3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

درس الفلسفة بالمغرب وسؤال الحداثة

الخط


























رشيد العلوي. طالب باحث
الدار البيضاء 29 يوليوز 2013.

يبدو جليا من خلال الوضع العام للمدرسة المغربية والذي يمكن اعتباره وضعا مأزوما بشكل بنيوي أن نطرح السؤال التالي: هل يمكن للدرس الفلسفي بالمغرب ان يكون فضاء لنمو فكر الحداثةا؟ هل يمكن للدرس الفلسفي بالمغرب أن يؤدي وظيفته النقدية اتجاه المجتمع والدولة معا؟
مر على استقلال المغرب أزيد من نصف قرن، ومر على سياسة المغربة والتعريب والتوحيد ما يزيد عن ثلاثة عقود، ولا يزال الدرس الفلسفي يراوح المكان ان لم نقل بوجيز العبارة أن واقعه اليوم يستدعي اكثر من تأمل. ما الذي يمنع من أن يكون الدرس الفلسفي درسا في الحداثة والديمقراطية، درسا في العقلنة والنقد البناء اتجاه كل ما هو ثابت ومطلق، درسا يسائل الأخلاق والقيم والدين والتقاليد والاعراف البائدة، درسا ضد المحافظة والفكر الخرافي المتغلغل في العقول، والتصرفات والسلوكات المنافية لثقافة حقوق الانسان.
كان مبرر الهجوم على الدرس الفلسفي في المغرب هو انتشار الماركسية ونمو التيارات اليسارية الراديكالية في السبعينيات من القرن الماضي، وتم الاجهاز على تدريس هذه المادة واقحام الفكر الاسلامي والقضايا العقيمة محل القضايا المعيشية والمرتبطة باليومي وبالحالة الراهنة للعالم. وبعد تطور الفكر السلفي الرجعي وسيطرته على المجتمع المغربي بعد اربعة عقود ضد الحداثة والعقلانية والفكر النقدي، صار اللجوء الى الفلسفة امرا لا مفر منه. أليس هناك خيار آخر بين المحافظة والحداثة؟
إن تحميل درس الفلسفة تبعات الصراع السياسي والايديولوجي القائم في المجتمع مخاطر عديدة على الفكر الفلسفي ذاته. ولهذا صار من الضروري فتح النقاش العمومي حول وظيفة الفلسفة في المجتمع: كيف استطاع مدرس الفلسفة اليوم ان يكون هو أول حارس للمعبد؟ بعد ان كان أول من ينتقد المعبد؟ لا يرتبط تدريس الفلسفة بالانتماء الايديولوجي ولا السياسي، ولكن يجب ان يرتبط بالوفاء للروح النقدية التي حافظ عليها الفلاسفة طوال تاريخ الفلسفة. كما لا يجب إلهاء المدرسين بخرافة الديداكتيك والنظريات البيداغوجية التي لا تسمن ولا تغني من جوع ما لم يكن هناك درس فلسفي في مستوى الوظيفة النقدية للفلسفة. ولا يعني هذا أن التدريس لا يخضع للمناهج والأدوات والوسائل التعليمية، والتي ينبغي ان تحضر دوما في كل درس مع تنويعها كل ما أمكن، ولكن لا يتوجب ان يتحول النقاش حول المناهج والادوات إلى غاية في حين يجب ان يكون مجرد وسيلة كي يؤدي درس الفلسفة دوره ووظيفته النقدية.
لا يسيء للفلسفة غير المهتمين بشأنها وبتدريسها وتعليمها وترجمتها. فصحيح أن جزء كبيرا من المجتمع يساهم في انتعاش التمثلات التي يحملها التلميذ معه في اول لقاء له بالفلسفة، وصحيح أيضا أن القوى المحافظة والرجعية تعمل ما بوسعها لمناهضة التفكير الفلسفي، ولكن ما الذي يمنع درس الفلسفة اليوم من أداء وظيفته؟
أي درس فلسفي؟
يتخذ الدرس الفلسفي صبغة عامة: هو درس في الكلية وفي الثانوية وفي دور الثقافة والجامعات الشعبية (سابقا)، وفي المقاهي واللقاءات ... هو درس بالمعنى الواسع للكلمة. ولكن يستوجب التحليل هنا الحديث فقط عن الدرس الفلسفي في الجامعة المغربية وفي الثانويات.
·        عن درس الفلسفة في الجامعة: تعيش الجامعة المغربية أزمة هوية في مختلف الحقول المعرفية والعلمية... وترتبط هذه الازمة بنيويا بازمة المجتمع ككل. وهي ازمة عامة تنعكس على درس الفلسفة حقيقة. إلا أن تدريس الفلسفة على العموم في الجامعة لم يعد قادرا على أداء وظيفته النقدية، كما لم يعد قادرا على تخطي معضلاته نتيجة التغيرات والتحولات التي وقعت في المغرب. وقد صار هذا الدرس مجرد رؤوس اقلام تحفظ للامتحان، وليس محاضرات تساءل القيم والثقافة والسلوكات والاحداث الراهنة التي تؤرق المجتمع. لا نجد اليوم أي مبرر كي لا يهتم هذا الدرس بسؤال الحداثة، ولكن ليس بمنظور اعادة قراءة كانط او هيجل او نيتشه او فرويد، ولا بتلقين دروس في التحليل النفسي او في التعريف بالمشروع النقدي الكانطي، وإنما بدفع الطالب المغربي الى التساؤل حول ممكنات قيام الحداثة بالمجتمع المغربي، والدفع به للتشبع بالقيم الكونية وبالمنظومة العالمية لحقوق الانسان، والانخراط في هموم الوطن، والبحث في الاشكالات التي تعترض مجتمعنا نحو التقدم والحرية والتحرر.
·        عن درس الفلسفة في الثانوي: إن ربط درس الفلسفة بالامتحان الوطني يعتبر عائقا كبيرا امام هذا الدرس، حيث صار رهين وحبيس مشكلة النقطة، فلم تعد الحاجة مرتبطة بتلقين قيم معينة ولا بالتساؤل عن مشكلات معينة وإنما بالعمل من أجل الظفر برتبة مشرفة. إلا أن هذا المشكل ليس وحده العائق، فما الذي يمنع ان ينجح الدرس الفلسفي في السنة الاولى والثانية من التعليم الثانوي التأهيلي؟ ما الذي يمنع من أن يقوم المدرس بدوره كمربي على التفكير النقدي، وكمتسائل أول عن القيم السائدة؟ وما الذي يمنع مدرس الفلسفة من ان يكون الفاعل الاول في الحياة المدرسية حيث التلاميذ بحاجة إلى تعلم أدوات التعبير عن الذات وعن الرأي، بحاجة إلى التساؤل عن هويته وادراكها كما هي ليرفضها أو يقبلها؟ ما الذي يمنع هذا المدرس من أن يكون نموذجا يقتدى به في حيه ومجتمعه الصغير؟
من البديهي جدا أن الترابط بين المستوى الثانوي والجامعي قائم في علاقة جدلية لا ينكرها أحد. فاستاذ التعليم الجامعي يشتكي من ضعف مستوى الطلبة الذين يلتحقون بالجامعة، دون أن يسأل نفسه عن مصير أولئك الطلبة بعد أن يقضوا ثلاث سنوات أو خمسة أو ثماني سنوات في الجامعة . كما يشتكي أساتذة الثانوي من ضعف مستوى الدرس الفلسفي بالجامعة. أصبح التعليم في المغرب يعيش واقعا محرجا والكل يعرف عمق الازمة البنيوية التي تطالب البلد ككل وليس التعليم لوحده. ولكن لا أحد يجرؤ على اعلان القطيعة الممكنة مع هذا الواقع.  
ما مصير هذا الدرس؟
صار من اللازم اعادة النقاش حول واقع الفلسفة بالمغرب اليوم، والبحث بجدية عن المخارج الممكنة للازمة التي نتخبط فيها بحدة. كما صار من اللازم إعادة التأكيد على دور هذا الدرس في الدفع بعجلة التقدم إلى الأمام. وهو ما ليس ممكنا إلا بإعادة النظر في الموضوعات المدرسة وفي الطرق التقليدية للتدريس، وفي الطابع التجاري (التسليع) الذي ينخر جسم الفلسفة. ولا سبيل غير الجرأة والشجاعة في طرح موضوعات: الدعاية، الجسد، الموت، الدين، الفن، الاختلاف، التعدد والتنوع، الخاص والعام، التواصل، النوع، الحق، العدالة، الدولة، الديمقراطية، الحرية، السعادة، العنف، الاقصاء، الغيرية، الاستبداد بالرأي... وهو ما ليس ممكنا بالطبع ما لم تتضافر جهود الجميع.
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage