3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

الأسرة والمدرسة : مسار التحول نحو استنبات قيم ايجابية لدى الناشئة المغربية

الخط



























المصطفى الحسناوي  : ( ممارس بيداغوجي وباحث تربوي- مريرت )

مقدمــــــــــــة :
     منذ نشأة المدرسة كمؤسسة قائمة الذات ، كان من بين أبرز وظائفها التنشئة الاجتماعية إلى جانب الأسرة التي تعد النواة الأولى للمجتمع .
o       ترى إلى أي حد تعد المدرسة امتدادا لوظيفة التربية الأسرية ؟
o       ماهي معيقات التواصل بين الأسرة والمدرسة بالمغرب ؟
o       كيف يمكن استنبات قيم مثلى و إيجابية لدى ناشئتنا من خلال " تطبيع " العلاقة بين الأسرة و المدرسة ؟


I.            الأسرة و المدرسة : أية علاقة ؟

     يقول " هنري جولي" :  التربية هي مجموع الجهود التي تهدف إلى أن نيسر للفرد الامتلاك الكامل لمختلف ملكاته
و حسن استخدامها ".
    من هذا المنطلق ، تتضح أهمية علاقة المدرسة بالأسرة ، التي ينبغي أن تكون علاقة مبنية على الانسجام في أداء د ور كل مؤسسة منهما ، بهدف تشريب الناشئة قيم مثلى قمينة بجعلها فاعلة في المستقبل.
    و أي تفسخ في علاقات التكامل بين الأسرة و المدرسة يؤدي لا محالة إلى خلل في المجتمع ككل ، فالمدرسة رديف للأسرة في تلقين الناشئة مختلف المعارف و الخبرات التي تراكمت في الحقل الثقافي بفضل حفظها عبر أجيال متتالية ، وذلك وفق السلٌم القيم والقواعد السائدة ، لكون المدرسة كمؤسسة اجتماعية تربوية شديدة الارتباط بمحيطها .
   و من البديهي أننا اعتدنا في السنوات الأخيرة سماع الحديث عن أزمة المدرسة المغربية، و محاولات إصلاحها و زرع نفس جديد في شرايينها، كي تستجيب لحاجيات محيطها الاجتماعي.
   ومن هنا بات ضروريا إيجاد مقاربة فعالة لدراسة علاقة المدرسة بمحيطها ( الأسرة ) ، بعيدا عن كل المزايدات السياسية الضيقة ، حماية لمال الأمة و ثرواتها البشرية ( التنمية البشرية ) لاعتبار الاعتناء بالعنصر البشري رافعة أساسية لرقي و تقدم الأمم .
  فالتوجه إلى الثقافة الاجتماعية وفي العمق منها الثقافة المدرسة ، هو الأسلوب الأمثل لمواجهة الاختلالات المرتبطة بالحياة الأسرية من جهة ، و بالقيم الثقافية و الأخلاقية من جهة أخرى .
   و مادام  هذا التوجه يجسد هشاشة الأدوار و الرهانات المرجوة من المدرسة اليوم ، فان الوقت قد حان لجعل الأسرة ( المجتمع) شريكا أساسيا للمدرسة ، فكل الأطراف غير معفية من تحمل مسؤولية اصلاح المدرسة المغربية ، و ذلك وفق مقاربة تشاركية إشراكية فعالة و بناءة خدمة لمستقبل وطننا .

II.            التربية على السلوك المدني : تحديدات مفاهيمية و نظرية :

1.      مفهوم السلوك المدني :

يندرج مفهوم " السلوك المدني " في شبكة مفاهيم واسعة،  تتداخل فيها المعاني، و تتعدد الدلالات. و إذا كان هذا المفهوم بمكونيه : السلوك و المدنية يحيل في نفس الوقت إلى الأخلاق والإيتيقا ، و إلى التمدن كحالة اجتماعية ترادف التحضر ،فإنه يستدعي في الآن ذاته ، مفاهيم أخرى محورية ، مثل : الديمقراطية ، و المواطنة ، أو التربية على المواطنة أو التربية على حقوق الإنسان .
لذلك تعكس المصطلحات المستعملة في مجاله الواسع ، و المرادفات التي يحيل عليها في أحيان كثيرة ، تطور ا تاريخيا و سياسيا للمجتمع ، و كذا تحولا في القيم الأخلاقية و الإنسانية...
إن هذا التعدد الدلالي الذي يرتبط بتنمية السلوك المدني ، و الذي يحيل إلى حقول واسعة مثل : القانون والأخلاق
 و قواعد السلوك وأنماط التربية بقدر ما يغني تحديد المفهوم نظريا ، بقدر ما يجعل تحديده على صعيد الممارسة صعبا ،  وغير يسير ، إلا أن هناك مجموعة من التحديدات  الأساسية تمكن من تشخيص هذا المفهوم في عمليات أساسية لها بعدها التربوي مثل :

o       ترسيخ مبادئ و قيم في انفتاحها على القيم الكونية (1)
o       معرفة المؤسسات و القوانين و المعايير الوطنية و الالتزام بقواعدها .
o       فهم قواعد الحياة المجتمعية بمعناها الواسع .
o       الوعي بالحرية في التفكير و التعبير و في ممارسة الحياة العامة .
o       إعمال الفكر النقدي و الدفاع عن الرأي .

2.      المدرسة المغربية و السلوك المدني :

تعتبر المؤسسة المدرسية بمفهومها الواسع ، من أقوى المؤسسات الاجتماعية التي تعمل على تكوين السلوك الاجتماعي لدى الأفراد ، قصد تأهيلهم للقيام بالوظائف الاجتماعية الأساسية ، لذلك فهي تساهم إلى جانب المؤسسات و التنظيمات الاجتماعية الأخرى في تدبير و تنظيم الشأن الاجتماعي و تنمية الجوانب العلائقية و التواصلية بين مكونات المجتمع ، و فق ضوابط و قواعد و موجهات و أطر مرجعية ، تعكس الخصوصيات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية لكل مجتمع .
و لتنمية السلوك المدني لدى أطفال المغرب المتمدرسين و لدى مختلف الفاعلين التربويين الذين يقاسمونهم حياتهم المدرسية يوميا ، ساهم قطاع التربية الوطنية منذ إعلان العشرية الأممية للتربية على حقوق الإنسان ( 1995-2004) في تنزيل برنامج و طني لتربية على حقوق الإنسان و ذلك خلال عمل مشترك مع وزارة حقوق الإنسان (سابقا) ، و قد ركز هذا البرنامج على المناهج التعليمية عبر السعي إلى تحقيق هدف رئيس حُدد في تعزيز مفاهيم حقوق الإنسان في البرامج الدراسية ، و خاصة في المواد التعليمية التي تشمل مجالاتها المعرفية و مفرداتها علاقة واضحة مع ثقافة حقوق الإنسان (2)
 و مع تبني المثاق الوطني للتربية و التكوين لإصلاح منظومة التعليم ببلادنا ، تمت مراجعة البرامج و المناهج وفق مدخل الكافايات و القيم فاستبد لت التربية الوطنية بالتربية على المواطنة ، مع تغيير واضح لهذه الأخيرة سواء من حيث المحتويات أو من حيث المضامين .
ليست المدرسة هي الفضاء الوحيد لاكتساب قيم السلوك المدني ، لكن يمكنها أن تلعب دورا أساسيا في تنمية الحس المدني لدى الناشئة إن توفرت الشروط الضرورية لذلك ؛ من قبيل توفر المؤسسات التعليمية على أطر إدارية
 و تربوية تؤمن بأهمية تشريب و ترسيخ قيم السلوك المدني لدى الناشئة ، و تراهن باستمرار عبر الأنشطة التربوية المختلفة على جعل فضاء المدرسة ( الحياة المدرسية ) فضاء لمختلف الممارسات الإيجابية و السلوكات المدنية ، القائمة على الالتزام بالواجبات و احترام الحقوق وفق النظام الداخلي للمؤسسة ، الذي يؤكد على احترام
و تجنب إلحاق الضرر به (احترام حقوق الإنسان /الطفل ) ، ويوجه كل مكونات المدرسة إلى جعل ثقافة حقوق الإنسان و المواطنة سلوكا يوميا ، من أجل اعتماد مبادئ ديمقراطية في الوسط المدرسي ، تتمثل في تطبيق مبدإ تكافؤ الفرص و المساواة وتقبل ممارسة الحرية في إطار المسؤولية ، لإشاعة جو الحوار و التعبير الحر عن الرأي ، وكل هذه الآليات قمينة بجعل المؤسسة التربوية فضاء مفتوحا لتنمية و ترسيخ السلوكات المدنية .
 إن التربية على السلوك المدني و حقوق الإنسان ، ليست مادة مستقلة ، بل هي مكون يوجد داخل كل مادة دراسية ، كما ليس لها مدرسوها ، وليست لها كتبها المدرسية الخاصة بها ؛ بل هي عنصر يوجد داخل كل هذه الدوائــــــــــر
 ( المواد) (3)

    

3.      السلوك المدني بين الأسرة و المدرسة : أية علاقة ؟
إذا كان السلوك المدني و التربية المدنية تدريبا للذات على قبول الآخر ، فان أهم الآليات الناجعة لتعميق التواصل بين الأسرة و المدرسة هي التأسيس لميثاق قيمي أخلاقي ، لجعل المدرسة مجال استقطاب ، و فضاء لتبني قيم إنسانية منفتحة على الأخر و تتفاعل " معه " (4)
إن إعداد الأجيال للألفية الثالثة – العالم المتغير في كل خصائصه و طبيعته - يتطلب إكساب المتعلمين مهارات الحياة و تعزيز روح النقد و الحوار، و تنمية التفكير الإبداعي الذي يسلحهم بقدرات و كفايات تجعلهم قادرين على مواجهة أي نوع من المشكلات التي يصادفونها أو تستجد في بيئتهم . (5)
هكذا ، يتضح دور التربية الأسرية في تفجير استعدادات الطفل و تهييئه للاندماج الإيجابي في مناخ المدرسة ، اعتبارا لكون المجال المدرسي يتطلب بذل جهد أكبر من الطفل ، الواجب عليه في الغالب أن يعتمد على قدراته
 و إمكاناته و مهاراته . (6)
و تتجلى في أحايين كثيرة بعض مظاهر الخلل في علاقة المدرسة بالأسرة في انشغال الأبوين  المنتميين إلى الفئات الفقيرة بتحصيل لقمة العيش عن دراسة أبنائهما ، و عندما تتاح لهما في البيت تلك المتابعة على شكل مراقبتهما لواجبات الأطفال المدرسية – المنزلية ، غالبا ما يكونا أميين أو ضعيفي التكوين الثقافي و العلمي أو منهمكين بالعمل فتضيع فرصة كل متابعة لعمل الأبناء ، أضف إلى ذلك أن بعض الآباء يحملون تصورا سلبيا عن جدوى حضورهم إلى المدرسة للاستفسار عن سلوك و أداء أبنائهم (7)
إن الرهان على إرسال مدرسة الاحترام أو مدرسة السلوك المدني ببلادنا، يقتضي بذل الجهود لترسيخ قيم المواطنة و الكرامة الإنسانية و التسامح كقيم تربوية حية، تتقاطع المدرسة و الأسرة في غرسها في عقول الناشئة، و هذا هو جوهر التنمية، التنمية البشرية.

هوامش 

(1)     المجلس الأعلى للتعليم .مجلة " دفاتر التربية والتكوين " –مفاهيم مفتاحية –ص: 94-95

(2)     المجلس الأعلى للتعليم . ( التربية على حقوق الإنسان )  - " مجلة علوم التربية " العدد 35 ( أكتوبر 2007) ملف العدد (المجلس الأعلى للتعليم و ندوة : " المدرسة و السلوك المدني : ص :132-133

(3)     عبد المجيد الانتصار (التربية على حقوق الإنسان : بيداغوجيا - تربية - ثقافة ) مطبعة النجاح الجديدة –البيضاء الطبعة الأولى (1998) ص : 36-37-41

(4)      المصطفى الحسناوي ( التربية على حقوق الإنسان و قيم المواطنة و السلوك المدني : مدخل أساس للنهوض بالمدرسة المغربية ) الجريدة التربوية ، العدد 40 ( فبراير 2012) ص : 14

(5)      د. أحمد أوزي ( المدرسة و التكوين و متطلبات بناء مجتمع المعرفة ) مجلة المدرسة المغربية – المجلس الأعلى للتعليم- عدد مزدوج 5/4 ( أكتوبر2012) ص : 118-119


(6)      ذ . محمد طوينن ( الطفل و المؤسسات التربوية ) – مجلة منظمة الكشاف المغربي 1989 -   ص 58-59

(7)     د.عبد السلام الحيمر ، ( مسار التحول السوسيولوجي في المغرب ) –سلسلة شرفات ( 34) منشورات الزمن –مطبعة النجاح الجديدة –الدار البيضاء الطبعة 2 .( 2013) ص : 85-86                                                                         





نموذج الاتصال
NomE-mailMessage