p51
[15] - Ibid.p51
[16] - Ibid.p54

[17] - Ibid.p57
[18] - Ibid.p58
[19] - Ibid.p60
[20] - ibid.p61
[21] - ibid.p63
[22] - ibid.p65
[23] - ibid.p67
[24] - ibid.p69
[25] - ibid.p71
[26] - ibid.p79
                         
[27] - ibid.p80
[28] - ibid.p81
[29] - ibid.p83
[30] - ibid.p97
[31] - ibid.p116
[32] - ibid.p117
[33] - ibid.p118
[34] - ibid.p123-128
[35] - ibid.p126
[36] - ibid.p129-133
[37] - ibib.p138
[38] - ibid.p142
[39] - ibid.p169
[40] - ibid.p172
[41] - ibid.p174
[42] - ibid.p178-179
[43] - ibib.p181

[44] - ibid.p185
[45] - ibid.p187
[46] - ibid.p187
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage