3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

التدبير المدرسي الجديد عند آلان بوفيي

الخط






الحسن اللحية













1- نظريات التنظيم الكلاسيكية
أ- التايلورية
ينطلق رواد التنظيم من الرأي القائل بأن داعي وجود تنظيم معين هو داع اجتماعي، ثم إن التنظيم هو نتاج وليس استجابة، نتاج اجتماعي عقلاني لتحقيق هدف أو أهداف كثيرة. ويحتوى في الآن نفسه على كثير من الخطط والإجراءات والتواصلات والسلط وتقسيمات وجماعات وأنشطة مختلف الفاعلين للتحكم في الفضاء والزمن.
لقد كان المنظور التحليلي، وذلك منذ زمن فرويد، يدرس وظائفية الجماعات والمجتمعات كجماعات اصطناعية. وأما التنظيمات فتنطلق من اعتبار التنظيم كنسق اجتماعي إنساني يطرح مشاكل الارتباط و القرار والمشاركة والسلطة ومراقبة الأنشطة، وهو في نفس الوقت نسق ثقافي ورمزي وتخيلي. وبالانتقال من التحليل التايلوري المركز على تحليل المهام إلى المقاربات التي تهتم بالأدوار والمهام سنكون قد انتقلنا إلى منظورات جديدة(61) .
يعود تنظيم الشغل (مفهوم التنظيم) الكلاسيكي إلى المهندس فرديرك.ف.تايلور (1909)، تحت اسم التنظيم العلمي للعمل، ويتأسس علمه على المجاز الميكانيكي، بحيث أنه فكر في تنظيم العمل كما يفكر في الآلة حتى تشتغل على الوجه الجيد.
يقوم تنظيم العمل على تقسيم المهام داخل وحدات الإنتاج: إنسان –مهمة، وتوزيع الوظائف وفق منظور عقلاني للمنفذكي يتأتى التنبؤ داخل المقاولة أو التنظيم عامة. وقد جعل هذا التنظيم تايلور من بين دارسي الزمن، زمن الإنتاج، وطرق العمل(62).
اكتملت الرؤية التايلورية في سنة 1916 مع توفر مذهب إداري سمح بوجود نظرية للتنظيمات طرحها الفرنسي هنري فايول خصيصا لمسيري المقاولات.
كان فايول يميز بين ست وظائف داخل المقاولة متفرقة و متكاملة: تقنية وتجارية ومالية و إدارية ومحاسباتية وأمنية(63)، كما ميز في إدارة التنظيم بين ثلاث وظائف نوعية هي التنبؤ و التنفيذ و المراقبة. وفي التراتبية التي تفضي بالتنظيم إلى تحقيق أهدافه ميز بين وظيفة التنبؤ و التنظيم والأمر والتنسيق.
  يتميز فايول عن تايلور بمنح السلطة لوحدة آمرة أو وحدة الخط التراتبي: رئيس واحد وبرنامج واحد لتحيق الهدف لأن ازدواجية الأوامر ينتج عنها الصراع الدائم(64).
وأما ماكس فيبر (1922) فقد وصف النموذج المثالي type idéal للبيروقراطية القابل للتطبيق في المقاولات الخاصة عوض التنظيمات العمومية، مما دفعه لتوضيح المهام والإجراءات والوظائف وعقلنة التنسيقات بين الوظائف. فالنموذج البيروقراطي يسعى لسيادة القواعد المجردة الموضوعة بقصدية.كما أن ماكس فيبر انتبه لمهمة الزعيم Leader في التنظيم وطور وفق ذلك نمذجة لعلاقات السلطة فتوصل إلى ثلاثة أنواع من التحفيز على الخضوع أو الامتثال، هي النموذج الكارزماتي Charisme المرتبط بشخص الزعيم، والنموذج الفيودالي المرتبط بالخضوع للسلطة التقليدية، وأخيرا النموذج العقلاني المرتبط بالأفراد، أي انخراط الأفراد في العقلنة.
تشكل أعمال هؤلاء المفكرين السابق ذكرهم النماذج الصورية الأولى للتنظيمات، وهي كلها نماذج وظيفية أو مقاربات وظيفية مثل ماقام به هنري فورد في سنة 1920 حينما أبدع مفهوم العمل المتسلسل موحدا جميع الأوراش في وحدة مستقلة. وبذلك تكون الفوردية قد أتمت المهمة وكملت التايلورية عبر تعميم السيرورات في عمل متسلسل(65).
لابد من الإشارة إلى أن مستوى التكوين الذي كان عليه العمال في عهد التايلورية كان ضعيفا، بل ومستوى تعليم وتكوين السكان كذلك. والمبدأ الذي قامت عليه التايلورية يتجلى في تكرار الحركة والفعل، وذلك ما يلخص إقصاء الفرد ومحيطه ومحيط التنظيم.
 ب- تيار العلاقات الإنسانية
تبين أن حدود تنظيم العمل عند التايلورية بدأت تبرز مع بداية الثلاثينيات من القرن العشرين، وبالتحديد مع أبحاث تستند للأنتروبولوجيا، وذلك بالتركيز على ظواهر غريبة مثل علاقة الإضاءة بالإنتاج التي أجريت حولها التجارب في أمريكا ما بين 1920و1930 والتركيز على فكرة الفريق والقيادة (الزعامة) والتنظيم الشكلي. كما لا نغفل أن أحد رواد هذا التيار، وهو إلتون مايو، أصر على خلق مستشارين للمقاولات مستقلين عن القيادة ووضع في شمال أمريكا أولى علب الاستشارة والجرائد المتخصصة في المقاولات، وبذلك لم تعد المقاولة مجموعة من الأفراد، ولكنها كذلك مجموعة من العلاقات البينشخصية(66).
وحصل أن شرع كرت لوين Kurt Lewin في دراسة دينامية الجماعة في نفس الفترة تقريبا، منتصرا إلى الأسلوب الديمقراطي على الأسلوب الأوامري الأوتوكراتي. وبذلك أصبحت الجماعة شيئا آخر غير المجموع العددي للأفراد.
وفي نفس الفترة كذلك أبدع لفي مورينوLevy Moreno السسيومترية لقياس العلاقات السوسيو-معرفية والسوسيو –عاطفية للجماعات(67).
إذن، سيكون اهتمام تيار العلاقات الإنسانية منصبا على الحاجات الاجتماعية للعمال والجماعات الصغرى، بحيث لم تعد السلطة الشكلية للتنظيم هي السلطة الفعلية؛ ففي كل تنظيم هناك سلط كثيرة مثل سلط الخبرة والمرجعية و التأثير والاستمالة إلخ...ورغم ذلك فإن هذا التيار حسب الكثير من الباحثين يظل تايلورية بوجه إنساني(68).
ج- تيار العلاقات الإنسانية الجديد
انطلق أبرهام.ه.ماسلو Abraham.H.Maslow (1945) من إرادة إدماج الفرد في التنظيم مميزا خمس حاجات هي الحاجات الفزيولوجية والأمنية والعلاقات الاجتماعية والتقدير وتحقيق الذات. و هي حاجات متراتبة لا يشعر الفرد بالثانية إلا إذا حقق ما قبلها. كما أن هذه الحاجات تكون على شكل هرم تبدأ بالحاجات الفزيولوجية لتنتهي بتحقيق الذات. ثم عمل لاحقا، نفس الباحث، على إتمام الحاجات التي توجد في أعلى الهرم (التقدير وتحقيق الذات) بإضافة الحاجة إلى المعرفة( وتشمل الفهم وإعطاء معنى للحياة) والحاجات الروحية (المشاركة في عمل يفوق الشخص وحياته).
ويخلص ألان بوفيي بعد هذا العرض إلى أن العمل لا يلبي رغبات اقتصادية ومادية (فزيولوجية وأمنية) وحدها، لكنه يلبي رغبات من طبيعة أخرى مثل الحاجات العلائقية والرغبة في التقدير وتحقيق الذات(69) .
عمل دوغلاس جورج Douglas Mc Georges (1960) من جهته على التمييز بين النظرية أ والنظرية ب. تستحضر النظرية الأولى التايلورية، بحيث يكون الفرد مرغما على العمل لتحقيق ما يراه التنظيم من أهداف، مراقبا لا يسمح له بالمبادرة.وأما النظرية ب فترى أن العمل مصدرا للإشباع يعتبره الفرد وسيلة من بين وسائل أخرى، وبذلك قد يسلك إما المراقبة الذاتية أو التعاون مع غيره أو التدبير الديمقراطي إلخ...ويضرب ماسلو بتنوع أنظمة اليونان مثالا على ذلك؛ إذ اختلفت الحياة في إسبرطة عنها في أثينا. فالأولى كانت تعتمد النظرية أ بينما اعتمدت الثانية النظرية ب(70) .
ومنذ 1950 سيشتغل جورج فردمان Georges Freidman على الاستلاب الأخلاقي للعمال. وتلك كانت الفترة التي بدأت تولي الأهمية لحياة العمال ووضعهم وتحفيزهم وإعادة النظر في الزعامة.كما اشتغل رنسيس لكرت Rensis Likert (1961) على الإنتاجية في المقاولة منطلقا من التحفيز، مطالبا بخلق بنيات جديدة تمكن من وجود جماعات مرتبطة ومتواصلة فيما بينها(الشبكات)، مقترحا جماعة من العمال تتوفر فيهم النجاعة ولهم القدرة على المراقبة الشاملة ووضع الأهداف، واللجوء إلى التدبير التشاركي والاستشاري(71).
وفي الفترة ذاتها ظهر الباحث فرديرك هرزبرغ Frederick Herzberg الذي أبدع مفهوم إغناء المهام. يرى الباحث أن الاكراهات التي تفرضها النظرية لا تقود إلا إلى نتائج سلبية؛ لذلك يجب البحث في العوامل المحفزة ومحركات الأفراد الداخلية(النظرية ب). وقد جعل من الحاجة إلى تقدير الذات وما يرتبط بها أهم ما ينبغي أن يقوم عليه التحفيز(42).
نخلص إلى أن تيار العلاقات الإنسانية الجديد غير المنظورات الكلاسيكية بالقول بأنه ليس على الفرد أن يتكيف مع التنظيم ولكن على التنظيم أن يغير بنياته الصورية حتى يتمكن من ملاقاة حاجات الأفراد كالتقدير مثلا.ثم إن هذا التيار أولى الاهتمام للجماعة ولروابطها ومقاييسها وأساليب الأوامر، و ربط بين أهداف التنظيمات وتحفيزات العمال.
د- التحليل المؤسساتي     
يعود ظهور هذا التيار إلى 1960 مع أبحاث جاك أردوانو وجورج لابساد وروني لورو وجاك غيرو و ريمي هيس وغيرهم من الباحثين.لا يتعلق الأمر هنا بنظرية في المؤسسات وإنما بتيار سسيو-سايكولوجي، تيار يتوجه نحو التوجيه orientation في التنظيمات وممارسات التكوين.
يقوم التحليل المؤسساتي على فرضيتين قويتين؛ واحدة تعود إلى التحليل النفسي، وأخرى إلى الماركسية؛ وتلك الفرضيتان هما:
1- إن المؤسسة هي لاشعور المجتمع.
2- يظهر الصراع الطبقي في التنظيمات متقنعا بأقنعة متعددة كصراعات السلط.
إن ما يبرر الطرح المعتمد على التحليل النفسي هو وجود التحويل والمقاومة والتحليل إلخ... وما يبرر اللجوء إلى الماركسية هو المصالح والأجور والاستغلال إلخ...مما جعل الباحثين يرون في هذا التيار أنه تيار ماركس-فرودي.
يرى هذا التيار أن مشكل السلطة مشكل مركزي وأساسي لأن كل علاقة هي علاقة سلطة. فالمؤسسة تسعى لتتحكم في الممأسس أو الوضعيةكما هي لمجابهة كل من يريد التغيير أو لمواجهة لحظات الأزمة أو السلط المضادة. وقد أدخل التحليل المؤسساتي أربعة مفاهيم أساسية هي :
1- الممأسس ويشمل كل ما تحقق مثل القيم والمعايير المهيمنة والقوانين والأدوار و نظام العقوبات...
2- الممأسس ويشمل القوى المطالبة وسلب الممأسس.
3- المأسسة إرادة احتواء المطالب ومأسستها وإدخال تجديدات ومقايسس جديدة.
4- المحللون الذين يعملون على إظهار كل ما هو خفي بالعمل على المواجهة بين الممأسس والممأسس(73).
لنشر في الأخير إلى وجود جدلية في التحليل بين التحليل الميكروسكوبي والماكروسكوبي لتنظيم معين. يهتم التحليل الميكروسكوبي بالأفراد والوحدات الصغرى، بينما يهتم التحليل الماكروسكوبي بالبنيات الكبرى. 
 3- المقاربة النسقية
يقارن النسقيون بين المقاربة النسقية والدينامية والمقاربة الديكارتية التحليلية السكونية بحثا عن التمفصلات بين المقاربتين. والنسقية في نظرهم تعمل على اقتراح طرق لفهم الوضعيات المعقدة واقتراح حلول للمشاكل المطروحة فعليا.فهي في نظر الباحثين مقاربة توفر شبكات للقراءة وأدوات للملاحظة، وطورا تعمل كبراديغم يدخل إشكالات جديدة وممارسات جديدة. وهي مقاربة حاضرة في العلوم الاجتماعية، حيث إنها لا تشكل إلا مرشدا بسيطا للبحث كما قال برنار بيير ليسيير. وينظر إليها كثير من المسؤولين في التنظيمات كأداة تساعدهم على اتخاذ القرار(74). وأما من جهة أصل هذه المقاربة فإنها تجد جذورها في العلوم العرضانية مثل البنيوية والسبيرنطيقا ونظريات اللعب والاستعلام واللسانيات والبيولوجيا وعلم النفس والسسيولوجيا والأنتروبولوجيا وبصمات التقنية والتكنولوجيا والفزياء.ويرجع تاريخ ظهورها إلى 1940 (75) ومن جهة الموضوع فإنها تهتم باللامتناهي المعقد.
تنطلق المقاربة النسقية من المسلمة القائلة بأن الكل يتضمنه الجزء والجزء يتضمنه الكل أو من القولة القائلة بأن إثنين وإثنين يساويان خمسة. إن ما يهم هنا هي العلاقة، في الدرجة الأولى، بين الكل والأجزاء، وحيث المسلمة هي أن الكل أكبر من مجموع أجزائه. فالكائن الإنساني الحي هو أكثر من تجميع خلاياه لعدة اعتبارات وقد لا يتحكم في أجزائه التي تعمل وفق قوانينها الخاصة رغم أنها أجزاء من الكل.وأن محاولة فهم هذا الكائن قد لا تتأتى بتقسيم أجزائه إلى أجزاء بسيطة؛ أي باللجوء إلى المناهج التحليلية الكلاسيكية؛ إذ في هذه الحالة كيف سنفهم الكل في كليته أو كيف سنعيد تركيبه وبناءه؟(76) .
فإذا كان إدغار موران قد لاحظ أن الكل أكبر من مجموع أجزائه المشكلة له فإن هذا الكل بتعبير آخر يكون أصغر من أجزائه. وبإيجاز شديد يوجد الكل في العلاقة التفاعلية بين الأجزاء والتبادلات. ومن تم فإن تعقد نسق معين يعود إلى تنوع علاقاته الداخلية.
إن النسق وحدة معقدة منظمة، وهو كذلك مجموعة من العناصر (مكوناته) المتفاعلة فيما بينها ديناميا والمنظمة وفق وظيفة أو وظائف لتحقيق هدف أو أهداف. فالنسق كالإنسان والبحيرة والغابة والعائلة والجماعة والتنظيم والمدرسة والإنسان الآلي ووضعية التعلم والدماغ البشري إلخ... ولهذه الاعتبارات يستقيم الحديث عن النسق الاقتصادي والسياسي والديني والفلسفي والتربوي والتكويني ، وبالتالي يجوز القول في نظر البعض بأن الحياة ماهي إلا نسق الأنساق، حيث بعض الأنساق تكوي جامدة وأخرى حية أو تطورية، والحياة هنا تعني التغير(77) .
ورغم التعقيد الذي يميز النسق فإنه يعطيه وحدة وهوية تتجلى في كليته الغائية.فلولا الغائية لما تحدثنا عن هوية النسق. وتلك الغائية هي التي تنعشه وتسمح بتحديده، علما بأننا لا نغفل بأن النسق يتطور في وسط ما عليه أن يتكيف معه وإلا كان اختفاؤه حتميا. ويكون التكيف بتطوير الامكانات وإدخال التعديلات ومتابعة الغائية وبناء المشاريع وتجديدها.
كيف نعرف بأن نسقا ما بأنه نسق حي؟ وكيف نصفه لأن كل ما يحدث في نسق معين هو من النسق؟ ألح إدغار موران على فكرة النسق المفتوح، معتبرا أن التبادلات هي التي تغني النسق وتغذيه وتجعله يعيد التشكل بلا نهاية، علما أنه للنسق طبيعة الميل نحو الانغلاق أكثر فأكثر.لكن النسق المنغلق لا يتبادل مع محيطة.
وللنسق كذلك وظائف كما هو الحال في مؤسسة مدرسية أو مقاولة. وكل نسق حي مفتوح في نظر الفكر التحليلي يفكر في الاحتياطي، والفكر النسقي يفكر في التدفق (من أين يأتي التلاميذ؟ من هم؟ وفي التجهيزات والمواد والطاقة والاستعلام..) والتحولات التي تصيب الموارد. هكذا يتم التفكير في المسار والمآل والمدد الزمنية إلخ...(78) .
لقد كان التقليد الديكارتي يحصر التفكير في السبب والنتيجة: أ هي أصل ب. تكون العلاقة بين ألف وباء علاقة بسيطة وواضحة لأنها علاقة سببية معروفة للجميع، ظاهرة بذاتها يمارس الأول تأثيره على الثاني أو يكون الأول سببا في ظهور الثاني. وعلى عكس هذه العلاقة كانت التيرموديناميكا ترى أن ألف تمارس قوة على باء وباء بدورها تمارس قوة على ألف.
يستفاد من التريموديناميكا ما يسمى بالتغذية الراجعة (الفيدباك)، أي التأثيرات التي تمارسها المدخلات على المخرجات في النسق والمخرجات على المدخلات في النسق نفسه أو ما يسمى كذلك بالارتجاع.
من بين الارتجاعات هناك ما يصنف في الجانب السلبي الهادف إلى الحفاظ على استقرار النسق أو توازنه، وآخر إيجابي يستهدف التطوير والتغيير.
وللنسق كذلك أنساق صغرى تنضوي تحته يسري عليها ما يسري عليه رغم أنها تبحث عن التميز عنه بتحقيق غاياتها النوعية.وعلى وجه العموم فإن كل نسق مهما كان هو في حد ذاته نسق صغير لنسق أكبر يسمى محيطه. وما يميز هذا النسق الأكبر نجد خاصية التطور والحركية إلخ... وقد عبر هربرت سيمون عن ذلك بقوله أن ما يظهر من تعقيد في السلوك الإنساني هو انعكاس لتعقيد المحيط الذي يعيش فيه(79).ولكن بالمقابل نجد أن النسق يؤثر في محيطه كذلك مثل وجود مدرسة في حي أو قرية نائية.يسمى هذا الجانب من التأثيرات المتبادلة بين المحيط والنسق التطور المتآزر، وبالتحديد أن النسق يؤثر في المحيط عبر مخرجاته. كما لا يمكننا أن نفهم النسق أو النسق الصغير المنضوي تحته في غياب السياق والمعرفة به؛ بمعنى العلاقة أو العلاقات التي توجد بينهما(بين المحيط والنسق) لأن أهداف وغايات النسق تعبر عن نفسها من خلال تبادلاته مع المحيط.
كما لا ينبغي أن نغفل تراتبية المحيط لأن مدرسة مثلا قد لا تتأثر التأثير البالغ بالمحيط القريب أكثر من المحيط الذي يمارس مراقبته عليها كالنيابة أو الأكاديمية أو الوزارة. وجانب المعنى المتمثل في الوظيفة التي يقوم بها النسق في محيط معين. فدور مدرسة أو وظيفتها لا تجد معناها إلا بالنسبة لملاحظ يصفها في المكان (الفضاء) الذي توجد فيه.ولهذا يقال بأن النسق يحتمل منظورين؛ أولهما المنظور الداخلي. وثانيهما المنظور الخارجي. يرى الملاحظ النسق، من منظور خارجي، كوحدة وككلية ويظل بالنسبة إليه عبارة عن علبة سوداء. والمنظور الداخلي يرى النسق كوحدة مركبة يصف في حديثه عنها مكوناته وتفاعلاتها.
ويشترط ألان بوفيي أنه من أجل فهم النسق فهما عميقا كوحدة لابد من النظر في الحدود، أي النظر في الاكراهات والعلاقات والسياق الذي تتموقع فيه الوحدة لأن معظم الحدود متحركة وغامضة وغير مدركة مما يجعلها عصية عن الإدراك بالتدقيق: ماهي حدود مدرسة مثلا؟ إن النسق المفتوح يكون دائما، حسب تعبير فليب بيرنو، فوق شفرة الحلاقة؛ كلما كان منفتحا بلا حد يفقد هويته وتماسكه، وكلما كان أكثر انغلاقا لايتجدد وقد يختفي من الوجود(80). يمكننا أن نتساءل وفق هذا المنظور فيما يتعلق بالمدرسة عن مكوناتها وعلاقاتها بمحيطها. وماهي العلاقات التي ينبغي قطعها أو إضافتها دون أن تفقد المؤسسة المدرسية خاصيتها المدرسية؟.
يلاحظ ألان بوفيي أن الأنساق لا توجد في ماوراء شروط تشكلها، بل بالشروط التي تجعلها كذلك مثل المنخرط في ناد أو أستاذ في مؤسسة. ويخلص إلى القول بأن الحدود مهمة في المعرفة بالظواهر التي تؤثر في حياة النسق.
ومن جهة وصف النسق فإنه يمر بتحديد أجزائه ووحداته وأنساقه الصغرى المشكلة للنسق المتآزر.فماهي العلاقات بين وحدات نسق ما؟ وما هي الوحدات التي تجعله يوجد كنسق؟ فجميع الأنساق الصغرى المشكلة للنسق، كما قلنا آنفا، لها غاياتها الخاصة المتميزة عن غايات النسق الكبير الحاوي للأنساق الصغرى. فالتنسيق بين الأنساق الصغرى لتحقيق غايات النسق الشامل لها تطرح مشاكل كثيرة للقيادة. وبالنظر لأهمية تدبير المشروع الكلي سيعمل ألان بوفيي على تخصيص فصل خاص للمشروع المدرسي سنأتي على تناوله فيما بعد.
للنسق كذلك بنية تشكل هيكله.تتكون هذه البنية من مكوناته وحدوده وموارده وشبكات التواصل الداخلية؛ أي العلاقات بين عناصره. إن البنية هي تنظيم بين أجزاء الوحدات. والتنظيم هو الزيادة في نظام السيرورات ويتشكل بدوره من شكل العلاقات بين مختلف المكونات، إنها العلاقة بين العلاقات. ومن تم جاز القول بأن التنظيم هو المفهوم المركزي في النسقية.
كيف يتم التدخل في عائلة من حيث أنها نسق أو غيرها من الأنساق كالمدرسة مثلا؟ تتشكل العائلة من أفراد يعيشون معا أو ما يفترض أن يكونوا عليه. ماهي العناصر التي ينبغي أن تتوفر بين العناصر المشكلة للعائلة للقول بأن هذه العائلة هي عائلة؟ لا بد من تفاعلات بين العائلة والخارج لتجعل العائلة تتصرف كوحدة. وإذا ما افترضنا بأن عائلة تاه عناصرها بين جمهور غفير أثناء متابعة مباراة في كرة القدم أو تشتت أعضاؤها في أركان الملعب هل ستتصرف كوحدة أي كعائلة؟ بالطبع لا. هكذا يبدو لنا أنه لا معنى لوحدة العائلة بدون وجود فضاء معين مثل مؤسسة مدرسية(81).
يدخل كل عنصر في نسق معين في علاقة مباشرة أو غير مباشرة مع جميع العناصر الأخرى. وكل تعديل أو تغيير يطال شكل علاقة ما يمس الآخرين وقد يتغير النسق برمته مما يجعل القرار القاضي بإحداث تغييرات صعب لأن المقرر يهاب المفاجئ واللامتوقع والمباغت واللاستقرار.
يبدو تعقد النسق كجهنم التي يخافها الجميع، والتعقيد دائما يأتي من الآخرين. لكن التعقيد يوجد في الكل. فماذا يعني التعقيد؟ ينظر إلى التعقيد كتحد تواجهه المؤسسة للامساك باللامتوقع أو للتحكم على مستوى التدبير في الطارئ والمفاجئ والمطلوب والمنفلت وكأن التنظيم لا يحيا حياته الفعلية ولا يستمر في الوجود إلا بفضل التعقيد وعالم الاحتمال والمفاجأة. ولا يكون التفكير ناجعا إلا بالنسبة لكذا وكذا، لكن التفكير لا يكون إلا منمذجا.
تقبل المقاربة النسقية بالتعقيد والاشتغال في الآن نفسه على النظام والفوضى. ونجمل ذلك في الرأي القائل بأن النسق المفتوح يقوم على بعض المبادئ منها الكلية والغائية وأهمية التفاعلات الداخلية والخارجية والتوازن الدينامي. كما لا ينبغي أن نغفل بأن كل نسق من الأنساق هو في حد ذاته منتوجا وليس معطى، بل وليس "شيئا طبيعيا" مثل الخارطة مما ييسر تعديله أو تغييره أو تغيير وتعديل وتحويل تمثلات الفاعلين. وأخيرا يتساءل ألان بوفيي قائلا ما إذا كانت المقاربة النسقية تصلح للمؤسسات المدرسية؟ فيجيب بأن التدبير بالمشاريع هو قدرتها على قيادة تعقيدها(82).
تمكن المقاربة النسقية من معرفة الوجهة التي نريد الاتجاه نحوها: إلى أين نسير؟ وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار المحيط إلى أين نتوجه؟ وكيف تتم قيادة التطورات وتطورات النسق؟.
إن النظر إلى التنظيم كنسق يعني إدراكه كوحدة نوعية لها غاياتها التي يمكن الإمساك بها وأهدافه المؤكدة أو القابلة للملاحظة وحدوده ومحيطه المعطى، وهذا ما يجعل المقاربة النسقية تختلف عن المقاربات السابقة التي كانت تنظر إلى التنظيم معزولا عن المحيط منغلقا على ذاته؛ إننا الآن أمام مقاربة تنظر إلى النسق في انفتاحه على المحيط وبغاياته، نسق متفاعل وحي ومتحرك له منتظرات وعليه أن يستجيب لمتطلبات.كما له أنساق متآزرة، وهو في تحول دائم ومستمر(83) .
يكون التنظيم في المقاربة النسقية كالعلبة السوداء التي لا يرى فيها الاقتصاديون إلا المدخلات والمخرجات؛ بحيث أن المدخلات والمخرجات لا ينظر إليها إلا من الجانب المادي والهدر والخدمات.ومن تم تختزل النجاعة في جوانب كالتكلفة وانعدام تطابق المخرجات مع النتائج المتوقعة والانتظارات القائمة والغايات المسطرة إن وجدت غايات.
يخترق المقاربة النسقية للتنظيمات مجازان؛ أحدهما مابعد تايلوري يرى التنظيم كآلة معقدة تقوم على التعديل الذاتي (والتأثير هنا يأتي من السبرنطيقا والفيزياء والتكنولوجيا). والمجاز الثاني يرى التنظيم كتنظيم حي (وهو متأثر بالبيولوجيا والأنتربولوجيا والعلوم الاجتماعية). ومنطق العلية في منظور هذا المجاز الأخير ليس خطيا أكثر منه دائريا وفضائيا.
تطرح النسقية مجموعة من الأسئلة من قبيل: هل للتنظيم دائما هدف؟ وهل الغايات المعلن عنها لا تختفي ولاتتعدد...؟ وما هي أهداف المؤسسة المدرسية؟ وماذا نفهم من غاياتها؟ إلخ... كما تحصر النسقية عمل التنظيمات في تحويل المدخلات وفق الهدف المحدد وتكييفها مع المحيط. ومن هنا تبرز أهمية معرفة التبادلات بين التنظيمات والمحيط(84) .وبما أن التنظيم يشكل جزء من المحيط هناك حاجة لمعرفة الاتجاهات والتناقضات بينه وبين المحيط.
لقد تم التركيز على أهمية المحيط منذ الستينيات من القرن العشرين حينما ظهر التعبير القائل بإكراهات المحيط بالنسبة للنسق المفتوح. فما يميز المحيط أنه يتكون من أنساق اقتصادية وتكنولوجية وإيكولوجية واجتماعية وسياسية وقانونية وثقافية إلخ... التي تؤثر في النسق بنسب معينة.والمشكل المطروح هنا هو معرفة كيف يتخذ القرار في التنظيم ليتجدد نوع الوظائفية والتعديل داخل التنظيم.
يقوم تحليل مدرسة بالو ألتو Palo Alto للتنظيمات على الجانب العلائقي المرتبط بنسق من التواصل لمعرفة ما قد يحصل في حال حدث تناقض بين النسق الكلي ونسق صغير. وبذلك فإن النسقية لا علاقة لها بالتناغم الذي يبحث عنه علماء النفس في المقاربة الإنسانية والعلاقات الإنسانية الجديدة. يتعلق الأمر بالشك واللايقين الذي يتخلل التواصل والنزوعات الفردية والجماعية.
4- التحليل الاستراتيجي
ينكب التحليل الاستراتيجي على الفاعل تحديدا. لقد كانت النظريات الكلاسيكية للتنظيمات وبخاصة التنظيم العلمي للعمل تتأسس على تصور حتمي سلوكي للعلاقات الإنسانية، مفترضة بنيات جامدة هي أصل المشاكل. لكنه مع أعمال الباحث مشيل غروزيي وإغور أنسوف (1965) كان مطمح التحليل الاستراتيجي هو تأسيس نظرية للفعل المنظم وفق منظور بنائي.
ينطلق التحليل من مسلمة جديدة كليا بالمقارنة مع المقاربات السابقة، حيث اعتبرت الأفراد والجماعات فاعلين، ذوات قادرة على التصرف في التنظيم بحرية وعقلانية بغاية تحقيق أهدافهم الخاصة؛ ولهذا فإن كل فاعل من هؤلاء الفاعلين يتبع استراتيجيته الخاصة. كل تصرف من تصرفات الفاعلين له معنى واستراتيجيته استراتيجة عقلانية لأنه باستطاعته الاختيار أو عدم الاختيار في سياق علائقي. وغاية كل فاعل هي السلطة. وبذلك كلما كثر الفاعلون كثرت الاستراتيجيات(85). وكل فاعل يعمل بطريقته ليكون مؤسسا في إطار مجال عمله.
كما أن التحليل الاستراتيجي يهتم بعلاقة التنظيم بالمحيط، لكنه يعطي أهمية للفاعلين، معتبرا أن السلطة علاقة متبادلة وتفاوض مستمر بين فاعلين يتوقف بعضهم عن بعض، علما أن كل فاعل من الفاعلين له هامش من الحرية. يحتفظ الفاعل بهامش من الحرية والتفاوض، وبفضل ذلك الهامش الذي يعني الشك بالنسبة لشركائه كما للتنظيم في مجموعه تكون للفاعل سلطة على الآخرين. فالتنظيم من حيث هو كذلك لا سلطة له على الفاعلين والجماعات التي تحتوي عليها؛ إذ الأفراد هم الذين يمارسون السلطة مطورين اتجاهات وأساليب ومنتظرات ومستويات للإشباع، وذلك ما يسمح بتمييز إكراهات التنظيم عن أهداف الفاعلين. ويجمل مشيل غروزيي أربعة عناصر قد تتوالف فيما بينها لتصبح مصدرا للسلطة. وهذه العناصر هي:
1- خبرة الفاعل والكفايات التي يصعب تعويضها.
2- تحكم الفاعل في علاقات التنظيم بمحيطه.
3- قدرة الفاعل على التواصل وتمرير المعلومة.
4- استعمال الفاعل لقواعد التنظيم في التواطؤ والمقايضة الظاهرة أو الخفية(86).
يتوقف التحليل الاستراتيجي عند الخاصية العلائقية ليدخل جانب السلطة التبادلية: السلطة والسلطة المضادة؛ بمعنى العلاقات التي قد توجد خارج علاقات التبعية والخضوع.كما أن التحليل الاستراتيجي يمنح الاستقلالية للفاعل ولا يتناول الأهداف المشتركة للتنظيم، بل أهداف قيادييه. لذلك فهو ينطلق من المسلمات التالية:
1- لا يقبل الناس أن ينظر إليهم كوسائل في خدمة الأهداف التي يضعها المسؤولون.
2- يحتفظ كل فاعل بإمكانية استقالته ليستعمل ذلك بشكل ما في التحالف مع فاعلين آخرين.
3- تكون استراتيجية الفاعلين استرايجية عقلانية إلا أنها عقلانية محدودة.
قد يدخل التنظيم ما أطلق عليه كروزيي و فريدبرغ منطقة اللايقين أو الشك حينما تحدث تحولات سياسية واقتصادية وثقافية وتكنولوجية أو تقنية فيتعذر التنبؤ بما سيحصل مسقبلا.
ونشير في الأخير أن التحليل الاستراتيجي يرتكز على فكرة النسق ومنطقة الشك والسلطة.

5- المقاربة الثقافية
أغفلت المقاربات السابقة الجماعة لأنها كانت تهتم بالفرد دون غيره مما حدا بالباحثين إلى إدخال أبعاد أخرى إثنولوجية وأنتربولوجية.
كان إليوت جاك Eliot Jacques (1951) أول من أبدع مفهوم ثقافة المقاولة التي عرفت انتشارا واسعا منذ 1975 (يعني مفهوم ثقافة المقاولة): العلاقة بين الثقافة والأداء الجيد.وبفضل شارل هاندي صار المفهوم موضة بعد 1980 (87) . ثم إن هذه المقاربة تزامنت والأبحاث حول المؤسسات المدرسية.
ما يهم في التحليل الثقافي هو التمييز بين مختلف الثقافات داخل المقاولة ومختلف أنظمة القيم والمقاييس وصراع الذهنيات والعقليات والأجيال إلخ... ،وبذلك فإن المقاربة الثقافية تميز بين الميكرو-اجتماعي (تحليل الجماعات والميكرو-ثقافات مثل ثقافات الأوراش وثقافات الأساتذة في التعليم العام...)، والمقاربة الماكرو-اجتماعية (الجماعات المهنية: المبرزون والموثقون وأساتذة اللغات)، بحيث أنه وراء الجماعات نجد جماعات مرجعية وقبائل(88).
لا شك أنه للنسق عالمه الثقافي الخاص يسمح بتمييزه عن المحيط وعن بقية التنظيمات الأخرى؛ فقد يشعر المتدربون بوجود اختلافات بين المؤسسات التي يتدربون فيها رغم نمطية المهنة والتكوين ربما لأن التنظيم يخضع لتمثلات ومقاييس صورية وفعلية وأنماط تفكير وعلاقات سلطة وأدوار متباينة إلخ... تختلف من تنظيم لآخر، أي أن الرمزي المهيمن هنا يختلف عنه هناك والذي قد يبدأ في الاشتغال منذ أن يفتح أحدهم الباب والطريقة التي يلقي بها التحية(89).
ثم إن ثقافة التنظيم هي سيرورة لتنشئة الفاعلين، وخاصة الجدد منهم. تعمل هذه الثقافة على تحديد التصورات والأنشطة والحقوق والواجبات والعلاقات الداخلية ومع المحيط والعلاقة مع الزمن والخدمة العمومية والتحول إلخ...فتبدو هذه الثقافة كما لو كانت تنقل تاريخ التنظيم (التاريخ الأسطوري الرمزي) وطريقته النوعية في الاستجابة للمشاكل. وبذلك فإن التنظيم لا يختزل في الأفراد لأن له تاريخ وتواريخ أخرى: ماذا يقول القدماء في مؤسسة تعليمية للجدد؟ يبدو كما لو كانت المقاربة الثقافية تولي الاهتمام للبحث عن المعنى بدل البحث في الأشياء(90).
يمثل التنظيم مكانا للتعلم السسيو-ثقافي رغم أن ثقافة التنظيم تبدو كإسمنت لا يتقاسمها جميع الفاعلين. فوضعيات العمل هي وضعيات العلاقات المرغمة، والصراعات الداخلية في التنظيم هي صراعات تجد مصادرها في التناقضات الثقافية للفاعلين.

6- المقاربة بالمشروع
تبدو المقاربة بالمشروع مقاربة جديدة وناجعة، في نظر آلان بوفيي، وهي تمس التغيير ولا تنآى عن المقاربة النسقية والمقاربات السسيو-اقتصادية والثقافية والاستراتيجية.
ينطلق آلان بوفيي من السؤال التالي: لماذا مشروع المؤسسة؟ إن التوقف عند المقاربة بالمشروع يعود بالأساس إلى الاهتمام بالعمل الجماعي وبالغايات ومعنى عمل المؤسسة: إلى أين نريد أن نسير جميعا؟ إنها محاولة للحصول على فكرة واضحة لتوجه المؤسسة و عن سياستها وعن قيمها المشتركة وأخلاقها(91). ويرى موريس نيفو من جانبه أن مشروع المؤسسة يوضح لماذا نشتغل يوميا، أو بشكل عام إن العمل بالمشروع من قبل المؤسسة هو وضع غاية لوظيفية النسق إن على شكل أهداف أو مشروع.
لا يكون المعنى معطى في المشروع لأنه مبني. وسيرورة المشروع تعمل على ظهوره وبنائه كما يترآى ذلك من خلال المقاربة البنائية.
يتساءل محيط المدرسة كله، من آباء ومنتخبين وغيرهم، ماذا تفعلون هنا في المدرسة؟ ماذا تقترحون؟ لماذا تغيير البرامج والمناهج ووضع المسالك وطرق جديدة للتدريس؟ وما الذي يميز مؤسسة مدرسية عن أخرى؟ ويتبدى حسب آلان بوفيي أن مهمة العاملين في المدرسة لا تتوقف عند التلاميذ، أو بتعبير آخر إن التلاميذ ليسوا هم الزبناء الوحيدين رغم أنهم يمتازون بالأفضلية عن غيرهم(92).
لشركاء المدرسة أجوبتهم عن الأسئلة المطروحة أعلاه إلا أن أجوبتهم تتجاهلها المؤسسة. وفيما يخص المؤسسة فإن العمل بالمشروع يعنى إرادة التكيف المستمر مع المحيط والطلب الاجتماعي ( التوجهات والانفتاح وفتح شعب جديدة أو إغلاقها والتحولات الداخلية...). فالمشروع هو إعلان عن تحول بالنسبة للمؤسسة المدرسية.
إن المؤسسة المدرسية هي نسق معقد يوجد في محيط أكثر تعقيدا؛ ولكي يتطور لا ينبغي التوقف عند متغير واحد وإنما على المجموع (الشمولية). فالمقاربة بالمشروع تحفز على التفكير بالشمولية من أجل العمل محليا لتفادي الشك النابع من المحيط، وخاصة الشك الشامل.
قبل الشروع في وضع المشروع يستحسن طرح بعض الأسئلة منها: كيف يتصرف الأفراد والجماعات وكيف يشاركون إزاء مشكل معين في المؤسسة؟ إن المشروع يمكن الجميع من التعلم الجماعي وتنمية معارف وكفايات جديدة. فمن أجل أن يكون الفاعل محفزا فهو في حاجة إلى معرفة إلى أين يسير فرديا وجماعيا. فالتحفيز والتعبئة والانخراط كلها من الأمور التي أصبحت لها أدوار أساسية في التدبير عامة بالنسبة لرئيس المؤسسة المدرسية. فهو لا يعمل على تغيير الأذهان وإنما يوفر المناخ للتغيير. ثم إنه قبل وضع مشروع معين يتساءل الفاعل قائلا: ما الفائدة من إنجاز هذا المشروع أو ذاك؟ وما الربح الذي ستجنيه المؤسسة من ذلك ويجنيه كل فرد ومن بينهم أنا؟(93).
لا وجود لإجابة عامة على هذه الأسئلة رغم عموميتها، ثم إنه لا وجود لتوافق حول ما يمكن أن ننتظره من العمل بالمشروع إن على المستوى الفردي أو الجماعي فقد كانت تدور المقاربة بالمشروع بالنسبة للمؤسسة المدرسية حول مايلي:
أولا: الاستجابة لمشاكل معروفة قليلا آو كثيرا، حيث تساعد المقاربة بالمشروع على تيسير معرفتها وتأطيرها ووضع دراسة بشأنها.
ثانيا: لا تمركز وتوزيع المسؤوليات والتسهيل والتشجيع على أخذ بالمسؤوليات والتفويضات.
ثالثا: تطوير تنظيم مؤسسة.
رابعا: العمل على إظهار روح الانتماء داخل المؤسسة لجماعة وتنمية التلاحم والهوية الجماعية والتضامن وتجاوز الصراع القبلي الداخلي.
خامسا: الاقتراح الذي ينمي التكوين وتملك الطرق المنهجية الشاملة.
سادسا: الحرص على تناغم مشاريع جميع الفرق ومختلف القطاعات والمستويات.
سابعا: إضفاء مشروعية على التوجهات الرسمية والوزارية.
ثامنا: التواصل حول ما تراه المؤسسة المدرسية مستقبلا متكيفا ومستجيبا ومتوافقا مع محيطها(94).
إن المقاربة بالمشروع تريد أن تقول ببيان العبارة أن ممارسة التعليم نشاط تقليدي للغاية منظم وفق تصورات بيروقراطية. فقد كانت المطالب القديمة تلح على أن يقوم المدرس بعمل التدريس دون النظر إلى الغايات والمنتظرات والنتائج العامة المنتظرة، لكن حينما أصبح التعليم مرتبطا بالشغل لم تعد الأشياء مطروحة بنفس الشكل. والمطلب من المدرسة هي أن تعلم؛ وبمعنى أدق أن تؤهل الجميع دون ميز. ففي السابق كان المطلوب منها منح دبلومات لكن اليوم أصبح المطلوب هو تزويد المتعلم بتأهيلات معترف بها اجتماعيا، أي تأهيلات مرتبطة مباشرة بسوق الشغل مما جعل توجيه التلاميذ مسألة تحظى بوضع مركزي في الأنظمة التربوية، وحيث لا يكفي تحفيز التلاميذ لحيازة دبلوم معين وإنما السؤال هو لماذا ذلك الدبلوم بالذات؟وأي شغل يهئ له؟ وفي أي وضعية؟ إلخ...(95).
إن استحضار هذه الأسئلة يجعل التعليم في سياق تتداخل فيه الحدود، بالنسبة للتلميذ، بين ما ينتمي للحياة اليومية وما ينتمي للمدرسة؛ لذلك فإن التعليم لا يكفي وعلى المدرسة أن تكون وتربي؛ أي أنه على المدرسة أن تشتغل على نقل المعارف والمهارات وحسن التواجد، وفي الآن نفسه تشتغل على تهييئ التلاميذ للاندماج في المجتمع(96).
تسمح المقاربة بالمشروع للآباء والتلاميذ والشركاء والمدرسين بالعمل معا ضمن مشروع اختاروه جماعيا وله معنى بالنسبة لهم جميعا، ورغم ذلك فإن مثل هذه الحجج لا تحد من المقاومات و وجهات النظر التي تنطلق من ثقافات وإيديولوجيات مختلفة أو تصدر عن جهل تام أو عن الإحباط أو تبخيس الفاعلين أو فردانية مطلقة ترفض العمل الجماعي. وحيث هذا الرفض لا يطال الغايات من المشروع أكثر من المشروع في حد ذاته(97).
يلح التدبير المعاصر على تعبئة الأطر الوسيطة أثناء وضع المشروع وتنفيذه في التنظيمات المقاولاتية، لكن منهم هؤلاء في المؤسسة المدرسية؟ إنهم المدراء الذين عليهم العمل على الإقناع والتحسيس والشرح والتفسير وإقناع الآخرين بأن المشروع يهم حاضر المؤسسة ومستقبلها.
لا شك أن المقاربة بالمشروع تعني توريط الفاعلين لأنه من المهم التوقف عند التعلم الجماعي (العمل على التمثلات) ويسر التواصل الداخلي والخارجي الذي ينميه المشروع، وهي من الأمور التي يمكن وضعها كأهداف تسمح بالتعلم وتكوين الفاعلين وتنمية التواصل(98) .
توجد المؤسسة المدرسية بين التلميذ والوزارة الوصية، لكنه بين التلميذ والوزارة توجد مؤسسات كثيرة ويوجد شركاء كثر لكل وسيط من هؤلاء  أولوياته التي تحاول القضاء على أولويات الآخرين؛ ولذلك على المؤسسة أن تعي المناخ الذي تعيش فيه حتى تنمي قدراتها على التفاوض والحوار مع الشركاء، وبالتالي تؤكد هويتها الخاصة كمؤسسة مدرسية لا مؤسسة جهة من الجهات، مؤسسة مستقلة غير تابعة تؤكد استقلاليتها وتبينها للجميع وتعرف بهويتها لشركائها وتعمل على نشر ثقافتها وقادرة على تمثيلها.ولكي تلعب هذه الأدوار عليها أن تعي تعدد الشركاء وتعدد الرهانات والخلفيات. ولا تغفل صورتها المتخيلة والفعلية، الصورة الداخلية والخارجية، والتمييز بين مشاريع الواجهة ومشاريع التكوين.
إن العمل على الصورة والهوية لمؤسسة مدرسية ليست سوى مرحلة من ثقافة المشروع لأن الاشتغال على الصورة والهوية ينميان التواصل الداخلي والخارجي(99).
لا ينبغي أن نغفل بأن المؤسسة المدرسية تنظيم خاص، وليست المسألة هي معرفة ما إذا كانت المؤسسة موجودة ومماذا تتكون وكيف تعمل، بل الأهم، في نظر آلان بوفيي، هو التركيز على الآثار والنتائج ومواصفات المؤسسات(100).وعلى العموم فإن المقاربة بالمشروع تسمح بمايلي:
أولا: وضع غائية للمؤسسة، وتعنى إبداع مستقبل لأنه لا يمكن أن تظل المؤسسة المدرسية تحت رحمة النزوعات والرغبات.
ثانيا: ربط صلات بين المؤسسة ومحيطها حتى ولوكان المحيط متعبا لأنه لا يمكن للمؤسسة أن تعيش معزولة عن المحيط.
ثالثا: العمل على تغيير العلاقات العمودية بالعلاقات العرضانية لتفادي الجزر في العلاقات والتكتلات والصراعات القاتلة والبزنطية، والغاية هي أن يكون كل قطاع في خدمة الآخر داخل المؤسسة ويطالبه بما هو أحسن.
رابعا: ينبغي الانتقال من منطق الخضوع إلى منطق المسؤولية؛ الحاجة إلى رجال ونساء واقفين لا جالسين.
خامسا: معرفة إمكانات وقدرات كل فرد من الأفراد لأن الأمر يتعلق بتدبير للإمكانات لا تدبير الأجور؛ لذلك وجب البحث في أشكال جديدة للاعتراف(101).
بناء على هذه الأسس تشكل المقاربة بالمشروع قيمة مضافة بالنسبة للمؤسسة المدرسية لأنه بدون مشروع هل المؤسسة مستقلة فعلا؟ فكيف نصيغ مشروعا؟ وكيف ندبره؟ ولماذا المشروع؟.
يرى البعض أن المشروع كالفزياء الكوانطية لا تقبل التحديد والتعريف، ومنهم من يرده إلى الهلوسات والتخيلات أو إلى الوعود والكلمات السحرية المليئة بالوعود، والآخرون يرون فيه المرور من فترة التعب والإرهاق إلى الرغبة في العمل، ومن الرغبة في العمل إلى القدرة على العمل ومن القدرة على العمل إلى العمل(102).فهل يشكل المشروع براديغما جديدا للتنظيمات؟.
يميز جاك أردوانو بين نوعين من المشاريع؛ أولهما المشروع الممركز على البرنامج (الأفعال والأشغال)، وثانيهما، المشروع المستهدف ذي الخصائص القيمية والمقاصد الفلسفية والأخلاقية والرؤية السياسية، وهو المشروع الذي يستهدف المستقبل وتطبعه البنائية أكثر من المشروع الأول.كما ترد عند ألان بوفيي نوعين من المشاريع؛ يسمي النوع الأول المشروع المنتوج الذي يستهدف إنتاج وثيقة مثلا، ثم هناك المشروع المبني، وهو المشروع السيرورة الذي ينصب على المقاربة وطريقة إنجازها، بل هو المشروع الذي ينتقل من المشروع المنتوج إلى الترجمة الاستراتيجية والعملية. كما يتميز بالشمولية والاستباق والتحفيز ويشكل تصورا للتدبير والقيادة إلخ...(103).
ونذكر بأن المشروع، كل مشروع كيفما كان، يتميز بالسمات التالية:
1- يجب أن يكون للمشروع جذور في تاريخ التنظيم ومحيطه.
2- أن يتميز المشروع بالأهداف الطموحة لمدة ما بين ثلاث سنوات إلى ثماني سنوات، أن يشكل تحديا جماعيا ومقصدا للجميع.
3- يجب أن يتناسب ونظام القيم.
4- يجب وضع سيناريوهات لإنجاز الهدف الرئيسي.
5- يجب التوفر على مخطط للعمل ومدى زمني متوسط.
6- يجب التوفر على أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية (وبيداغوجية بالنسبة للمؤسسة المدرسية).
7- يجب التوفر على بعد تواصلي وتقييمي(104).
 8- إن المشروع تعبير عن ذات جماعية وسيرورة تعلم جماعي.
9- المشروع أداة للاختيار استراتيجيا.
10- المشروع أداة للعمل والتعبئة.
11- المشروع مناسبة لاستثمار العناصر المحصل عليها في السابق.
12- المشروع موضوع تفاوض وحوار ومواجهة.
13- المشروع إمكانية للاستباق والمشاركة وتحميل المسؤولية والتواصل والتقويم وإظهار هوية المؤسسة وقيمها وتمثلاتها، وفرصة لعقد شراكات(105).
14- المشروع فرصة للتفكير في الزمن والتحكم فيه وتجاوز الزمن الدائري وولوج الزمن المنتج وزمن التقييم.
15- المشروع مناسبة لتحفيز للجميع.
16- المشروع مناسبة لتجاوز الرؤى التقنوقراطية والتسلطية.
17- المشروع مناسبة لميلاد المقاربات النوعية.
18- المشروع بالنسبة لمؤسسة تربوية مناسبة لإدماج الحياة المدرسية في التفكير.
19- المشروع مناسبة للتقويم الجماعي(106).
إذا كانت الخصائص التي ذكرناها تهم أي مشروع كيفما كان يظل السؤال مطروحا لمعرفة ما معنى مشروع المؤسسة التعليمية؟ وكيف يتم إنجازه؟ ولماذا أصبحت المدرسة تتكلم لغة المشروع كالمقاولات وباقي التنظيمات الأخرى غير المدرسية؟.
يجدر بالمدبر للمؤسسة التعليمية قبل الشروع في مشروع المؤسسة أن ينطلق من النقط التالية:
أولا: تحديد الفاعلين والمشاكل والمتغيرات.
ثانيا: البحث عن المعلومة والتوثيق.
ثالثا: إظهار وظائفية المؤسسة وروابطها مع محيطها وقيمها وإيديولوجيتها وتمثلاتها وكل ما له علاقة بثقافتها، أي بوصفها نسقا مفتوحا.
رابعا: طرح المشاكل بما فيها المرغوب في حلها.
خامسا: توريط جميع الفاعلين والشركاء.
سادسا: اللجوء للاستشارة والخبرة.
سابعا: إبداع أفكار وحلول جديدة.
ثامنا: صياغة فرضيات وتكوين سيناريوهات.
تاسعا: تقويم إمكانية تطبيق السيناريوهات(107).
 عاشرا: القيام بتشخيص يرتكز على المقاربات الوظيفية (البحث في الاختلال الوظيفي) أو المقاربة المؤسساتية(البحث في الرهانات وعلاقات السلطة) أو المقاربة النسقية ( الوصف الإجمالي للمؤسسة بما فيها التفاعلات والتواصلات والعلائق داخليا وخارجيا) أو المقاربة الاستراتيجية( البحث في الحاجة والأهداف والأدوار الخاصة بكل فاعل والجماعات والتحالفات) أو المقاربة الثقافية ( ملاحظة ووصف الرمزي والثقافات الداخلية والقيم و المقاييس والتمثلات والهويات الفردية والجماعية والصورة التي يتم تسويقها عن الذات والذوات والمؤسسة) أو المقاربة الإثنولوجية ( القدرة على إنتاج المعنى للواقع انطلاقا من تأويل ما ينتجه من يعيش ذلك الواقع) أو الانطلاق من مقاربات أخرى اقتصادية أو سسيولوجية بحثة.
ستقود هذه المقاربات (أو واحدة منها) إلى تشخيص يمكن من وضع مرجع يسمح بالقيادة والتقويم والمقارنات في الزمن، وتعرية تمثلات الشركاء(108).ثم لا ينبغي للمدبر أن يغفل وهو يضع مشروع المؤسسة التربوية مختلف المتدخلين الفاعلين في الحاضر والمستقبل في ذلك المشروع حتى يتبين له نوع التدخل والمهام والأدوار التي سيقوم بها كل فاعل من الفاعلين في الحاضر والمستقبل ليمر إلى تحديد مجموعة القيادة التي ستعمل على الاتصال والمراقبة ووضع دفاتر التحملات وتحفيز الفاعلين إلخ...(109).كما لا بد للمشروع أن يستند إلى وثيقة مكتوبة تعمل كتعاقد بين الفاعلين والشركاء. والتعاقد ليس نقطة البداية وإنما هو نقطة الوصول(110).
لا يتأتى العمل بالمشروع من دون مخطط للعمل (اسم المخطط، الأهداف، معايير التقويم، الآجال، المكانة في المشروع، المسؤولون، الفاعلون، الشركاء، الاكراهات الواجب أخذها بعين الاعتبار، الموارد الرئيسية، خصائص أخرى، التعديل والقيادة). فالمخطط يهم الفاعل في تحديد الزمن والشركاء والأهداف.
تغير المقاربة بالمشروع دور رئيس المؤسسة التربوية كليا ليجد نفسه في حاجة إلى كفايات جديدة لأنه لن يعود قادرا على العمل بمفرده أو بمساعدة البعض من الفاعلين في المؤسسة بحكم الانفتاح على المحيط وتعدد الشركاء وضرورة الانخراط في المشاريع الجزئية والكبرى للمؤسسة التربوية والتحولات الاقتصادية التي ترمي بظلالها على المؤسسات التعليمية.وإن أول ما سيقوم به رئيس المؤسسة هو التعبير والتأكيد على إرادة المؤسسة ولعب دور التحسيس والمحرض وتفسير سياسية المؤسسة وتدبيرها ونوع العلاقات الإنسانية الجديدة. كما يجب أن يعطى المثال في الالتزام بالزمن واحترام الوقت وخلق جو الثقة والتمكن من طرق الحوار والتفاوض وتدبير الاختلاف والقدرة على التنشيط (تنشيط المجموعات واللقاءات إلخ...) والسهر على تنمية التواصل الداخلي والخارجي والتمكن من الحركات والتيارات البيداغوجية. وبالإجمال يجب أن يكون متمكنا من التحليل والاستباق وأخذ القرار، وقادرا على خلق جو لإنجاز المشاريع والمخططات والتكوينات والسهر على التقويم الدائم(111).
هناك جانب آخر من المشروع يتمثل في الشريك أو الشركاء: مشروع المؤسسة، لكن مع من؟ بما أن المؤسسة التعليمية أصبحت نسقا مفتوحا على المحيط معنى ذلك أنها في تفاعل مع الخارج ولم تعد مكتفية بذاتها كالنسق المغلق؛ لذا فهي تعمل على بلورة مقاربة تشاركية أو أنها لا تحيى إلا من خلال مقاربة المشروع مع الغير(الشريك).ولكن لماذا الإلحاح على هذه الموضة (الشراكة) الجديدة؟ وفيما تهم المؤسسة المدرسية هذه الموضة الجديدة؟.
يتداول التدبير الحالي لفظ الشراكة دون انقطاع حتى أصبح اللفظ متداولا في الحياة اليومية للأسر وجماعات الأصدقاء، إلا أن تداوله لا تستند إلى تصورات تنظيرية ولا إلى مقاربات تفسيرية: ما هو التحليل الذي ينبغي أن يستند عليه المتكلم في مقاربته للفظ الشراكة؟ ولماذا يستعمله الجميع بهذا الغموض؟ وهل يستقيم الحديث عن الشراكة دون مشروع وعن المشروع دون شراكة؟ هل تكون الشراكة بين الداخل والخارج أم داخلية كذلك؟ وهل الشراكة هدف في ذاته أم الشراكة وسيلة؟ وما هي الحدود التي ينبغي أن تتوقف عندها المؤسسة المدرسية في إبرام شراكاتها؟ وتعدد الشركات هل هو مفيد للمؤسسة التعليمية أم لا؟ (112).
تتعدد وجوه شركاء المؤسسة التعليمية من أفراد وجماعات ومؤسسات مما يجعل التقويم الذاتي للمؤسسة يتناقص بفعل التعدد ومطالب الغير. لكن مع ذلك فإن الشراكات تنمي الروابط والتفاعلات بين ثقافة المؤسسة والأنساق الثقافية الصغرى. كما تعدد من العلاقات بدل العلاقات الداخلية الجانبية والأحادية إن في الداخل أو مع الخارج.
أول ما يجب تمييزه في الشراكات هو تمييز مستويات الشراكة حتى لا ينقلب الإشراك إلى مضمون فارغ وشكلي وبهرجي. ثم إن الشراكة لا تعني تغيير الأدوار التي يلعبها كل فاعل لأن الشراكة تنمي النوعيات لا تغيير المهن، كما تعني التكامل لا الإبدال. وأخيرا تكون الغاية القصوى من الشراكة هي الرفع من الجودة(113) .
يطرح مشروع المؤسسة مشاكل في التواصل منها: إلى من سيقدم؟ لماذا؟ متى؟ وكيف؟ وذلك لتعدد شركاء المدرسة مما يجعل المدرسة أمام مشكل المهنية واللجوء إلى موارد خارجية(114) مما قد يفقدها هويتها في بعض الأحيان.
لا شك أن التواصل مع الخارج يهم رئيس المؤسسة وفريق العمل أو قيادة المشروع، لكن ما يجب التشديد عليه أن التواصل بالذات والمشروع والشراكة كلها تخدم قضية واحدة هي الجودة.
يتم تداول الحديث عن الجودة أو يستساغ هذا الحديث عن جودة المؤسسة التعليمية بدعوى أنها خدمة عمومية ينبغي أن تتوفر فيها شروط الجودة بالنسبة لمستعمليها.وعلينا أن نتذكر بأن مفهوم الجودة ينتمي للمقاربات المقاولاتية التي مرت من المراقبة التايلورية إلى استباق الاختلال الوظيفي. ففي بداية سنوات الخمسينات باليابان رصد أحد الباحثين بأن الجودة كانت مركزة على التقويمات المالية (الجودة واللاجودة)، برد الأخطاء إلى التدبير مثل أخطاء الإنتاج التي يتحملها الأطر وليس المنفذين.
ظلت المقاولات تعتقد لزمن طويل بأنه للجودة تكلفة وأما الآن فقد صارت الجودة خاصية أساسية للمنتجات والخدمات وأن اللاجودة هي التي أصبحت لها تكلفة.فماهي تكلفة اللاجودة في المؤسسة التعليمية؟
لابد من الإشارة إلى أن فكرة الجودة دخلت المجال العمومي متأخرة عن المجال المقاولاتي. ترتبط الجودة لدى المقاولة بمتطلبات الزبناء كموجه لها، ومع مرور الوقت تحول ذلك إلى مبدأ في الخدمة العمومية. وبدل الحديث المحتشم عن الزبناء صار الحديث عن مستعملي الخدمة العمومية. وأما من جهة تاريخ ظهور هذا المفهوم في الخدمة العمومية فيرجع إلى أواسط الثمانينيات من القرن العشرين(115) .
قد يعود ظهور مفهوم الجودة في التعليم إلى البحث عن التكلفة؛ وبخاصة تكلفة اللاجودة، حيث يظهر بجلاء أثر التدبير التشاركي.       
ستكون الجودة بالنسبة لآلان بوفيي هي مجموع الخاصيات المميزة للخدمات التي تقوم بها مؤسسة تعليمية من أجل تلبية الحاجات المعبر عنها بما فيها الحاجات غير المباشرة للمعنيين المباشرين بخدماتها(116).
يتم الحديث اليوم عن دائرة الجودة أو لولب الجودة لتوضيح مجموع الأنشطة المستقلة التي تؤثر في جودة خدمة عمومية معينة بما فيها التعليم منذ مراحل تحديد حاجيات المستعملين إلى تقويم مدى تلبية الرغبات.
تتكون سياسية جودة مؤسسة مدرسية أو تنظيم ما من توجهات وأهداف عامة تهم جودة الخدمات كما تعبر عن ذلك الإدارة وكما هو موصوف في مشروع المؤسسة. وافتحاص الجودة يعني امتحان دوري خاص بالخدمة وسيرورة التنظيم أو جزء من التنظيم. ثم هناك مخطط الجودة الذي يعنى بوصف التوجهات الخاصة بالجودة وتمفصلها مع مشروع المؤسسة. وأخيرا نجد تدبير الجودة لتمييز الوظيفة المنفذة لسياسة الجودة .
تتكون دوائر الجودة من مجموعة تتكون من خمسة إلى إثنى عشر عنصرا، وهي دوائر تقنية، من المتطوعين من نفس المصلحة أو الخدمة (تنظيم أفقي) لحل مشكل مهني محدد يترأسه عنصر من خارج المؤسسة. وتعتمد دوائر الجودة على معطيات تقنية وطرق لحل المشكلات المطروحة باعتماد المقاربات التشاركية.
وأما الجودة الشاملة بالنسبة للمؤسسة المدرسية فإنها سياسة تسعى لتعبئة جميع الفاعلين لتحسين جودة الخدمات والمنتجات (بهذا المعنى تعتبر وضعية تعلمية منتوجا) و الوظائف والعلاقات الإنسانية والأهداف وتوسيع العلاقات بالمحيط. ثم إن الجودة الشاملة تضع مطالب المستعملين في الأولوية كوجه أعلى في العمل(117).
تستند الجودة الشاملة بدورها إلى المقاربة التشاركية أو التدبير التشاركي بغاية أن تحترم المؤسسة المصلحة العامة وان تكون لها مردودية وان تقنع شركاءها. وبذلك تصير الجودة محرك المؤسسات التربوية وركيزة التدبير.
وإجمالا تقوم الجودة الشاملة حسب مشيل مينوت على ست مبادئ هي:
1- التضامن بين الشركاء.
2- تحميل المسؤوليات.
3- الصرامة لبلوغ الأهداف.
4- مطلب صفر خطأ.
5- التنبوء الذي يجعل الجميع يقظا.
6- التحسين المستمر بإدخال التجديدات(118).
وينبغي أن نعرف بأنه لا جودة بدون قياس، أي ضرورة وجود وحدات للقياس ولوحات للقيادة. ومن أجل ذلك وجب اختيار مؤشرات.













نموذج الاتصال
NomE-mailMessage