3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

في مفهوم الكفاية المستعرضة

الخط








ترجمة: الحسن اللحية وعبدالإله شرياط




بما أن المفهمة «التشومسكية» للكفاية واضحة وضوحا تاما على مستوى اشتغالها، وكذا على مستوى اكتسابها، سننكب على دراسة نماذج أخرى من الكفايات لأننا مجبرين على إيجاد شيء مستعرض (transversal) ضمن بعض الكفايات النوعية لا يسير ه>ا الأمر من تلقاء نفسهن لأن الارتباط بما هو مستعرض يعود إلى أسباب تاريخية واجتماعية في البداية.
من أين أتت فكرة العرضانية (la transversalité 
يكشف مفهوم الكفاية، كما رأينا عن أحد مجالات انبثاقة في ميدان تحليل العمل. لأن عدادا من التطورات التقنية والاجتماعية دفعت إلى البحث عن الكفايات المستعرضة إلى جانب البحث عن الكفايات النوعية، التي يمكن أن نجملها في ثلاثة عوامل: تطور الأجهزة التقنية، حركية الشغل، البطالة.
قبل أن يركز الاهتمام على عقلنة التعليم وعلى تفكيك (تحليل) الكفايات كسلوكات أساسية مشروطة برموز غير محدودة، نجد أن نفس المجهود بذل في مجال العمل. لأننا نجد تايلور (Taylor)، مثلا، يشغل على إلغاء الحركات غير اللازمة، أو على تحليل الطرائق الضرورية، وهذا ما يؤكد كذلك مالغمايف (Malgamaive) عند قوله: «عندما نحدد الطرائق سنستطيع تنظيم العمل، ونرسم بذلك النطاق الذي سيمكننا من إسناد لكل فرد تنفيذ عدد محمد من خطوات الطريقة التي غالبا ما تكون قليلة، وفي حدود واحدة على الأقل». وتصبح المهمة بذلك متخصصة بشكل ضيق ومنفصلة عن غايتها (كما سبق أن أثرنا حول الأهداف السلوكية في البيداغوجيا). لكن هذه الفكرة سيتم انتقادها من التنظيم يحرم الفرد المنفذ من النظرة الشمولية للمهمة أو من كل مبادرة.
ثم ظهرت في السنوات الموالية حركة إغناء وتوسيع للمهام التي ستتطور أكثر مما يتطلبه تطور الأجهزة التقنية، وذلك طبعا بالانتقال من الأداة إلى الآلة ـ الأداة. فالأداة لا تتوفر على حركة خاصة بها دون توجيه من الإنسان، كما تتطلب أيضا من هذا الأخير ضبطا توافقيا في غاية الدقة، وهذا ما سيجعل تجزيء المهام وتخصص العمال أمرا مرغوبا فيه.
ويضيف مالغايف (Malgmaive) أيضا أن هذا النوع من الضبط «المدمج كله لعمل سيصعب تقبله على مستوى الضمير الإنساني وأن "واحدة"، بل يفترض مجموعه من الحسابات والاشتغالات العقلية والتعقيدات التطبيقية المادية والرمزية». يجب إذن معرفة محددات فعل تحول الموارد وأيضا هندسة أجزاء الآلة، رغم أن متدخلا آخر (الضابط) هو الذي سيحدد هذه الثوابت كما ستتطلب المهمة (دون انقطاع) من مشغل الآلة عددا من عمليات الضبط التي يمكن أن تنفذ دون معرفة شاملة عن اشتغال الآلة وعن غاية التحول الجاري. وأن تعقد الجهاز بفرض على العامل أن يتمكن من الخروج من المواءمة الضيقة إلى مهمة واحدة متكررة.
لكن حينما ننتقل من الآلة- الأداة إلى الآلة- الأداة الأتوماتيكية (آلة- أداة بتحكم رقمي) ستتسع الكفاية أكثر، فمثلا يمكن مركز معملي من "تسلسل وإدماج عمليات الدوران والتخريط والثقوب وأيضا الترميمات"، وما يطلب من العامل هنا هو السيطرة على منطق عدد من التحولات المتتالية التي تطرأ على المادة أي التحكم في مجموعة من "المهن" التقليدية، كما يجب عليه أيضا أن يتحكم في لغة برمجة الآلة أي في مختلف شفرات طرائق التحكم، وهكذا تنضاف إلى الكفاية النوعية كفاية متعددة، وهذا ما يمثل الشكل الأولي لمفهوم العرضانية.
لسرعة هذه التطورات التقنية آثار اجتماعية لأنها تفرض على الفرد الواحد أن يغير عمله من حين إلى آخر، إن لم نقل مهنته أكثر من مرة في مساره المهني. وهكذا ستتغير متطلبات التكوين المهني بشكل كبير، حيث لم يعد الأمر يتعلق بجعل الفرد يتوافق مع منصب عمل محدد بدقة، بل بتزويده بكفايات عامة قابلة لئن توظف في وضعيات مهنية متنوعة وغير متوقعة أثناء التكوين. كما يؤكد كل من ميريو (MERIEU) ودفلاي (DEVELAY) بقولهما: «بما أننا نكتشف أن المحتويات والطرائق المتعلمة أثناء التكوين لا تظل نافعة طيلة الحياة المهنية، بل يجب أن نتساءل، ألا نستطيع بواسطة تعلمات لنظام أو اكتساب مهارات دقيقة نسبيا، مبنية إلى حد ما، يدوم أكثر ويمكن أن نستثمره في مجال آخر؟». سنحتاج إذن منذ الآن إلى فرضية جديدة مفادها أن الكفايات المكتسبة في وضعية ما أو مجموعة من الوضعيات، يمكن أن تنتقل إلى وضعيات مختلفة وجديدة، وبهذا الشكل سيصبح للتكوين معنى، كما سيعبر هذا الأمر عن العرضانية وعن قابلية الكفايات المستعرضة للتحويل.
الكفاية المستعرضة كعنصر
La compétence transversale comme élément
إذا أردنا تجاوز البناء الحدسي والابتعاد عن التيه إلى حد ما وراء وضع لائحة للكفايات المستعرضة، وجب أن نصل إلى تحديد الخصائص التي يفترض أن تتوفر في الكفاية لكي تصبح مستعرضة داخل المجال المدرسي. لكن يبدو أن هذا الأمر صعب المنال لأن هذا المفهوم كما رأينا يستجيب للانتظارات والمتطلبات الاجتماعية المتعددة، إن لم نقل المختلفة لأننا لا نعلم في النهاية هل نبحث بهذا الاسم عن الكفايات المكتسبة بواسطة عدد من المواد، أو على العكس، عن الكفايات التي تجتمع بكثرة من أجل الإنتاج، ولا نعلم في هذا الاحتمال الثاني هل يجب البحث عن الكفايات التي تطورت بواسطة عدد من المواد المتتالية، أم أن المزج الكيميائي يساعد على تجميعها وهو الذي ينتهي بتوليدها.
يجب أن نتحرك في هذا المجال المعقد إن لم نقل المعتم في اتجاه لا يسمح بمنع مسبق لبلورة نماذج واضحة. كما يمكن أن نبحث من هذه الزاوية، هل هناك شيء مشترك بين الكفايات التي تنميها مختلف المواد الدراسية، وأن نعتمد أيضا فرضية مؤقتة تقول بأن "هذا الشيء المشترك" يمثل الشكل الأول للكفاية المستعرضة.
لنتأمل مثلا بعض الكفايات المسطرة في بعض التمارين المدرسية، كمعرفة دراسة نص تاريخي، أو معرفة إنجاز عملية طرح لعدد من الأعداد، أو معرفة تطبيق قاعدة الارتباط الإملائي، نلاحظ أننا يمكن أن نصفها بسهولة، كأمثلة لما أسميناه "بالكفاية الوظيفية" لأنها تشكل إمكانية إنتاج لسلسلة من الأفعال المنظمة من أجل هدف معين، بواسطة مصطلحات تقنية أو اجتماعية، وهنا مدرسية.
ولأن كلا منها مكونة من عدد مهم في الغالب من الأفعال الأساسية التي تتطابق أيضا مع الكفايات. وهكذا فإن الكفاية التي تمكن من إجراء عملية الطرح، تتضمن عددا كبيرا من الميكروكفايات، أو كما سنقول منذ الآن، الكفايات- العناصر، مثل معرفة إجراء طرح عدد من الأعداد، أو ترتيب هذه الأخيرة في أعمدة، وكذلك بالنسبة لتطبيق قواعد الربط الإملائي في نص مكتوب يفترض معرفة التمييز بين الاسم والفعل، ومعرفة تحديد جنس وعدد الأسماء الموضوعة، ومعرفة القراءة كذلك...
من السهل ملاحظة أن هذه الكفايات- العناصر تكون مشتركة في عدد من الكفايات المدرسية التي تمثل هذا الشكل للكفاية المستعرضة، لأن معرفة القراءة تعتبر كفاية مستعرضة مقارنة مع "معرفة حل مسألة رياضية" أو "معرفة دراسة نص تاريخي" أو "معرفة حفظ قصيدة"... وكذلك أن الكفاية التي نضع وحداتها بشكل عمودي مثل ترتيب الأعداد في عملية الطرح، يمكن أن نصنفها بالمستعرضة لأنها لا تخدم العمليات الحسابية فقط، بل توظف أيضا في أنشطة مدرسية غير رياضية مثل تسطير جدول للنحو.
لذلك سيكون من الخطأ إهمال هذه الميكروكفايات التي تنظم الصفات العامة، وتقدم الأعمال الكتابية، وتصمم العمليات، وتدبر عموما المكان والزمان الذي يعتبر التحكم فيهما من المحددات الأساسية للمهام المدرسية الأكثر تنوعا.
وفي أمثلة أخرى، فمعرفة حفظ درس معين أو معرفة أخذ النقط في القسم، أو معرفة استعمال دليل المدرس، كلها تمثل ميكروكفايات- عناصر تستعمل في جميع المواد، فمثلا معرفة تهيئ عرض ما، يمكن أن نجد فيه عددا من هذه الكفايات. ونفس الأمر بالنسبة للقيام وبتلخيص معين، أو معرفة قراءة خطاطة ما إلخ... وأيضا أن معرفة رسم أو قراءة منحنى أو مبيان تدخل في كفايات عدد من المواد انطلاقا من الرياضيات إلى الجغرافية مرورا بالبيولوجيا والعلوم الاقتصادية والإلكتروتقنية.
 ولبعض الكفايات- العناصر فوائد خاصة لأنها تدخل كعناصر أساسية في الكفايات المؤسسة للمراحل العلمية، مثلا في "وصف معالجة (شفوية وكتابية)"، في الوقت الذي تظهر فيه فوائد كفايات أخرى، كتلك المتعلقة بالمدرسة والحياة العامة، وذلك كما رأينا من بين الرهانات العرضانية مثلا "التعرف على مؤشر لاستعمال الزمن أو قراءة تصميم بسيط «كما ورد في النص الوزاري» . وفي مقابل ذلك فإن التحليل التركيبي لهذه الأنشطة يمكن أن يستمر ويمكن من تحقيق عمليات أكثر أساسية، وستتسع الكفاية المستعرضة نتيجة ذلك ،وهكذا فاستعمال قاموس مثلا ،بشير إلى كفاية عنصر تدخل في عدد من الأنشطة المرتبطة بعدد من المواد المختلفة ،لأننا يمكن أن نستعملها للتأكد من الكتابة الإملائية لكلمة ما ،أو بحث في معناها ،أو أصلها ، أو الواقع التي تشير إليها لكن الكفاية المتعلقة باستعمال القاموس بمكن أن نقسمها هي نفسها إلى عدد من الميكروكفايات،  يكون من بينها كفاية استعمال الترتيب الأبجدي ،التي يمكن أن نستعملها هي الأخرى في المعجم أو الدليل أو في تكوين لائحة من الأسماء... في حين أنه سيكون مهما معرفة أن هذا التفكيك الشامل للكفاية كميكروكفايات، سيمكن من اقتراح نمذجة لسيرورة التعلم، فبالنسبة لبرجسون (Bergson) مثلا، يشكل التعليم تجميعا جديدا لكفايات- عناصر مكتسبة مسبقا، لأنه "من أعل التعاقد مع عادة معقدة كحركات رقصة الفالز، يجب أن نكون معتادين على الحركات الأساسية التي تتكون منها رقصة الفالز".

ويؤكد برجسون كذلك أن هذه الحركات التي نقوم بها عادة من أ جل المشي، أو الوقوف على رؤوس الأقدام، أو أن نقوم بحركة دائرية حولنا، هي نفس الحركات التي تستعمل أثناء تعلم رقصة الفالز لأن تعلم ممارسة جديدة يتطلب إعادة استعمال الميكروكفايات التي نمتلكها مسبقا، وذلك في حصص أصلية ومتفردة، وهذا ما يجعل عرضانية هذه العناصر تظهر كأنها تقدم نموذجا للتعلم ،يمثل إعادة تنظيم ما هو متوفر من قبل، وهو ما بشكل ذكريات الفرد.

يمكن أن نجد نفس هذه المفهمة للتعلم عند ج.برونير (J.BRUNER) رغم أنه عبر عنها بأسلوب مغاير، لأنه حينما استغل على تحليل تكوين "حسن التصرف" عند بعض الأطفال، كتب يقول "التحكم التام في حسن التصرف ، يتكون من تصرفات أساسية منظمة فيما بينها حسب ترتيب متسلسل ومثبت بواسطة قاعدة تحدد النية المستوفية للمتطلبات اللازمة لمهمة معينة". وأضاف أيضا التأكيد الذي يشير إلى "أن الأفعال المؤسسة لحسن التصرف حاضرة بشكل كامل منذ الانطلاق". يبدو هنا أيضا أن تعلم حسن التصرف بشكل تنظيم العناصر الحاضرة منذ الانطلاق بمعنى تلك التي يتحكم فسها الطفل مسبقا.

العنصر والبنية

إذا اكتفينا بهذا الاستنتاج الأخير،  سيتبادر إلى ذهن أن التعلم بالنسبة لكل من برجسون  (Bergson) وبرونير (BRUNER)  ما هو إلا إعادة تركيب لعناصر قديمة ، وهذا ما يدفعنا إلى اعتبار العرضانية  كمفهمة قارة للتعلم، وأن هذا الأخير ليس عملية تحول حقيقية للفرد بقدر ما هي إعادة تنظيم لعناصر حاضرة  من قبل، في حين أن ما أتى به هذان المفكران أعقد بكثير ويؤدي إلى مواقف مختلفة جدا.

فبالنسبة لبرجسون يعبر التعلم عن إحياء لحركات أساسية قديمة "يجب تغييرها إلى حد ما، وتحويل اتجاه كل واحدة منها في اتجاه الحركة العامة لرقصة الفالز. وضبط التنسيق فيما بينها بطريقة جديدة "لأن تحويل الاتجاه هذا والتنسيق بين العناصر يعتبر شيئا حاسما، لأنه يخضع لقاعدة ما يسميه (برجسون) "بالخطاطة الدينامية" التي هي "رسم العلاقات، وخصوصا الزمانية، بين الأجزاء المتتالية للحركات التي ستنفد". لأن هذه الخطاطة بالنسبة لهذا المفكر، تعتبر أولا تحديد زماني، يستدعي الذكريات اللامتناهية للفرد كحركات قادرة على ملء هذه الخطاطة "لأننا لا نبدأ في تعلم الرقص إلا في الوقت الذي تكون فيه هذه الخطاطة تامة، أي أنها أخذت من جسدنا بعض الحركات المتتالية التي ستقدمها في النموذج". وهكذا سيكون نهج التعلم هنا هو الوجه نحو الشمولية أي شمولية العناصر. وتكون هذه الملاحظة قد فتحت الباب حول التساؤل عن الأهمية الحقيقية للعرضانية أو على الأقل العرضانية التي تدرك كثابت أساسي على المستوى النظري أولا، وهذا يعني أن العناصر الخاضعة للشمولية التي تدمج فيها، لأن هذه الشمولية تعني الكفاية الجامعة (هنا كفاية راقص الفالز) أي الكفاية النوعية، وبذلك سيعاد تنظيم العرضانية  بهذه النوعية.

وبعد ذلك على المستوى البيداغوجي، يمكن اعتبارها خطاطة دينامية في شموليتها داخل كرونولوجيا التعلم، حيث يتم إيجاد وتجميع و تحويل العناصر القديمة التي ستكون الحركة التي سنتعلمها، أو الكفاية الجديدة على وجه العموم. بمعنى أن نهج التعلم لا يتجه دائما من السهل إلى المعقد، ولأننا لا نحقق النجاعة التربوية إذا شغلنا الكفايات الأساسية في استقلال عن الكفاية الشاملة التي تكون عناصرها. ويؤكد ميرميو (MERIEU) هنا أن "عددا من المدرسين يلاحظون رغم الرقابة، انه يمكن للتلميذ أن يفهم ويحتفظ بما هو معقد قبل أن يفهم ويحتفظ بالأكثر سهولة" لذلك يمكن لما هو أساسي أن يكون غير دال، وقد نجد ما يماثل هذه الأفكار عند برونير (BRGSON) بالنسبة للشمولية التي ينظر إليها مثل "هدف" أو "حالة غائية" والتي يمكن اعتبارها "كرونولوجيا" أن كل نشاط هو برنامج يعين هدفا أو حالة غائية تتطلب وضع تنظيم تسلسلي لمجموعة من المكومات أي نوعا من الجزئيات الروتينية القابلة للتغيير".

كما تختار هذه الشمولية أيضا بعض المكونات و تنظيمها في سلسلة، وتقوم كذلك بتغييرها من أجل إدماجها في مجموع منظم، وأنها "لا توجه مكونات الفعل المتحكم فيه والمنتظمة في سلسلة فقط نحو مثيلاتها كي تستحضر بتسلسل بسيط، بل أنها أيضا تخضع للضبط الذي يضمنه الهدف العام. لأنه إذا كان الأمر كذلك،  لن نجد عرضانية حقيقية من حيث العناصر، لأنها ليست مشتركة في جميع الكفايات المعقدة، لأنه عند المرور من كفاية إلى أخرى، ستتغير مثل ما يتغير معنى نفس الكلمة حسب استعمالها في الجملة، بل سنجد هذه العرضانية داخل الليونة التي تميزها وتنظمها، علما بأنها هي التي ستمكن من مواءمة مقطع لحركات أساسية مع نوعية وضعية، وهكذا يتم المرور من وضعية نوعية أخرى، لذلك سيكون مهما أن نقف على العبارات التي وظفها برونير (BRUNER) في وصف هذا النوع من المواءمة، وذلك بقوله أن "التغيرات ذات الترتيب المتسلسل تضمن المرونة والتوليد. بواسطة تمكينها من نظام الاستعمال والروتينات الجزئية الأساسية من التغيرات المحتملة". وأن استعمال مصطلح "التوليد" يستند هنا على ما تحدث عنه (تشومسكي) بالنسبة لحسن التصرف في "بعده التوليدي- بالمعنى الذي يعتبر اللغة توليدية"، إنها إحالة على الكفاية التشومسكية.
أما بالنسبة برونير ( BRUNER) فإن فكرة توحي أن الكفاية المنتظمة في تصرف ما (مثل حسن تصرف يدوي) تتضمن نحوا توليديا، سيمكن انطلاقا من قاموس من الحركات الأساسية من بناء عدد لانهائي من المقاطع، وبالتالي مواءمة المقطع المنتج مع الهدف النوعي المستهدف في وضعية معينة.
ويبقى إذن، مثل ما رأينا مع (تشومسكي) أن هذا التوليد وقوة المواءمة، وهذه القدرة على الدراية تظل شيئا غامضا، لأننا يمكن أن نعين ظاهرة ما دون أن نستطيع شرحها، كما نؤكد ونكرر بشكل لا يقبل الجدل أن الإنسان يستطيع أن يلائم أقواله وأفعاله مع الوضعيات النوعية المتتالية، لكن لا نكشف عن الشيء الثابت الذي يمكن من هذا التوافق.
وما هو مؤكد هو أننا لا يمكن أبدا، كما رأينا منذ الوهلة الأولى أن نفكر نسقيا في العرضانية على شكل ميكروكفايات أساسية تتواجد غير متحولة في ماكروكنايات منتظمة في وظائف نوعية. ولا يمكن إغنال أن هناك علاقات في بعض المجالات، لأن بعض الكفايات المتواجدة تكون غير متحولة في عدد من المقاطع المختلفة. وهكذا فإن ملاحظات برجسون (BRGSON) برونير (BRUNER) تنبهنا أنه في الغالب ما تتحول هذه الميكروكفايات أثناء مرورها من مجال إلى آخر. فمثلا معرفة القراءة، تتواجد في كفاية حل مشكل في الرياضيات، أو في كفاية حفظ قصيدة شعرية، لكن عنصر "معرفة القراءة" لا يحتل نفس المكانة في النشاطين. وأن تحليلا دقيقا سيوضح أن العمليات العقلية الموظفة في النوعين من القراءة، ستكونان مختلفان لأن التحكم في هذا النوع من العناصر في إطار ماكروكفاية معينة لا يضمن امتيازا لاستعمالها في إطار كفاية أخرى،
إن لم نقل أنها ستشكل نوعا من الإعاقة لها، كما يمكن أن نؤكد هذه الملاحظات لأنه فى "العمل بالسلسلة" حسب القواعد (الطايلورية) سيوائم العامل المتخصص حركة أما عكس ما تفكر فيه، وذلك بالميكروكفاية يطبعها نوع من القابلية للتحويل في سياقات أخرى، وعلى العكس تكون الحركية المهنية لهذا العامل ضعيفة جدا لأن قدرته على التوافق مع سياقات لم يتم بعد التمرن عليها.

الكقاية والتقسيم

لا يمكن أن نعترض على هذه الملاحظات السابقة إلا إذا ظهرت الميكروكفايات مرة أخرى أكثر نوعية في الوضعية التي توظف فيها، لأنها ليست أماسية بشكل حقيقي، أي أننا لم نتقدم بالتحليل إلى مستوى أبعد، لكي نكتشف بعض العناصر الأساسية القليلة التي تكون بالتركيب لا نهائية خلافا للكفايات النوعية، كما يمكن أن نرغب هنا فى تطبيق مبدأ التجزيء، الذي كان أكثر إنتاجية في العلوم الطبيعة، أي العناصر المستعرضة، بمعنى عددا من الجذوع الكيمائية التي تتواجد في عدد من الأنسجة الحية الحيوانية أو النباتية. ونتساءل هنا ألا يمكن أن نشتغل على الكفاية بنفس النوع ؟.
يظهر أنه في مجال الكفايات، وبالضبط الكفايات العقلية يقف "العمل بالتحليل" عند حده بشكل سريع، لأننا غالبا ما ننتهي إلى عدد من الكفايات النوعية غير القابلة للتجزي، فمثلا هل يمكن لكفاية القراءة أن تقبل التقسيم ؟ يبدو أن الأمر ممكنا في الوهلة الأولى، حيث يمكننا أن نصف فعل القراءة كتوالي عمليات تحديد الحروف، وتطبيق قواعد الربط عليها من أجل الحصول على كلمة، ثم البعث عنها في القاموس المتوفرة لدى الفرد، ثم الكشف عز معنى الكلمة...، لكن كار عملية جزئية مز هذه العمليات يمكن أن تجزأ إلى عمليات عناصر، الأمر الذي دفع بفرانك سميت (FRANK SMITH) إلى طرح الفرضية القائلة بتحديد الحروف التي تتجزأ إلى سلسلة من العمليات التي تكون "محللين"، وأن كل معلل يظهر على شكل سؤال، يمكن من الكشف عن خاصية مميزة، "فمثلا يمكن لأحد الأفراد أن يتساءل هل هذا الشكل معقوف مثل c أو o؟ أو أن يقول آخر، هل هو مغلق مثل o أو p؟ في حين يبحث آخر هل هو مماثل مثل A أوW ؟
يشكل هذا التجزيء، موضوع نقاش مهم، لأن عددا من الباحثين (من بينهم سميث F.SMIT اعترضوا على وجود هذا التوالي في الميكروكفايات، لأن عدد هذه الأخيرة وتعقدها سيؤدي إلى استنفاد طاقة معالجة المعلومات المتوفرة عند القارئ قبل أن يباشر أي كلمة، في حين أن تطبيق قواعد الربط لا يمكن من التمييز بين الكتابات المتشابهة مثل (IIS PRESIDENT ET LE PRESIDENT).
 يؤدي كل ذلك إلى التفكير في كون فعل القراءة يتم عند القارئ الكفء بطريقة شمولية كفعل يتوقع المعنى، وأن العمليات التي وصفناها في الفترة السابقة، أو التي سنحاول وصفها، يمكنها في بعض الحالات أن تعبر عن وسيلة للتأكد من المعنى المرتقب أو حين نعترض الصعوبات عملية التوقع. لكنها ليست لا أولية  ولا كافية، لأنه إذا تمكنا من التجزيء، بواسطة التحليل المتتالي لعمليات التحديد الإدراكي وعمليات الربط، في المقابل لا نرى كيف يمكن تجزيء تحليلي لفعل إعطاء المعنى، مماذا سيركب هذا المعنى إذن؟ سيكون من السهل ملاحظة أنه إذا حاولنا تجزيء عناصره سننتهي بسرعة إلى عناصر أخرى غير ذات معنى.
نجد هنا نقطة حاسمة في تعريف الرضانية، لأن النموذج الذي تقدم لنا علوم الطبيعية يوحي بأنه من أجل تحديد ثابت (لما هوعرضاني) يكفي أن نطق تجريئا تحليلا مدعما كاف بحقائق رغم أنها خالية من أي نقطة مشتركة.
ويكن أن نستحضر هنا ملاحظتين لبرجسون (BERGSON) حول قابلية تقسيم الأشياء والمواد والفضاء إلى مالا نهاية، خصوصا حينما يتأكد أنه "لما يتعلق الأمر بالفضاء فإننا يمكن أن ندفع بالتقسيم إلى أبعد ما نرغب فيه، وأننا بذلك لا نغير شيئا من طبيعة ما نحن بصدد تقسيمته. لكنفني المقابل نجد أن الفعل المعرفي أو العقلي لا يقبل التقسيم في كليته لأنه يشكل مصدرا للمعنى، كما يمكننا أن نقطع مجال مصدر المعنى الخاص إلى مجالات جزئية مطلقة لا نستطيع إجراء تقسيم عليها، أوأن نتمكن من تجزيئها هي الأخرى. لكن العمليات العقلية التي نخلص إليها لم تعد تشكل مصدرا للمعنى وأن المواضيع الحاملة لم تعد محمل شيئا.
تظهر هذه الصعوبة بشكل جلي في العمليات العقلية، لكن عملية إفقادها اللون الطبيعي بواسطة التحليل تتم أيضا ني حالة الكفايات غير العقلية، لأننا نستهدف ما فوق الوظيفة. يمكن أن نستحضرفني هذا الشأن التمييز الذي قمنا به بين الكفاية- فوق الوظيفة. السلوك والكفاية- الوظيفة، حيث ترتبط الكفايات الوظيفة بالمنفعة، وأنها نوعية استنادا لوضعية أو لجملة من الوضعيات.
ولكي نستبعد ما رأينا أنه منبع اللبس، وأن نكشف عن عنصر عرضاني يكون مشتركا مع هذه الكفاية أو مع أخرى، يمكن أن نحاول تجزيئها إلى عناصر- سلوكات. لكن هذا الأمر قد يجعلها تشكل "كحركات غير دالة" كما يقول هاملين HAMLINE الذي يرى في "التفريغ" و"عدم الإدماج" عناصر تدخل في بيداغوجيا الأهداف.


برنار ري
 مساءلة الكفايات العرضانية
1998. PARIS E.S.E

ص 49- ص 94
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage