3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

الوضعية المشكلة : عم نتحدث؟

الخط


الحسن اللحية 
الوضعية المشكلة: عم نتحدث؟


لابد من اتخاذ الحذر من كل جاهز[1]، من كل تعريف جاهز، على الرغم من أنه في واقع الحال لا وجود لوضعية مشكلة قابلة لإعادة النسخ أو الإنتاج حرفيا مادامت تقدم لأفراد لهم تواريخ مختلفة[2] وثقافات مختلفة كذلك. كما أنه لا وجود لبيداغوجية مطلقة تحقق النجاح المطلق[3].
كثيرة هي النماذج والبيداغوجيات[4]  المروج لها ، اليوم بيننا، كبضاعات للنجاح المطلق دون حذر ابستيمولوجي أو شك أولي طفولي.
صحيح أننا في حاجة، كما يقول فليب ميريو، لهذه النماذج البيداغوجية، لتعدد هذه النماذج البيداغوجية، لمعظم هذه النماذج البيداغوجية، للاشتغال بها، لأنه انطلاقا منها نقوم باختياراتنا الخاصة، وبدونها سنسقط في نزعة اختبارية راديكالية.
فمهما كان النموذج البيداغوجي فإنه يبين لنا ما ينبغي تجاهله، غير أن الوعي، وعينا بذلك، وحده ينتشلنا من الشكل الخفي أو المقنع للتوتاليتارية في التربية التي هي النزعة الدوغمائية.
لا بد من الوعي باللحظة التي نوجد فيها - نحن المشتغلين بالتربية والتكوين- وأن نعي الوضع العام للمدرسة والمعارف المدرسية وعلاقة كل هذا بالمحيط العام والخاص، وبل وعلاقات كل ذلك بالتلميذ. فلا حاجة للتذكير بأن العالم اليوم أضحى أكثر تعقيدا مما نظن، ولربما لهذا التعقيد تفتقد النماذج البيداغوجية خاصتها المطلقة، ولأن العالم أصبح معقدا حيث سيادة القن-الرمز والتجريد والتعقيد المضاعف... تبدو الطرق التقليدية في التدريس غير ملائمة ولا تتوافق والتعقيد. فحين يقول المدرس ،اليوم، للتلاميذ: سأشرح لكم كذا أو كذا... أو سأفسر لكم كذا وكذا...، فإنه يضع نفسه خارج سياق ما يحدث رغم حسن النية. وربما أن وهم امتلاك المعرفة التي سيشرحها للغير هي المانع الفعلي أو عائق التعلم[5].
إن منطق الاشتغال بالوضعية المشكلة هو منطق التعلم الذاتي والتكوين الذاتي والتردد والمحاولات والتساؤلات والتراجع والعودة للوراء والبحث والمكابدة والإرهاق واللذة ... إلى الحد الذي ينسى فيه التلاميذ، وهم يشتغلون، المدرس ويشعرون باختفائه[6]، وهو منطق يسير عكس العرض الأستاذي القائم على الشرح والاستعراض والبداهات المشرعنة والتبرير[7]، حيث يسعى الأستاذ إلى فرض نفسه على التلاميذ ووسمهم بكاريزميته.
تضع الوضعية المشكلة المتعلم أمام أنشطة مثل إيجاد شيء، أو حل لغز، أو مواجهة حلول بأخرى...؛ ولذلك وجب أن يكون المشكل المطروح للمتعلم ملحا ومحرضا على الفضول مثل محرك البحث[8].
تحد الوضعية المشكلة من ثقافة التسرع لدى التلميذ، والتنقل من هنا إلى هناك كما يتنقل بين القنوات التلفزية أو المواقع الالكترونية. فالمرور السريع من شيء إلى آخر لا يسمح بالتوقف، بالتقشير البطيء للموضوع، وبالتالي بناء معرفة في العمق[9].
هناك جانب آخر يكتسي أهمية في التدريس، عامة، يتمثل في الثقة التي ينبغي أن تسود بين المدرس والمتعلم. فالمدرس حينما يضع استراتيجيات ليصل التلميذ في العمل إلى النهاية المطلوبة يصير مساعدا على النجاح: بيداغوجيا النجاح[10]، ومن المهم أن يثق المتعلم في نفسه كذلك (الرؤية الإيجابية عن الذات).

بعيدا عن الغواية
يبدو أن ما قلناه آنفا بصدد الوضعية المشكلة ومنطق اشتغالها يتكرر لدى الكثير من الباحثين إلى درجة أنه يصدق على كل كلام يراد به التجديد (التجديد البيداغوجي) صحة أو بطلانا، صدقا أو بهتانا، أو يصدق على كل كلام  تسويقي لموضة (بيداغوجية) يراد لها أن تكتسح الجميع...
إن أول ما ينبغي أن يتوقف عنده الدارس والباحث والمدرس(ة) والمكون في مجال الديداكتيك العام والخاص وعلوم التربية والبيداغوجيات هو التصور الشمولي للوضعية المشكلة عند هذا الباحث أو ذاك من الانطلاق إلى التقويم حتى تتبين له الاختلافات والتباينات والرهانات التي ينطوي عليها كل تصور على حدة[11].
ولعل هذا المنزع يخلصنا من كثرة التعاريف التي نجدها مرمية على قارعة الطريق، ومن التجزيء الذي يخفي النواقص كما يحصل الآن مع بيداغوجيا الإدماج التي تقتصر في تصورها للوضعية المشكلة على الوضعية المشكلة المستهدفة دون غيرها.
إن أول مدخل للمبتدئ أو للباحث في علوم التربية هو البدء بالخواص المميزة  caractéristiques  للوضعية المشكلة عند هذا الباحث أو ذاك[12]. فالبحث في الخواص المميزة يقدم للباحث في الموضوع التصور العام للوضعية المشكلة من الانطلاق إلى التقويم، وطرق بنائها وأنواعها وتدرجها وانفتاحها وانغلاقها والأدوار الممكنة منطقيا التي سيقوم بها المدرس والمتعلم معا...إلخ، حيث كل خاصة مميزة تعكس أثرها على كل ذلك حسب التبسيط أو التعقيد المرغوب فيه، بل إن كل خاصة مميزة تنبوب عن الخواص المميزة الأخرى كل ارتفعت درجات التعقيد. ولذلك فإن اختيار الخواص المميزة للحديث عن الوضعية المشكلة أو بالأحرى تعريفها ليس مسألة سهلة أو بسيطة. فالباحث في الوضعيات المشكلات حينما يريد التحقق من بناء الوضعية المشكلة برهاناتها يجد نفسه مرغما على الرجوع للخواص المميزة عند هذا الباحث أو ذاك شأنه في ذالك شأن المقوم للوضعية المشكلة.
لا يتعلق الأمر إذن بلبوس  habillageالوضعية المشكلة التي يجتهد كثير من المشتغلين عليها في انتقاء صيغ معينة؛ أي هاجس الصياغة الذي نجده في بيداغوجيا الإدماج مثلا. فكل وضعية مشكلة يغيب صاحبها الخواص المميزة ويكتفي باللبوس(التزيين، الصياغة، الماكياج)، مركزا على المهمة والتعليمة حصرا يكون ما يقوم به ضمن أشباه الوضعيات المشكلات. وفي مثل هذه الحالات تصبح الوضعية المشكلة رهينة الصياغة الأسلوبية-اللغوية والمهمة والتعليمة، أي أن تصور الوضعية المشكلة يصبح مبتسرا وغير ذي معنى.
والحاصل أن هذا الجانب يعتريه بون كبير بين الباحثين أنفسهم؛ إذ منهم من يسميه الخواص المميزة، ومنهم من يتفادى ذكر هذا الجانب بالمرة لأسباب تقنية مثل اغزافيي رويجرس


[1] - علينا أن نتجاوز الرؤية الضيقة التي ترى في الحديث اليوم عن الوضعية المشكلة قطيعة مع الكفايات أو أن هناك بيداغوجيا واحدة هي التي تبني الكفايات مثل ما يروج له مع بيداغوجيا الإدماج.
إن بناء الكفايات يستدعى استراتيجيات وبيداغوجيات كثيرة وجب التحكم فيها من طرف المدرس، كما يستوجب الاشتغال بالوضعيات المشكلات ولنا في النص التالي خير مثال على ذلك.
يقول فليب بيرنو: إن المقاربة بالكفايات تحمل الطاقم المدرس على العمل بوضعيات مشكلات في إطار بيداغوجيا المشروع، وفي الوقت ذاته تتطلب من التلاميذ بأن يكونوا نشيطين ومنخرطين في تعلماتهم(...) ففي بيداغوجيا تتمحور على المعارف تكون وظيفة التلميذ (تعاقده) هي الاستماع ومحاولة الفهم والقيام بواجباته بدقة وإعادة تعلماته في إطار اختبارات معرفية: قلم- ورقة (...). ففي بيداغوجيا الوضعيات المشاكل سيكون دور التلميذ هو التورط والمشاركة في مجهود جماعي لإنجاز مشروع وبنفس المناسبة في كفايات جديدة. سيكون له الحق في المحاولات والأخطاء، وهو مدعو ليعطي جانبا لشكوكه وإظهار حججه والوعي بطرق فهمه والتواصل. سنطلب منه بطريقة ما، في إطار مهنته كتلميذ، أن يصير ممارسا للتأمل. كما ندعوه كذلك للممارسة الدائمة للمتا-معرفي والمتا-تواصل. إن تعاقدا مثل هذا التعاقد يتطلب أولوية التماسك والاستمرارية من قسم لآخر ومجهودا لا يكف عن التوضيح وتطبيق قواعد اللعب، والمرور بقطيعة مع المنافسة والفردانية مما يحيل إلى صورة التعاون بين الكبار والتباين الممكن بين الثقافة الاحترافية الفردية للمدرسين والدعوة المقدمة للتلاميذ للعمل جميعا(...).
إنه لمن النادر العثور على وضعية مشكلة تغذي تعلما واحدا، وتقريبا من النادر كذلك أن التعلمات المعنية تعود لتخصص واحد (...) إن المقاربة بالكفايات تغير مكانة المعارف في التعليم. فعوض احتلال القطار كله ستصبح المعارف موارد لحل مشاكل (...) إننا نمس هنا شكلا من "الثورة الثقافية". فمن أجل أن تخلق وضعية-مشكل الحاجة إلى المعرفة يجب تصورها بشكل مغاير عوض التصور الذي يجعلها كتمرين مدرسي كلاسيكي (...) هكذا نرى بشكل واضح بأنها تحيل على إبستيمولوجيا أخرى وعلى تمثل آخر لبناء المعارف في الذهن الإنساني (...).
وتتطلب المقاربة بالكفايات من التلاميذ مايلي:
أولا: الانخراط
لايمكن بناء الكفايات إلا بمواجهة مشاكل حقيقية في إطار المشروع أو حل المشكلات. وكما يقول، في بعض الأحيان، فليب ميريو أن كل واحد يريد أن يعرف ولكن ليس بالضرورة التعلم (...).
ثانيا: الشفافية
إن العمل المدرسي التقليدي لا يشجع إلا على تقدم النتائج، بينما تجعل المقاربة بالكفايات السيرورات والإيقاعات وطرق التفكير والفعل واضحة (...).
ثالثا: التعاون
إن المقاربة بالكفايات لا تسمح للتلميذ بالانزواء تحت خيمته حتى ولو كان بغرض أن يعمل بجد وهو منزو. فمشروع واسع أو مشكل معقد يعبئ جماعة بشكل عاد ويستدعيان مختلف المهارات ليس فقط في إطار رؤية العمل وإنما في إطار تنسيق مهام بعضهم مع البعض الآخر(...).
رابعا: المشاركة القوية
تكون التمارين المدرسية تقليديا عبارة عن حلقات بدون مستقبل، وسواء أنجزت أم لم يكتمل إنجازها، صحيحة أو خاطئة تمر دائما بسرعة عبر فتحة الباب لتعوض بأخرى. وأما في طريقة تقوم على المقاربة بالمشروع فإن الاستثمار يكون طويل المدى، حيث نطلب من التلاميذ بألا يضيعوا رؤية الهدف وأن يرجئوا ارتياحهم إلى بلوغ النهاية سواء تحقق ذلك في عدة أيام أو أسابيع.
خامسا: المسؤولية
فبينما تكون التمارين المدرسية بدون نتائج على الغير كما رأينا سابقا تعمد المقاربة بالكفايات لمواجهة المشاكل الحقيقية في "الحياة الحقيقية، وهي تهم أناسا لا ينتمون للقسم عادة باعتبارهم محاورين أو أشخاصا-موارد، حيث يكون التعاون معهم أساسيا. تسير بيداغوجيات المشروع في هذا الاتجاه. فالتلميذ يتحمل مسؤوليات جديدة حيال غيره من المسؤولين (...)
وخلاصة القول إن المقاربة بالكفايات تعمل على التحويل الجذري لمهنة المدرس ولمهنة التلميذ، ومهن أطر وطواقم أخرى متدخلة دون شك (...).
عن فليب بيرنو http://www.unige.ch/fapse/sse/teachers/perrenoud/php_main/php_1995/1995_09.html
وهناك من يرى أن مفهوم المهمة التي تعتبر أساس الوضعيات المشكلات هو اختيار استراتيجي لبناء الكفايات:
جاء في كتاب الكفايات في علوم التربية ما يلي: " يرى فليب ميريو في مقال له تحت عنوان إذا لم توجد الكفاية ينبغي إبداعها، وبالتجديد في الفقرة التي يميز فيها الكفاية عن المهمة، مؤكدا بأن المهمة هي ما يتعبأ عليه الفرد، هي ما يراه وما يحتفظ به في الذاكرة أو في أرشيفاته. فالمهمة هي الواجب في اللغة الفرنسية والتمرين في الرياضيات بما فيها نتائج هذا التمرين الصحيحة أو الخاطئة، وهي الرسم والتجربة والمقابلة الرياضية، وهي كل ما يريد الطفل أن يقوم به .
وفي معرض حديثه عن المهمة في المدرسة وفي الشغل يرى ميريو أنه في المعمل أو الورش أو مكتب الدراسات يكون الانتاج لأشياء مادية أو ثقافية بينما في المدرسة "لا ننتج شيئا" لأن المدرسة تكون الأفراد وتبني الكفايات وتعلم الناس حب المعرفة والحس النقدي.
يكون المنتوج في المدرسة ذريعة. فالتمارين والواجبات المدرسية والملفات والعروض كلها لا تستعمل إلا من أجل أ ن تشهد بأن كفاية ما ستدوم مدة طويلة".

[2]- Philippe Meirieu,  Cahiers pédagogiques,N262, Mars 1988
[3] - يقول كارمونا ودوفتشي: "نوجد الآن، في مجال التعليم، في منعطف خطير يدعو المدرس للاستعمال المفرط للتكنولوجيات المعقدة كعلامة على انتماء للحداثة. ألا يقنع الاستعمال المفرط للتكنولوجيات العلم؟ ربما الاستعمال المفرط والمبالغ فيه لهذه التكنولوجيات يفقد الحالة الذهنية والرهانات التي يقوم عليها البحث. ليس استعمال التكنولوجيات المتقدمة هي التي تغير البيداغوجيا في العمق وتجعلنا نعي ما معنى العلم، أي الذهنية العلمية والمعرفة العلمية والعلاقة بين المدرس والتلاميذ. فإضفاء الطابع التقني على المشكل لا يعني إغناءه، بل جعله يرتدي لباسا آخر، وبالتالي فإن المنهج العلمي وطريقة البحث العلمية لن تربح شيئا".
 Gérard de Vecchi et Nicole Carmona-Magnaldi, faire vivre de véritables situations- problèmes , hachette, 2002, p27
[4] - نجد مثلا التعليم المبرمج وبيداغوجيا الخطأ والمشروع والفارقية والإدماج...إلخ.
[5]- Gérard de Vecchi et Nicole Carmona-Magnaldi, faire vivre de véritables situations-problèmes Hachette, 2002, p237
[6]- Gérard de Vecchi et Nicole Carmona-Magnaldi, faire vivre de véritables situations-problèmes Hachette, 2002, p248  
[7]- Gérard de Vecchi et Nicole Carmona-Magnaldi, faire vivre de véritables situations-problèmes Hachette, 2002, p247
[8]- Gérard de Vecchi et Nicole Carmona-Magnaldi, faire vivre de véritables situations-problèmes Hachette, 2002, p226
[9]- Gérard de Vecchi et Nicole Carmona-Magnaldi, faire vivre de véritables situations-problèmes , Hachette, 2002, p229
[10]- Gérard de Vecchi et nicole Carmona-Magnaldi, faire vivre de véritables situations-problèmes , Hachette, 2002, p230
[11] - لعل هذا النوع من الدراسة هو ما يجب أن يرومه الباحثون والمهتمون ببيداغوجيا الإدماج للوقوف الفعلي عند نقط القوة والضعف بعيدا عن كل منزع تسويقي أو تهافتي.
[12] - تحدث العرب القدامى عن الخاص وهو ما يتفرد به الشيء أو اللفظ الذي له معنى معلوم على انفراد. كما تحدثوا عن الخاصة . وتطلق الخاصة حسب المناطقة على ما يختص بالشيء قياسا على ما يغايره أو إلى بعض ما يغايره. فما يخص الشيء قياسا على ما يغايره يسمى خاصة مميزة caractéristique .
كما ميز المناطقة بين الخاصةpropriété  والخاصية particularité  . فالخاصية تستعمل في الموضع الذي يكون فيه السبب مجهولا كالدواء الشافي لسبب مجهول والخاصة تطلق على الأثر الناشئ عن الشيء. تجمع الخاصة على الخواص والخاصية على الخاصيات.

نموذج الاتصال
NomE-mailMessage