3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

مقاربة سوسيولوجيا الشغل للكفاية

الخط


الحسن اللحية


مقاربة سوسيولوجيا الشغل للكفاية


نص1:

إن علم الاجتماع هو المجال الطبيعي لدراسة الشغل في مختلف وجوهه، بمعنى أن علم اجتماع الشغل يبدو خصبا حينما نتوسع في مسألة الكفاية المهنية؛ ومع ذلك يظهر لنا أن طرح الفكرة (فكرة الكفاية) يظل حديث العهد في أعمال علماء الاجتماع، بينما كانت نعوتها ضمن اهتماماتهم بسبب أثرها وعلاقاتها بموضوعات أساسية كالشغل وتقسيم العمل والتحول التقني إلخ...
سنلاحظ كيف أن الدراسات المتخصصة في الكفاية المهنية تنجم مباشرة عن تطور الأبحاث المرتكزة على التأهيل أو الكفاية كما سنتتبع كذلك كيف أن اللجوء إلى هذه الفكرة (فكرة الكفاية ) حول النماذج التي وضعها علماء الاجتماع وفيما يمكنها أن تفيدنا في كشف وتوضيح ما يتعلق بإشكاليتها.
اعتقد كثير من المؤلفين بأن ظهور فكرة  الكفاية جاء ليحل محل التأهيل، وبشكل خاص انطلاقا من عدد كبير من الدراسات الدقيقة لعلماء الاجتماع، فهذا م. ستروبانتس (1991) لاحظ بأنه منذ سنوات وقع انزلاق في معنى لفظ التأهيل نحو الكفاية، ومع ذلك علينا ألا نقر بأن هذا الانزلاق ذي نظام لساني كما يعتقد ذلك الحس المشترك: إنه يترجم تطورا واقعيا إن لم يكن إشكالات ونماذج منجزة سلفا فهو على الأقل عبارة عن مقاربات مستعملة في تحليلها للشغل.
وبالفعل فإن تطور الآداب ما بين سنوات 1970 و1980 يشهد على تمثل مختلف للعامل والعمل. ففي سنوات 1970 يكاد ينحصر هم علم الاجتماع في دراسة مناصب الشغل والمهام المطلوبة. فما يمكن استخلاصه من تلك الأبحاث بشكل مكثف هو انحصارها بقوة في خبرة العامل وفي جبره آليا وفق التنظيم العملي للشغل. فخلال هذه المرحلة لم يكن الاهتمام إلا بالتأهيل، أساسا، من حيث أنه موضوع. ومنذ سنوات 1980 وفي سياق التغيير والنمو الواقعي للمشهد الصناعي وبشكل أساسي مع ظهور الآلية آنذاك تم الاهتمام أكثر بالمعارف المستعملة في الشغل كما تمت دراسة المعارف والخبرة وكفاية العمال. وفي الآن نفسه تغيرت الرؤية للعامل، حيث صار أجيرا أو شغيلا وصار العمال جماعة يحددون بمظهرهم في المقاولة أو كجزء حادث لجماعة. إنهم هنا ليبينوا عن خبرتهم وتمكنهم وكفايتهم وتجربتهم. ثم بالنسبة لهذا الأخير فإننا نضع، هنا تغييرا في التمثل إذ بموجبه تفقد المعرفة قانونها لتستند للذات (...) وتنحو علاقة المعرفة نحو تحديد نوع الكائن (الموجود القادر) وليس حسب ما يمكن أن يتحصل (تحصيل معرفة أو الخوف من فقدانها).
إن اللجوء إلى فكرة الكفاية يترجم استعمال المقاربة الأكثر وجودية الممركزة أساسا على الفرد. يتعلق الأمر هنا، وكما يظهر لنا، في هذا التخصص الذي ظل لمدة طويلة ممركزا حول العامل من حيث أنه ممثل جماعي. فمن الآن فصاعدا وتحت تأثير التطورات العلمية والمعرفية، سيهتم جزء كبير من علم الاجتماع كذلك بالمعارف والخبرات في ذاتها عوض الطريقة التي يكتسب بها الأفراد، سيستعملونها أو سيتفاوضون عليها.لقد أشار م. ستروبانتس إلى نقطة مشتركة بين جميع الأبحاث: بمجرد الإعلان أو الكشف تبدو الممارسات المعرفية للعمال فعلية وضرورية نسبيا غير معروفة. لا شيء يجمعها بالتمثلات الصورية التي كانت قد شيدتها التصنيفات المهنية والشواهد المدرسية. إن علم الاجتماع يركز على وجود معارف غير مهيكلة إلى جانب معارف صورية، وعلى معارف عملية إلى جانب مخزون محدد من المعارف، وأن وضع التعارض بين الشكلي وغير الشكلي ضمن حيز عملي يسمح بتأمل وجود هوامش مستقلة رغم الإكراهات القوية للشغل.
ماهي الكفايات؟ ص.ص 39 و40


نص2:

إن الكفاية ترتبط بعالم الشغل. هذا الأمر أصبح واضحا منذ الثمانينيات من القرن الماضي إلا أن السؤال هو: ما معنى الكفاية في تنظيم الشغل؟ استنادا إلى فليب زارفيان هناك ثلاث مقاربات للإجابة عن السؤال؟ الأولى تنظر إلى الكفاية كتصور جديد  للأجراء والأشخاص، وهو موقف يتلخص في المبادرة والمسؤولية. والمقاربة الثانية تنتمي لنظام المعرفة والمقصود هنا بالمعارف التي تعبأ في العمل، وذلك ما يجعل فليب زارفيان يقول بأن الكفاية هي الذكاء العملي الذي يعملونه الناس في وضعية العمل. ويتلخص هذا الذكاء في فهم الوضعية وما نقوم به فيها والفهم الموجه نحو الفعل. إنها أشياء لا تتناقض مع التعلم المدرسي والجامعي عامة إلا أن الكفاية هنا شيء أوسع من الدبلوم، أي يتم حشد التجربة برمتها وتحويلها.
وأما المقاربة الثالثة للكفاية فتتلخص في استبعاد اللجوء إلى المقاربة الفردية للكفاية، بمعنى أننا لا نكون أصحاب كفاية بمفردنا أي في عزلة عن الآخرين. للفرد دائما كفايات محدودة. وبما أن معظم الوضعيات تفرض اللجوء إلى مجموعة من الكفايات يعمل الفرد هنا على حشد كفايات زملائه حين يمكنه إجراء مكالمة هاتفية أو طلب معلومات أو مناداته على أشخاص ليساعدونه بطريقة ما. في حالة أخرى قد يوجد أفراد كثر في وضعية عمل وذلك ما يطلق عليه فليب زارفيان شبكة عمل.
والإشكال الثاني الذي تطرق إلية زارفيان هو الفرق بين الكفاية والتأهيل أو العلاقة بينهما. فالتأهيل مصادر يتوفر عليها الفرد، تلك المصادر المكتسبة التي توضع قيد التنفيذ أو التي يعرف الشخص كيف يضعها قيد التنفيذ، إلا أننا من منظور الكفاية نبحث عن الشخص الكافي أثناء التنفيذ وليس فقط حينما يكون يمتلك مصادر معروفة.
تركز النقابات على التأهيل وتولي تأهيل الفرد أهمية كبرى. إنها المصادر التي ينظمها ويجعلها جاهزة مهما كانت الطريقة التي يستعملها المستخدم في ذلك. ولكن ما يهم المشغلين هو النتيجة، أي الكفايات أو الاستعمال الملموس والمحسوس لما يتوفر عليه الفرد.
يرى زارفيان أن لفظ التأهيل ظهر في سنوات الخمسينيات ولفظ الكفاية في الثمانينيات، وهما معا حديثي العهد بالمقارنة مع لفظ الحرفة métier الذي يعود إلى القرون الوسطى، وقد جاء من التعاونيات التي لها تاريخ وماض. للحرفة في نظره إيجابيات كثيرة بالمقارنة مع التأهيل، فالحرفة تحيل على وسط اجتماعي وليس على فرد له مصادر. تتمثل أهمية الحرفة في كونها وسطا للتعلم والانتماء الاجتماعي. فداخل الحرفة نجد الحرفيين، الناس الذين لهم، تقريبا، نفس مجالات المعرفة المهنية التي يتقاسمونها فيما بينهم أو أن الاعتراف بالاختلاف أو التباين على مستوى تلك الحرفة بين وواضح. وهناك أيضا تحويل المعرفة أو نقلها بين الناس داخل نفس الحرفة. ثم هناك آثار التعليم حيث يعلم القدامى الجدد. ثم إن الحرفة مجال قادر على تشكيل صيرورات مهنية، فمن المهم ألا يكون الفرد كالذرة معزولا، فمن حيث أنه يمتلك حرفة فإنه يشعر بانتمائه، بوجوده في المجتمع، والمجتمع بدوره يعرف من هو. إنه يعلن عن وسطه.
إن أهمية الوسط بالنسبة للفرد داخلية وخارجية، حيث وجود الوعي المهني بالحرفة. إن محاولات قتل الحرفة عديدة منها محاولات التايلورية والبيروقراطية ومفهوم منصب الشغل والتأهيل.
فالحرفة لها قواعد ومعارف وعادات واستعمالات وميكانيزمات دفاعية إلخ... وهكذا فإن الحرفة تكاد تعيد إنتاج ذاتها، وتنقل فيها القواعد المنجزة بين القدماء إلى الجدد، وتروم الانغلاق.
تخلخل الكفاية الاستقرار الذي تعرفه الحرفة لأن الكفاية وضعيات، وهناك زبناء مختلفون لكل واحد له مشاكل تختلف في الاستعمال عن الآخر. فالزبون يحمل مشكله، تحت أنظار العموم أو المستعملين، ثم إن الزبون له قدرات نقدية متنامية بالإضافة إلى تطور التقنيات والمطالب، وهي وضعيات جديدة تعجز المهنة عن الاستجابة لها.
إذا ما بقينا في نظر زارفيان مكتفين بالتأهيل سنكون بدون مخرج لأن المقاربة التقليدية للوظيفة ( الشغل، منصب الشغل) مقاربة فردانية، وهي مقاربة لا تقدم مساحة مهنية حقيقية ولا انتماء حقيقيا، أي الصيرورة النشيطة للأجير. وعلى العكس إذا ما أدخلنا علاقة نشيطة بين الحرفة واتخاذ المبادرة، بين المعارف المهنية الأساس والكفايات ستؤول الأمور إلى رؤية أكثر دينامية.
وجوابا عن ظهور مفهوم الكفاية زمنيا وفي المقاولة يقول فليب زارفيان بأن لفظ الكفاية يعود أصله إلى نهاية سنوات الستينيات وبداية السبعينيات وإن كان لم يستعمل في تلك الفترة، وحينما بدأ الحديث عن أزمة التايلورية، والدليل على ذلك الاضرابات المتتالية للعمال التي جعلت من التايلورية شيئا مرفوضا ودخولها في أزمة من منظور النجاعة، حيث رفضها الأشخاص الذين يعملون في العمل المتسلسل. وفي نفس الآن كان رفض النزعة البيروقراطية، حيث الناس مجرد بيادق منفذين خالصين، وهو أمر أصبح مرفوضا في المجتمع المعاصر.
لا يعود الأصل هنا للمقاولة وإنما لتطور المجتمع بالطريقة التي يدرك بها الناس بعضهم البعض في المجتمع وتفكيرهم في علاقتهم بالعمل. وأول صياغة لكل هذا كان هو الاستقلالية autonomie التي أفضت إلى تأزيم سلسلة من الأسباب في المقاولة، وحيث أصبح التفكير، فيما بعد، في إنشاء مقاولة ما مصحوبا بالتفكير في المراقبة: إنها المنتظرات، وليس الفرد هو من سيحدد النتيجة، منتظرات بالنسبة للشغل والمقاولة والإدارة والمؤسسة مهما كان نوعها. ويمكن أن تكون وزارة التربية الوطنية والرأي العام في انتظار أن يعمل التعليم على الرفع من جودة التلاميذ. هكذا أصبحت المنتظرات تصاغ كأهداف أو كمهام تؤطر العمل، أي أصبح هناك فضاء مستقل والاستقلالية مؤطرة بالأهداف، وكل مكان له طريقته في صياغتها. من أهم المعايير التي أصبح متفقا عليها ما بين 1969 و1974 نجد الاستقلالية. فالشخص المستقل يرتب في مستوى عال وهو معترف به وراتبه أعلى من الآخرين، وبذلك أصبح النموذج هو الأجراء المستقلين والمسؤولين.
إذن حصلت قطيعة مع التايلورية رغم أن الكلام عن الكفايات لم يبدأ بعد لطغيان التأهيل ومنصب الشغل.
والمنعطف الثاني الذي ظهرت فيه كلمة "الكفاية" كان في بداية الثمانينيات، وخاصة في منتصف الثمانينيات، حيث ظهرت الكلمة في المقاولة وخاصة المقاولات الصناعية التي كانت تتوخى الخروج من الأزمة عن طريق الجودة وتنوع المنتوج، وحيث السوق تعرف تعددا وتنوعا وتعقدا ومواصفات، ومنصب الشغل أصبح متجاوزا وأصبح هذا المستهلك أو ذاك هو من يوحي بما ينتج، وبذلك أصبح البحث عن أصحاب الكفايات خارج منصب الشغل بالنظر لمطلب النجاعة لأن "الوسيلة المثلى لجعل الناس ناجحين في المقاولة هو أن يتحملوا نتائج المقاولة" عوض القول بأن " لهم مهام عليهم إنجازها وهم في منصب ما، ثم هناك من يتكلف بتقييم النتائج المحصل عليها"؛ ومعنى ذلك أن الجودة مسؤولية العمال وإذا تساءلوا لماذا الجودة وما هو أصلها وما هي الرهانات؟ تترآى الرهانات متعددة، رهانات المؤسسة أو التنظيم، ورهانات المستهلكين والاستعمال والزبون إلخ... إنها رؤية توسع من فضاء الكفاية ومسؤولية الأجير.
الكفاية عند فليب زارفيان، عن لقاء مصور أجراه زارفيان في 1999 لفائدة مديرية الموارد البشرية (DRH) التابعة ل (ANPE) بتصرف.








خلاصات:

أولا: الكفاية كتصور جديد  للأجراء والأشخاص، وهو موقف يتلخص في المبادرة والمسؤولية.
ثانيا: الكفاية تنتمي لنظام المعرفة والمقصود هنا بالمعارف التي تعبأ في العمل.
ثالثا: الكفاية هي الذكاء العملي الذي يعملونه الناس في وضعية العمل. ويتلخص هذا الذكاء في فهم الوضعية وما نقوم به فيها والفهم الموجه نحو الفعل: الانجاز.
رابعا: للفرد كفايات محدودة.
خامسا: كل وضعية في العمل تفرض تعبئة مجموعة من الكفايات بما فيها كفايات زملاء العمل: كفايات جماعية وعلائقية تتحدد في وضعية: إنجاز جماعي أو إنجاز فردي.
سادسا: الكفاية وضعيات: لا تظهر الكفاية إلا في وضعيات الانجاز.
سابعا: يهتم علم اجتماع الشغل بالكفاية المهنية.
ثامنا: التمركز على الفرد لا العامل.


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage