3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

المدرس المغربي بين اللامبالاة والتضحية

الخط









                                                                                              بقلم: عزيز العرباوي
كاتب وباحث 

هل يمكن أن نحصل على نموذج لرجل التعليم في ظل كل المشاكل التي تعانيها المنظومة التعليمية ببلادنا؟ وهل يمكن الحديث عن مدرس كفء قادر على الإبداع والتطور في عملية التدريس في ظل واقع معيشي ضعيف يغرقه في الديون وعدم القدرة على تلبية متطلبات أسرته؟ وهل يحق للدولة أن تمارس على المدرس المغربي القمع السياسي والاقتصادي والفكري ثم تطالبه في نفس الوقت بمضاعفة الجهود لإنجاح مشاريعها الإصلاحية الغريبة؟ .
إن المدرس المغربي اليوم لا يستطيع أن يمارس حياته بكرامة، فكيف له أن يحقق أهداف الإصلاح؟ ولذلك فكل المطالب التي ترفع إلى الدولة والجهات المكلفة بقطاع التعليم من أجل إنصاف المدرس وتبويئه المكانة اللائقة به هي مطالب مشروعة ومقبولة ومتقدمة، لأنها بكل بساطة تنطلق من الواقع المعيش ومن العديد من التجارب في دول أخرى تضع المدرس والمدرسة في مكان لائق بهما، بل تعاقب كل من يسيء إليهما أشد العقاب، بينما عندنا في المغرب، فالمدرس يهان ولا أحد يتدخل والمدرسة تخرب وتنتهك حرمتها ولا من يحرك ساكنا، والمتعلمون يغتصبون ويتعرضون للتنكيل على أيدي المجرمين ولا من يسارع إلى نجدتهم .
إن إنقاذ المنظومة التربوية من تخلفها وفشلها وسقوط منظومة الإصلاحات في مستنقع اللامبالاة يمر عبر تكريم المدرس المغربي والالتفات إلى مشاكله جميعها وحلها وعدم وضع العراقيل أمامه للمساهمة في النهوض بالتعليم ومنحه الحرية في العمل والإبداع داخل الفصل الدراسي مع متعلميه. وأي سبيل غير هذا لن يفيد في شيء، ولن يصل قطار الإصلاح إلى محطته الأخيرة طالما رجل التعليم يعاني ويحارب على كل الجبهات من أجل تحقيق مطالبه المشروعة. ويمكن التمثيل في هذه الحالة بفئة مدرسين لم يحصلوا على أي ترقية منذ أكثر من عشر سنوات، وعندما ينتفضون للمطالبة بحقوقهم يجابهون بالقمع والعنف الوحشي ولامبالاة وزارتهم. أليس هذا من قبيل التكريس لثقافة القمع والتفقير والعنف ...؟ .
إذا كان المدرس يعاني القمع والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية في ظل منظومة تعليمية فاشلة، فكيف يتحدث المسئولون على قطاع التربية والتعليم عن الإصلاح؟ لقد تكاثرت الانتقادات الموجهة للمدرسة اليوم، وأصبح كل شيء واضح وجلي للرأي العام الذي صار مقتنعا أن مشكل التعليم ببلادنا لا يمكن حله إلا بوضع اليد على الجرح والتحلي بالجرأة والإرادة السياسية لإنقاذه من الضياع والتخلف. وهذا لا يعني أن كل الإصلاحات الترقيعية لم تجْدِ ولن تجدي نفعا، مادام المدرس يعيش صعوبات ويعاني ويحارب طواحين الهواء لوحده داخل منظومة تعليمية جل الفاعلين فيها قد استقالوا من مسؤولياتهم وصاروا مجرد ديكورات وببغاوات تكرر مفاهيم ومصطلحات ليس لها أي علاقة بالإصلاح الحقيقي الذي يتوجب تبنيه .
وفي خضم كل المشاكل المذكورة والتي نجد أن أغلبها من نصيب المدرس، لا يمكننا اليوم الحديث عن الجودة، ومدرسة النجاح، وبيداغوجيا الإدماج، وأهداف المخطط الاستعجالي،... لأنه بكل بساطة لا يوجد أي تبنٍ حقيقي لثقافة الإصلاح ومعالجة كل المشاكل التي تعترض هذا الإصلاح اليوم .
عندما يدرك المسئولون عن القطاع درجة المعاناة التي يعانيها المدرس المغربي، وعندما يشعرون أنهم يتجاهلون أمورا ذات أهمية قصوى ترفع من معنويات المدرس للعمل والإبداع والخلق داخل الفصل الدراسي، عندها سيدركون أن سكة الإصلاح سوف تكون سالكة وتقود إلى النتائج المرجوة. وبالتالي تختفي كل أنواع المعاناة عن المدرس وكل أنواع العراقيل التي يجدها هذا الأخير أمامه أثناء مزاولة مهمته الجليلة. أما أن يتم غض الطرف عن مطالب المدرس وعدم الاستماع إلى مطالبه المشروعة وممارسة كل أنواع العنف عليه لن يقود إلا إلى الأسوأ، وبالتالي التأثير على التحصيل الدراسي لناشئتنا وضرب حقهم في التعلم وطلب المعرفة بعرض الحائط .
إن وضعية المدرس المغربي اليوم تزيد استفحالا يوما عن يوم، ترافقها ممارسات خطيرة ضده سواء كانت مادية أو رمزية. فما يعانيه هذا المدرس من الناحية المادية يجعله يعيش كل أنواع المعاناة والمشاكل، وما يقاسيه من الناحية المعنوية من خلال الحركة الانتقالية مثلا أو ممارسات الإدارة التربوية أو المحيط الاجتماعي يضعف قدرته على الإنتاج والإبداع داخل فصله الدراسي. وهذا لعمري ما يؤدي بنا إلى خلق حياة مدرسية غير سليمة .
إن المدرس الذي يقضي سنوات طويلة في مكان واحد، لا يستفيد معه بحركة انتقالية تنقذه من الروتين والاستقرار بمكان قار لمدة تزيد عن عشر سنوات، لا يمكنه إلا أن ينتفض ويخرج عن صمته ويستعمل كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لإنصافه. وإن المدرس الذي لا يستفيد من الحركة الانتقالية وهو الذي قضى سنوات كثيرة بنفس المكان بينما يرى بعينيه أن مدرسين آخرين ومدرسات أخريات استفادوا من هذه الحركة وذلك بطرق غير مشروعة يحق له أن ينتفض ضد هذا السلوك خاصة عندما يرى تورط بعض النقابات في ذلك. إن مثل هذه السلوكات تؤثر سلبا على العملية التعليمية وتزيد الطين بلة .
تتكاثر هذه السلوكات في العديد من النيابات التعليمية بالمغرب، وتتباين من نيابة إلى أخرى، ومن جهة إلى أخرى.لكن أين هي النقابات؟ وما موقعها في ظل هذه الأوضاع التي يعاني منها المدرس؟ ومتى تبادر بعض هذه النقابات إلى تنقية مكاتبها من الانتهازيين والمنافقين والمساهمين في إهدار الحقوق واختلاس ميزانيات الأكاديميات؟ إن أي نقابة لم تسارع إلى محاربة الفساد داخل مكاتبها المحلية والجهوية والوطنية لن تستمر في المستقبل، بل لن تلاقي إلا الخذلان والإدانة من طرف الشغيلة التعليمية. إن أي نقابة لا تعمل على الدفاع عن الشغيلة وتكريم المدرس اليوم والرفع من معنوياته لا يمكنها أن تواصل التواجد بذلك الزخم وبتلك القوة التي كانت لها من قبل. فقوتها مستمدة من المنخرطين فيها وليس من الإدارة، وبذلك ندعو النقابات اليوم إلى الانخراط في مشروع الدفاع عن المدرس وعن حقوقه المشروعة بكل قوة وإرادة قبل فوات الأوان .

الترقية والتكوين المستمر :

ولا نجد في التنظيمات الإدارية الخاصة بمعايير واضحة للترقي المهني في حالة انخراط الأستاذ في التكوين المستمر ومتابعته له. وبذلك فإن إحداث أي خطة تكوينية يصادفه ضعف القابليات، بحكم أن هذا التكوين لن تكون له آثارا مباشرة على مستوى الترقي المهني للمدرسين .
فبالنظر إلى هذه المسألة باعتبارها مجالا واسعا للحديث عن غياب واضح للتفكير في إدماج المدرس الذي ينخرط في التكوين المستمر في مجال الترقية وتبويئه المكانة اللائقة به، وأنه يشكل نموذجا للمدرس التفاعلي القادر على مسايرة الجديد في عالم التربية والتعليم، وعلى المساهمة في تطوير العملية التعليمية التعلمية من خلال استثمار موارده المعرفية والمنهجية والبيداغوجية داخل فصله الدراسي وفي علاقته مع زملائه المدرسين الآخرين الذين لم يستفيدوا من التكوين المستمر .
إن المدرس المكوَن (بفتح الواو) يتميز بإرادة العمل المتميز داخل فصله من خلال تحديد التعلمات الواضحة والهادفة، وإنجازها بطرق بيداغوجية ناجحة تحقق الأهداف المسطرة، كما أنه يكون قادرا على إنجاز تخطيط سنوي لهذه التعلمات من خلال تحديد المعارف والمهارات المتحكمة في المواد المقررة، وفق تحديد زمني يرتبط بالزمن المدرسي العام، كما أنه يستطيع إعداد وتقييم الأنشطة التعلمية المختلفة من خلال تحديد الموارد البيداغوجية لكل نشاط تعليمي محدد .
فالمدرس الذي يحصل على تكوين متقدم في كل المعارف والطرائق البيداغوجية الحديثة يكتسب من خلاله القدرة على إبداع وإعادة إنتاج النظام التربوي المتطور الذي يدعو إلى تشجيع الإبداع والخلق والتفوق. فالمدرس معنيٌ بما يحصل داخل النظام التربوي من تعقيدات وإشكالات يحاول من خلال إرادته الإصلاحية أن يكون إيجابيا بالدرجة الأولى. فوعيه بذلك يخدم النظام التربوي بالضرورة، بل إنه يضع تصورا من أشكال الإصلاح التربوي ويسرع بذلك إعادة إنتاج تصورات أخرى لهذا الإصلاح .
إن المدرس الجديد يحرص على إنجاز كل المصوغات والبيداغوجيات الحديثة في المدرسة المغربية. فهو القادر على معالجة كل الوضعيات التعليمية المتحكمة في كل الكفايات الأساسية داخل المقررات الدراسية، هدفا في تنمية كفايات معينة لدى متعلميه، وتنظيم سيرورة عمله التدريسي وتسيير فصله الدراسي .
إن تمكين المدرس من العدة الإجرائية والأدواتية المعتمدة في بناء الكفايات عند التلاميذ وتقييمها وبنائها وتحسين الممارسات التعليمية، ومن معرفة كل الموارد التربوية والبيداغوجية، وكل الطرائق التربوية الحديثة، ومن تحديد الوسائل البيداغوجية المساعدة في بناء التعلمات لدى التلاميذ يساعده على إنجاز الأنشطة التربوية والوضعيات التعلمية المناسبة لتطوير كفايات المتعلمين الأساسية. كل هذا يهدف إلى تحسين الممارسة التربوية داخل المدرسة المغربية وعلى تطوير العملية التعليمية التعلمية .
إن قدرة المدرس على تخطيط التعلمات داخل فصله الدراسي وفق منظور بيداغوجيا الإدماج يهدف إلى مساعدة المتعلمين على امتلاك الكفايات الأساسية التي تجعلهم قادرين على إنجاز أنشطتهم التعلمية والمعيشية بطريقة ناجحة ومثمرة، وعلى توظيف وتعبئة الموارد في تنمية كفاياتهم الأساسية .
فاستحضار المكانة اللائقة والأهمية التي أولاها الميثاق الوطني للتربية والتكوين لقضية التكوين المستمر يسهم في إعطاء نفس جديد للإصلاح وفي إنجاحه من خلال تخطيط استراتيجي وتدبير نتائج هذا التكوين بغاية الرفع من جودة التعليم. واعتماد التكوين المستمر في المنظومة التربوية، ضرورة لابد منها، وشرط أساسي لإعطاء الإصلاح التربوي نفسا جديدا ولتوفير مناخ ملائم لتعليم متقدم يدفع نحو بناء مشروع مجتمعي يوفر التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمجتمع .
من خلال كل ما سبق، نجد أن للمدرس دور عظيم لحل الأزمة التعليمية وتجاوزها، لما له من دور في تدبير التعلم. فكل التحديات التي تواجهها المنظومة التربوية المغربية تطرح على المدرس بالخصوص التضحية من أجل المساهمة بفعالية لخلق دينامية جديدة في المدرسة المغربية ومواجهة كل المشاكل، شريطة الاهتمام به ورفع الحيف عنه والدفع نحو معالجة كل الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تخص فئة المدرسين بصفة عامة .
تبقى أهمية تفعيل دور المدرس ومنحه حرية العمل داخل فصله الدراسي، هي الرصيد الذي على القائمين على قطاع التعليم في المغرب التفكير فيه بجدية، والدفع نحو فتح الأبواب للمدرس لتحقيق حقوقه ومكاسبه في الترقية والمناصب الإدارية والمسؤولية التربوية، لابد لها أن تقود إلى تحقيق كل أهداف المنظومة التعليمية ببلادنا .....


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage