3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

حوار مع إدغار موران

الخط




















إعادة التفكير في المعرفة من أجل إصلاح المدرسة

ترجمة: أحمد القصوار

من دون الرغبة في إزالة المدرسة كما كان يدعم ذلك ايفان ايليش1، يدعو عالم الاجتماع إدغار موران إلى القطع مع الطوق الحديدي الذي يغلق على المباحث العلمية ويجمد ويبرقرط المعرفة. إنه يقدم مرافعة من أجل بيداغوجيا للتبادل.
Le Monde de l’éducation : ما هو السياق الذي ظهر فيه فكر ايفان إيليش الذي يتمنى القطع مع المؤسسة المدرسية؟
إدغار موران: ظهر في نهاية الستينيات في نفس الوقت الذي بدأت فيه أولى الانشغالات الايكولوجية. غير أن كتابات إيليش لم تقتحم أبدا الأذهان. حقا، لقد قرأ كتابه une société sans école، لكن تم رفض هذا النص العنيف مباشرة، من دون شك لأنه كان يهاجم الأسس العميقة لحضارتنا.
سؤال: ماذا يريد أن يقول عندما يتحدث عن الخطر الذي قد يحصل إذا ما جاورت المعرفةُ المدرسةَ؟
إ.موران: لنأخذ هذا المثال. لاحظت أن الشباب الأميراندي في شمال كندا كانوا يفهمون الظواهر الإنسانية أو الطبيعة في لاقاها المتبادلة: هكذا، كانوا ينظرون للماء أو الغابة عبر ربط العلاقة بين عشب مدعوك وروث حيوان أو ضجيج من أجل تخيل مرور ثديي صغير. والحالة أنه منذ دخولهم إلى المدرسة، كانوا خاضعين للقطائع المبحثية التي أجرتها مؤسسة تُكَوِّنُ وَتُكَيِّفُ الذهن مع معايير العقلانية المهيمنة. يبين إيليش جيدا بأن المعرفة، مثل الطب، قد تخصصت وانقسمت وتجزأت بطريقة خطيرة.
سؤال:هل تعتقدون أن "شبكات المعرفة" هاته لا زالت قادرة على أن تحافظ على راهنيتها اليوم؟
إ.موران: من دون أن نذهب بالضرورة إلى هذا الحد، يجب أن نستلهم من هذا النقد من أجل التفكير في إصلاح تربوي. إن هذا التقطيع للمعرفة الذي لم يكن إيليش راضيا عنه، أدى اليوم إلى تجنب المسألة الحضارية من خلال تحويلها إلى مجموع من المشاكل الفردية. لم نعد حتى في حاجة إلى التفكير شموليا في أنفسنا ما دام أن كل مشكلة أصبحت منفصلة عن المشاكل الأخرى، لأنه أصبح يتوجب معالجتها من طرف هذا المتخصص أو ذاك. من ثمة، يجب على التعليم أن يركز على ما سيمكن من مواجهة مشاكلنا الحيوية كأشخاص وكمواطنين وككائنات بشرية.
سؤال: كيف سيترجم ذلك بشكل ملموس؟
إ.موران: يمكننا على سبيل المثال، التركيز منذ التعليم الابتدائي على فهم الآخر، وأن نبين للطفل بأنه عوض البحث دائما عن معرفة من الذي بدأ شجارا، ومن هو على حق ومن كان مخطئا، سيتوجب عليه أن يأخذ بعين الاعتبار الحلقة المفرغة لعدم فهم متزايد للغير. كذلك، سيتوجب تعليم الأطفال أن يفكروا مبكرا جدا في أنفسهم. يحصل لهم جميعا أن يقعوا في الخطإ وأن يكونوا ضحية بعض الأوهام. بدل تقديم بعض الحقائق، سيتوجب على المدرسة أن تبين للأطفال لم يخطؤون وماذا ستكونه معرفة سديدة. سيتوجب أيضا أن تدرس المعارف الأساسية المفتتة اليوم داخل تقسيمات مبحثية منفصلة. أوافق على إحداث معهد تدرس فيه هذه المعارف العابرة للمباحث طيلة سنة إعدادية إجبارية في بداية السلك الجامعي. من ثمة، ستحل هذه البيداغوجيا الخاصة بالتعقيد محل المعرفة المهشمة.

سؤال: كيف سيكون بالإمكان تدريس فكر التعقيد؟
إ.موران: من خلال استلهام المنهج التربوي السقراطي الذي كان يمكن المريد من أن يكتشف داخله حقيقة كان يجهلها. وبالتالي لن تحتكر المدرسة بعد ذلك معرفة ستنقلها، ما دام دورها سيكون هو مساعدة التلاميذ على اكتشاف معرفة معينة يطمحون إليها وتطابق فضولهم الطبيعي. في العمق، ليس الرهان هو تدريس جميع المعارف، وإنما تبيان قيم تندرج كلها ضمن نفس مشروع المعرفة الأساسية والحيوية.
إن الموضوعات المباحثية [التخصصية] هي موضوعات مقطعة بالتعريف أو بشكل طبيعي. والحالة أن الطبيعة، بما في ذلك الطبيعة البشرية، ليست منظمة بطريقة مبحثية [تخصصية].
سؤال: هل يتطلب ذلك إزالة المباحث العلمية؟
إ.موران: على العكس من ذلك تماما. من الأكيد أن التخصص المنغلق يعيق الثقافة. لكن التخصص المنفتح يغذي السياق ويتغذى منه. إن تجديد المباحث العلمية بالشكل الذي نطرح يجعلها ستلبي الحاجات الكبرى للمعرفة. يجب على الخصوص التخلي عن الخطاطة المتسلطة والمجزأة للتعليم من دون تبادل والتي يدينها إيفان إيليش. والحال أن هذا الأمر يطرح بطبيعة الحال مشكلة ديموغرافية، لأنه ما دام الفصل الدراسي يضم 40 تلميذا، فإننا نعرف بكيفية جيدة بأن التبادل البيداغوجي الفعلي لا يتم إلا مع اثنين أو ثلاثة تلاميذ "مفضلين".
سؤال: إذن، هل ينبغي التخلص من المؤسسة المدرسية كما كان إيفان إيليش يتمنى ذلك ؟
إ.موران: لا أعتقد ذلك. في العمق، ليست هناك مبررات لإزالة المدارس أكثر من الثكنات [العسكرية]، بل سأقول إنه يجب الحفاظ على المدرسة كفضاء للقاء وللصداقة. أرسل لي مؤخرا رفيق قديم صورة للفصل الدراسي في ثانوية جاك دوكور التي درست فها. وتدعوني هذه الذكرى إلى التفكير بأنه من الجيد أن نتقاسم داخل المؤسسة المدرسية لحظات للرفقة وللأخوة. إذن، سيكفي إصلاح المدرسة بشكل عميق، وبالتالي سيكون بإمكان فكر إيليش أن يساعدنا على مقارنة معرفة جامدة ومنغلقة وتحرير الطموحات إلى الاكتشاف.

ترجمة: أحمد القصوار*
أجرى الحوار: Edouard Dequeker
و Nicolas Truong
ونشر في:Le Monde de l’éducation, n° 360, juillet/ Aout 2007, pp 30-31
-------------------
1-         إيفان إيليش 1926-2002) ولد في فيينا، كان ينتقد في كتابات المدرسة التي اعتبرها مؤسسة تحتكر التربية والمعرفة وتخلط بين فعل التدريس وفعل التعلم.
* باحث في مركز الدراسات للدكتوراه – كلية علوم التربية- جامعة محمد الخامس السويسي الرباط



نموذج الاتصال
NomE-mailMessage