3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

"جهاز التفتيش وحراسة المنظومة"

الخط














محمد  شركي
مفتش الثانوي التأهيلي
لا خلاف بين جميع المغاربة حول هشاشة منظومتهم التربوية ، ولكن لا يحصل تفاهم أو إجماع بينهم حول أسبابها أوحول المسؤولين عنها. والسر في ذلك هو طبيعة الإنسان عموما والإنسان المغربي خصوصا بحكم ثقافته وتكوينه وطبيعته، و الذي يتهافت على كل مسؤولية وراءها نجاح وفوز ، وينفر من كل مسؤولية وراءها خسارة وفشل. فلا أحد من داخل أو خارج المنظومة التربوية يبدي أدنى استعداد لتحمل مسؤولية هشاشتها ، وفي المقابل الكل يشكو ويدين هذه الهشاشة ، بل أحيانا يلقي البعض باللائمة على البعض الآخر بحق أو بباطل، ويحمله مسؤولية هذه الهشاشة . وبطبيعة الحال لا يختلف موقف الوزارة مهما كان لونها الحزبي عن خط واتجاه توجيه اللوم لجهة أو جهات عن إفلاس المنظومة التربوية مع التظاهر بالصلاح والإصلاح . ولا تعدو الاتهامات التي تعتمدها الوزارات المتعاقبة على الوصاية عن هذه المنظومة مجرد ذرائع لتمرير سياساتها وتبريرها في نفس الوقت . ولن يكون الوزير الحالي بدعا من الوزراء السابقين الذين كلفوا بتدبير شأن هذه المنظومة في مرحلة من مراحل أزماتها المتتالية والمتناسلة منذ فجر الاستقلال ، وتحديدا في فترة ربيع مغربي كان سببه حصول اقتناع و إجماع لدى الأمة على الانتفاضة ضد الفساد بكل أشكاله. وهشاشة المنظومة التربوية شكل من أشكال الفساد الذي يتحمل مسؤوليته الذين تناوبوا على تدبير شؤونها . ومن أجل أن تقنع الحكومة الحالية ووزارتها الوصية عن المنظومة التربوية الأمة المغربية بأنها حكومة خلاص وإنقاذ وصلاح وإصلاح اعتمدت أسلوب مجاراة إرادة الأمة الرافضة للفساد ، ولهذا نلاحظ التركيز على وصف كل أنوا الفساد بكل الأساليب مع التعتيم على المفسدين الذين صاروا يسمون أشباحا وعفاريت وتماسيح . وكان من المفروض أن الذي يستطيع أن يصف الفساد بدقة وتفاصيل لا يمكن أن يعدم القدرة على وصف المفسدين وتحديدهم بنفس الدقة إلا أن هذه الحكومة لها الشجاعة للكشف عن الفساد وهو أمر تعرفه الأمة جيدا بل تلامسه وتعايشه وتعاينه ، ولكنها لا تجرؤ على الكشف عن أصحابه لمجرد أن بعض هؤلاء من العناصر النافذة في البلاد والتي هي فوق طائلة قانون المحاسبة والمساءلة ،وقد أحاطت نفسها بأنواع من الحصانة. ومعلوم أن الفساد مهما كان نوعه ، ومهما كان القطاع الذي يبتلى به يكون عندما تهمش المراقبة والمحاسبة فيترتب عن ذلك هشاشة هذا القطاع . ولما كان جهاز المراقبة تربية وتخطيطا وتوجيها ومادة ومالا مهمشا كان قطعا ذلك وراء تهشيش المنظومة التربوية . فالمراقبة عبارة عن صمام أمان وحراسة للمنظومة من كل ما يسبب لها الاختلال والهشاشة . وعلى رأس التهميش الذي نال جهاز التفتيش سياسة عزل اختصاصاته في شكل جزر لا علاقة بينها أو بينها علاقة صورية يطبعها الفتور بحيث لا يعرف اختصاص منها ما للأخر بل تنتهج الوزارة سياسة تشجيع بعض المتطفلين و الفضوليين والانتهازيين طمعا في التعويضات على حشر أنوفهم في اختصاصات لا قبل لهم بها داخل هذا الجهاز . ففضلا عن كون جهاز التفتيش يمارس حراسته للمنظومة كجيش يخوض حربا دون وجود تنسيق بين فرقه الأرضية والجوية والبحرية أو بوجود تطفل اختصاص على غيره، نجد الوزارة الوصية تكرس تهميش هذا التفتيش من أجل الحيلولة دون حراسة منظومة تعاني الهشاشة لعقود متتالية. وفي هذه الحالة نجد حراسة هذه المنظومة مختلة حيث لا وجود لمفهوم الحراسة لدى بعض التخصصات التي يتهافت المنتمون إليها على التسمية دون دلالة تقابلها على أرض الواقع . وعندما يرصد فشل المنظومة التربوية سنة بعد أخرى لا يمكن تحديد مسؤوليات اختصاصات أجهزة المراقبة في هذا الفشل . وعندما تتدنى مستويات النجاح والجودة تربويا وتعليميا لا يعرف حجم مسؤولية ما كان وراءها تخطيطا وتوجيها ومادة ومالا . فقد يتحدث الناس عن مسؤولية أطر التدريس والأطر المراقبة لها ،والتي هي ألصق بالمتعلمين وأقرب منهم عندما يتناولون بالنقاش موضوع هشاشة المنظومة التربوية ، وينسون أو يتناسون أطر أخرى ذات علاقة بها ، ولا يخلو أن يكون لها قدر من المسؤولية عن هذه الهشاشة . وعندما تتفتق عبقرية وزير تولى الوزارة في ظرف ائتلاف بين حزبين من أجل تشكيل حكومة ، ولم يتولها خبرة ولا كفاءة عن تكريس تهميش دور جهاز حراسة المنظومة ،فإنه يتعمد سواء كان واعيا بذلك أم غير واع المزيد من تهشيش هذه المنظومة . فالملاحظ أنه مع وجود تهميش مراقبة وحراسة المنظومة ازدادت هشاشتها فما بالها إذا ما ازداد تهميش إجراءات المراقبة ، وصارت شكلية وصورية نزولا عند رغبة المتهربين من المراقبة والمحاسبة ؟ فكيف يمكن استئصال الفساد والتهاون والغش مع تعطيل دور المراقبة وتهميشها؟ ومن المزايدات الفجة التي سوقها وزير ساحة جامع الفنا على طريقة أصحاب الحلقة بهذه الساحة من أجل الاستخفاف بجهاز المراقبة أن مفتش جلس في سوق والمدرسون يقدمون له الرشوة في شكل أكياس بلاستيكية فيها بضاعة . فهذا استخفاف بالمدرسين من جهة ، الذين صورهم الوزير الساخر في شكل قطيع من الأغنام واستهزاء بالمفتش أيضا بأسلوب الحلقة . وحتى على اعتبار أن هذه الحكاية العبثية صحيحة ،فهي في حكم الشاذ الذي لا يعتمد قياسا إلا عند أصحاب الشذوذ الفكري ، ذلك أن غالبية المدرسين أصحاب عزة وكرامة وجد لا يرضون لأنفسهم تقديم رشوة للمفتشين ، كما أن هؤلاء لا يرضون بالدنية لعزة النفس أيضا . وأتحدى الوزير أن يسوق حكايات الفضلاء والفضليات من أطر التدريس وأطر المراقبة الذين يضحون من أجل تخليص المنظومة التربوية من الهشاشة والإفلاس.

 إن المنظومة التربوية اليوم في أمس الحاجة إلى حراسة مشددة أكثر من أي وقت مضى تمشيا مع منطق الربيع العربي الذي وجد أصلا بسبب رفض الأمة الفساد الذي ينخر هياكل هذا الوطن المسكين . وعوض مزايدة وزير التربية على جهاز التفتيش عليه أن يعود إلى رشده ، هو والذين نصبوه في منصب لا يناسب طبيعة شخصيته عكس ما يخيل إليهم ، فقد يفعل الجاهل بالمنظومة التربوية ما لا يفعله بها عدوها من خلال الإخلال بنظم حراستها وصيانتها .
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage