3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

إصلاح منظومة التربية و التكوين و الرهان على تحقيق الجودة : بعد إلغاء البرنامج الإستعجالي ... أين البديل؟

الخط









 
 



                                                                               ذ. المصطفى الحسناوي : باحث تربوي و ممارس بيداغوجي
                                                                                       الثانوية الإعدادية حمان الفطواكي – مريرت


تقديـــم :
يتطلع جميع المغاربة إلى تنزيل أمثل للدستور الجديد؛ بغية تحقيق كرامة المواطن(ة)، و لما لهذا الأمر من أهمية بالغة عاش المغرب خلال السنتين الأخيرتين نقاشا مستفيضا، نتمنى أن يثمر نتائج طيبة في مختلف القطاعات الحيوية، التي يأتي التعليم على رأسها، باعتباره مشتلا حقيقيا لتحقيق التنمية المستدامة.
  • فإلى أي حد استفاد هذا القطاع من الإصلاحات التي طالته؟
  • و هل لم يحن الوقت لإتخاذ قرارات وازنة و جريئة لإعادة الإعتبار للتعليم ببلادنا؟
  • ما مصير البرنامج الإستعجالي الذي جاء لزرع نفس جديد في مسار إصلاح المنظومة التعليمية بالمغرب؟
  • هل ستتم العودة لبنود الميثاق الوطني للتربية و التكوين للعمل بها لعشرية ثانية؟
  • ما هي خارطة الطريق للموسم 2012-2013 المرسومة من قبل القائمين على أمور التربية و التكوين بوطننا؟
إذا كانت الحكامة في التربية و التكوين تقتضي تنفيذ و تطبيق مبادئ الميثاق الوطني للتربية و التكوين المعمول به لحد الآن، فإن الإستثمار في العنصر البشري الوطني يتطلب التحقيق الفعلي للترابط العضوي بين التعليم و التنمية البشرية، للإنتقال بمجتمعنا إلى مجتمع المعرفة؛ فربح رهانات المستقبل يمر عبر الإستثمار في الرأسمال البشري.
فالمتعلمون و المتعلمات يمثلون مستقبل و أمل وطن الغد، لذلك يجب الإهتمام بهم عن طريق تأهيل مدارسهم             و إخضاع مدرسيهم لتداريب مستمرة، و بتغيير المناهج و البرامج بشكل يساير و يتناغم مع المتغيرات التي يشهدها المجتمع؛ إضافة إلى تخليق الحياة المدرسية و تأهيل الإدارات التربوية، مع التفكير الرصين في تبني البيداغوجيات المناسبة لهويتنا و أصالتنا و واقعنا بعيدا عن كل المزايدات التي جعلت من تعليمنا حقلا للتجارب ليس إلا!!
و لعل نهج المقاربات الشمولية و التشاركية كفيل بوضع هذا القطاع الحيوي على السكة الصحيحة، خاصة و أنه لازال يختزن العديد من الطاقات المعطاء، رغم ما يدبر له من مكائد من لدن بعض ذوي النيات الماكرة، لجعله قطاعا متأزما (غير منتج كما يظن البعض!) على الدوام.
هذه المقاربات ترتكز أساسا على تعبئة المجتمع بجميع مكوناته، لجعل المدرسة قطب الرحى في مناقشة كل القضايا الإجتماعية الوطنية.
فلا أحد ينكر أن مأساة التعليم ببلادنا تعود إلى السياسات الحكومية المتبعة بهذا القطاع منذ الإستقلال حتى الآن، حيث إن كل وزير للتعليم يأتي بإصلاحات على مقاسه، إلى درجة أن بعض هذه الإصلاحات بقي في معظمه مجرد حبر على ورق، و هذا أدى إلى إهدار الموارد و تكون شبكة للمصالح، حتى صار التعليم في أحايين كثيرة صناعة للفوارق الطبقية كما قال الشاعر و الباحث المغربي : "عبد اللطيف اللعبي".
كما أن مشاكل أخرى كطرق تكوين الأطر و المدرسين و ضعف الإعتناء بأوضاعهم المادية و المعنوية/الرمزية   و تثمين جهودهم بصفة عملية، و كذا مشكل فلسفة التعليم و سياساته، تقف حجر عثرة أمام هيكلة البرامج و تأطيرها بشكل مناسب و فعال.(1)
لهذا بات من الضروري النظر إلى أوضاع التعليم بشكل جدي و ألا نتركه لهوى هذا أو ذاك، لجعل التعليم الجيد شرطا أساسيا لتحقيق التنمية المستدامة و الولوج إلى عصر التقنيات التواصلية و الرقمية. كما أن فشل الإصلاح التعليمي        لا يجب أن يقابل بإصلاح الإصلاح عبر مخططات استعجالية لم تؤت أكلها!!، إذ "ليست العظمة في ألا تسقط أبدا، بل العظمة أن تنهض كلما سقطت" كما قال الحكيم : "كونفوشيوس".
و ما دام أن "لكل جواد كبوة، و لكل عالم هفوة" نتساءل و معنا الرأي العام الوطني عن مصير البرنامج الإستعجالي الذي تم إلغاؤه، و الذي كان متوقعا – في السابق – أن يمتد حتى 31-12-2012؟
كما نتساءل عن مصير المشاريع الضخمة من حيث العدد و الميزانية التي جاء بها سواء تعلق الأمر بجمعية دعم مدرسة النجاح أو بيداغوجيا الإدماج أو مشروع من الطفل إلى الطفل أو الأستاذ الكفيل أو الأستاذ المورد أو الأستاذ المرشد التربوي أو ...
كما يحق لنا أن نتساءل كذلك عن الإصلاحات الجديدة في المنظومة التعليمية كإلغاء مدارس التميز و بيداغوجيا الإدماج و مذكرة تأمين الزمن المدرسي و زمن التعليم و إحداث المراكز الجهوية لمهن التربية و التكوين ... و أين يمكن إدراجها في سياق إصلاح التعليم ببلادنا؛ هل ضمن الميثاق الوطني للتربية و التكوين أم هي استمرارية "خفية" للبرنامج الإستعجالي؟
إن التعليم بالمغرب يجب أن يصير قضية وطنية بامتياز كما كان عليه الأمر أيام الكفاح المغربي للإستعمار،              و على المغاربة جميعا أن يتصالحوا مع تعليمهم و مع مدرستهم العمومية، كما عليهم أن يصححوا نظرتهم إلى المربين             و المربيات، و ألا ينساقوا مع ما يتم تسويقه من سموم و سهام للنيل من هؤلاء "الرسل" الذين وجب عليهم بدورهم الإستماتة للدفاع عن شرف مهنتهم مع الإخلاص في ممارستها، لأن الحكمة تقول : "ينبغي ألا نعيش الحياة من أجل العيش، فذلك هو العبث؛ علينا أن نحيا من أجل فكرة صحيحة و قضية عادلة"، فقضية التعليم تحتم علينا جميعا حماية مدرستنا العمومية التي تعني حماية مستقبل وطننا و التصدي لكل الذين يريدون النيل منها، و الذين يصدق فيهم قول "أنيس منصور" : "الذين يعلقون صورة المأذون على الحائط هم الذين عجزوا عن شنقه".
و حسب رأيي فمن أولويات إصلاح منظومة التربية و التكوين ببلادنا؛ تخليق الخطاب حول المدرسة العمومية،           و تثمين دورها التعليمي و التربوي و المدني، و القطع مع كل الأشكال الدنيئة التي تحاول تكريس الطبقية داخل حرم هذه المؤسسات العمومية من قبيل تصنيف المتعلمين و المدرسين إلى فئات حسب زعم البعض و دون اعتماد معايير                     و مؤشرات تربوية دالة!! ، إضافة إلى ضرورة تحديد العلاقات و المسؤوليات و تحديد الأهداف "فالذي يسير بلا هدف ... كل الطرق أمامه متشابهة" كما تقول الحكمة.
و ما دامت الوزارة الوصية سائرة في حل العديد من المعضلات التربوية، نتمنى أن تحل التناقض الحاصل في المذكرات الإدارية التي تنص على ضرورة الحفاظ على السير العادي و الملائم داخل القسم، لأنها في نفس الوقت تحرم على المدرس طرد التلميذ المشاغب (غير المنضبط) و إخراجه من القسم، على الرغم من عدم إحضاره أدواته و كتبه المدرسية.(2)
كما على الحكومة الحالية نهج إصلاح شمولي للنظام المجتمعي من منظور ماكروسوسيولوجي قائم على الإهتمام بالرأسمال البشري، و تجنب تسليع المعرفة و تبضيع البشر على حد تعبير الدكتور مصطفى محسن.

خاتمــة :

قال : "بول فاليري" : "إننا نفكر و كأننا نصطدم"، من هذا المنطلق أردت المساهمة بهذه المقالة المتواضعة قصد التفكير في مصير إصلاح منظومتنا التعليمية، التي أتمنى لها كما جميع المغاربة العثور على "وصفة" سياسية تعليمية ناجعة ترتقي بها إلى مصاف تعليم الدول المتقدمة، فالتعليم ليس شغل أشخاص بل هو أرق أمة و ما يصيبه تكون عواقبه وخيمة على الجميع.(3)
لذا وجب عدم التفريط فيه، مع عدم الإرتجال في إصلاحه، فتاريخ إصلاح التعليم ببلادنا تعلمنا منه الشيء الكثير  و من العيب أن نفوت الموعد و الفرصة مع ما يعيشه المغرب من متغيرات، و "من ينس تاريخه يعشه من جديد!" كما قال الفيلسوف : "غوته".





1.      د. عبد الله حمودي : (مأساة التعليم ببلادنا ... !) جريدة "المساء" العدد : 1842        (السبت – الأحد 25-26 غشت 2012) ص : 6 (ملف خاص أنجزه ذ. الطاهر حمزاوي).
2.      د. جميل حمداوي (من قضايا التربية و التعليم 2006) منشورات الزمن – طبعة 2006                ص : 142.

3.      ذ. الطاهر حمزاوي : (التعليم بعيون المثقفين ... تجارب مرتجلة و خطط فاشلة)،            جريدة "المساء" العدد : 1842، مرجع سابق.
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage