3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

في نقد الخبراء

الخط


الحسن اللحية
في نقد الخبراء
صحيح أن مفهوم المهنية في التعليم يثير كثيرا من الغموض وكثيرا من الالتباس من لغة إلى لغة[1] ويمس التصورات القبلية كالتمثلات. ففيما يخصنا نحن لم نحدث قطيعة فعلية مع شيخ الزاوية؛ شيخ يمتلك المعرفة والحقيقة وربما البركة- ولهذا اقترن المدرس في المغرب بالفقيه، بحيث يجب تقبيل يده لعلمه وبركته احتراما- ومريد يتلقى ويتحلق حوله ولا حق له إلا بالسؤال إن سمح له الشيخ بذلك. فهذا النمط ما يزال يسكن مؤسساتنا التعليمية والتربوية والتنشئوية، وفي أبعاد أخرى يسكن السياسة والاقتصاد...إلخ، وهو النمط المعبر عنه بيداغوجيا بالنقل[2]: ثقافة الفم والأذن[3](ثقافة تناقل الأخبار والقصص والحديث بالعنعنة دون تدوين: قال لي شيخي وحدثني زعيمي وأستاذي...). هناك من يحدث بلا نهاية حسب هواه، وهناك من يسمع بلانهاية حسب هوى المحدث. حديث المحدث هو أصدق الحديث، وحديث المستمع هو نسخة مشوهة عن الحديث الصادق؛ لذلك يجتهد المريد- المستمع-المتلقي-التلميذ-الطالب-الإبن-المشايع-التابع...إلخ، في حفظ الحديث الصادق- حديث الأولين ، حديث الشيخ، حديث الأستاذ ليرده بكل أمانة (كلحظة الامتحان القائمة على رد القول، رد البضاعة) أو يتلوه بخشوع أمام الغير من غير زيادة أو نقصان ادعاء ليبرز صفاء ذاكرته وصدق تبعيته وامتثاليته المطلقة للشيخ أو الزعيم أو الأستاذ...
لثقافة النقل(بيداغوجيا النقل والشحن والملء...) وجه آخر- لم نحدث قطيعة معه كذلك- يجد تعبيراته فيما قاله الشاعر المصري: قم للمعلم...كاد المعلم أن يكون رسولا. ماذا نفهم اليوم ونحن نتحدث عن المهنية من هذا القول؟ علينا أن ندرك بأن مهنية المدرس تكلف اليوم ثمنا باهظا وتتطلب انتقاء دقيقا لولوج المهنة وتقويمات وتكوينات كثيرة؛ ولذلك لا مجال للحديث عن مهنة التدريس بمعجم أخلاقي-لاهوتي كقولهم أن مهنة التدريس هي مهنة الخييرين وفعل الخير...إلخ.
لا ينتظر من المدرسين اليوم فعل الخير أو الإحسان لقيامهم بتعليم غيرهم أو بلغة أدق لقيامهم بدورهم  وواجبهم القائم على تعاقدات مؤسساتية: واجبات وحقوق. لا يجب أن ينظر إلى مهنتهم من هذا المنظور الأخلاقي-اللاهوتي لأن التعليم أضحى مؤسساتيا وارتبط بدولة المؤسسات وبرهاناتها الثقافية والسياسية والاقتصادية والتنموية... فكل تحول يصيب الاقتصاد مثلا يرمي بظلاله على التعليم، وبالتالي على ممارسة مهنة التعليم. فإذا كان الحديث يدور في الاقتصاد اليوم حول المردودية والنجاعة فإن المدرسة دخلت هذا العهد؛ وبالتالي ولج المدرسون عهد الفعالية البيداغوجية. ومن هذا المنظور وجب الانطلاق من تقييم الفعالية البيداغوجية للمدرس وليس من معجم أخلاقي-لاهوتي، أو الانطلاق من تصورات أخرى تستحضر الكلفة وهدر المال العام وانعدام الأهلية (كفايات المهنة) المهنية...إلخ. 
  البعد المهني: نعتبر هذا البعد هو مدار هذا الكتاب. فكم طرحنا في محاضراتنا ولقاءاتنا ومؤلفاتنا السؤال التالي: لماذا لا نقتنع بأن التعليم مهنة كباقي المهن؟ وتتناسل الأسئلة: لماذا نقبل بمهنية المحامي والطبيب ... ولا نقبل بمهنية المدرس؟ كيف نفاضل بين خياط تقليدي وآخر اجتماعيا(الكفاية الاجتماعية ، الاعتراف الاجتماعي) ولا نفاضل بين المدرسين لنقول كما نقول عن الأول بأنه أكثر مهنية(صنعة) من الثاني؟ وإذا كنا نحن معشر المدرسين لا نتقبل ذلك (أي أن نكون مهنيين في عملنا) فما الذي يميزنا عن الحداد والنجار والطبيب والمهندس...؟ بل وأكثر من هذا الأمر لماذا تطرد بعض النقابات أحد أعضائها بدعوى إخلاله بالمهنة؟ و هل التفكير في المهنية والهوية المهنية يزعزع المفهوم الكلاسيكي للطبقة...؟
إن كتابنا هذا يهم الطلبة والأساتذة والطالبات الأستاذات كما يتوجه للمدرسين والمدرسات، وللمكونين والمكونات، فضلا عن المفتشين والمفتشات ليساهم في تنمية مهنيتهم بالدرجة الأولى، وهو لا يدعي الإحاطة الشاملة ولا يريد أن يكون سوى علامة على قارعة الطريق تدل وتحيل وتشير ليتمم المارة وجهتهم - حسب سرعتهم وحسب نوع وسيلة النقل التي يركبونها- بأنفسهم؛ وبمعنى آخر فإن هذا الدليل لا يعوض أي عمل آخر، ولا يدعي ذلك، بل لا يدعي الإطلاقية لأنه ككتاب الطبيعة المفتوح القابل للقراءات والتأويلات والتجاوز والخطأ في التفسير والتحليل...؛ غير أنه يحتفظ لصاحبه بالحق في المساهمة والمحاورة والنقد لأننا نعيش اليوم على مستوى التعليم – هنا في المغرب وفي العالم[4]- ما يستوجب التوضيح:
من اللافت للانتباه أن كثيرا من الدول تلجأ في إصلاحها لأنظمتها التربوية أو في مجال تربوي معين لخبراء أجانب.
وجب أن نميز هنا بين مستويات الخبرة؛ بحيث نجد الخبرة لدى مؤسسات كبرى كالبنك الدولي أو اليونسكو أوالإيسيسكو والأوسيدي مثلا، وخبرة المنظمات المدنية، والخبرة النابعة عن المعرفة العلمية والأكاديمية، وخبرة مكاتب الدراسات...إلخ.
إن ما نحن في حاجة إليه كبلد يستقطب الخبراء الدوليين- إن على سبيل الموضة أو على سبيل الاحتقار للكفايات الوطنية أو تنفيذا لتوجهات وتوجيهات- هو أن يكون الخبير المستقطب راكم موارد نادرة غنية و كثيرة كالمعارف والتجربة والكفايات وأخلاق المهنة ورأسمال من العلاقات ضمن شبكة علمية وسياسية-إدارية[5]. فهل كل خبير نستقطبه تتوفر فيه هذه الصفات؟
يقول بيرنو بأن الخبير المؤهل والمجرب يفهم الوضعية المعقدة بسرعة كبيرة فيعمل على إعادة تشكيل جزء من تاريخها ووضع اليد على الرهانات وعلاقات القوى ومناطق الظل- وهو ما يخشاه أو يتمناه محاوره أو من وظفه- وتعرية ما نريد إخفاءه أو ما لا نريد قوله له وللناس؛ أي أنه يضع الميكانيزمات المحافظة الحقيقية أمام الأنظار. فإذا ما فكك شفرة الانتظارات المتناقضة سيكون قد نجح في مهمته؛ أي أنه عزز وقوى الذكاء الجماعي وتجاوز موضة التركيب وإعادة الصياغة ...ليجعل النظام التربوي أو بالأحرى المدرسة مدرسة معلمة[6].
إن خبيرا مثل هذا الخبير ليس له الحق في الخطأ لأنه يوجد في وضعية الطبيب الجراح القادر على التشخيص الصحيح أولا قبل أن يتخذ أي خطوة في العلاج كيفما كانت هذه الخطوة.
يختلف هذا الخبير عن كل خبير يمتلك وصفة سحرية صالحة لكل بلد بلد وفي كل الظروف. فمثل هذا الخبير ينقلب من طبيب إلى دجال، من عالم راكم المعرفة والتجربة الأكاديميتين إلى ساحر.
 ليست للخبير الشرعي أهداف خاصة به لأنه يشتغل بأهداف من انتدبه ولهذا تأخذ الخبرة معنى المساعدة الخالصة. لكن علينا أن نحتاط من هذا الحياد لأن للخبير كباقي الناس قيم وإيديولوجيا ورهانات...إلخ. ولأنه كذلك يسعى ليقدم لمنتدبه أهدافا واضحة متناسقة: يطالب بتعاريف، بمعايير، بعتبات قابلة للقياس، بمعلومات، بملفات...إلخ، ولا يكشف عن أهدافه الخاصة. كما لا يمكنه أن يقوم بعمله إلا بالإحالة على أهداف من انتدبه.
ما يميز الخبير هو اتصافه بقلة الصبر؛ فهو يسارع للمشاركة بنشاط في العمل، وفي التحرير، والمراقبة: يسأل و يصوغ ويعمل على المصادقة على صياغة الأهداف. إن وقت الخبير يقاس بخطوات النمل، لكل شيء ثمن، ولكل شيء مخطط صنع هناك في مختبره.
إن ما يغفله الخبير- لأنه لا يتمتع بثقافة سوسيولوجية وسوسيو-ثقافية وأنتربولوجية وتاريخية- أن أهداف نظام معين كالتنظيم المقاولاتي أو التنظيم المدرسي هي بناءات اجتماعية.
يجب أن يعلم الخبير أن الهدف وسيلة يتبناها الفاعلون للدفاع عن قيمهم ومصالحهم. وفي وسط هذا الرهان يتحول الخبير بدوره إلى أداة. والحال لا وجود لخبير- إلا إذا كان كلبيا(سينيكيا)- يمكنه الاعتراف بسهولة بمشاركته في لعبة حيث الأوراق مكشوفة كلها فوق الطاولة، ولأنه ليس مغفلا فإنه يلعب ما يسميه بيرنو كوميديا عقلانية التنظيم.
على الخبير أن يسأل نفسه ونحن علينا أن نطرح عليه السؤال التالي كذلك: إلى أي جانب تنحازون يا معشر الخبراء؟
يبدو الجواب سهلا سياسيا بردهم علينا قائلين: "لا ننحاز لأي جانب، نحن علماء ننحاز للحقيقة والموضوعية والصرامة العلمية". لكن:
                             من يقرر في خبرة ما؟ من يدون الانتداب؟
                             من يختار الخبراء؟ ومن يقدم إليهم المعلومات؟
                             من يؤدي لهم واجبهم المادي؟ ومن يتكفل بمصاريفهم؟
                             من يراقبهم وهم في الميدان؟ ومن يشرف على الخبراء في النظام؟
                             من يتلقى التقارير؟ ومن ينشرها؟...إلخ.
سيكون الجواب هو نفسه إنه المسؤول عن كذا وكذا هو من يقوم بذلك؛ غير أن بعضهم سيجيب بكل بساطة بأنه يعمل لدى منتدبه.
سيكون من الصعب أن يكون الخبير منصفا في خدمته لجميع الفاعلين في التنظيم، وخاصة إذا كان قريبا من رأس الهرم، لأنه سينجر مع استراتيجية المسيرين أو المسؤولين.
لا يمكن لأي خبير أن ينخرط في العمل انخراطا كليا حتى ولو كان في وضعية خارجية إذا لم ينخرط في التوجهات الإيديولوجية للإصلاح لأن الخبرة- كما يقول أستولفي- محدودة بالبعد التقني والإجرائي. لا وجود لخبير يقول لنا ما إذا كان من المستحب حذف دينامية الجماعات مثلا أو من المستحب التدريس بنمط ديمقراطي أو سلطوي أو تدريس قيم معينة لأنه ببساطة لا وجود للخبرة في مجال القيم والمقاييس الاجتماعية التي يطلبها نظام تربوي معين أو يطالب بها مجتمع معين .
هناك من الخبراء في التربية والتعليم من يرفض الكفايات العرضانية بدعوى أنها غير قابلة للقياس ولأنها ليست تعلمات دقيقة أو أساسية. والحال أن كثيرا من الأقطاب الملتزمين بقضايا التربية عالميا يبينون أهمية الكفايات العرضانية وقالبليتها للتقويم التربوي[7]... وأهميتها في عالم دائم التحول، وبلغة أخرى تبدو أهميتها في انفتاح المدرسة على المحيط. غير أن ما يهم الخبير هو كل ما يقبل القياس: إنه البعد التقنوي الخالص المتمثل في لغة الحساب والإحصاء، وبلغة أخرى إنه يتحدث عن أدوات جيدة للقياس وشبكات للملاحظة والتمييز أو الترقيم ... كصاحب معمل.
لكي يستمر الخبير كصديق منتقد عليه أن يكون مسموعا، أي محترما ومقدرا وليس صاحب مصداقية علمية فقط. إنه الاضطلاع بمهمة الاستماع لما لا نرغب في سماعه؛ ولهذا ينبغي أن تكون مهمة الخبير واضحة وشفافة بالنسبة للأطر والمكونين والباحثين والمدرسين والآباء وربما التلاميذ كذلك: إنه الإشراف المتفاوض عليه.
إن التفاوض حول إصلاح ما، كما يقول فليب بيرنو، أو أي مشروع آخر للتجديد عليه أن يرافق السيرورة كلها، حيث القرارات تمس التعديلات لا المشروع الأولي أو الأساسي، وهو في حالة المغرب الميثاق والوطني للتربية والتكوين والكتاب الأبيض. كما لا ينبغي النظر إلى التعديل الذي يقوم به الخبير على أنه مسألة تقنية خالصة؛ إذ أن كل تدخل يعتبر تقنيا قد يمس التوافقات السياسية (التعاقد حول الميثاق الوطني للتربية والتكوين).
لنترك الحديث عن الخبراء أصحاب المأكولات الجاهزة والبناءات المفككة والوصفات السحرية والعقاقير المسمومة. ولنتساءل هل يمكن تكوين مدرس لتدريس معرفة مدرسية بالحصر قد يسميها البعض أساسية كحال الخبراء الرافضين للكفايات العرضانية ؟ هل يمكن تكوين مدرس محايد لمدرسة محايدة، حيث سيدرس معرفة أو تعلمات مدرسية محايدة قابلة للتقويم العلمي المحايد: وهم الموضوعية... كما يدعي هؤلاء الخبراء[8]؟ ... وقائمة الأسئلة في هذا الباب لا تنتهي لأنه ببساطة يجهل الخبراء إبستمولوجيا العلوم وفلسفات العلوم "الحقة" والإنسانية.  وههنا مكمن جهلهم.
لا يمكن أن نكون مدرسين دون القيام باختيارات إيديولوجية[9] حتى ولو ادعينا النزعة العلموية والموضوعية المطلقة: هناك دائما إديولوجيا، إيديولوجيا تلقائية كالفلسفة التلقائية للعلماء. فحسب المجتمع والكائن الإنساني الذي ندافع عنه لا يمكننا ادعاء نفس غايات المدرسة بالنسبة للجميع؛ ولهذا لا يمكننا أن نحدد بنفس الشكل دور المدرسين والمعرفة المدرسية، وبالتالي هل ننمي كفايات عرضانية تتطلبها الحياة الاجتماعية بكثافتها أم نقتصر في التعلم على التصورات التي تحصر التعلم فيما يقدمه المدرس من معارف مدرسية محددة سلفا.
بإمكاننا تكوين كيميائيين ومحاسبين وإعلاميين حسب ما ترغب فيه المقاولات، وبإمكاننا القول بكلبية بأن الكيميائي الجيد هو الكيميائي الجيد، هو من يستطيع صناعة الأدوية أو المخدرات. والمحاسب الجيد هو من يبيض الأموال المتسخة أو ينمي موارد التنظيم الإنساني، والإعلامي الجيد هو من يخدم المافيا أو العدالة بنجاعة. ونفس الشيء فيما يخص المدرسين: هل نرغب في مدرسة تنمي الاستقلالية أو الامتثالية، الانفتاح على العالم أو النزعة القومية، التسامح أو الحقد على ثقافة الآخرين، لذة الأخطار الفكرية أو البحث عن اليقينيات، روح البحث أو الدوغمائية، معنى التعاون أو معنى التنافس، التضامن أو الفردانية...؟، وبالتالي هل يتعلق الأمر بمدرسين نخبويين أم بمدرسين طيعين...؟
ترتبط جودة التكوين بجودة تصوره؛ ولذلك ورغم شيوع الحديث اليوم عن المهنية في العالم فإن جميع الدول ليست مستعدة لتكوين مدرسين متأملين ونقديين، مثقفين وصناعا، مهنيين وإنسانيين.
إن ما يحدث في الميدان يعود للصراع السياسي والوسائل الاقتصادية المتوفرة. وحتى ولو كنا في الطريق نحو مجتمع كوني مهيمن عليه من قبل بعض القوى ستظل غايات التربية مسألة وطنية. بإمكان الأفكار أن تنتقل عبر الحدود لكن يجب أن تتحدد غايات التربية هنا في فضاءاتنا العمومية رغم ما تطرحه مشكلة ديمقراطية المشاركة من مشاكل حتى لا تظل التربية تعيد إنتاج التفاوتات وامتثالية الجماهير أمام الفكر المهيمن.
لا بد أن نعي بأننا نوجد أمام تناقضات تهيكل مستقبلنا من قبيل ما يلي:
                            المواطنة الكونية والهوية المحلية؛
                            العولمة الاقتصادية و الانغلاق السياسي؛
                            الحرية واللامساواة؛
                            التكنولوجيا والنزعة الإنسانية؛
                            العقلانية و التعصب؛
                            النزعة الفردانية وثقافة الحشود؛
                            الديمقراطية و التوتاليتارية.
إن هذه التناقضات تفرض تصورا جديدا لتكوين المدرسين حتى ننمي مواطنة متكيفة مع العالم المعاصر. ومن أجل ذلك يقترح علينا فليب بيرنو مدرسا ذي الوظائف التالية :
                       شخص ذو مصداقية؛
                       وسيط بينثقافي ؛
                       منشط لمجموعة تربوية؛
                       ضامن للقانون؛
                       منظم حياة ديمقراطية؛
                       معد ثقافي؛
                       مثقف.
ومن جهة المعارف والكفايات التي يجب أن يتوفر عليها يقترح علينا فليب بيرنو الكفايات التالية:
                       منظم لبيداغوجية بنائية؛
                       ضامن لمعنى المعارف؛
                       مبدع لوضعية تعلمية؛
                       مدبر للتنوع؛
                       معدل للسيرورات ومسارات التكوين[10].
يستحيل إذن تكوين مدرسين بتصور تقني خالص لأنه ببساطة لا وجود لهذا التصور، وبالتالي فإن المدرسين في حاجة، في ظل مجتمع يتحول، إلى القدرة على التجديد والتفاوض وممارسة التأمل وتعديل الممارسة. ولن يتم ذلك إلا بتأمل التجربة وتكوين معرفة جديدة والورطة النقدية لأن المجتمع في حاجة إلى مدرسين منخرطين في النقاش السياسي حول التربية على مستوى المؤسسات والجماعات المحلية والمناطق والوطن كله، وليس على مستوى الرهانات النقابوية وحدها. يجب، إذن، توريط المدرسين في مناقشة الغايات والبرامج والمناهج وبرامج المؤسسات المدرسية ودمقرطتها ودمقرطة ثقافتها وتدبير النظام التربوي...إلخ.
قلنا إن تكوين المدرسين يرتبط بالرؤية للمدرسة التي تستهدف دمقرطة الولوج للمعارف وتنمية استقلالية الذوات ونقديتها وكفاياتها وقدرتها على الدفاع عن الرأي. ولن يتم ذلك إلا بالمرور بالاعتراف بالاستقلالية والمسؤوليات المهنية للمدرسين فرديا وجماعيا.
وفيما يلي بعض المعايير المقترحة من قبل بيرنو لتكوين المدرسين من مستوى عال:
                            النقل الديداكتيكي المؤسس على تحليل الممارسات وتحولاتها؛
                            مرجع للكفايات يحدد المعارف والقدرات المكتسبة قبليا؛
                            مخطط للتكوين منظم حول الكفايات؛
                            التعلم بالمشاكل: الطريقة الإكلينيكية؛
                            تمفصل حقيقي بين النظري والتطبيقي؛
                            تنظيم مجزوءاتي فارقي؛
                            تقويم تكويني مؤسس على تحليل العمل؛
                            أوقات وعدة للإدماج وتعبئة المكتسبات؛
                            شراكة متفاوض بشأنها مع المهنيين؛
                            تقطيع للمعارف يسمح بتعبئتها في العمل[11].
لربما أن هذه المعايير تنطلق من رؤية مسبقة تتجلى في وضع المدرسة كما هي الآن: مدرسة عبارة عن بنايات بحجرات وطاولات وكراسي...إلخ والتلاميذ يتنقلون من مقر سكناهم إلى المدرسة والمدرس كذلك. تجمعهم الحجرة ويتفاعلون بشكل ما. وفي الأخير يكون هناك تقويم من طرف المدرس أو تقويم إشهادي. غير أن السؤال المطروح بإلحاح هل ستصمد هذه المدرسة بعد 2030 أو 2050 مثلا كما تساءل عن ذلك بيرنو؟
من غير المستبعد أن تختفي المدرسة التي ألفناها لصالح أنماط جديدة كالمدرسة الافتراضية[12] فنبدأ في الحديث عن مهنة التعليم كما نتحدث عن مهن مضت أو مهن من الماضي. والسؤال هو: أي تكوين للمدرسين- إن استمرت وظيفة التدريس- في العصر الافتراضي، وأي تكوين ينبغي أن نتهيأ له إذا ما استمرت تكنولوجيا الإعلام والاتصال في تغيير بنيات التربية والتكوين في شموليتها يوما عن يوم، فيدخل التدريس والمدرسة والتلمذة العصر التقتي بامتياز؟.



[1]  نجد في اللغة الانجليزية، مثلا، أن جميع الحرف ليست مهنا لأن المهنة تتميز بخاصية النشاط الفكري في الوضعية المعبأة لمعارف نظرية ومهارات عماية لتحديد وحل مشاكل معقدة متنوعة. وتفترض ممارسة مهنة ما الاستقلالية حتى ولو تعلق الأمر بالأجراء وتوجيهها بغايات وأخلاقيات.
Ph.Perrenoud, Quelle formation pour un métier nouveau ? in, Educateur , 17, 1992
[2]  يمكن أن يعيدنا النقل إلى إشكالية مركزية في التراث العربي الإسلامي هي إشكالية العقل والنقل.
[3]     هو عنوان ثقافة قائمة أو ذهنية برودلية على غرار ما تناوله الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي في أحد كتبه المنشورة عن دار توبقال المعنونة بثقافة العين وثقافة الأذن.
[4]  انظر كتابينا المدرسة والعولمة ونهاية المدرسة.
[5] Ph. Perrenoud, L’évaluation des réformes scolaires : autopsie ou source de régulation ? in site pérrenoud.
[6]  انظر الحسن اللحية، الكفايات في علوم التربية، مجزوءة الكفايات
[7]  من المهم هنا التذكير بموقف غزافيي رويغرس ومن ينطلقون منطلقا تقويميا السلبية من الكفايات العرضانية. ومن المهم كذلك التذكير بأن المنهاج الدراسي المغربي ينبني عليها. وهناك اليوم في المغرب من ينساق مع هذا النقد دون احتراز ولا تبصر. ولكل هؤلاء نقول متى عمقنا النقاش في الكفايات العرضانية حتى ننتقدها؟ من من الباحثين المغاربة من نشر نقدا في الموضوع وأبرز تهافتها واختلالاتها؟...
في واقع الحال أن النقد يصدر عن جهل تام بالكفايات العرضانية ودون تصورات نظرية، ثم إنه يأتي من الأشياع والأتباع ولكي لا نزايد على أحد فإن المنهاج الدراسي المغربي ليس بمنهاج دراسي بالمعنى الاحترافي للكلمة وأن الكفايات العرضانية التي ينبني عليها لم تجرب بعد ولم تطبق بعد حتى تبرز محدوديتها وانعدام قابليتها للتقويم ولا لغير التقويم.
[8]  لنا أن نتصور حالة من يدافع عن حيادية المعرفة المدرسية ويختزلها في التعلمات الأسياسية كتعلمات دقيقة وفي الوقت نفسه يدعي بناء وضعيات-مشكلات سياقية وذات معنى؟؟؟ أليس السياق هو محيط  التلميذ والمدرسة؟ قد يرد علينا أصحاب هذا الموقف بأن السياق المعني هنا هو سياق الوضعية-المشكلة وههنا مربط الفرس. إذن، إذا كان الأمر يتعلق ببناء وضعيات-مشكلات تستقى من المحيط لدلالاتها ومعناها لدى التلميذ فالأمر يتعلق بكفايات نوعية لأنها مرتبطة بالتعلمات أو بتعبير أدق بالعوائق التي يتوقف عليها تطور المعرفة المدرسية لدى التلميذ، ولكنها كذلك تأتي في صيغ عرضانية لضمان المعنى والدلالة وربط المدرسة بمحيطها الخاص والعام. أما وإذا كان الأمر يتعلق بوضعيات نمطية على شكل المسائل الرياضة قديما فإن كل حديث عن الوضعية هو حديث ديماغوجي لاتربوي ولا علمي. وإذا كان غير هذا وذاك فالوضعيات المقصودة هنا ستكون كفاتورة الماء والكهرباء الدجيبوتية التي تصلح للدلالة على وضعية-مشكلة معيارية ونمطية كالتي يوردها اغسافيي رويغرس، وهي صالحة للمغرب وتونس والجزائر ومالي والسينغال وساحل العاج ودجيبوتي...وبهذا نكون أمام عولمة جديدة وتدويل جديد للوضعية-المشكلة وهو ما يناقض تمام التناقض التصورات البيداغوجية للوضعية المشكلة.
[9]  Ph.Perrenoud, La formation des enseignants au 21 siècle, www.unige.ch
[10] Ph.Perrenoud, La formation des enseignants, ibid
[11] Ph. Perrenoud, la formation,ibid
[12]  لقد حاولنا تطوير هذه الفكرة في كتابنا نهاية المدرسة ولعل عنوانه يختصر هذه الإشكال . إن ماكان يهمنا هنا هو التحول الحاصل على المستوى التقني، بحيث بدأنا نتحدث عن مقاولة افتراضية، وسوق افتراضية ، وتكوين افتراضي.....في عصر اقتصاد المعلومة.
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage