3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

إصلاحاتنا الفاسدة

الخط
























الحسن اللحية


ما الذي يفسد إصلاحاتنا التعليمية الفاسدة و الصالحة منذ 1956 إلى اليوم؟ و هل فعلا كنا نفكر بمنطق الإصلاح حتى نفكر بمنطق غيره؟
إن المتتبع لتاريخ إصلاحاتنا في التعليم منذ 1956 إلى اليوم سيجد نفسه أمام مشاهد روائية تشبه روايات هتشكوك البوليسية ، بحيث تعتقد و أنت تتتبع أحداثها  أن مفسدي الإصلاح هم الجميع أو أن مصلحي الفساد أو الإصلاح  الفاسد هم الجميع كذلك. فأين يختفي المفسد  الجاني إذن؟
إن لحظة التوقف عند هذا الحد من الفرجة، ونعني به لحظة الشك في الجميع كجناة ،  هو اللحظة التي تعاش في المغرب عند كل توقف أو تأمل أو أزمة ما أصابت التعليم منذ استقلال دولتنا الفتية إلى الآن؛ ولذلك فإن الجاني- المفسد ليس واحدا و ليس السبب وحيدا.
ذلك ما يمكن أن يستنتجه القارئ وهو يتتبع الإصلاحات الفاسدة أو التي أفسدوها  منذ أكثر من خمسين سنة خلت إلى يومنا هذا حيث طرحت الوزارة ورقة تأطيرية للقاءات التشاورية حول المدرسة المغربية.
إن القارئ للورقة التأطيرية سيجد نفسه حائرا حول هويتها من جوانب مختلفة؛ فهي تقدم نفسها للقارئ مرة كورقة للتقييم العلمي لما تراكم منذ  سنة 2000 ، و الحال هل منهجية الاستماع منهجية تقييمية؟ إن التقييم هو الحكم على الشيء ، وهذا معناه ان الورقة ستصدر حكما على (ما تراكم) منذ الميثاق الوطني للتربية و التكوين مرورا بالبرنامج الاستعجالي. وهل تملك الورقة  المشروعية السياسية للقيام بذلك؟ ألا يعني التقييم هنا تقييما سياسيا بالأساس؟
ثم إن الورقة تسمي نفسها ، في سياق آخر، بأنها ورقة تشاورية ، مما يعني وجوب انتهاج مناهج التشخيص و الاستماع و استطلاع الرأي و تحديد العينات و تبرير ذلك. وفي هذه النقطة تكون الورقة مقبولة ممهدة لمرحلة أو مراحل أخرى في البحث و الاستقصاء .
إن الورقة تختزل ما تراكم منذ الميثاق الوطني للتربية والتكوين ، مرورا بالبرنامج الاستعجالي، في عناوين بحد ذاتها كالكتاب الأبيض و توسيع العرض و إرساء المراكز الجهوية لمهن التربية ...إلخ.
 هكذا تكون الورقة قد قيمت أو سقطت في التقييم من حيث لا تدري و قطعت مع المرحلة السابقة. فهل هي ورقة مشاورات أم تقييم أم هي تدشين لمرحلة جديدة لا تريد التوقف عند المراحل التي سبقتها؟ هل من حق الورقة أن تقيم الميثاق الوطني و تمر كلمح البصر على البرنامج الاستعجالي؟
إن المتتبع لإصلاحات الوزارة ينتظر اجتماع اللجنة الخاصة بالتربية و التعليم التي أصدرت ورقتها التقويمية في سنة 2004/2005 لأنها اللجنة الوحيدة المخول لها تقييم الميثاق باتباع منهجيتها نفسها أو تعديلها حسب المستجدات، وفي حالة غيابها فإن مجلس النواب هو المؤسسة الوحيدة التي يمكنها تقييم حصيلة الميثاق الوطني للتربية والتكوين.
و أما البرنامج الاستعجالي فقد عرفت الوزارة مرحلتين من الافتحاص و التقويم في عهد الوزير السابق ، و الجميع ينتظر تقويم و افتحاص هذا البرنامج لا اختزاله في توسيع العرض كما تقول الورقة الصادرة عن الوزارة.
إن الورقة تريد أن تفتح جميع الأوراش مع الجميع دون مراعاة الأولويات الملحة و منهجة التشاور وفق تصورات متماسكة حتى لا يصبح المقرر أو المكلف بكتابة التقرير  يقوم بتركيبات افتراضية فيصح عليه القول الماكيافللي التالي: استشر مع الجميع و قم بما تراه أنت نافعا لك؟
و بما أن الورقة تقنع قارئها بأنها في سياق دستور جديد كان من اللازم أن تنطلق في مناقشاتها و حواراتها من المحاور التالية:
أولا: هل الأكاديميات جهوية ؟
يجب أن تطرح قضية الجهوية بوضوح تام أو تقوم تجربة الأكاديميات و تحدد وظائفها الجهوية و علاقتها بالمركز. و بناء على ذلك تطرح جميع القضايا كوضع النيابات و المؤسسات التعليمية. فهل نريد مؤسسات تعليمية مستقلة أم تابعة للمركز أم تابعة لسلطاتها الجهوية؟ هل نريد مؤسسات تعليمية تابعة للإدارة الترابية الجماعية أم نريد مؤسسات بإدارة تابعة للمركز و الجهة والنيابة في نفس الوقت ؟
إن تعميق النقاش في هذه المحاور ستكون له تداعيات على مؤسسات التكوين، و على المناهج والبرامج و الزمن المدرسي و الكتاب المدرسي وجوبا؛ وذلك ما سيتضح من خلال المعطى الآتي:
ثانيا: مراكز التكوين
هل هذه المراكز جهوية ؟ و لماذا لم تستطع أن تكون جهوية؟ لماذا تسمى جهوية و هي تقوم بوظائف وطنية؟ وهل وظيفتها هي التأهيل كما تقول الورقة أم التكوين الأساس.
يبدو أن الورقة تخلط المفاهيم في هذا الباب فهي لا تميز بين التأهيل و التكوين الأساس ، بل إن ما عزته للجامعة يطرح مشاكل كثيرة ، حيث أن الجامعة - ما عدا التجربة المحدودة للمدارس العليا سابقا- لا تقدم إجازات تعليمية  أو إجازات في الإدارة التربوية أو التفتيش التربوي أو التوجيه و التخطيط التربويين.
إن القبول بالإجازات في هذه التخصصات المهنية له تداعيات على المدخلات و التكوين ، بل له إسقاطات على النظام الاساسي برمته. و لعل هذا الجانب يكتسي أهمية كبرى لتجاوز الارتجالية الحاصلة الآن بما تحفل به من تشرذم و فئوية قاتلة.
لابد و أن هذا الجانب يرتبط بما يسمى عادة الموارد البشرية. فهل تستحضر الوزارة الواقع البئيس للموارد البشرية منذ 2002 إلى اليوم وما ترتب عنه من فئويات  أم أنها تتغافل هذا الجانب و تجعله منظورا إليه من زاوية القانون و المساطر الإدارية و التفاوض النقابي لاغير؟
إن أي تصور للموارد البشرية ينبغي أن يرتبط بالشهادة الجامعية و بالتكوين الأساس في المراكز و هذا هو الطريق السليم لتفادي مرحلة العجز و الإشباع التي تعرفها الوزارة حاليا.
وهناك جانب آخر يهم التكوين وهو جانب وطني يرتبط بمهن التفتيش و التوجيه و التخطيط ، وهو جانب لا يطرح بجدية كبيرة من طرف الوزارة ، علما بأن ما لحق هذه المهن من مساس بهويتها لا يمكن اختزاله في وصف أو كلمة.
ينبغي أن ندرك الوظائف الاستراتيجية لهذه المهن ، وهو ما يعني وجوب طرحها ضمن إطار التغير و التحول و تطور الساكنة التربوية.
و على العموم فإن مهن التربية و التكوين يجب أن تكون موضوع نقاش جماعي و مهني لأنها تهم المغرب برمته و نحن أميل لمفهوم مرجع الكفايات في هذا الباب.
و أما الجانب الثالث فيهم البرامج و المناهج و كل ما يرتبط بهذا الأمر. إن تصورنا للإصلاح  ينطلق من  وجوب تجديد التفاوض و الحوار والنقاش حول ميثاق تربوي جديد ينطلق مما تراكم لدينا منذ الميثاق الوطني للتربية والتكوين، حيث سيتضمن منطلقات كثيرة كالتفكير بالمواطنة و الإنساني و الكونية و العصر الافتراضي، و استحضار التعدد الجهوي و الثقافي و الديني و اللغوي و الهوياتي و استبعاد المذهبية و العرقية وكل ما له صلة بهذا الجانب. و أن يجعل المدرسة تعيش التعدد الغني للمغرب بامتياز، متستحضرة إياه في إيقاعاتها الزمنية و لغات تدريسها و مناهجها و برامجها الدراسية وعددها الديداكتيكية و براديغماتها البيداغوجية.
إن هذه المنطلقات هي التي ستحدد لنا أي براديغم بيداغوجي ينبغي الوعي به و التفاوض المعرفي بشأنه لأنه يحقق الغايات من التربية بالنسبة لنا، وهو ما يعني أن الاختيار البيداغوجي ينسجم والاختيارات السياسية الكبرى التي نتوخاها لنوع المجتمع و المواطن الذي نسعى إليه، أو بعبارة أخرى لا وجود لاختيار بيداغوجي بدون اختيارات سياسية كبرى متعاقد بشأنها. و بالتالي فإن كل اختيار بيداغوجي هو تعاقد المجتمع مع ذاته حول الوعي بالممارسة التربوية وغاياتها. و لهذا فإن التعاقد حوله الاختيار البيداغوي يجب أن يراهن على ما يلي : أولا : التعاقد حول قيم العدالة في الاكتساب المدرسي. ثانيا : التعاقد حول الانصاف في الفضاء المدرسي. ثالثا : التعاقد حول تكافؤ الفرص في الولوج إلى الفضاء المدرسي و الاستفادة منه. رابعا : التعاقد حول احترام الطفل- الإنسان- الفرد. خامسا : التعاقد حول احترام الطفولة وكل ما يرتبط بها. سادسا : التعاقد حول تعددية استراتيجية التعلم لدى المتعلم(ة) . سابعا : التعاقد حول الكفايات الأساس للسلك الدراسي أو الكفايات النواة للمستوى الدراسي أو الكفايات المفتاح للمدرسة ككل بما يجعلها مدرسة من أجل المستقبل تكسب المتعلم الكفايات التي تجعله قادرا على ربح مستقبله. تاسعا : التعاقد حول البنيات الأساسية للمؤسسة التعليمية لتحقيق الانصاف و تكافؤ الفرص بين جميع أبناء الشعب و بين جميع الجهات و المناطق..إلخ. سيلاحظ القارئ أن البيداغوجيا التي يمكن أن تستجيب لهذا التصور العام هي البيداغوجيا الفارقية من حيث أنها براديغم عام يستحضر الفلسفة (بناء الذات) و الفرد (الفرد في فرديته) و الفوراق الفردية ، والشخص (السمات المميزة)، و الجوانب الاجتماعية كالثقافة و المستوى الاقتصادي …إلخ ، علاوة على إيمانها بالتعدد المذكور أعلاه ، و إيمانها بالغايات الكبرى المذكورة سابقا كذلك. كما أن هذه البيداغوجيا تنهل من بيداغوجيات كثيرة منها بيداغوجيا الأهداف و بيداغوجيا النجاح وبيداغوجيا الخطأ و بيداغوجيا اللعب ز بيداغوجيا المشروع…إلخ. كما أنها تقبل بتصورات ديداكتيكية متعددة ، و تنفتح على حقول معرفية كثيرة كالسيكولوجيا الفارقية، و الذكاءات المتعددة ، والسيكولوجيا المعرفية بعامة، و السوسيولوجيات الثقافية و الماركسيات الجديدة كما عرفت مع السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو و والسوسيولوجي السويسري فليب بيرنو وغيرهما، و الانتربولوجيا …إلخ. لهذه البيداغوجيا تداعيات كثيرة مرتبطة بها لزوما . وإليكم بعض تداعياتها.
أولا : تداعياتها على الأسلاك الدراسية إن البيداغوجيا الفارقية هي الصراع ضد الترتيب والتصنيف المسبق للمستويات الموروثة عن القرن الثامن عشر، و ضد هيكلة الاسلاك كما يتعارف عليها العالم النيوليبرالي الذي يريد من التعليم أن يكون إلزاميا إلى حدود السنة التاسعة من التعليم الأساسي، بل إنها تصارع ضد أساطير احتفالية المؤسسات التي تصنف المتمدرسين إلى مجتهدين و غير مجتهدين و تجعلهم ضحية أوهام الفشل بدل النجاح المدرسي و بناء الذات. وهكذا فإن البيداغوجيا يمكن أن تكون حلا للتعدد ذاته ، تعدد المستويات و تعدد الأعمار و تعدد الاستراتيجيات بما يجعل هيكلة الأسلاك تقطع مع تعدد المستويات لتكتفي بالسلك كمستوى دراسي واحد. وفي هذه الحالة ينصب الاهتمام على الكفايات النواة أو الكفايات الأساس للسلك الدراسي ، وكفايات التخرج أو نهاية السلك الدراسي؛ و ذلك ما سينعكس على العدة الديداكتيكية و الكتاب المدرسي و الحرية البيداغوجية للمدرس(ة) وكل ما يرتبط بهذا الباب من تكوين أساس و تكوين مستمر.
ثانيا : تداعياتها على العدة الديدياكتيكية سيكون الاشتغال بالبراديغم الفارقي المرتبط بالبيداغوجيا الفارقية تحررا من إكراهات التوحيد و التنميط الديدياكتيكي لأن المدرس(ة) ينطلق من الفرد-التلميذ ، ومن جماعة القسم او المجتمع المدرسي ككل، ومن الكفايات الأساس للسلك الدراسي ، وهو مزود بمعارف أساسية في السوسيولوجيا و السيكولوجيا و الانتربولوجيا واللسانيات ، علاوة على المعارف المدرسية و البيداغوجية و التنشيطية. ستكون عدته الديداكتيكية هي التحرر من إكراه التنميط والوحدة القاتلة، و ستكون اختياراته التربوية مسؤولة وحرة لأنه أصبح يدرك الغايات الكبرى للنظام التربوي و غايات السلك الدراسي و يجهد نفسه ليجعل الطفل في مركز اهتمام النشاط المدرسي؛ وبذلك تنتفي سلطة الكتاب المدرسي لتفسح المجال للإبداع و البحث و الحوار والنقاش بين مجتمع المربين والمربيات كلهم، و بالتالي تصبح المكتبة المدرسية و قاعة الاعلاميات و الزيارة والاستطلاع و مختلف الانشطة من الدرس ، أو لنقل جزء من بناء التعلمات.
ثالثا : تداعياتها على المسار التعلمي للتلميذ(ة) إن الاشتغال على الفوارق في تعدديتها كما ذكرنا آنفا يعني الاعتراف بتعدد استراتيجيات التعلم و القطع مع الدرس المتبوع بالتمارين . إنه الإيمان بالحق في الاختلاف بين الأطفال من حيث استراتيجياتهم التعلمية وإيقاعات تعلمهم (البصري أو السمعي منهم …إلخ). يستحضر الاعتراف بهذا الجانب التعدد الثقافي و اللغوي للطفل ، و يطال التعدد المناطقي و الجغرافي كذلك ليجعل المدرسة تعيش أزمنة المغرب المتعدد.
رابعا : تداعياتها على تكوين المدرسين والمدرسات لا يمكن أن نلج مثل هذه البيداغوجيا كنموذج يستلهم أو يقتدى به أو يعمل به بناء على وصفة يضعها الخبير لأن البيداغوجيا الفارقية تتطلب تكوينا متينا يستحضر علوم التربية و العلوم الانسانية بالأساس، بل يستحضر الاشتغال على ما يعاكس ثقافتنا البيداغوجية الحالية المبنية على النماذج و التنميط والتوحيد. هناك جوانب كثيرة في تكوين المدرسين و المدرسات ترتبط بالبيداغوجيا الفارقية أولها الجانب الأكاديمي المرتبط بالمادة الدراسية أفقيا من الابتدائي إلى الثانوي و امتداداتها في المواد الأخرى و في المعيش اليومي، و الجانب الثاني يتمثل في علوم التربية و العلوم الإنسانية (فلسفة التربية و سوسيولوجيا التربية و المدارس السيكولوجية)، وفي غياب هذا التكوين الأساس لن تدرك أهمية البيداغوجيا الفارقية من الناحية الأكاديمية والمعرفية. و اما من الناحية السياسية فيجب أن ينصب التكوين على القيم الإنسانية المعاصرة كقيم الحق والعدالة والإنصاف و حقوق الطفل و الطفولة والتسامح و الاختلاف و التنوع والتعدد، علاوة على القيم الوطنية والمواطنة. و لبلوغ ذلك علينا أن نفكر في تعاقد جديد حول مهن التعليم و القطع مع مفهوم منصب الشغل و طرق الانتقاء الحالية ، لنصل إلى مرجع كفاياتي لمهن التربية و التكوين. و من الناحية المهنية ينبغي أن ينصب التكوين على أخلاقيات المهنة و على محاور كبرى منها المواطنة الكونية والهوية المحلية، والعولمة الاقتصادية و الانغلاق السياسي ، والحرية واللامساواة، والتكنولوجيا والنزعة الإنسانية، والعقلانية و التعصب، والنزعة الفردانية وثقافة الحشود، والديمقراطية و التوتاليتارية. لكن ينبغي ألا يظل التكوين نظريا خالصا و نحن نعد مدرسنا و مدرستنا لولوج عصرهما .




نموذج الاتصال
NomE-mailMessage