3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

سوسيولوجيا التربية

الخط



سوسيولوجيا التربية
- قضايا في سوسيولوجيا التربية-

الحسن اللحية

تقديم

متى ظهرت سوسيولوجيا التربية؟ وكيف ظهرت؟ وما الحاجة إلى ظهورها؟ وما الدواعي المعرفية والإبستمولوجية التي كانت وراءهها؟...إلخ.
للإجابة على مجمل هذه الأسئلة وغيرها حاول معجم الفكر السوسيولوجي الصادر عن دار بيف بفرنسا رصد مجمل الأسباب المعرفية والإيديولوجية والتاريخية والإبستمولوجية التي كانت وراء ظهور سوسيولوجيا التربية. فقد جاء في هذا المعجم أن الحركة الواسعة لتحديث المجتمعات الغربية التي تتابعت خلال القرن العشرين بتطوراتها العلمية والاقتصادية والاجتماعية قد خلقت حاجات جديدة ومنحت إمكانا إنسانيا للتربية، وكانت مجمل القضايا في التربية تدور حول قضيتين رئيسيتين من صلب اهتمام سوسيولوجيا التربية المعاصرة هما انتشار التمدرس واللامساواة الاجتماعية أمام المدرسة.
تمثل سوسيولوجيا التربية المقاربة العلمية للتربية من حيث أنها ظاهرة اجتماعية. فكان أول مجال لدراسات سوسيولوجية التربية هو الدراسة الموضوعية والمقارنة للأنظمة الاجتماعية: العلاقات التربوية، الأدوار التربوية، الجماعات التربوية في مختلف المجتمعات. فالتربية كتجريد مؤسساتي مثل الأسرة والسياسية أو الدين ليست ظاهرة مستقلة اجتماعيا.
لقد جعل سوسيولوجيو التربية من المدرسة ميدانا متميزا للبحث في بنية و وظيفة الأنساق الاجتماعية الصغرى (أنساق الأدوار، العلاقات، القوانين، ...). وقد تضاعف كل ذلك مع استحضار الجانب السوسيو-سياسي.
هناك من يرى بأن تطور سوسيولوجيا التربية ارتبط بعامل الاستجابة للمشاكل النوعية التي طرحها تطور المؤسسة المدرسية.
ومن جانبهما عملتا الباحثتان، مارلين كاكولت وفرانسواز أوفرارد، في كتابيهما المعنون بسوسيولوجية التربية على شرح أسباب ظهور سوسيولوجيا التربية، في الستينيات من القرن الماضي، بردهما هذا الظهور والتطور والغنى النظري الذي تتميز به سوسيولوجيا التربية إلى التحولات التي أصابت النظام التربوي، كل ذلك مقرونا بالنقاشات الاجتماعية حول المدرسة.
لقد عرفت سنوات الستينيات من القرن الماضي نقاشا حول تعميم التمدرس وتكافؤ الفرص في نظام تعلمي مبني على الانتقاء مدرسيا واجتماعيا. وخلال فترة الثمانينيات من نفس القرن تركزت اهتمامات سوسيولوجيا التريبة على النظام التربوي ذاته وحول شروط التعليم، وبذلك تكون سوسيولوجيا التربية قد انتقلت من البحث في القوانين العامة لعلاقة النظام التربوي بالمجتمع في شموليته إلى دراسة مركوسكوبية للنظام التربوي محليا.
(يتبع)

الحلقة الثانية:
قضايا سوسيولوجيا التربية:
الحسن اللحية

أولا: المدرسة والسياسية
هل المؤسسة المدرسية مستقلة، أوبالتعبير الدقيق، هل النظام التربوي مستقل عن السياسة الرسمية؟ هل المدرسة محايدة حتى في الأنظمة السياسية القائمة على المنافسة الديمقراطية كالإنتحابات أم أن استقلالية المدرسة وحيادها مجرد وهم؟
يرى محمد الشرقاوي أنه أصبح من البديهي تأثير السياسي في التربوي، في المجتمعات المعاصرة، بسبب الرقابة أو التحكم الذي تفرضه الدولة أو بعض جماعات الضغط على الموارد المالية والبشرية، وعلى تقسيمها، وكذا على إنجاز المناهج المدرسية من طرف لجن منتخبة من طرف الحكومة أو المنظمات المهنية.فالدولة تحتكر القطاع التعليمي في المجتمعات المعاصرة.
فالمدرسة فاعل في السياسة الاجتماعية، وهي قادرة على ترسيخ الأحاسيس والمواقف تجاه النظام السياسي لدى الأفراد (التنشئة الاجتماعية). ومن غير المستبعد في نظر الباحث محمد الشرقاوي ألا يكون التعليم ذا طابع معرفي صرف إذا ما اقتصر على نقل بسيط لمعارف متعلقة بهذا النظام، غير أنه سيصبح عاطفيا عندما يقود الأفراد إلى تطوير مواقف إيجابية أو سلبية تجاه النظام الحاكم.
وللاستفاضة في هذا الجانب يورد الباحث فرضيتين هما كالآتي:
 * الفرضية الأولى ترى أن النظام التربوي المبني بطريقة منهجية وعقلانية يصبح قادرا على إنتاج أفراد مبرمجين على التصرف حسب القيم و البنى المكتسبة. والأنظمة الكليانية تتبنى هذا الاعتقاد وتحاول تطبيقه.
 * الفرضية الثانية ترى أن الأهداف التي تضعها الأنطمة السياسية للمؤسسة المدرسية هي أهداف غير ذات أهمية نظرا للمكانة المتواضعة التي تحتلها المدرسة في المجتمعات.
ليوضح الباحث الفرضية الأولى رام دراسة علاقة الإيديولوجية الهيتلرية بالمدرسة، مستندا إلى كتاب هتلر "كفاحي" ونصوص بعض المتطرفين النازيين مثل كيرك أو بوملر.
ترتكز البيداغوجية النازية على المبدأ العرقي للشعب الألماني، حيث الدولة تشكل الإطار التاريخي والوارثي، وهي القاعدة التي ينبني عليها التعليم، وهدفها هو تكوين فرد يتميز بالبطولة.
هكذا تحث الإيديولوجيا النازية المربين على تكوين إنسان جديد ذي جوهر عسكري. و من هنا تصبح المدرسة في الدرجة الثانية مجرد ملحقة بمختلف مكوناتها للحزب النازي. وتتمثل فعالية  الحزب في إيجاد تلاقح بينه وبين المدرسة، أي ملء الهوة التي تفصل النخب عن الشعب. وبذلك ينقلب الفيلق، بل تصبح المدرسة مكانا للتكوين على الوطنية، وينقلب رئيس الفيلق ليصبح معلما ملحقا.
ويستخلص الباحث أن هناك تغلغلا اجتماعيا وسياسيا في النظام التربوي لإزالة وهم حياد التربية وبراءتها لأن الطبقة الحاكمة تقوم بضبط النظام التربوي للمحافظة أو الزيادة في امتيازاتها وسلطتها داخل المجتمع.

ثانيا: التربية والأمية
يحلل الباحث محمد الشرقاوي الفرضية القائلة بأن التربية تساهم في الإدماج السياسي للأفراد. فالأنظمة التربوية المركزة بيد الدولة تساهم بقوة في تشكيل الهوية الوطنية، وذلك من خلال إزالة الجهويات تدريجيا في الدول المقسمة أو من خلال إدماج أبناء المهاجرين والأقليات الإثنية في الجماعة. إن منحى التحديث أي الانتقال من مجتمع بسيط إلى آخر معقد، و تفعيل الديموقراطية والتواصل بين النخب السياسية والشعب يتطلب محو الأمية وضرورة أن يضبط المواطنون على أسس وقواعد التربية (وظيفة التنشئة).
تعتبر الأمية عائقا أمام كل تطور. والملاحظ أن الدول المختلفة تعرف ارتفاعا شديدا في معدلات الأمية.
إن التعليم ومحو الأمية له نتائج ثقافية وسياسية مهمة، ففي المجتمعات الشفهية المحضة تعتبر فرص اكتساب ونقل المعرفة نادرة جدا، والإكراهات التي تدفع إلى الإنصهار، والتحول السلبي لكل قوانينه وقواعده كثيرة وعديدة أكثر من مجتمعات الكتابة.
في مجتمعات الأمية، وجتماعات بلا كتابة، وخارج الإرث المادي، تحمل كل التقاليد والعادات في الذاكرة، وتناقل المعلومات يتم عبر محادثات بين أفراد المجموعة في وضعية وجها لوجه. هكذا يتسلل النسيان إلى الذاكرة الجمعية فيحصل نوع من فقدان الذاكرة على المستوى البنيوي، فيكون الفرد في مواجهة خيارين إما التقليد الثقافي أو العزلة.
وعلى عكس ذلك نجد في مجتمعات الكتابة أن القراءة والكتابة هي أنشطة جد وحدوية ( تحقق الوحدة). تمكن الكتابة من المحافظة على المعلومات ومراكمة المعارف...إلخ. و علاوة على تكديس المعلومات، تحاول الكتابة المرور من السمعي إلى البصري مما يجعل الفحص النقدي للعمل والكلمات ممكنا، بالإضافة إلى التحكم السهل فيها.
تمكن الكتابة من تفريق بين الكلمات فيما بينها، وتنظيمها وتطوير الصور. وهكذا فإنه من السهولة بمكان ملاحظة التناقضات في نص مكتوب أكثر من ملاحظتها في خطاب شخصي لأنه بالكتابة يتجزأ "المد" الشفهي وتفحص المنطوقات في أوقات وأماكن مختلفة، دون أن نغفل الانعكاسات السياسية والاجتماعية الأساسية للمكتوب.

ثالثا: الانفجار الديمغرافي والمطالبة بتعميم التمدرس
إذا ما حاولنا، في نظر محمد الشرقاوي،  ترتيب المشاكل التي يواجهها أصحاب سوسيولوجيا التربية حسب الأهمية فإننا سنضع أولا توسيع النظام التعليمي كقضية حضيت بالدراسات الكثيرة. فهذا التوسع شامل ودولي. ومهما اختلف مستوى تطور الدول فإن جميع الدول قامت بتجربة لم يسبق لها مثيل في ما يخص تغيير الديمغرافية المدرسية.
تؤكد نشرات اليونيسكو الإحصائية على ارتفاع عدد المسجلين بالمؤسسات التعليمية في الابتدائي والثانوي والعالي، و يبقى التساؤل مطروحا: هل هذا التطور والارتفاع في نسب الملتحقين بالنظام التعليمي يتبع نفس المنحنى أو أنه يتغير ويتنوع حسب الدول والمجموعات السياسية والاقتصادية؟.
إن تطور أعداد التلاميذ نشأ عن عدد كبير من العوامل التي يجب توضيحها في نظر الباحث محمد الشرقاوي.
إن تحليل المعطيات المفسرة لتوسع الأنظمة التعليمية يتم حسب نموذجين هما النموذج الأسي exporentiel والنموذج اللوحيستيكي من جهة، ومن جهة ثانية تحاول بعض النظريات تفسير انتشار الأنظمة التعليمية بالدور المؤثر للدولة أو أكثر تعميما بالمتغيرات السياسية.فالإشراك السياسي للمواطن يستلزم حد أدنى من التربية؛ وبذلك تصبح التربية آلية مساهمة بفعالية في الاندماج الوطني خصوصا عندما يتعلق الأمر بالدولة . ثم إن الحصول على الشهادات يسمح بدخول الأفراد أو المجموعات في المنافسة من أجل الأماكن المحدثة، وهذا الأمر يحدث، خاصة، في الدول الحديثة العهد بالاستقلال.
يستنتج الباحث أن المجتمعات غير المستقلة تشهد ارتفاعا بطيئا أو أقل حدة بالنسبة لأعداد المتمدرسين مقارنة بالدول المستقلة .
وفي الأخير فإن تطور قدرة أو قوة الدولة التي إحدى مميزاتها الأساسية هي المركزية ستكون مرتبطة بتوسع الأنظمة التعليمية . وبهذا الاحتكار التدريجي للتربية سوف تقلص الدولة من استقلالية النظام المدرسي.
هناك عوامل أخرى ساهمت في انتشار التمدرس منها علاقة التربية بالتطور الاقتصادي وسوق الشغل و المستوى الثقافي للفرد له علاقة بالمدخول و نمو الانتاج وعلاقته بالتربية.

رابعا: التنشئة الاجتماعية
يعود مفهوم التنشئة الاجتماعية في الأصل إلى السوسيولوجي الفرنسي إميل دوركايم. لا شك مفهوم التنشئة الاجتماعية  كان حاضرا في الأدبيات الاجتماعية الالمانية في أواخر القرن 19 – لدى زيمل خاصة – إلا أنه لم يكن موضوع تأطير داخل نسق نظري كما هو الحال في كتابات عالم الاجتماع الفرنسي، بل وأكثر من ذلك فإن الفكرة التي مفادها أن المدرسة أصبحت عامل تنشئة بامتياز في المجتمعات الحديثة هي نتاج الفكر الدوركايمي.
يفسر دوركايم بأن المدرسة إذا كانت تكتسب شيئا فشيئا الأهمية في نشر الثقافة والتمايز الاجتماعي فإن ذلك راجع إلى أفول المؤسسات التقليدية كالدين والأسرة . تعني التنشئة الاجتماعية التغيير، وعلى المستوى المثالي هي تحويل شخص من كائن غير اجتماعي إلى كائن اجتماعي بتلقينه أنساق تفكير ومعتقدات وتقاليد وقيم أخلاقية مهنية أو طبقية حيث البعض منها غير قابل للمراجعة، وأخرى، على العكس من ذلك، تتغير تبعا للتجارب المكتسبة والحالة المعيشة للفرد أو الأسرة.
يفترض هذا التعريف للتنشئة الاجتماعية الماقبل والمابعد في تاريخ الأفراد، وأسبقية الاجتماعي على الفردي، وممارسة الاكراهات وتوزيع السلطة. وأخير حضور بعض الأهداف كإدماج الأفراد في المجموعات الإيديولوجية أو المعرفية.
إن هذا التعريف لا يقصي لا مقاومة ولا فشل المراقبة الاجتماعية للافراد من طرف المؤسسة المدرسية؛ ولهذا يرتبط هذا التعريف بالانتقاء. فالتنشئة الاجتماعية والانتقاء هما وجهان لواقع واحد. ما هي خطوطهما العريضة؟ وكيف يتغيران بتغيير الشرائح الاجتماعية والمدرسية والمشاريع الفردية وإلى أي حد تؤثر التنشئة في النجاح المدرسي؟...إلخ.

خامسا: الانتقاء
كل مؤسسة كيف ماكانت، في نظر الباحث محمد الشرقاوي، هي، في نفس الوقت، مؤسسة للانتقاء وإوالية توحيد، مثلا تنقل الأسرة إلى أبنائها إرثها الجينيتيكي والاجتماعي والثقافي.
فكل مجموعة تمييزها علاقات حميمية وشعور بالتماسك بين الأفراد والتكافل القوي وتجانس ثقافي كبير للمعايير والقيم المشتركة بين الأفراد المكونة لها هي إذن مجموعة أولية بامتياز وهكذا فهي توحد، إلا أنها تعطي مكانة خاصة لبعض الأفراد حسب الصحة والجنس ومكانتهم بين إخوتهم. وبإيجاز فالأسرة هي عامل انتقاء.
وإذا كان التناقض ينخر عظام الجماعة الأولية بامتياز فليس من المدهش أن نلاحظه في الجماعة الثانوية كالمدرسة.
توحد المدرسة عن طريق التنشئة الاجتماعية وتفرق من خلال الانتقاء وباعتبارها توسط أخلاقي منظم على حد تعبير دوركايم فإنها تصقل هوية التلميذ بطريقتين؛ من جهة أولى، بتقليد بشكل جماعي وبدون تمايز مجموعة من الأفكار والسلوكات والقيم المشتركة ، ومن جهة أخرى من خلال محاولة تحويل الفرد وأنساق تفكيره و وجهة نظره جذريا في الحياة. إذن، فالتنشئة الاجتماعية تعني نشر المضامين كما هي تجسيد للبنيات.
من بين وظائف المدرسة، في نظر باحثنا، خلق النظام أو على الأقل المساهمة فيه مع باقي المؤسسات الأخرى. وزيادة على ذلك فهي تفترض بأن الفرد هو في نفس الوقت سلبي وقابل للتغيير كقطعة شمع.
يرى بعض علماء الاجتماع والسياسة أن القيم لا ترتبط بأية إرادة خاصة وبفضل نشرهم هاته القيم يحصل التوافق الاجتماعي، وحسب البعض الآخر فإن النظام مفروض من طرف جماعات مهيمنة.
نلاحظ وجود علاقات بين نوع التنشئة الاجتماعية والبنية الاجتماعية. يتفق مجموعة من علماء الاجتماع والمؤرخون على ميلاده هذا البعد الأساسي في التنشئة الاجتماعية في أواخر القرن 15م، وانطلاقا من هذا التاريخ لم يعد يتحدد الفرد من خلال علاقته مع مجموعة أو نظام مثلا، فهو قائم بذاته على الاقل في الجانب التطبيقي، وفي نسق من التمثلات لبعض الطبقات الاجتماعية، وفي هذا المنظور نلاحظ تشابها كبيرا بين التنشئة الاجتماعية الأسرية والتنشئة الاجتماعية المدرسية ومن جهة أخرى نلاحظ تواجد علاقة عضوية بين هاتين التنشئتين وتطور المجتمع الرأسمالي.
ففي المجال التربوي تصبح المناقشة الإطار السائد في العلاقات بين الأفراد لهذا نرى نظام الجوائز والمباريات داخل المؤسسات التربوية، وبذلك تترجم المدرسة القواعد التي يقوم بها المجتمع وتتمم هوية الفرد، لكنها إذا كانت توحد من خلال ترسيخ النظام التعبيري فهي تفرق من خلال الانتقاء.
إن المدرسة تفرق وتذيع النظام الآلي الذي يعتمد على مجموعة من الظواهر والوسائل التطبيقية من أجل اكتساب كفايات علمية وتقنية وأدبية.
إن هذا النظام ينتمي إلى مجال القياس أي قياس مدى التمكن من المعرفة ومهارة الإنجاز من خلال مناهج موضوعية. إن هذه العملية تقود إلى تراتبية الأفراد.
إن التراتبية داخل الفصل الدراسي مرتبطة ومقيدة بالمميزات النفسية والاجتماعية كالسن والجنس أو الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها التلميذ، فكلما ركزنا على النظام الآلي كليا انخفضت أهمية النظام التعبيري والعكس صحيح وكلما اهتمت الثقافة المدرسية بالاختبارات وشغلت آلية التوزيع والانتقاء كلما انخفضت قدرة القيم التوافقية.
تتغير هذه العلاقة من الحضانة إلى الجامعة، كما أن التحولات التي تعرفها لا تتيح بالضرورة التطور الخطي، وهكذا يهيمن في المدرسة الابتدائية النظام الآلي بشكل كبير في دروس أكثر من الأقسام التحضيرية، وفي دروس المتوسط الثاني أكثر مما هو مهيمن في دروس الأقسام الأساسية.
إن الشعور بالانتماء لجماعة مدرسية والإحساس بالوفاء اتجاهها هو أكثر حدث داخل بعض الفصول المدرسية حيث الانقسامات والاختلافات تقريبا غائبة على عكس فصول أخرى حيث التراتبيات واضحة للجميع.

سادسا: المعرفة المدرسية
يبدو لنا الأمر متناقضا اذ ما قمنا بربط الانقسامات المدرسية، في نظر الباحث محمد الشرقاوي، بالمعرفة التي ليست في الظاهر سوى ترجمة للكتب و المعارف الموضوعية. لكن تبقى المسلمة الضمنية التي من خلالها تصبح المعرفة التي تنشرها المدرسة محايدة لكنها تؤدي إلى تراتبية التلاميذ. فمند عقدين زمنيين، فقط، قطع البحث السوسيولوجي الصلة مع هذه الفرضية وأضحى يحلل المعرفة المدرسية كتنظيم وكسيرورة للاندماج الاجتماعي والفكري، وكرهان للصرعات بين المجموعات.
إن المعارف المنشورة من طرف المدرسة هي مدروسة سواء كنظام مستقل عن السلطة والسياسة ومجموعات الضغط أو الابستيمولوجية المهيمنة أو كثقافة بإمكانها تحديد النماذج وأنساق التفكير.

سابعا: الفشل الدراسي
يمكننا ترتيب النظريات المفسرة للنجاح المدرسي، حسب محمد الشرقاوي، إلى مجموعتين؛ أولا، النظريات المحددة للفشل، ومن أبرز ممثليهابرنشتاين و بورديو وهيمان وأوكهوم ، حيث يميزون العوامل المتعلقة بماضي الشخص وثقافته، ومن جانب ثان نجد النظريات التي يمكن وصفها باشتراكية أو الفردية الجديدة ، المطورة أساسا من قبل الاقتصاديين الكلاسيكيين الجدد وبعض المدارس السوسيولوجية كمدرسة بودون. ترتكز هذه النظريات على المتغيرات المرتبطة بالمستقبل، وبالمشاريع الاجتماعية والمدرسية، إضافة إلى قدرة الاشخاص على اتخاذ القرارات المنطقية.
 يأخذ برنشتاين مأخذ الجد الرسالة التي تقول أن هناك موافقة بين طرق التعبير المعرفية والبنيات، فينطلق من الخلاصة التي تفضي إليها أعداد كبيرة من الأبحاث التي من خلالها نلاحظ أن المستوى اللغوي مستقل عن الجهد العقلي المقاس بالاختبارات عند الأطفال المنحدرين من الطبقة العاملة.و في رأيه فإن الفرق يكمن تقريبا في وجود لغتين كل واحدة خاصة بشريحة واحدة صريحة مستعملة من طرف الأشخاص المنتمين إليها. فلغة الطبقة البورجوازية غنية بالأوصاف الشخصية والفردية، وشكلها يتضمن مجموعة من العمليات المنطقية المتطورة. غنية بأسلوبها ووسائل تفسيرية أخرى غير شفاهية حتى وإن كانت مهمة فهي تأخذ مكانة ثانوية في هذه اللغة. واللغة الثانية هي اللغة العامية الخاصة بالأفراد المنتمين للطبقة العاملة حيث اللهجة تشتمل على ألفاظ انفعالية و تستعمل الترميز بشكل واضح ، وهي وصفية ملموسة حيث طبيعتها تؤول إلى تحديد التعبير الشفاهي وتقليصه بما أن هذا الأخير يعبر عنه بوسائل غير شفاهية: حركات، تعبيرات جسدية ، اختلافات وتغييرات في نبرات صوتية،و باختصار ما يسميه برنشتاين الترميز التعبيري.
في اللغة الأولى تشرح الكلمة النوايا، وتسهل قنوات الحديث بين الحاضر والمستقبل. وفي اللغة الثانية اللهجة المستعملة تقمع كل وساطة تعبيرية.
يبين وصف لغوي شامل لهاتين اللغتين أنهما وظيفتي بنية اجتماعية؛ فاللغة الثانية مفتقرة لنعوت غالبا غير مكتملة محدودة جدا في بنائها الصرفي والنحوي. فجمل اللغة العامية لا تمكن من التعبير و تواصل الأفكار، وهي بذلك تختلف عن جمل اللغة الصريحة التي تسمح تركيبتها الصرفية والنحوية من ترجمة الأفكار.
يتضح إذن أن اللغة الصريحة واللغة العامية تؤديان إلى أنواع مختلفة من السلوكات اتجاه التعليم والتمدرس المتركز بالأساس على التعلم، و التمكن من اللغة المعرفية، وأيضا ملاحظة قواعد السلوك.
واضح إذن أن احتمال ظهور حالات نزاع وخصام كبيرة بين التلاميذ المنحذرين من الطبقة العاملة والمعلم الذي له مراجع ثقافية مخالفة لأن الطفل المنتمي للطبقة العاملة لا يعرف ولا يمكنه استعمال إلا اللغة العامية.
يوجد استنتاج تصل إليه جميع الدراسات وهو أن النجاح المدرسي مرتبط جدا بالأصل الاجتماعي للتلاميذ، ومهما تكن مؤشرات المتغيرين المستعملين فعندما يرتفع المستوى الاجتماعي للعائلة ترتفع نسبة النجاح عند الأطفال أيضا.
 وعلى العموم نقيس الأصل الاجتماعي بمهنة الأب، وبالمستوى الثقافي أو الشهادة التي نربطها بالمردودية. وبالنسبة للنجاح المدرسي يمكننا قياسه بالمعدلات في الامتحانات المدرسية، وبالمرور من قسم إلى آخر، وكذا السرعة التي يجتاز بها التلميذ الدورات المدرسية أو عدد المرات التي يكرر فيها السنة الدراسية خلال تمدرسه.
نعتبر الجدول التالي الذي يبين توزيع النجاح المدرسي حسب الأصل الاجتماعي في انجلترا، وهو مأخوذ عن تحقيق دولي مقام في 1964 – 1965 في 12 بلدا.
النجاح المدرسي حسب الطبقة الاجتماعية
المهمة الحرة
الأطر العليا
الأطر الصغرى
المستخدمين
الطبقة العاملة
47,34
47,19
43,79
45,01
34,19

نلاحظ أن نسبة النجاح المدرسي الأكثر ارتفاعا تكون عند أبناء الأطر العليا والمهن الحرة، أما النسبة الأكثر انخفاضا تكون عند أبناء الطبقة العاملة. يجب فهم معنى هذه المعطيات جيدا وتسجيل أن الأمر يتعلق دائما بنجاح متوسط في طبقة اجتماعية معينة. وفي المتوسط يحظى أبناء الطبقة الأولى بنجاح أكثر من الطبقة الأخرى، وفي الباقي من أبناء العمال حصلوا على نقطة أحسن من عدد كبير من التلاميذ النابعين من الطبقة الأولى.
منهجيا رغم أن الفرد يشكل وحدة الملاحظة فإننا نفكر دائما في مجموعات أو جماعات محددة حسب الطبقة السوسيو مهنية للأب كما في الحالة الراهنة، أو حسب متغيرات أخرى اجتماعية مثل المستوى الثقافي للعائلة وحجمها ومقر سكنها.
 وبعد القيام بهذا التحقيق يجب التأكد من أن الأصل الاجتماعي هو الذي يحدد مستوى النجاح أو الرسوب المدرسي، بعبارة أخرى علاقة التبعية البينية.
ويمكن أن تفسر العلاقة بين الطبقة الاجتماعية والنجاح بوجود علاقة اخرى بين كل من المتغيرين وتغير ثالث لم نأخذه بعين الاعتبار، نفترض ان الانتماء لطبقة معينة والنجاح ناتجة عن الوراثة في هذه الحالة نقول ان الأفراد الأكثر ذكاء ينتمون للطبقات البرجوازية وابناءهم لهم نسبة نجاح مرتفعة بفضل الوراثة الجينية.
ويميل مؤلفنا إلى القول بأن المغيرات المدرسية حاسمة أكثر من المتغيرات الاجتماعية.
يرى محمد الشرقاوي أن الانتقاء المدرسي يفيد الأطفال المنحدرين من أوساط اجتماعية متواضعة أكثر من غيرهم، والولوج إلى المسالك ونوع المؤسسات الأكثر تشريفا يخضع لانتقاء مدرسي قاس. وتتم هذه التصفية تبعا للنجاح المدرسي المسبق للتلميذ ولبعض المتغيرات المدرسية الخارجية كالأصل الاجتماعي. و بعد الانتقاء المدرسي يأتي الانتقاء الذاتي بفرضية التأثير على إمكانية رؤية ميكانيزمات الانتفاء. كلما كانت الشبكات المدرسية شفافة، وكلما كانت معايير انتفاء النظام جلية (واضحة)، إلا وكان التلاميذ المنحدرين من الطبقات الاجتماعية المحرومة مستفيدين من النظام المدرسي.
يعني الباحث بالانتقاء الذاتي النتيجة المحصلة من القرارات المتخذة من طرف التلميذ أو عائلته التي ترتكز على معايير أخرى تختلف عن معيار مستوى النجاح التي تقود التلميذ، إما إلى خارج المنظومة التعليمية بصفة نهائية أو التخلي على مسلك مشرف والالتزام بمسلك غير مرغوب فيه.
إذا عرفنا الانتقاء الذاتي بالارتكاز على قاعدة مستوى النجاح المدرسي، سنسجل أن:
1)                   الأطفال المنحدرين من الطبقات الاجتماعية المحرومة، قليلا ما يتوجهون إلى المسالك المشرفة مثل أطفال الطبقات المحظوظة.
2)                   أطفال الطبقات المحرومة يغادرون المدرسة مبكرا مقارنة بالطبقات المحظوظة.
نستخلص مما سبق أنه ينبغي تعويض المتغير "قسم" بعوامل أخرى اجتماعية او مدرسية:
-                       في ظل مستوى نجاح متعادل ونظام عائلي مثماتل بعض التلاميذ المنتمين لمسلك مدرسي (شعبة) واحد، لا يلتحقون دائما بالتعليم العالي مثل البعض الآخر.
-                       في مستوى مدرسي معين تكون نسبة الالتحاق بالثانوي منخفضة عندما يرتفع السن.
-                       تنخفض هده النسبة عندما يتدهور المستوى المدرسي. 
لنأخذ الآن الانتماء الاجتماعي بعين الاعتباروسنلاحظ:
-                       نلاحظ على انه في نفس مستوى النجاح والسن فإن تلاميذ الأوساط  المحرومة ذات حظوظ الالتحاق بالثانوية اقل من تلاميذ الأوساط الاجتماعية المحظوظة، فابن عامل مصنف كتلميذ ممتاز أو حسن حسب المعايير المدرسية، بالرغم من صغر سنه، أقل حظا للالتحاق بالثانوي بثلاث مرات من التلميذ المتوفر على نفس المواصفات وهو ابن او بنت إطار عال.
       توجد نظريتان تحاولان تفسير الانتقاء الذاتي؛ حسب الأولى التي تقوم على المعطى اللاشعوري للرسوب المستقبلي. ويعتبر بيير بورديو ممثلهما الرئيسي: أتقبل الرسوب أو الطرد المدرسي لأنني اعتقد مسبقا وبدون شعور العقوبات التي تخصصها المدرسة لي ولأمثالي. كيف يتم هذا الاعتقاد المسبق اللاشعوري؟ في البداية استبطن البنيات الموضوعية التي تصير مظهرا لطبقتي، وفي وقت آخر أجسد (أظهر) ما أفعله. في هذه الحالة لا أقوم سوى بإعادة ما ترسخ في ذهني، أجيب تقريبا بصفة آلية وبكل فرح على الأسئلة المطروحة علي من الواقع المعيش حسب قواعد السلوك التي تعلمتها.
والنظرية الثانية تظهر ميكانيزمات القرار العقلاني أثناء الأشغال في سيرورة الانتقاء الذاتي: أقر بطريقة منطقية حسب العناصر التي أتوفر عليها بحظوظ مسايرة الدروس والنجاح فيها، لا حاجة لنظرية "اللاشعور ولا " استبطان البنيات"هنا، ولا بجواب آلي على ما أستبطنه. إذا كان الإرث الثقافي يؤثر على القدر المدرسي للفرد في بداية الدراسة، فهو بالعكس يلعب دورا أقل أهمية فيما بعد. فقرار متابعة الدراسة أو مغادرتها (تركها) أو اختيار مسلك مشرف مرتبط بحساب يأخذ بعين الاعتبار المخاطر والتكاليف والأرباح ...إلخ. 

ثامنا: إعادة الإنتاج
تقسم المدرسة التلاميذ بواسطة نظام للمكافآت مثل النقط والجوائز التي تعد عاملا لتحفيز التلاميذ على مواصلة التعليم، إلا أن نظام التقويم هذا يكرس النجاح المدرسي بدل تكريس المكانة أو المستحقات الأخلاقية. وللأسف لم يعط دوركايم أهمية كبرى لهذه الوظيفة لأنها حسب قوله لا تحتل مكانة أساسية في التربية الأخلاقية.
سيستعيد وولر هذه الدراسات ويعيد صياغتها انطلاقا من وجهة النظر التي همشها دوركهايم. فإذا كان دوركهايم يركز على النظام الأخلاقي أكثر فوولر من جهته يعطي الأولوية لنقل المعرفة ولنتائجها على نوع التأثير الاجتماعي المتبادل داخل القسم.
وعلى العموم فالأستاذ لكونه مسؤولا على ضبط المعارف من التلاميذ فالمؤسسة المدرسية تحول له سلطة إدارية، لكن تحفيز التلاميذ يتطلب علاقات حميمية وروابط عاطفية خارجة عن العلاقات التي تفرضها الوظيفة البيروقراطية.
يميز Woller يميز بنوعين من السلطة : القيادة الشخصية والقيادة المؤسساتية
فالأولى: تحدد خصائص الأفراد ونظام التأثير المتبادل الاجتماعي
الثانية: يكون الأفراد مجبورين على التكيف مع النظام القائم وتذكر شكلا متطرفا من الزعامة الشخصية ويتمثل في العلاقة بين زعيم جماعة دينية معنية وتابعيه. هذه التأثيرات غير متوقعة بالنسبة لزعماء هذه الجماعات.وعلى العكس من ذلك في الزعامة المؤسساتية يجد الزعيم الوضعية معدة له مسبقا.
إن الزعامة المؤسساتية تطمع لإيجاد تمويه واضح للحدودية لأنه يوجد دائما ميل لتجاوز الحدود من طرف التأثير المتبادل الإنساني.
أما الزعامة الشخصية وبتغييرها الدائم للقياسات تجد مكانها (أي كلما حاول الزعيم أن يتصف بما تمليه عليه الجماعة سيجد مكانه أكثر).
على الأستاذ من خلال متصبه أن يفرض احتراما للقواعد المؤسساتية ولكن في بعض الأحيان يترك التلاميذ يحرفون النظام القائم بصفة استثنائية.

تكافؤ الفرص
إن مشكلة تكافؤ الفرص التعليمية تنزوي تحت المساواة لا غير، وأمام التفاوت الكبير بين الأفراد فإن السياسات الاجتماعية تكون حلا يتمثل في حبك المقررات وإعادة التوزيع والدعم.
ومن بين الوسائل المستعملة لمحاربة اللامساواة، فقد حظيت السياسات التربوية بالإهتمام الذي تمليه القدرات العمومية.
وإن تغيير تركيب المجتمع بواسطة المدرسة ليس بفكرة حديثة بل يرجع هذا إلى القرن السادس عشر في الوقت الذي كان فيه الصراع بين المحافظين والمجددين.
إن فكرة اتخاذ التربية كسلاح ضد الفقر وليدة عهد جديد وهي تعتمد على اقتراحين سنقوم بتحليلهما في هذا النص.
حسب الاقتراح الأول فإن التربية تكون في الوقت نفسه وسيلة اندماج وتحريك المجتمع.
وحسب الثاني فإن هذه التربية منبع تشريع المجتمع والميز وغاية التغيير والتحويل تقتضي الميز التربوي وتنشيط العملية الحركية
I – أبعاد فكرة مساواة الفرص التعليمية:
كانت المساواة ولاتزال قائمة في مجتمعات عدة وهي وليدة الإرث عن الأسلاف، وتجد هذه دعامة في النجاح التجاري للشخص وهنا تتشخص قاعدة وقيمة آدام سميت وأتباعه.
إذا كان العمل منبع القيمة فإن  من يعمل أكثر يعني وهذا بالتالي تطبيق لقاعدة "لعملين متساويين أجرتان متساويتان"
ورغم أن المساواة قد أسسها الاستحقاق ووجوب وجود بداية متساوية للجميع، فإنه يبقى يساير اللامساواة.
وفي حركة منتجين خصوصيين بدون مأجور وبدون ممتلك خصوصي لأرض يقومها الزمن المستعرض في الإنتاج وفيما بعد فإن النجاح التجاري سيعوض بقيمة قارية.
لقد كانت التربية حتى القرن 19 تستخدم وبتدقيق التشريع المجتمعي إذ كانت المدارس الخصوصية مخصصة للطبقات العليا ومن جهة أخرى فإن المدارس العمومية الممولة من طرف الدولة فقد كانت للطبقات العمومية.
ويعيش الكثير من بلدان العالم الثالث تحولا بأسباب مماثلة وهنا فإن مساهمة أي الفرص التعليمية.
الحظوظ الدراسية لا معنى لها، إلا في المجتمعات التي تقرب الصناعة والطلب الجماعي لمدرسة فريدة للجميع يشكل مشكلة مساواة الحظوظ وهذا يعني:
 - 1تربية مجانية وعمومية إلى حد أدنى
 - 2توزيع نفس المعرفة على الجميع
 - 3المساواة في المكتسبات الدراسية ومدرسين يتمتعون بنفس التكوين
 - 4تركيب جماعي سكني دراسي واحد (موحد) ويجب على المدرسة ألا تكون وسطا للميز
 - 5مساواة في التأثير المدرسي أي أن مساواة حظوظ النجاح في المدرسة يتمثل بها التلاميذ في أصول اجتماعية مختلفة.
وتعتمد كل من هذه المتطلبات على قانون أو قاعدة، فإن كانت المجانية لا تأخذ بعين الاعتبار المراحل التجارية لعدم المساواة فإن واجب التربية أو الدراسة لا يميل إلى حد الصفر أو العدم بالنسبة لجميع الأسر.
وفي الواقع على الطفل أن يشكل عضو للقوة العملية ومنبعا لمرد ودية الأسرة، ومزاولة المدرسة من طرف الطفل ينقص من ربح الأسرة، ومشكلة المساواة في الحظوظ لا تضع نفسها في جميع الميادين الاجتماعية وليس للمساواة الحق في الوجود حيث يطبق قانون موروث عن أب وحين تكون الأسرة هي التي كيفت أدوارا معنية للأطفال وحضرتهم لتلقى حياة عملية وكلفتهم أدوارا معنية.
ففي البلدان الإغريقية بروما وفي المجتمعات الصناعية التي تعهد تربية الطفل خصيصا للأسرة التي هي الوحدة والقاعدة المنتجة.
الكلام عن مساواة الحظوظ بين الأطفال ذوي مصير مقرر مسبقا لا معنى لهن وهذا ليس بالنسبة لتسيير مجتمعي لا تكون فيه الأسر مقرا للإنتاج التجاري.
إذ تصبح هذه غير قادرة على منح الطفل مقرا عملي الشيء الذي يدفع به إلى حد البحث عن منبع للتحصيل واعتمادا على هذه الحركة الإلزامية فإنه ليس للتعليم المهني إمكانية الموجود كما كان فيما سبق في وسط الأسرة فيصبح التعليم إذا مسؤولية الجماعة ويأتي إما من مشغل أو من منظمة أخرى وبالأخص الدولة.
هنا أحد الأسباب التي يدعيها المتغيرون الاجتماعيون في القرن 19 والتي نجد فيها نقد المقرر لكوطا دومارسك، هذا النداء للتربية ذو طبقات متعددة مجتمعية تختلف عن الطبقات البرجوازية المنبثقة عن تربية أطفال في مدارس قروية وفي غالب الأحيان تسيرها الكنيسة وهذا نفسه كانت تعيشه دول غربية منذ نصف قرن خلا والشيء نفسه يوجد في دول متعددة من العالم الثالث.
إن التوزيع المطابق للمعرفة بالنسبة للجميع يخلق مشاكل أكثر تعقيدا.
في هذا بغض النظر عن بدائية الحساب والقراءة والتخطيط فإنه يصبح من الصعب إنشاء برنامج دراسي صالح للجميع وعلاوة على مستوى التحكم في المدركات التي تختلف حسب المجتمعات والعصور فإن إعداد مقرر دراسي جماعي لا يعرقل مستقبل التلميذ أي الحفاظ على كل الحظوظ المخولة للالتحاق بالجامعة، لكن تبقى هنا في مأزق وهو: اقتراح مقرر موحد للجميع يعود بالخير و لا شك على صنف من التلاميذ إما إنشاء مقررات دراسية مختلفة (كله سيكتبه –عصرية-تقنية-صناعية) يؤدي لا محالة إلى الامساواة.



تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن سؤال أساسي ألا وهو تقسيم الاختلاف الذي يطبع نسبة النجاح المدرسي للتلاميذ الذين يترددون على أنواع مختلفة من المدارس، ونعني بذلك التفاوت البيني للمدارس.
يسمح تحليل نتائج الاختيارات بتقييم التفاوت البيني للمدارس بدقة نسبية ، تتراوح نسبة التفاوت الإجمالي ما بين 5 إلى 35% حسب الجماعات العرقية والمستويات الدراسية ويعني هذا أنه مهما كانت طبيعة المصدر فإن التباينات بين الأفراد ضمن كل مدرسة في جميع المستويات  الدراسية ولدى كل الجماعات الاثنية والاجتماعية.
بصيغة أخرى لا يمكن أن نفسر الجزء الأكبر من هذا التباين في عملية النجاح بالاختلافات المرتبطة بالفوارق بين المدارس لأنها تحصل ضمن كل مدرسة. يشير هذا الطرح الأول إلى أنه رغم التنوع الكبير للمعدات المدرسية والمناهج واختلاف الهيئات التعليمية أو رغم وجود شرائح متنوعة للتلاميذ ضمن مختلف المدارس فإن أكثر من 70% من التباعد الحاصل في نسبة النجاح لكل جماعة تفسر الخصائص الكامنة في التلاميذ أنفسهم.
ويخرج كولمان وآل بخلاصة معقولة كون " مدارسنا تتصف بقدر كبير من التشابه، اعتبارا للتأثير الذي تمارسه على العملية التعليمية تدع المعطيات إلى الاعتقاد بأن تباين أصناف المدارس ليس مرتبطا ارتباطا متينا بالتباينات الخاصة بالنجاح المدرسي للتلاميذ" ويضيفان بأن "المعطيات الحالية تزودنا بالأسباب التي تجعل الأقليات التي تبدأ تمدرسها بنقص تعليمي تعاني عبر مسارها الدراسي الإثني عشر: إن المدرسة تبدو عاجزة للإرث الأسري، وهذا أمر صحيح سواء داخل كل جماعة عرقية أو بين مختلف الجماعات"
ولنتأمل حاليا التأثير الذي تمارسه العوامل المحددة للنجاح (النفقات، مميزات الهيئات التعليمية إلخ.) وأخيرا الخصائص المميزة لهيئة التلاميذ، بادء ذي بدإ فيما يخص الجماعات العرقية المختلفة فإن الفرق الإجمالي بين المدارس وضمن كل مدرسة والذي تفسره المميزات العائلية تتراوح بين 30% و 50% من إجمالي البون المتعلق بالنجاح المدرسي ، ثانيا تفسر الأبعاد المتعلقة بالمحيط العائلي والتي تقاس بثمانية مؤشرات مختلفة ما بين 10 و 25% من تفاوت نجاح الأفراد فيما بين المدارس. هناك نتيجة ثالثة لا تقل أهمية تشير إلى أن الارتباط بين النجاح المدرسي والحالة الموضوعية للبيت العائلي تدعم إلى حد كبير الأطروحة القائلة بأن تأثير العائلة على الطفل يصل أوجه خلال المراحل الأولى بحيث أن الاختلافات في النجاح تتضاءل بعد المراحل البدائية للتمدرس.
لا يختلف اثنان في أن الجزء الجديد والأهم في هذه الدراسة التي قام بها كولمان يتعلق بمجموعة من الأطروحات المرتبطة بتأثيرات التركيبة الاجتماعية للمحيط المدرسي على عملية النجاح وطموحات التلاميذ.
يخرج المؤلفين عبر سلسلة من المقارنات المرتبطة بالتأثير الذي تمارسه المتغيرات المدرسية (المعدات ، المتغيرات المرتبطة بهيئة التدريس، والمحيط الذي يتألف منه التلاميذ) بطرح أساسي يشير إلى "أن الصفات المميزة للتلاميذ الآخرين تفسر التفاوت المرتبطة بنجاح التلاميذ الذين ينتمون إلى الأقليات أكثر من أي صفة ملتصقة بالمعدات المدرسية وبشكل أقل الهيئة التعليمية" .
انطلاقا من هذه المعاينة العامة يحدد المؤلفان الصفات المميزة المحيط المدرسي و يؤكدون أولا على علاقة الارتباط القوية بين مجموعتين من المتغيرات المتعلقة بهذا المحيط: الإرث الثقافي الذي يتألف منه التلاميذ والذي يقاس بنسبة التلاميذ التي أكدت توفرها على موسوعة ، ومستوى طموحه بشأن حياتهم المدرسية والذي يقاس بنسبة التلاميذ الذين  عقدوا العزم على ولوج المستوى الجماعي. لأسباب بديهية تتعلق بطبيعة التاسع والثاني عشر في المستوى الدراسي الثاني عشر نجد أن الإرث الثقافي وطموح التلاميذ مرتبطتين أشد الارتباط بالنجاح إذا كانت العلاقة بين النجاح والإرث في مستوى التاسع مشابهة تقريبا بما تمت ملاحظته في مستوى الثاني عشر فإن مستوى طموح التلاميذ في مستوى التاسع يبدو على العكس من ذلك أقل ارتباطا بالنجاح .
وهكذا تبرز صفة مميزة جديدة في المحيط الدراسي تأثر تأثيرا كبيرا على درجة النجاح ألا وهي التركيبة العرقية لهذا المحيط. إن فحصا للعلاقة بين هذين المتغيرين يوضح أن التركيبة العرقية للمحيط المدرسي تكشف بشكل كبير الفرق الذي تفسره العوامل المدرسية ماعدا هذا الأمر لا يبقى من مؤشرات التركيبة الاجتماعية إلا القليل الذي يحمل تأثيرا على عملية النجاح ويلاحظ أنه كلما ارتفعت نسبة الطلبة البيض ترتفع نسبة النجاح بين تلاميذ كل مجموعة عرقية.
وأخيرا تؤدي الدراسة المفصلة لعلاقة الارتباط بين صفات الهيئة التعليمية والنجاح المدرسي إلى نتيجتين أساسيتين . تشير النتيجة الأولى إلى تأثير المتغيرات الأولى على النجاح المدرسي للتلاميذ ينموا بالاطراد من مستوى الدراسي إلى آخر في بعض الحالات تتضاعف قوة الارتباط بين متغيرات المستقلة والمتغير الذاتي إلى 10 مرات . ترتبط النتيجة الثانية بالعلاقة التي تجمع بين تأثير هذه الصفات عن النجاح ، وحساسية بعض فئات التلاميذ تجاه المحيط المدرسي. وهكذا يمكننا أن نجزم بأن نجاح التلاميذ السود جنوب و.م.أ أثرت فيهم صفات الهيئة التعليمية أكثر ما أثرت في التلاميذ السود في الشمال أو التلاميذ البيض. في هذا الإطار يعلق كل من كولمان وآل بقولهما "إن لهذه النتيجة أهمية قسوى لأنها تشير إلى أن المدرسين الأكفاء لهم القدرة على تقديم عون أكبر للتلاميذ اللذين ينتمون إلى أقليات تعاني من ضعف تعليمي كما تشير إلى أنه مهما كانت الفئة التي ينتمي إليها التلاميذ فإن للمدرسين الأكفاء تأثير أكثر على نجاح التلميذ القادم من محيط معوز ثقافيا.
إن عرض النتائج الأساسية للدراسة لا يمكن أن يكون كاملا دون فحص للمجموعة الأخيرة من المتغيرات القادرة على تحديد النجاح المدرسي ونعني بذلك مجموعة التمثلات التي يحملها التلاميذ عن أنفسهم. وقد تمت دراسة ثلاثة أوجه من التعبير عن الدوافع المرتبطة بالمتغير الذاتي؟ يتعلق التعبير الأول بالاهتمام الذي يوليه التلميذ للمدرسة، بينما يرتبط الثاني بالصورة التي يحملها التلميذ نفسه، أما التعبير الثالث فهو ما يطلق عليه المؤلفين (حس إدارة المحيط) أي الاعتقاد بإمكانية تغيير المحيط بالعمل المناسب. يؤكد مؤلفي هذه الدراسة بشدة على الأهمية القسوى لهذه المتغيرات و يصرحان بأنه " من بين كل المتغيرات التي تم فحصها بهذه الدراسة، بما في ذلك كل الأمور المرتبطة بالإرث العائلي وكل المتغيرات المدرسية تظل هذه المواقف الأشد ارتباطا بين أي متغيرات أخرى بل إن متانتها في بعض الحالات تضاهي العلاقات بين النتائج المسجلة .
سوف لن نشير إلى كل التحاليل الثانوية التي ساندت بشكل جزئي أو كلي هذه النتائج على غرار مساهمات الخبير النفسي الأمريكي جينكس ومدرسة هارفارد والتي نشرت في كتابين كان أهمها وأكثرها إثارة للجدل l'inégalité (عدم المساواة) والذي أصبح في متناول الجمهور الفرانكفوني بفضل ترجمة هذا العمل حديثا .
III – هل هناك تزايد ، تراجع أو استقرار في عدم تكافؤ فرص التمدرس؟
الإجابة على هذا السؤال ليست بالشيء السهل ، لكننا نتصور حصول ذلك بعد تمكننا من التوفر على معطيات إحصائية طويلة ممتدة لعدة عقود ومصاحبة بعدة ملاحظات ، هذه الإحصائيات يمكن أن تمثل معدلات التمدرس، معدلات البقاء داخل النظام الدراسي حسب الفئات الاجتماعية ، أو التردد على مختلف الشعب المدرسي أو الجامعية ، حسب الجنس، المناطق والوسط الاجتماعي.
معدل التمدرس       =    عدد الأطفال المتمدرسين المنتمين لنفس الفئة  X 100
لفئة اجتماعية معينة         العدد الإجمالي للأطفال المنتمين لنفس الفئة
                                   الاجتماعية
لتفسير ذلك ، نعتبر مثالا لمعدل التمدرس حسب الفئات الاجتماعية في صفوف أطفال لا تتعدى أعمارهم 16 سنة.

1954
1962
1968
1975
1982
أرباب عمل
30
45
51,7
65
93,9
أطر عليا
59,3
87
90
92
99
مزارعين
7,5
22,5
38,3
56
98
عمال
16,3
26,3
35,40
45
95,7
معدل التمدرس حسب الفئات الاجتماعية
في سن 16 سنة

نلاحظ انطلاقا من الجدول:
1- يعرف معدل التمدرس ارتفاعا عند آل الفئات الاجتماعية ، مما يعني أن مدة الحياة للشباب داخل النظام الدراسي لا تعرف توقفا، وهي ظاهرة تترجم قوة عالم التربية
2 تفصل بين السنوات التي قررت فيها الإحصاءات حقيبة زمنية تتراوح بين 6 أو 8 سنوات.
3 – نسجل أن تطور معدلات التمدرس بتغيير حسب السنوات و الفئات الاجتماعية.
4- التطور الأكثر سرعة حصل بين السنتين 1954 و 1962
5- نجد أن معدل التمدرس لجميع الأطفال تقترب من العتبة 100% في سنة 1982.
 - 6 نلاحظ أخيرا أن اقتراب معدلات التمدرس لجميع الأطفال إلى عتبة التشبع 100% (حيث أن جميع الأطفال القابلين للتمدرس تظهر في الحقيقة متمدرسين)
يوازي انخفاض في تسارع معدلات التمدرس يقترب من الصفر.
سيتم اختبار التطور لعدم تكافؤ الفرص بدراسة المدخل إلى التعليم العالي، من السهل جدا البرهنة على كون أن الحد من عدم تكافؤ الفرص كان حاضرا، لكنه كان مرتبطا إيجابيا وبقوة بمستوى الدراسة، حيث نجد أنه كلما تسلقنا تراتبية الدراسات كلما كان عدم تكافؤ الفرص قويا.
سنفحص فيما يلي الجدول التالي الذي حصلنا عليه بعد اختزال عدد الطلبة إلى ألف رجل نشيط تتراوح أعماره بين 45 و 54 سنة .
مدخل إلى التعليم العالي في فرنسا حسب الفئات الاجتماعية
من 1959 إلى 1978


1959
1960
1964
1965
1978
1979
أساتذة التعليم الثانوي والتعليم العالي
785,6
1207,9
1318,60
عمال
6,3
28,50
71,50
ثلاثة اقتراحات على الأقل يمكن طرحها:
أولا : عدم تكافؤ الفرص حاضر بقوة في المستويات العليا والعكس صحيح
ثانيا: إذا تم قياس عدم التكافؤ بتقرير الأعداد في سنتين، سنثبت أن عدم التكافؤ بدأ ينخفض تدريجيا. لكل ألف أب أستاذ نجد  785,6 طالب في سنة 1960 و 1318,60 في سنة  1979 ولكل ألف أب مهنته عامل سنجد 6,3 طالب في سنة 1960 و 71,50 بالنسبة لسنة 1960 . الأطفال الذين ينحدرون من الفئة الأولى يحضون ب 125 مرة أكثر من فرص الدخول للجامعات من أطفال العمال ، وبالنسبة لسنة 1979 سيتقلص العدد 125 إلى 18 فقط، رغم أن عدم تكافؤ الفرص يتجه نحو التراجع إلا أنه يضل قوي جدا .
ثالثا: لم يتطور الدخول إلى الجامعة بنفس الشكل بالنسبة لجميع الفئات الاجتماعية.
من أجل تقدير تطور عدم تكافؤ الفرص الجامعي ومقارنة هذا الجدول لصالح من المناسب أن لا ننسى  أن بعض الفئات الاجتماعية تعرف تراجع ديموغرافي قوي وهو حال المزارعين الحرفيين التقليديين والتجار وأخيرا العمال على عكس ذلك تعرف الفئات الأخرى نشاطا سكانيا يرتفع بحساسية مفرطة.


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage