3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

الميثاق الوطني للتربية والتكوين نص في الرهانات العولمية

الخط












الميثاق الوطني للتربية والتكوين
 نص في الرهانات العولمية


الحسن اللحية

يطرح الميثاق الوطني للتربية والتكوين إشكالات كثيرة، تأتي كلها في سياق إصلاح عالمي لأنظمة التربية والتكوين. ولا غرابة أن تكون الوصفات المقترحة هي هي في جميع البلدان التي أقدمت على الإصلاح منذ التسعينيات من القرن الماضي أو شرعت فيه مع نهاية الألفية الثانية أو بداية القرن الواحد والعشرين أو اضطرت للشروع فيه كما يحدث في الشرق الأوسط والخليج العربي وشبه الجزيرة العربية مع الغزو الأمريكي للعراق أو تحت ضغوط أو ذرائع متنوعة كمحاربة أو إصلاح البنيات التحتية لصناعة الإرهاب: هناك إذن تجفيف لمنابع الإرهاب يوازيه إصلاح لمؤسسات التنشئة الاجتماعية للأنطمة التربوية؛ هناك هجمة عسكرية على معاقل الإرهابيين وهناك هجوم على معاقل التنشئة الاجتماعية: تحويل القيم والمعاني...هناك في المجال العسكري تحضر الدول الكبرى بحامياتها وفرقها وهنا في المجال التربوي تحضر بمؤسساتها كالأوسيدي وخبرائها وبمراقبيها في البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية أو بمراقبين يعملون لديها يتقنعون وراء مكاتب الدراسات والخبرة الدولية...؛ هناك في المجال العسكري تكون المراقبة شاملة لوسائل الإعلام وللعلاقات وللتنظيمات والتمويلات وحركات التنقل...إنه الاستخبار الشامل، وهنا في المجال التربوي تكون المراقبة شاملة كذلك للمدخلات والمخرجات وللكتاب المدرسي ولأشكال التوظيف والتكوين وللقيم الرائجة في الوسط المدرسي وللإشهاد والمنهاج الدراسي ولهيكلة الأسلاك وللبنية التحتية للمدرسة...، هناك في مجال القوة الخالصة بدا الأمر غامضا هل الحركات المناهضة للعولمة والهيمنة والاستعمار تعتبر مقاومة أم إرهابا وهنا في مجال التعليم بدا الأمر معكوسا؛ إذ عوض أن تستجيب المدرسة لمطالب التنمية المحلية للأوطان انساقت الاصلاحات مع مطالب السوق والتسويق العالمي للمؤسسات التعليمية بدعوى الشراكات والتجديد و تنويع الخدمات والتقليص من النفقات...   
إن موجات الاصلاحات المتتالية هنا وهناك تأتي بلغات ومعجم وأساليب وتصورات واحدة تطرح أكثر من سؤال: لماذا هذا التزامن في الشروع في الإصلاحات؟ ولماذا تتوحد لغات الإصلاح عالميا، في الدول المتقدمة كما هوالحال في الدول المتخلفة؟...هل المشاكل واحدة و بالتالي الحلول واحدة؟...
يرى كثير من المتتبعين لسيرورات الاصلاحات في مجال التربية والتكوين والتعليم في جميع البلدان التي بدأت في الشروع في الاصلاح أن هذا التوجه العالمي لاصلاح أنظمة التربية والتكوين هومن جهة أولى انخراط في مسلسل عولمي يقضي بتوجيه "الاصلاح" نحو القطاعات الاجتماعية.
لا يمكن بأي حال من الأحوال فهم ما يجري دونما الرجوع إلى مقررات المنظمة العالمية للتجارة. ففي بداية سنة 2000 جرت نقاشات كثيرة بين أعضاء المنظمة كان الهدف منها جعل قطاعات اجتماعية كثيرة تحت سلطتها، وهي نقاشات جرت في سرية تامة.
ومن نافل القول التذكير بأن المنظمة عرفت النور سنة 1995 وهي تضم مائة وخمسة وعشرين دولة منها الدول الكبيرة ماعدا روسيا وكان الهدف من تأسيسها هو إنجاز مرحلة تتحقق فيها الليبرالية عالميا.ولهذا هناك من يرى أنها تتخفى عن الأنظار وهي تشرع لما سيأتي مثل الاتفاق الذي أبرم في 4أكتوبر2004 القاضي بإعطاء دروس جهوية في السياسة التجارية لفائدة الدول الإفريقية بين جامعة محمد الخامس – الرباط السويسي والمنظمة العالمية للتجارة1.
إن ما هو مخيف ليس خضوع دول أعضاء المنظمة لقانون عالمي ينظم الحركات التجارية وإنما خضوع القطاعات الاجتماعية لسلطة المنظمة مثل التربية والصحة والنقل والبريد والتأمين والأبناك والسياحة والماء والمتاحف والفلاحة والصناعة.ماذا يمكن أن تصنع بهذه القطاعات؟ لا تكتفي المنظمة بخوصصتها وإنما تعمل على جعلها أمام منافسات عالمية وهي تطرح قواعدها المتشددة، وذلك ما يعني أن تلك القواعد والقوانين لا تكون إلا في صالح الشركات المتعددة الجنسيات أو الشركات الكبرى.وعلينا أن ندرك أنه كلما أصبح قطاع ما أو نشاط اقتصادي أو اجتماعي تابعا للمنظمة العالمية للتجارة يصبح الضمان الاجتماعي والجمعيات المهيكلة تحته أو من أجل الدفاع عنه وعن العمال مهددا بالانقراض. كما أنها تفرض على الدولة التخلي عن كثير من أشكال تدخلها. وماذا عن التربية ضمن هذا السياق الاصلاحي العولمي؟
مما لاشك فيه أن أبناء الشرائح الغنية لا يلجون المدارس النظامية العادية. ولأن الأمر أصبح خاضعا للمنافسة فإن المدارس بدورها ستدخل هذه المرحلة التي تتناسب و متطلبات العولمة الليبرالية. فالمنظمة العالمية للتجارة لا تهتم بالتجارة وحدها بل بالاستثمار كذلك ولهذا السبب فإنها تعمل على تعديل سوق الشغل عالميا ( ينبغي أن ننتبه لمدونات الشغل وتواريخ تعديلها) بما فيها الأجور وشروط العمل والحماية الاجتماعية.
 والاتفاق العام حول تجارة الخدمات AGCS هو قطاع من قطاعات المنظمة العالمية للتجارة يهتم بالأنشطة غير الصناعية والفلاحية مثل التربية والصحة والنقل والبريد والتأمين والأبناك و السياحة و الماء والطاقة والثقافة...
إن تحرير هذه القطاعات يعني أنه بإمكان أيا كان تقديم خدماته؛ بمعنى تقديم خدمات في مجال التعليم عن طريق مقاولات كبرى أو صغرى وبالتالي الضغط على الدول حتى تكيف مضامينها الدراسية مع ما هو مطلوب عالميا على المدى البعيد. وبذلك يصير التعليم منتوجا كسائر المنتوجات المستهلكة التي تحمل علامات ورموزا منها علامات المقاولة ورموز الجودة العالمية كالإيزو2.
جاء في تقرير للأنترناسيونال للتربية International de l'Education الصادر في مسألة للنقاش(العدد2 ماي 1999) تحت عنوان الرهانات من أجل التربية العمومية أنه مع فجر القرن الواحد العشرين ستتجاوز النفقات العمومية في التربية عالميا ألف مليار دولار بما فيها 50 مليون مدرس و مليار تلميذ وطالب دون الحديث عن البنيات والتجهيزات والمعدات والمتطلبات التكنولوجية التي تجعل من التعليم سوقا للتنافس بين المقاولات، بالإضافة إلى تطور التعليم عن بعد وإنشاء الجامعات الافتراضية.
تدخل التربية بالتحديد، حسب التعريف الذي تعطيه الكات  ، في الخدمات المفتوحة. والمقصود بهذا القول مايلي:
o       إزالة الحواجز وهو ما يعني في التربية التعليم عن بعد.
o       استهلاك منتوجات الآخر وفي التربية يعني استهلاك شواهد ودبلومات الغير.
o       مباشرة التجارة عند الغير وفي التربية إيجاد جامعات ومعاهد بالخارج تسوق المنتوج.
o       حضور ممثلين عن كذا... ويعني في التربية حضور أساتذة وخبراء...
لا يمكن إلا أن تتمخض عن هذا الانفتاح الكلي نتائج متعددة وانعكاسات كثيرة تعرض لها نيكو هيرت الباحث البلجيكي في عدة مؤلفات منها "المدرسة العاهرة"3 وفي العديد من المقالات كتلك التي سنأتي على ذكرها فيما سيأتي من حديث.
تنطلق أعمال هذا الباحث من ثلاث فرضيات هي:
o       ملاءمة المدرسة مع منتظرات السوق
o       استعمال التعليم لتحفيز الأسواق
o       تحول المعارف والتربية إلى سوق جديد
يرى نيكو هيرت أننا نشهد على تحولات عميقة تتلخص في المرور من عصرثقل التعليم إلى عصر تبضيعه، بل إلى تبضيع مزدوج يتعلق بتكييف المضامين والبنيات والممارسات مع منتظرات السوق، ثم من جهة ثانية تحول المعارف والمدرسة نفسها إلى قطاع جديد مبضعن. وكل ذلك ناتج عن التهافت على التنافسية والعولمة و الشمولية بالاضافة إلى تطور التكنولوجيات والاتصال والإعلام.
لقد اتسم الخطاب الباترونالي ما بين 1950و1975 عالميا بالكمية ولم تكن الباترونا تهتم بالمحتوى بينما سنرى حدوث العكس مع بداية الثمانينيات وتحديدا 1989 حيث تشكل بأوربا لوبي تحت اسم المائدة المستديرة الأوربية للصناعة ERTالذي تحسر لأن تأثيره على التعليم ضعيف، وبالتحديد البرامج المدرسية.و ذلك ما تأكد مع OCDE حيث ألحت إحدى وثائقها على تكييف التعليم مع معايير المقاولة للمساهمة في التنافسية بدء من سنة 2000.
وأما المجلس الأوربي فقد وافق في سنة 1997، المنعقد بأمستردام، على تنمية الكفايات المهنية  والاجتماعية من أجل التكيف الأفضل للعمال مع نمو سوق الشغل وتطوره.و إن ما يهم هنا حسب هيرت هو مهر عمال المستقبل بمهارات وحسن التواجد التي تسمح بالليونة الاجتماعية والتكيف المهني. فعن طريق الكفايات تتدخل الباترونا في التعليم العام حيث نجد تعليم التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال المقدرة بسبعين في المائة من المناصب غدا، تلك التي ستنبني على تلك التكنولوجيات. ثم عملت الباترونا على أن تلعب دورا عن طريق تنظيماتها في التكوين و التكوين المهني وذلك حتى تتمكن من توجيه المضامين والأسس و تحويل المعايير لنصبح أمام ظاهرة جديدة هي المقاولة- المدرسة أو التقارب الممكن بين المقاولة والمدرسة.وأما عن التعليم العام فإنه سيخضع لاكراهات السوق ومن تم تتحول أنشطته إلى أنشطة تستجيب لمتطلبات السوق.
إذن لا يمكن أن نتحدث عن هذا التحول إلا في سياق تحول اقتصاد عالمي4 حيث العودة لليونة وتوفير كفايات لضمان التكيف5 ويصير المواطن مستهلكا. وحتى يضعنا نيكو هيرت في صورة ما ينتظرنا يلخص أشكال تبضيع التعليم في النقط التالية:
o       تسويق الفضاء المدرسي
o       إنتاج الخدمات والمنتجات التربوية المؤدى عنها
o       وضع التعليم في وضعية السوق
o       بناء التربية على شكل سوق   
إذن نستخلص مما تقدم أن الاصلاحات الجارية حاليا في العالم كله تقع تحت تأثيرات الليبرالية الجديدة المتسمة حسب السسيولوجي الفرنسي بيير بورديو باليوتوبيا6 التي تستجيب لأطروحة السوق الخالصة (الإيمان بالتبادل الحر:تبادل بلا حدود وتسويق بلاحدود وتبضيع بلا حدود) عن طريق تحطيم جميع البنيات الجماعية القادرة على أن تكون عائقا أمام منطق السوق الخالصة: أمة، مجموعة عمل، ليحل التفريد كتفريد الأجور والمكانة بالانطلاق من الكفايات الفردية لتعم الليونة ويصبح التوظيف بالعقدة هو القاعدة. إنه عالم دارويني يصارع فيه الكل الكل على جميع المستويات الهرمية في الأدنى كما في الأعلى حيث يسود العنف البنيوي المجتمع والذي يرمي بظلاله على عقد الشغل.
   إن الاصلاح كما يحدث عندنا في العالم العربي والإسلامي والمغرب وإفريقيا وبقية دول العالم يعني في العمق تجديد مهام المدرسة ووظائفها، وتغيير وتحويل وظائف المدرسة واستراتيجيات عملها.إنه تحويل للفضاءات والبنيات التحتية والمضامين وطرق التدريس والتكوين والبيداغوجيات والآفاق كذلك، وتحول في وظيفة المدرسين و دورهم... ولأن إشكالية المهام إشكالية مركزية في سوسيولوجيا التربية فإنها إشكالية اجتماعية كذلك تطال الدولة برمتها: السياسة، الاقتصاد، الجغرافيا...وأخيرا إنها إشكالية المواطن.
لقد دبجت Télérama في عددها 2778 بتاريخ 09أبريل2003 ندوتها عن بيداغوجيا الكفايات كالآتي:" ماذا تعني بيداغوجيا الكفايات؟ وماهي مهام المدرسة: هل ما تزال المدرسة تلعب دورها المؤسساتي في عالم يخضع لضغوطات المردودية؟".
إن الاشكالات المطروحة تنقسم إلى قسمين هما: بيداغوجيا الكفايات ومهام المدرسة في عالم يقوم على المردودية والنفعية المباشرة والآنية. والسؤال، في سياق اهتمامات هذا البحث، هو ما معنى أن تتبنى المدرسة الكفايات اليوم؟ وماهي مهامها وهي تتبنى الكفايات؟.
يدعونا نيكو هيرت لتأمل العلاقة القائمة بين المدرسة والمقاولة في احدى مقالاته النقدية المنشورة في"نداء من أجل مدرسة ديمقراطية" تحت عنوان " هل نحن في حاجة إلى عمال أصحاب كفايات أم إلى مواطنين نقديين"، حيث يرى أن العديد من الدول شرعت في مراجعة عميقة لبرامجها التعليمية على جميع مستويات التعليم الإلزامي والهدف من ذلك هو توافق تلك المقررات والمذهب المسمى المقاربة بالكفايات.
يرى الباحث نيكو هيرت أن أطروحته المعروضة مزدوجة. فالمقاربة بالكفايات ستكون عاجزة عن تحقيق وعودها، ومن جهة ثانية فإنها تساهم في إضفاء الصبغة الأداتية على سيرورة المدرسة.
هناك عدة تعاريف معطاة للكفاية، لكن الباحث يقدم لنا تعريفا واحدا له علاقة بالمرونة المطلقة، وهو التعريف القائل بأن" الكفاية هي مجموع مندمج ووظيفي للمعارف والمهارات وحسن التواجد وحسن المآل الذي يسمح، أمام عينة من الوضعيات، بالتكيف وحل المشاكل وإنجاز المشاريع". فالمذهب المسمى المقاربة بالكفايات يستهدف أساسا جعل الكفايات في مركز اهتمامات التعليم وليس تكديس المعارف.فهذه المقاربة لا يمكن أن تختزل في بيداغوجيا محددة لأنها تستدمج بوضوح تام رؤية لأهداف التعليم. ورغم ذلك فإن هذه المقاربة تستدمج بعض المقاربات البيداغوجية لأنها تجعل الممارسات التعليمية في توافق مع الأهداف: القدرة على حل المشاكل. وبذلك فالكفاية لا تكتسب إلا بجعل المتعلم فاعلا في تعلمه الذي يستطيع ممارسة وتعبئة معارفه ومهاراته في وضعيات ملموسة.
  لا يخفي مفكرو المقاربة الكفاياتية الجسور الواسعة بين مذهبهم و التطور الحالي للمنتظرات       وخطابات عالم الاقتصاد في مجال التعليم، وذلك ما يؤكده دوكتيلي بقوله أن العالم السوسيوإقتصادي هو الذي حدد فكرة الكفاية لأن الكبار الذين كونتهم المدرسة لم يكونوا مكونين جيدا لولوج عالم المهنية.وأما بالنسبة لبرنو هناك علاقة بين المدرسة(الداخل) والخارج تتلخص في مواجهة الغد.
يتسم المحيط الاقتصادي باللااستقرار الكبير المتمثل في الصراعات التنافسية و إعادات البنينة و اللجوء إلى التكنولوجيات والدعوات المتزايدة إلى الليونة في سوق الشغل والمهنية والقضايا الاجتماعية للعمال، والليونة في أنظمة التربية والتكوين وتكيف المستهلك.وهكذا تبحث الباترونا عن تكسير العلاقة القائمة بين  التأهيلات و الديبلومات لتقيم مقامها ثنائية جديدة تتمثل في الكفايات- التصديق المجزوءاتي.
إن البحث الذؤوب عن الليونة لا ينحصر في تنظيم سوق الشغل. فبالنسبة للعامل فإن اللااستقرار التكنولوجي والصناعي يترجم بالتحولات المتتالية لمحيط العمل و منصب الشغل والشغل وربما المهنة. فمن أجل الحفاظ على إنتاجية دائمة ومتوازنة ينبغي أن يكون العمال بدورهم يمتازون بليونة كبيرة، أي يستدمجون كفايات تسمح لهم بالتكيف مع الوضعيات الجديدة ويكتسبون معارف جديدة طوال حياتهم يستثمرونها في هذا الاتجاه. وباختصار يحشدون المعارف والمهارات وحسن التواجدات للتكيف وحل المشكلات المعقدة والجديدة. إنه بالتحديد ما تقترحه المقاربة بالكفايات في ميدان التربية على حد قول بيرنو:" على التلميذ أن يكون قادرا على تعبئة مكتسباته المدرسية خارج المدرسة في وضعيات مختلفة ومعقدة وغير متوقعة". ليس هنا أي شك في وجود علاقة واقعية بين أهداف المقاربة بالكفايات ومنتظرات عالم الاقتصاد.
لا يكتفي الباحث نيكو هيرت بتوضيح العلاقة بين المدرسة والمقاولة بل يتساءل وهو ينتقد بيرنو عن هذا النصر الذي أحرزته المقاربة بالكفايات وماإذا كان صدفة في الحقل المدرسي حيث صادف تاريخيا انقلابا اقتصاديا؟ إنه لمن الحذق الحديث عن الذكاء والإبداعية والاستقلالية أثناء الحديث عن الكفايات لتأكيد المرونة والتكيف الخاصين بالعمال. فمن الآن فصاعدا حينما" يؤكد لنا بيرنو بأن المقاربة بالكفايات تجيب عن هم النجاعة في التعليم والمواءمة الكبرى للتعلمات المدرسية مع وضعيات الحياة في العمل وخارج العمل" نكون أمام الملاءمة والتكيف عن طريق الكفايات ذات المستوى العالي. وبالنسبة للبعض الآخر فإن هم النجاعة و ملاءمة التعلمات وتحويلها إلى وضعيات حياة الشغل يمر عبر تحصيل كفايات عامة مثل المعرفة بالقراءة والكتابة و الحساب والتواصل و الإعلاميات والاستقلالية والليونة.
فما يطالب به الوسط الاقتصادي اليوم هو عقلنة التعليم بالانطلاق من حاجاته كسوق، وهي عقلنة تسمح بتقليص تكاليف مثل ما يحدث في السوق تماما.
إن ما يميز المقاربة بالكفايات حسب الباحث نيكو هيرت نجد ما يلي:
أولا: هجران المعرفة
إن أول منزلق هو تحول المعارف نحو المهارات، بحيث إن وضع التلاميذ في وضعية عمل مبني وفق مشاكل لا يعطى معنى لمعرفة تسمح لهم ببنائها تاريخيا وتحصيل فهم عميق.يقول بيرنود:" الكفايات لاتدير ظهرها للمعارف مادامت لا تستطيع تجاوزها. ولكنه بالمقابل ينبغي تقبل تعليم معارف أقل إذا أردنا فعلا تنمية الكفايات". ثم إن التعلم بالمشكلات يأخذ طابعا دوغمائيا، يقول بيرنود:" نتعلم المشي ونحن نمشي والغناء ونحن نغني. لماذا ينبغي أن نتعلم التفكير و الملاحظة و التخيل والتواصل والمفاوضة بشكل آخر غير ممارسة هذه الأنشطة في وضعيات متباينة حتى لا ترتبط الكفايات بسياق واحد ". ويعلق نيكو هيرت على قول بيرنود هذا بقوله أنه بكل تأكيد نتعلم المشي ونحن نمارسه وأما ماله علاقة بالغناء فهو أمر ثان على الأقل إذا كنا نتوخى مستوى عال، بحيث يتطلب الأمر معرفة بعلوم الموسيقى وتعلمات أساسية لا علاقة لها بالغناء في حد ذاته. وهكذا فإن الفكرة القائلة بأن الممارسة وحدها كافية للمرور إلى المعقد هي فكرة خاطئة.
ثانيا: البركولاج البيداغوجي
 يرى بيرنو أن التدريس بالكفايات موجه نحو كفايات تتطلب من التلميذ حضورا قويا في المهمة وليس فقط الحضور الفزيائي والذهني والعاطفي، إلا أن هذا الحضور (التورط) وهذا الاستثمار للحضور الفزيائي والذهني والعاطفي قد يسقط في نقيض مما هو مراد ، أي في عكس الأهداف المسطرة. مثلا في المدارس التي تتوفر فيها شروط التحفيز كمدارس النخب يمكن ذلك بينما في المدارس العمومية النظامية يكون الأمر غير ذلك.
ثالثا:  المعرفة من أجل المعرفة أم المعرفة من أجل الفعل؟
لا يمكن رفض المعارف الأداتية بجرة قلم. فقبل كل شئ ماذا يعني تعلم المعارف إذا لم تكن مفيدة. تهم المعارف في الفعل، وهي تعطي قوة لفهم العالم. وينبغي الانتباه إلى أن توسع قاعدة المتعلمين بدأت تدفع إلى تقليص المعرفة من حيث أنها سلطة وقوة لفهم العالم والمحيط والمساهمة في التغيير.
إن ما يلاحظ أن المدرسة لم تعد تقدم إلا القليل من المعارف: معارف سطحية بالأشياء وهذا الأمر نفسه سمة من سمات الفشل والمرور نحو التعليم الأداتي.
******
لماذا التدريس بالكفايات ؟ بل كيف يفهم التدريس بالكفايات في السياق المغربي؟ يبدو أن السؤال متأخر في طرحه لأن الواقع الحاصل لم ينتظر صحوات الأذهان ولا يقظات الباحثين والمهتمين والمهنيين، بل لم تنفع "نباهة وفطنة" السياسيين المشاركين في الإعداد والتحضير لأشغال الميثاق الوطني للتربية والتكوين.لا تتمثل أهمية السؤال وجدواه إلا للباحثين لأنه كان بالأحرى أن يكون السؤال مطروحا على أشغال الميثاق لأن النقاش العميق يمس دور المدرسة ووظيفتها، وهو نقاش لا يمكن تدجينه ما دامت الرهانات حول المدرسة متعددة ووجود المدرسة ذاته يمس المجتمع كله.
فالمدرسة بهذا المعنى وجه من وجوه الصراع والتدافع والتجديد والإنتاج وإعادة الإنتاج، أي وجه من وجوه التقدم والارتكاس، الانفتاح والتعصب والانغلاق.... وإن التساؤل عن الكفايات اليوم يعني في الأساس التساؤل عن وظيفة المدرسة، عن الوظائف والأدوار التي أناطها بها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وعن الخلفية المستندة إلى تصور عام لإنتاج مجتمع بقيم ومقاييس معينة ومعايير محددة؛ ولذلك فإن السؤال الفعلي هو: ما هو "نموذج" المجتمع الذي يسعى الميثاق إليه المستند على "الكفايات" ؟ إن الإجابات ساطعة في ثنايا الميثاق تعبر عن نفسها دون لف أو دوران. فمفاهيم وعبارات مثل: العقيدة الإسلامية، الالتحام بالثوابت والمقدسات، الوفاء للأصالة وامتلاك ناصية العلوم والتكنولوجيا والتأهيل للاندماج في الحياة العملية، وتزويد المجتمع بالكفايات من المؤهلين والعاملين الصالحين وكل ما له علاقة بالاقتصاد وسوق الشغل ومجالات المهارة تختزل كلها الفلسفة الثاوية في الميثاق الوطني للتربية والتكوين.
سنرجئ مناقشة الأسلمة الشاملة التي بدأت تكتسح البرامج والمناهج منذ الثمانينات وهو ما يتناقض مع منطق الكفاية الدهري تماما المبني على القطائع الدائمة مع الماضي وسنكتفي هنا بالتطرق للعلاقة الواضحة والبينة بين المدرسة والمقاولة، وهي علاقة تتحكم فيها الثانية في الأولى وتخضعها لمنطقها، أي أن المدرسة أصبحت تابعة كليا للسوق.
تتخذ العلاقة بين المدرسة والمقاولة صيغة تبعية، ولكنها في نفس الوقت تتلون بألف لون مثل التعليم والتعلم والتأهيل والتكوين والتكوين المستمر أو الذاتي، وحينا آخر تنمية القدرات، وطورا تنمية الذات. وإذا ما رجعنا إلى الميثاق لتأكيد هذا المعطى سنجده ينص على ما يلي:
o       تزويد المجتمع بالكفايات من المؤهلين والعاملين الصالحين
o       ضبط حصيلة الكفايات التي تمكن المتعلم من إثبات مكتسباته المهنية.
o       اكتساب كفايات مهنية جديدة
o       تكييف المهارات
o     الإنعاش المهني ليصل إلى القول "بتمفصل نظام التكوين بناء على منطق السوق الذي يعد وحده القمين بمواكبة حاجات المقاولات من الكفايات بطريقة فعالة".
هكذا تتضح لنا العلاقة القائمة بين المقاولة والمدرسة، وهي كما قلنا علاقة تبعية وانصياع لمنطق المقاولة أو لمنطق السوق؛ إذ يمكن أن تكون المقاولة مغربية لكن السوق أضحى سوقا "عالمية" تفرض منطقها على المقاولة والمدرسة معا.
والعنصر الثاني الذي يزيد من جدوى هذا الطرح هو أنه منذ الإعداد للميثاق، بل وقبله بسنوات، بدأت تلوح من خلال الحوار الاجتماعي إمكانية تغيير مدونة الشغل، ومعنى ذلك خلق بنية تحتية لدور المدرسة وتطبيع العلاقة بين الرغبة المقاولاتية والإرادة القانونية، وذلك ما حصل فعلا بعد التوصل إلى مدونة جديدة للشغل عرضت كليا عن الحق في الشغل وتجاوزت مفهوم العمل بماله من دلالة منصاعة لمنطق الليونة في التشغيل مجوزة مفاهيم جديدة عن الترقية والرفع من الأجور والترسيم وعلى العموم فإن السمة البارزة للمدونة الجديدة هي الإعراض الكلي عن الشهادة المدرسية إلا في حالات نادرة والاكتفاء بما تطلبه المقاولة من "كفايات" لا يؤهل إليها النظام التعليمي والتكويني المغربي، والدليل على ذلك وجود أفواج كثيرة من المعطلين ومحدودية برنامج C.I.O.P  سابقا وضعف التوظيف في القطاع العام والخاص واللاتكافؤ الحاصل، في حالة إيجاد فرص عمل، بين الشواهد والديبلومات والوظائف المحصل عليها من جهة والأجور من جهة ثانية. فحينما يقدم الميثاق الوطني للتربية والتكوين المدرسة هدية للمقاولة، وحينما كذلك تعرض النقابات والأحزاب عن المطالبة بالعمل كحق مشروع وعن مستلزمات العمل لتنتقل إلى الإيمان بالفرص والفئوية الضيقة وإمكانات التخلي عن العمال واستبدال الطبقات بالشرائح والحق بالفرصة، وتسمح بالمعادلة القائلة أنه كلما وجدت إكراهات يحق للمقاولة أن تسرح العاملين عملا بمبدأ الليونة إلخ هكذا تصبح المدرسة تحت الطلب بإمكاناتها المادية والبشرية والعلمية. وتوضيحا لهذا الجانب علينا أن نستحضر الخلفية التي جعلت أرباب العمل حاضرين في الميثاق الوطني للتربية والتكوين من حيث الاستشارة إلى جانب رجال السياسة والنقابات، ثم الإصرار على مشاركتهم في لجنة التوجهات والاختيارات، بل جعل منهم الميثاق الوطني للتربية والتكوين عاملا حاسما في وسط المدرسة وأفق التعليم. والحال أنه ينبغي أن ننتبه إلى شيء أساسي يختصره السؤال التالي:
هل يتوفر "سوق الاقتصاد" في المغرب على مقاولات بالمعنى العصري من حيث التدبير والتسيير والتكوين حتى نعرف بأن الحاجات الاقتصادية هي في الأساس حاجات المجتمع ؟ وهل تمثل تلك الحاجات أفق النظام التربوي ؟ من قام برصد ذلك ؟ وما هي الأبحاث الأكاديمية والميدانية التي استند عليها الميثاق في ذلك ؟ وهل لدينا سوق بالمعنى المعاصر له قوانينه التي تحددها التنافسية الخلاقة والإبداع والابتكار أم لدينا سوق متحكم فيها كالمقاولات، سوق احتكارية يعتمل فيها التسلط والاحتكار لأسباب متعددة ويقتصر التنافس فيها على هوامش الكارطيلات والكيتوهات ؟ ولماذا غابت عن الميثاق إرادة البحث العلمي من أجل التصنيع واكتفى في أحسن الأحوال بالخدمات والوساطات : الاقتصاد الخدماتي ؟ ربما أن الحاجة ماسة لميثاق اقتصادي قبل الميثاق التربوي، وإلى جانبهما ميثاق ثقافي وأخلاقي عام وإجمالا تبدو الحاجة ماسة إلى المراجعات الشاملة ومواثيق واضحة في جميع المجالات، وآخر ما كان ينبغي أن يعد له هو ميثاق التربية والتكوين.
إن المماثلة بين المدرسة والمقاولة ممكنة على أكثر من مستوى، فالمقاولة بفضل مدونة الشغل الجديدة يسودها الانتقاء الشامل ولا تحتفظ إلا بالمؤهلين ذوي الكفايات المطلوبة لديها. وها هنا يكمن المشكل الأساسي المتمثل في كون الكفايات متغيرة في عالم متغير وكلما كانت الليونة في التشغيل وطرد العمال ممكنا كلما أصبح الهم كل الهم هو الحفاظ على المقاولات وتبخيس الإنسان: إنسان غير مؤهل ينبغي طرده. لا حق له في العمل لأن ما يهم هنا هو بقاء المقاولة واستمرارها بينما على الإنسان المتخرج من النظام التربوي والتعليمي أن يتكيف مع الواقع، أن تكون له القدرة على التكيف مع رغبات المقاولة، وأن يكون إنسانا تحت الطلب، ويختزل في بيان السيرة وشواهد التأهيل والكفايات المطلوبة، فهي الدواعي الوحيدة لسبب وجوده كأجير وشغيل وما عداهما يفتقد إلى أسباب وجوده كليا.
تطال هذه الرؤية الانتقائية للإنسان الميثاق الوطني للتربية والتكوين ذاته فهو لا يربيه على أن يكون مصدر الحق: فلسفة حقوق الإنسان وإنما يربيه ليكون مطلعا على قيم عامة ومشغلا للتكنولوجيا لا متملكا للعلم ومن خلاله ينظر لذاته وللطبيعة وينطلق منه في تحليله للحياة والمجتمع وكل القضايا المطروحة أمامه إنه يوجهه مبكرا إلى التكوين المهني بعد السنة التاسعة من التعليم الإعدادي بشروط تدعم الانتقائية، وخيرة التلاميذ يدخلون معازل النبوغ والتفوق: الثانويات المرجعية. تلك هي نخبة الميثاق الوطني للتربية والتكوين المكرسة للتنخيب الذي ساد التعليم في المغرب، والدعامة الحادية عشرة من الميثاق واضحة في هذا الباب: تشجيع التفوق والعمل بميكانيزمات التميز وإقامة محافل للتكريم. إنها نخبة "نموذجية" في مدرسة "نموذجية" تتعلم التسابق على "الجودة"، على متطلبات المقاولة لا على بناء اقتصاد وطني يدعم التصنيع الثقيل والاكتفاء الذاتي وبناء الدولة الوطنية والمواطن.
والداعي الثاني الذي ينبغي أن نتأمله بعمق ونحن نتساءل عن الخلفيات يعود للنقاش العالمي حول الكفايات. ففي أحد المواقع على الأنترنيت طرح سؤال لماذا بيداغوجيا الكفايات؟، وما أثارني هو ورود قراءات تتجاوز النزعات التخصصية الضيقة إلى التساؤل عن الخلفيات الأيديولوجية، وبالتالي دور المدرسة ومهامها.وأول تصنيف للكفايات النهائية في الجغرافية7 في هذا الباب جاء على الشكل التالي:

الأيديولوجيا
الأولوية
الوسائل
الغاية
تقدمية
الطفل
تجارب، اكتشاف، تعلم نشيط، قابلية التطبيق، التعبير الذاتي والبحث عن المعنى
تقييم تنمية الشخص في اندماجيته
ليبرالية
الذات
ذوات للدراسة، حقل ثقافة، تحصيل تمثلات، تنمية المعرفي، فكرعقلاني، بلوغ الامتياز
تقييم تنمية الذهن
نفعية
المهمة
تنمية الكفايات، طرق إخبارية، تعلم الخبرة أو الإتقان
تقييم كل ما له علاقة بالمردودية
بنائية متجددة
المجتمع
رفض حالة الجمود، تنمية الوعي النقدي، فهم علاقات القوى وانسدادها، الوعي بوجهات النظر التعاقبية
تقييم التغير الاجتماعي
  
ليس هذا التصنيف تصنيفا تقنيا وإنما يعيدنا للسؤال الأساس: ما هي مهمة المدرسة؟ وهل تتمثل مهمتها في تكوين مواطنين أم مهنيين محترفين أصحاب كفايات؟ وهل ما تزال المدرسة قادرة على أن تلعب دورها كمؤسسة تربوية في عالم يخضع لضغوطات المردودية؟
إن أهمية طرح مثل هذه الأسئلة تأتي في عالم يتسم بتنامي المد الليبرالي الجديد وقد لاحظ الباحث كرستان لافال أن الخطاب الاقتصادي حول التربية عرف بداياته الفعلية مع مطلع الثمانينيات من القرن الماضي. فرجال الاقتصاد والمقاولات يرون أن العمال يعرفون أشياء كثيرة أو أشياء غير نافعة وهو ما يعني إعادة النظر في المعارف المدرسية حتى تصبح معارف مقبولة لدى المقاولة.
هكذا بدأ التحول في وظيفة المدرسة التي كانت فيما مضى مرتبطة بالمتخيل الديمقراطي وخلق مواطنين مثقفين ومكونين من أجل التفكير ومنخرطين في القرارات التي تهم المستقبل والحياة العامة.
إن نفعية المعارف تطرح مشاكل كثيرة اليوم إذا ما انحصرت في المعارف النفعية والمصلحية العاجلة والحسابية، حيث المتخيل الليبرالي قائم على المنافسة والتسابق الذي يتعمم ويعم المقاولات وحياة الأفراد والأسر والجماعات.فالروابط هنا تقوم على المنافسة الشاملة التي جعلت الأفراد يقرون بوجود تعليم مقبول كبضاعة في السوق وتعليم آخر يعرف الكساد.
تحدد قيمة التعليم هنا في السوق، وذلك ما يعني أن المدرسة التي صارت مدرسة السوق أو أن المدرسة هي اكبر سوق؛ هي المدرسة الخاصة جدا أو لنقل أن تعدد المدارس (أنظمة التعليم والتربية) يناسب وتنافسية السوق. والحصيلة أن المدرسة أصبحت بضاعة مرتبطة بمتخيل الاستهلاك الفردي والجماعي الذي اجتاح المجتمعات من أقصاها إلى أقصاها.
تجد هذه الوضعية تبريرها في دعوات المنظمة العالمية للتجارة O.M.C الداعية إلى فتح أسواق الخدمات بما فيها الصحة والثقافة والتربية أمام القطاع الخاص، وهو أمر يتكرس يوما بعد يوم حيث تقارير البنك الدولي توجه البلدان والدول للاهتمام بالتعليم الأساسي والتخلي التدريجي عن التعليم الثانوي والجامعي والعالي والتكوين المهني لصالح الخواص. قد يحفزنا هذا المعطى للتفكير في الإلزامية وتعميم التمدرس وتكافؤ الفرص عندنا، وفي سر الاهتمام الذي أولاه الميثاق الوطني للتربية والتكوين للتعليم الأولي والابتدائي والإعدادي دون غيرها من الأسلاك الدراسية؟؟
*****
هناك نموذج مؤلف مغربي يدافع عن بيداغوجيا المهام بأسماء متعددة مثل بيداغوجيا الكفايات أو البيداغوجيا الوظيفية، وهو النموذج اقتصادوي ينتمي لليبرالية الجديدة. وصاحب هذا المنزع هو الأستاذ عبد الرحيم هاروشي مؤلف كتاب بيداغوجيا الكفايات8.
يحذر المؤلف قارئ الكتاب في معرض حديثه عن بيداغوجيا الكفايات قائلا:" يقاربها البعض بكونها مقيدة جدا ويخاف تقليص التعليم إلى تعليم نفعي وتكوين آلات"، ويستدرك بقوله:" يبدو أن هذا الخطر واقعي ".
نعم إن الخطر الذي المشار إليه واقعي. وتأتي واقعيته من المقاربة التي يتبناها صاحب الكتاب القائمة على العودة الحتمية للكفايات رغم أن الأسس النظرية تعود للخمسينيات من القرن العشرين. فبالرجوع إلى المقاربات النسقية التي ظهرت في الاقتصاد أولا يجد الأستاذ ع.الرحيم هاروشي النموذج الأمثل الصالح للتخطيط البيداغوجي، متخذا من أمريكا وكندا مرجعين واقعيين.
إن التركيز والدفاع اللانهائي على النموذج النسقي جعل المؤلف يستلهم النموذج المقاولاتي في التربيةالقائم على المنافسةواستلهام الطرق التدبيرية المقاولاتية. وأما الغاية فهي الحد من التكلفة و اختزال التعليم في المهننة وباختصار أن تصير حصيلة الكفايات مساوية للدبلوم أو الشهادة إن لم تتفوق عليها، وبذلك تصبح المؤسسة التعليمية النظامية كيفما كانت مسرحا يعرض الملهاة أو نفقا يمر منه البعض دون البعض للوصول إلى المجهول الذي هو في نظر المقاولة والسوق انعدام الأهلية والكفاءة والقدرة والخبرة... والمطلوب هو أصحاب الكفايات القادرين على التكيف مع المنتظرات والمتطلبات.
لقد سبق وقلنا بأن مصير الشواهد والدبلومات و المعرفة سيكون غير ذي جدوى لأن المقاولات تسعي لتعويض ذلك بأنماط جديدة من التعلم أطلق عليها كل من غي بليتي و كلود صولار بالمقاولة – المدرسة التي تزامن ظهورها و التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال، ولكن بشكل أساسي التعلم الجماعي (تعليم جماعات العمل) والتعلم عن طريق التواصلات والبرانم: برانم في الرياضيات وأخرى في الفيزياء و غيرها في الجغرافيا إلخ 9...وأما عن نجاح المقاولة فيتمثل في الانخراط في التغيير والمساءلة الدائمة للمقاييس والحدود والوظائف والانخراط الذي يبديه المسؤولون المكلفون بالقيادة للاستجابة لما هو مطروح عالميا ودوليا على مستوى الاقتصاد.
وحسب كلود لسار و موريس تارديف فإن هذا النمط من التعليم يستجيب للظروف المتغيرة وللقيم الجماعية ويتسم بالالتزام الجماعي، حيث ينظر إلى المجتمع كما لوكان مجموعة من الشبكات الاجتماعية تتملك ثقافات خاصة والاعتراف بأهمية وتنمية الموارد الثقافية الجماعية إذا أرادت الجماعات الاستمرار في الوجود10. والسؤال المطروح في نظر الباحثين هو كيف نشكل هذه الفرق ونقودها نحو تنميتها الذاتية والمهنية؟ كيف نقيمها؟ وكيف نحول الوظيفة البيداغوجية للمدرسين إلى وظيفة تنظيمية للعمل أي أن يصبح التلميذ كالعامل ؟ لربما أن تأمل الصورة القائلة بأن المدرس سيصبح رجلا تقنيا يشبه الطبيب الذي تحول بفضل التكنولوجيا والتقنيات إلى تقني علمي خير دليل على ذلك ، وما تزايد البرانم التعليمية في جميع التخصصات إلا وجه هذا التحول.ولأن المطلوب هوالتحكم في التقنيات بشكل أو بآخر والاعتماد على تكنولوجيا الإعلام والاتصال فإن المدرسة التي سيعترف بها السوق هي المدرسة التي ستكون سوقا- مستهلكا لهذه التكنولوجيا بالذات، والشهادة المعترف بها هي الشهادة التي تمر من هناك المعترف بها من طرف المنتجين والمتحكمين في توجيه سوق المدرسة. هكذا تتزايد الدعوات التي تماثل المدرسة بالمقاولة، بل وتطالب بإلغاء التعليم الثانوي والجامعي لأن التعلم سيحصل في مقر العمل بالنظر للدعوة القائلة بالتكوين المستمر والتعلم مدى الحياة وكفايات التجديد والإبداع والتلاؤم. إذن سيصبح النظام التعليمي معملا لايفرخ إلا اليد العاملة التي ستتأهل هناك في المقاولة لا نظاما ينتج مواطنين.
نخب الميثاق الوطني للتربية والتكوين:
هناك إشكال ثان يثير الانتباه يتعلق بتردد لفظ التجديد كثيرا في الميثاق الوطني للتربية والتكوين: مدرسة جديدة، نخب جديدة، منهاج جديد، تدبير وتسيير جديدين، مرحلة جديدة، تصورات جديدة للمدرس والمدرس....
طرح سؤال التجديد في أعمال لجنة التوجهات والاختيارات التي تناولت النخب والنخب المجددة لكن في علاقة بوظيفة المدرسة وإليكم تركيب لنقاش أعضائها:
تطرح إشكالية النخب حينما يتعلق الأمر بالحديث عن قضايا التعليم ونوعيته ومصير المتخرجين منه ووظيفة المدرسة بشكل عام. وقد ركز الميثاق الوطني على ما يحيل صراحة على إنتاج النخب والتفوق، وعلى الآليات التي يمكنها إنتاج النخب النخبوية. فهل يمكن اعتبار النخب، على حد تعبير الأستاذ ع.الخطيبي شيئا تاريخيا ومن التاريخ ؟ وإلى أي حد لا يتعارض إنتاج النخب، أي إنتاج الفوارق، مع خطاب الدمقرطة الشاملة في التعليم ؟
هناك حكم عام يتردد بين المعارضين للسياسية التعليمية منذ الاستقلال يتمثل في نخبوية التعليم، أي أن التعليم المغربي لا ينتج إلا النخب النخبوية "لأن المردودية الداخلية للنظام التعليمي ضعيفة جدا نتيجة الهدر المدرسي، بحيث إذا التحق بالمدرسة مائة تلميذ لا يصل إلى الجامعة إلا خمسة تلاميذ من هذا العدد" (سليم رضوان). إذن فهذا الواقع الذي ساد سنينا طويلة كرس الفوارق وألغى بالملموس إرادة الدمقرطة والتعميم أو ما عبر عنه الميثاق برهان توسيع نسبة الملتحقين بالتعليم الجامعي.
إن تكريس واقع النخب النخبوية لا يعود بالأساس إلى النظام التعليمي المغربي وحده، فهناك واقع آخر ناجم عن التعددية والامتياز الذي يتمتع به تعليم البعثات بالمغرب.
يعود هذا الصنف من التعليم، الذي أخفقت الحركة الوطنية في بداياتها في محاربته بالنظر إلى شعارها الداعي إلى توحيد التعليم، إلى مدارس أبناء الأعيان ومؤسسات تعليمية تابعة للدول الأجنبية التي أنشأتها بالمغرب، وقد ساهمت الدولة من جانبها في تأسيس جامعة الأخوين ذات المضمون الأمريكي.
 إن التفوق الذي ينتجه هذا الصنف من التعليم هو تفوق خاص بشعب علمية محددة كالرياضيات والهندسة والطب يؤهل المتخرجين منها لولوج المدارس العليا الدولية، بل والأكثر من ذلك هيمنة المتخرجين من مدارس البعثات وهم الذين يسيطرون على المناصب العليا في الدولة.
إذن، يبدو أن عودة الخطاب للتركيز على النخب، هو في واقع الحال، اعتبار وظيفة المدرسة "الطبيعية" هي إنتاج النخب لكن بالمعنى الذي ركز عليه الميثاق الذي هو "جعل المدرسة العمومية تهدف إلى إنتاج نخب وطنية، بحيث من غير المعقول والمقبول أن تكون النخب الوطنية من إنتاج البعثات الأجنبية. فما يتهدد أي بلد وأي وطن هو أن تتحول النخب داخله وتصبح من إنتاج بعثات خارجية، ولذلك لا يمكن كسب هذا الرهان إلا بثقافة الامتياز داخل المدرسة العمومية التي ترتكز أولا وقبل كل شيء على تكافؤ الفرص، وهذه في اعتقادي هي الإشكالية الأساسية: كيف يمكن تحقيق ثقافة الامتياز وأن يكون ضمن ثقافة الامتياز تكافؤ الفرص ؟ (سليم رضوان).
لا شك أن الامتياز ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الموطنة ذاتها، مواطنة المغربي، فمراكز الامتياز توجد في المواطنة، بحيث لا يمكن لمواطن معين بانتماء معين أن يعطى له امتياز وآخر له انتماء آخر يحرم من هذا الامتياز (أحمد السطاتي). فالتفوق شيء مصطنع، وبالتالي فإن كل حديث عن النخب هو في الأساس حديث عن نخبة النخبة، لذلك ينبغي إزالة بعض اللبس "بالتمييز بين النخب والنبوغ" حسب أحمد سطاتي. فإذا كان المفهوم الأول يطرح إشكالات العلاقة بالآخر وإعادة إنتاج الفوارق فإن  المفهوم الثاني يسمح لنا بمساءلة خطاب الدمقرطة وتعميم التمدرس وتكافؤ الفرص، بحيث أنه في غياب التعميم وتكافؤ الفرص يكون المغرب قد ضيع آلاف التلاميذ النابغين في مجالات شتى واقتصر الأمر على إنتاج نخبة محدودة لها علاقة اليوم بالامتياز في ظل شروط مأزومة. هناك ربط غير واضح من طرف البعض بين النخب والامتياز والنبوغ، ويتجسد ذلك من خلال جعلهم للثانويات المرجعية التي ينص عليها الميثاق حلا لثقافة الامتياز، وبالتالي ضمان تكافؤ الفرص، ومنهم من يرى أنها "قاطرة ستجر المنظومة التربوية، ولكن بشرط أن يجعل اهتمامها متنوعا يشمل الرياضيات والآداب والرياضة والفن أي أن يفتح مجال الامتياز في جميع الميادين لكي تكون الفرص للجميع" (الطيب بناني).
يطرح هذا الرأي ما أسماه الطوزي تعدد النخب، أي أن "النخب ليست واحدة، كما أن هناك تعددية في مجالاتها () فالحرفي يمكنه أن يكون نخبة في مجال تخصصه"، وفي نفس الوقت يضع شروطا لبروز هذا التعدد غير الاصطناعي الذي يمكن وصفه "بتعليم أساسي جيد يمكننا من الحديث عن تكافؤ الفرص مادام التعليم بشكل عام نخبويا في جميع الدول، علما أن عملية إنتاج النخب ليست مسألة بسيطة لها علاقة بإنتاج الفوارق بين المتعلمين، فمنها ما هو ذاتي ومنها المجتمعي والسياسي والاقتصادي...إلخ. وقد فسرها الأستاذ مادي "بالمستوى المعيشي للأسر ومستوى تطور المجتمع والديمقراطية، وإمكانية تقليص الفوارق البيداغوجية داخل المؤسسة التعليمية".
إن تقليص الفوارق لا يعني فقط الجانب البيداغوجي الذي أشار إليه الباحث مادي، بل يهم من جهة أولى مسار التلميذ الدراسي، ومستوى عيش الأسرة. فالهدر الدراسي أي ضعف المردودية الذاتية للتعليم ترتبط بهذين المسارين، لذلك فإن تقليص الفوارق هو في الأساس توفير شروط مادية وفضاء مؤسسي تعليمي يشجع على متابعة الدراسة.
نعتقد أن تكفل الدولة بالتلميذ سيساهم مساهمة فعالة في خلق المساواة أولا، ثم سيعمل على توسيع دائرة التفوق، وبعد ذلك "يمكن وضع آليات لتحقيق الجودة وتشجيع التفوق والنبوغ والامتياز" (بن بادة). ولكن ما هو الموقع الذي يمكن أن يحتله "المتفوق" ؟ وما هي مقاييس "الامتياز"؟ إن ما ينبغي الحرص عليه هو أن تكون "النخب على أساس الكفاءة والمعرفة، نخب غير اصطناعية، لها تكوين وأرضية علمية أو أدبية غنية وقوية" (الخطيبي)، نخب لا تقوم على أساس طبقي أو عرقي أو لها علاقة بالعائلات المخزنية وحدها، ولا علاقة لها كذلك بالتعليم الأجنبي وتعليم البعثات، وإنما هي من الشعب، ومن مختلف طبقاته وشرائحه، متخرجة من التعليم المغربي النظامي. ولعل هذه المعطيات وحدها هي التي يمكنها أن تعيد للمدرسة المغربية قيمتها ودورها الحقيقي.
إن انتقاء هذه النخب كما هو مطروح اليوم يوحي ببعض الغموض لأن وظيفة الانتقاء ذاتها ترتبط بوظائف الاقتصاد وهذا ما يطرح مشاكل كثيرة، وربما خطورة كبرى باستعمال مفهوم النخب في الإصلاح الحالي. فالملاحظ أن سوق الشغل التي هي هدف الإصلاح تبرز من خلال ما اصطلح عليه بملاءمة التعليم مع الحاجيات التي يطرحها السوق، مما يعني أن الوظيفة المثلى هنا هي وظيفة الملاءمة بين سوق متغيرة غير معروفة بما يكفي، وبما تعرفه من تطورات غير منتظمة وانتكاسات غير متوقعة ووظيفة المدرسة.
ومن هنا تصبح الملاءمة المطلوبة غير واضحة. ففي المستوى الذي نعرفه عن المقاولة المغربية الهشة، المحدودة العلاقة، التقليدية البنية لا يمكن معرفة الحاجيات، بل في سوق تعيش على الوساطة والخدمات لا يمكن أن تتلاءم المطالب مع الحاجيات، بل في سوق تعيش على الوساطة والخدمات لا يمكن أن تتلاءم المطالب مع الحاجيات. وهكذا يبدو لنا أن "الانتقاء" المقصود بصيغته الفضفاضة والعامة سيكرس نفس الواقع الحالي المتسم بالاختلال ما لم يرافقه إصلاح اقتصادي لبنية السوق والمقاولة ومالم يتجاوز الإصلاح الرؤية الاقتصادوية الضيقة التي تختزل المتخرج من المؤسسة التعليمية، المتمدرس، مشروع أداة إنتاج ومهني وشغيل يخضع لمتطلبات السوق الذي يقبل به أو يلفظه باسم حصيلة الكفايات.
اللامركزية واللا تركيز:
لماذا تزامن الخطاب عن اللامركزية مع الاصلاحات الجارية عالميا في التعليم؟ ربما لا يتعلق الأمر بتنامي ديمقراطيات محلية وإنما كما يرى كرستان لافال في إحدى مقالاته يتعلق الأمر بضبط وتنظيم داخل الدولة، خاصة وأن الموضوع في نظره يرتبط بمصايد جديدة تدخلها المدرسة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تأثير الباترونا و المنظمات العالمية. فحسب ما تطالب به المقاولات نجد تقليص الميزانيات العمومية وتوسيع القطاع التجاري. ويجب أن نعلم بأن الجماعات المحلية هي الآن أهم مستثمر عمومي محليا وجهويا وأن الحكم الذي تبديه المقاولات في حق الدولة يتلخص في كونها تتحمل عبئا باهضا سرعان ما يتحول إلى عائق كبير وعليها أن تتفرغ للمهام الأساسية الكبرى كالمقاييس الاجتماعية، بينما سيتكفل المحلي والتجاري بالحياة الاقتصادية والتوظيفات والشغل والصحة إلخ... وبذلك يصبح التنافس بين الجهات.
وأما وضع المدرسة في خدمة الاقتصاد فذلك مطلوب عالميا ليترافق وتقليص التكاليف والتنافسية المحلية بين المؤسسات التعليمية المدارة على شكل مقاولات التي ستعمل من جهتها على البحث عن التمويلات والزبناء. وهكذا يخلص السسيولوجي الفرنسي كرستان لافال إلى أن اللامركزية تمثل جوابا تقنيا على هم النجاعة في مجتمع معقد11.وفي نفس السياق يرى خبراء ocde بأن تحول السلط جار في جميع الدول التي تباشر الإصلاح وعلينا أن نتساءل من الرابح في ذلك؟ إن الجواب حسب لافال هو البيروقراطية-الليبرالية.
ويرى الباحث نيكو هيرت في إحدى مقالاته المنشورة في"نداء من أجل مدرسة ديمقراطية" المؤرخة في السابع والعشرين من مايو 2003 أن الحوارات الدائرة اليوم حول اللامركزية واللاتركيز في التعليم ليست سوى حلقة من مسلسل متعب ومزعج مستندا إلى وقائع مثل تشكل لوبي أوربي جعل الدولة تنسحب من دائرة التربية أكثر من عشر سنوات. ولهذا فإن الجهوية ليست مسألة خاصة بفرنسا لأن هذه الأخيرة لحقت بالركب متأخرة؛ إذ منذ 1994 نجد تقريرا لEurydice حول التربية يتوقف عند الإصلاحات المنجزة من قبل الإدارة العامة للنظام التربوي التي تتلخص في الحركة المتنامية للاتمركز والتفويض الذي يمس السلط. ومن الجانب العملي أدخلت جميع الدول المعنية في أوربا تشريعات جديدة لنقل السلط من الدولة المركزية إلى السلط الجهوية والمحلية، ومن هذه الأخيرة إلى المؤسسات التعليمية.
يعود التفويض المتحدث عنه آنفا في بلجيكا إلى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي وقدتم ذلك باسم التقشف في الميزانية، وفي هولندا تم ذلك بدواعي بيداغوجية والقرب، وفي ألمانيا وانجلترا بدعوى رفض البيروقراطية والرفع من الجودة وهي كلها دواع وأسباب مختلفة لسياسة واحدة. وإلى هنا تساءل الباحث نيكو هيرت قائلا: "بعيدا عن الظروف ومزاعم الاكراهات المستعجلة ألا تستجيب اللامركزية لمحددات أخرى أكثر عمقا؟".
لاحظ الباحث هيرت أنه منذ الثمانينيات من القرن الماضي اجتمع المصنعون في أوربا تحت اسم ert وهم ينتقدون هيمنة الممارسات الإدارية الصلبة في مجال التعليم والتربية والفضاء المدرسي وكانت الغاية هي جعل المدرسة قادرة على التكيف مع التحولات الحاصلة جراء تطور التكنولوجيا العصرية.ثم إن المدرسة حسب ert غارقة في نظام عمومي ممركز يدبر ببيروقراطية تحد من سرعة نموه وتجاوبه مع التحولات الخارجية ومن تم بدأ التفكير في استقلالية الفاعلين المسؤولين. فمطلب التكيف وتزويد التعليم بمكيانيزمات الليونة للاستجابة للعبة المنافسة والتكيف السريع والتلقائي مع الحاجيات المتغيرة للإنتاج والسوق والتقليص من الميزانية لوجود أطراف أخرى ستساهم في التمويل كلها أسباب تعجل باللامركزية. وهكذا للامركزية معجمها الخاص لخصه آن – ماري كومباني رئيس منطقة الرون-الألب في الليونة والعقلنة والنجاعة.
لغات الميثاق الوطني للتربية والتكوين:
للميثاق الوطني للتربية والتكوين لغات كثيرة ومرجعيات عديدة وخلفيات متناقضة وأزمنة متضاربة. فمن جهة اللغات نجد لغة الاقتصاد والسياسة وعلوم التدبير وهندساته و لغة القانون والإدارة والتربية ولغة التراث والمعاصرة، ومن جهة المرجعيات تحضر لغة الماضي بإطلاقياته التراثية ولغات الحداثات. إنها التساكنات والتوالفات المتنافرة: المقدس والدنيوي، الدهري والفاني، إرادات الماضي والحاضر، الشاهد والغائب، أرواح الأجداد والأموات وأطياف الحاضر. هناك اللغة الرسمية واللغات غير الرسمية، اللغة العالمة واللغة المنطوقة، اللغة المقدسة واللغة المنبوذة، التنوع الثقافي والتاريخي والجهوي والوحدة الممركزة والمركزية، التمسك بالماضي وتقديسه والرغبة في الانسلاخ منه ببناء هوية جماعية للمستقبل، إرادة امتلاك ناصية العلوم وتوطين العلم والذهنية العلمية، إرادة تملك الرؤية العلمية والاكتفاء بالقضاء والقدر، إرادة ميلاد الإنسان وإرادة انمحائه لصالح قدرة القادر، ميلاد المواطن والإبقاء على الذهنية الرعوية، حب الحياة والآخرة، الانفتاح والانغلاق....
إنها شخصية المغربي المركبة كما قال بول باسكون التي تحيى في التنافر والتعدد المتناقض وكثرة الأقنعة دونما القدرة على المجازفة لفقدان قناع من أقنعتها ولا الانحياز الواضح لاختيار يعينها وتتعين به.إنه الخوف القاتل من المغامرة لأن سؤال التجديد حتى وإن طرح بجدية في لحظة تاريخية سرعان ما يصبح كالمسحوق الذي يزول بعوامل شتى فيتعرى وجهنا البشع من جديد في غياب المرآة، في غياب النقد، فلا تجد غير الخطابات التي تشبه دةدشات ركاب الحافلات والقطار حيث ينتهي مادار بينهم فور نزولهم في المحطة. هكذا هو التجديد، نقد التجديد والقديم، أحدهما يصبح الآخر لأنهما لم يطرحا بعد بيننا ومن طرفنا اللهم خضوعنا لمخططات رغما عنا لتدرجنا في سرعة السوق والتبضيع والتسويق ...وتبقى لنا غير هذه المقاومات الصغيرة المنهكة لا نتشال إنسانيتنا من التبضيع الكاسح العصف الشمولي؟؟؟






1 في 4 أكتوبر 2004 تم عقد اتفاق بين جامعة محمد الخامس – الرباط السويسي و المنظمة العالمية للتجارة بحضور بول روليان والعميد الطيب الشكيلي ومصطفى المنصوري وزير التجارة الخارجية وممثلين عن دول بوركينافاصو و بروندي والكاميرون والكونغو والكوت ديفوار والدجيبوتي و الغابون وغينيا وغينيا الاستوائية ومدغشقر ومالي وموريطانيا والنيجر وجمهورية إفريقيا الوسطى والديقراطية والسينغال وتشاد والطوغو وتونس والجزائر وأنغولا والبنين.
2 - الإيزو أنواع كثيرة من بينها  9000و 9001و2000 إلخ... ويقوم على أربعة أركان هي : التصديق و مقياس الإيزو و تنفيذ النظام التدبيري للجودة وتوثيق نظام الجودة. يمكن إلرجوع إلى فصل الخاص بالجودة.
3 - نيكو هيرت عضو في حركة نداء من أجل مدرسة ديمقراطية له عدة مؤلفات ومقالات وداخلات منشور أغلبها في مواقع إلكترونية عديدة باسمه أو باسم الحركات الاحتجاجية المناهضة للعولمة أو المجلات والجرائد المهتمة بالتعليم في أوربا مثلا بريد اليونسكو أو الموقع لاغوش.كم أو لابيد التي أعتمدناه في المقالة المعنونة بالعمال الأكفاء أو المواطنين النقديين .
5 فيما يخص موضوعة التكيف سنعمل على نشر عمل خاص في الموضوع.
  - Pierre Bourdieu, L'essence du néolibéralisme, le Monde Diplomatique Mars 19986
7 -Extrait de Slater, F., Values: Towards mapping their locations in a geography éducation, in Geography in Education, Canterbury University Press, 1996, p.218.cité dans Partoune (ch), Quelles compétences Terminales dans L'enseignement de la Géographie, FEGEPRO, supplément aux Feuillets d'informations N133, Octobre-Novembre1998.
8 - عبد الرحيم هاروشي، بيداغوجيا الكفايات، ترجمة الحسن اللحية وعبد الإله شرياط. الدار البيضاء 2004.
9 - cite –sciences.er/edu/apprendre/savoirs
10 - Claude Lessard et Mautice Tardif, Le renouvellement de le profession enseignant:tendances, enjeux des années2000, VXXIX, N1printems2001.
11 - Christian Laval, Quand la décentralisation libéralise l'école.Mouvement, n26, mars-avril, 2003.
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage