3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

عقلنة العامل البشري

الخط





















الحسن اللحية


تواصلت المجهودات، بعد تايلور إلى يومنا هذا، الرامية إلى تنظيم العمل نظرا للتطور الصناعي نفسه. وكان التطور يشمل الإدارة والمقاولة، ولكن كذلك علم النفس وعلم النفس الاجتماعي اللذين يساعدان المنظم على التوجيه الأمثل للعامل والمعرفة المثلى للفرد والجماعة والتفاعل الحاصل بين الفرد والجماعة والجماعة والتنظيم والفرد والتنظيم. يبدو كما لو كان التوجه الجديد المستعين بهذه العلوم يتجاوز التحليل السلطوي والقرار البيروقراطي مكتفيا بالمعرفة الدقيقة بالجماعة والفرد تحت اسم العلاقات الإنسانية(24).
كانت بداية مدرسة العلاقات البشرية مع أوراش هاوتورن التابعة لشركة وسترن إلكتريك في سنة 1924.وقد شملت الدراسة 29000 شخص يعملون بمعامل ضاحية شيكاغو المتخصصة في كل ما يتعلق بالهواتف.
ورغم الشروط المادية والظروف الجيدة التي يعمل فيها العمال كالأجور المرتفعة والتطبيب والخدمات المقدمة والتغذية بعين المكان والعلاج لوحظ أن علامات عدم الرضى كثيرة مثل التغيبات المتكررة والتوقف عن العمل وانعدام الجدية والجودة في العمل.
سارعت الإدارة وبمساعدات باحثين جامعيين إلى البحث في شروط العمل، فكانت البداية بالإنارة التي تبين أن لها تأثير كبير على الإنتاج (25).وقد دامت التجارب الخاصة بالإنارة من 1924إلى 1927. وبعد ذلك تم التركيز على عمل فريق من الباحثين المتخصصين في علم النفس الاجتماعي الذي دامت أبحاثه ست سنوات كاملة على مجموعة معزولة من العمال.وكان هذا الفريق يبحث في تأثيرات ومتغيرات غير الإنارة على الإنتاج مثل العمل الفردي والجماعي والغلاف الزمني والعمل في نهاية الأسبوع.وقد بدا للباحثين أن إحداث متغير كحذف العمل في نهاية الأسبوع مثلا يزيد في المردودية.وهكذا ظل فريق الباحثين يحدث المتغيرات ويعود إلى الحالة الأولى للوقوف على أسباب التغيبات وعدم الرضى وقلة الإنتاجية.

الحاجات والتحفيزات
ترتكز هذه النظرية على علم النفس وعلم النفس الاجتماعي وقد بدأت تكتسح جميع أشكال تنظيمات الشغل والمهن، مما ترتب عن ذلك إعادة النظر في هيكلة المهام داخل تنظيمات الشغل ودوائر الجودة.
يعتبر أ.ه.ماسلو رائد هذا الاتجاه الذي يرى أن الحاجات شئ من الحياة الإنسانية وأن اصل الحاجات ليست نفسية أو فطرية فقط وإنما هي ثقافية واجتماعية كذلك، وهي تتولد عن ضرورات التملك أو الاستهلاك مما تترتب عنه تحفيزات تدفع الفرد للقيام بشئ ما قصد إشباع الرغبات(26). ثم إن ماسلو لا يقيم تراتبية بين الحاجات ومن تم تكون أولوية لحاجة عن أخرى؛ أي أن هناك حاجة عليا وجب إشباعها أولا ثم هناك حاجة دنيا تختفي لما تظهر أو تشبع الأولى. تشبه الحاجات هرما يتكون من الحاجات العضوية والأمنية والانتمائية والتقدير وتحقيق الذات، علما أن ماسلو يعطي الأولوية للحاجات العضوية ثم تأتي الحاجات الأخرى في المرتبة الثانية بعد الإشباع.
ويلاحظ أن الحاجات العضوية يمكن إشباعها في المجتمع الحالي وبالتحديد في الولايات المتحدة الأمريكية والدول المتطورة اقتصاديا. وما الأصوات التي ترتفع لتنادي بالأمن لتأمين العمل وتأمين الشغل سوى علامة على المرور من مستوى إلى آخر، لكن لا يمكن مباشرة هذه الحاجات في الوقت الذي لاتكون فيه الحاجات العضوية أو الحاجات الأجرية مشبعة. ومن تم على إدارات المقاولات أن تنتبه إلى ذلك قبل النظر في الأمن بجميع أشكاله(27).
يتحقق الانتماء في حركيات التضامن الاجتماعي والهوية الطبقية (النضال النقابي مثلا). وتقدير الذات يشمل تقدير الفرد لذاته وتقدير المجتمع له .وقد يقل تقدير الذات في العمل نتيجة تقسيمه وتجزيئ المهام.
يلاحظ بيرنوكس أن أسس تحليل ماسلو براجماتية لأنها تلتقي في جانب منها بالواقعية. فهي من جانب ثان تحطم أسطورة الإنسان الاقتصادي l'homo oeconomicus الذي لا يتحدد إلا بربح، وهي الصورة السائدة عند كل من تايلور والفوردية والتقاليد الاقتصادية. وهكذا لا يمكن تفسير سلوك الفرد في المقاولة بالجانب النقدي وحده وإنما هناك حاجات أخرى مثل الأمن والتقدير وتحقيق الذات. وبالأجمال المصلحة الشخصية للفرد(28)
سيعمل دوغلاس ماكغريغور على البحث في نظرية الإدارة management؛ أي طريقة قيادة الناس.وقد انطلق في ذلك من المقارنات بين برامج تكوين المسؤولين في الشركات الأمريكية الكبرى وتقويمها ميدانيا (في تطبيقها ).وقد استنتج أن تصرفات المسؤولين تستند إلى سياسات تدبيرية لا ترتبط مباشرة بالمحتويات التي تلقوها وإنما بافتراضات حول الطبيعة الإنسانية والسلوكات الفردية (29) التي تصبح كمبادئ يقوم عليها التكوين وتنقل من جيل إلى آخر.ولتجاوز ذلك اقترح ماكغريغور التكوين المرتبط بالمنفعة دون إغفال الجودة البيداغوجية والمصلحة الشخصية.
ترتكز نظرية الحاجات على وظيفة بيداغوجية وكانت موجهة للمستشارين ومدراء تنظيمات الشغل، وهي لا تخلو من تصورات افتراضية عن الطبيعة البشرية رغم أنها تقترح طرقا لتغيير الطرق السابقة في التعامل مع العمال. هل يتعلق الأمر بتلبية الحاجات أم بتنظيم العمل بشكل يعطي قيمة لقدرات الأفراد؟ إن العلاقة بين إشباع الحاجات والإنتاجية لم تظهر الدراسات بشأنها أي نتائج تذكر، ثم إن العمل المنظم جيدا قد يعطى نتائج كبيرة.
والحاصل أن مدرسة العلاقات الإنسانية ونظرية التحفيزات تتميز بخصائص تقنية لأن المنظم هو الذي يفكر في عمل الأفراد، وخاصية فردانية وأخرى إنسانية. وقد راهنت هذه النظريات على النجاعة عن طريق المشاركة والاندماج للتغلب على مشاكل التكيف(30).
لقد كان الهم الأساسي المحرك للمدارس التي تبحث في تنظيم الشغل والمقاولات هو النظر إلى التنظيمات كإجابات عن إكراهات موضوعية مما يجعل، وفق هذا المنظور، النظر إلى مشكل التكيف مع المحيط كحل نهائي وغاية الغايات، بل جعل من المحيط معطى لا يمكن تغييره، أو نظر إليه كقدر لا راد له. وبناء على ذلك ينبغي أن تتغير التنظيمات وتتحول لتتكيف معه، علما أن المقصود بالمحيط هنا هي قوانين السوق والتطور التكنولوجي.
لقد كان هم تايلور حسب فليب بيرنوكس يتمثل فيما يلي:
1- تحليل العمل في الأوراش.
2- تقسيم العمل إلى عناصر دقيقة صغرى.
3- دراسة المهام وعقلنتها.
4- اقتراح تنظيم لتكييف العمال مع المقاولة.
وجاءت بعده مدرسة العلاقات الإنسانية ونظرية التحفيزات مرتكزة على تقنيات في علم النفس وعلم النفس الاجتماعي والسسيولوجيا وهي تتوخى من ذلك تكيف العمال مع عملهم(31).
لقد كان المشكل هو دراسة القوانين الداخلية للتنظيمات في استقلال عن الاكراهات السياسية والاقتصادية، لكن بدا أن التنظيمات لا تتكيف ميكانيكيا وآليا مع التطورات الخارجية بالاقتصار على دراسة عناصرها الداخلية.
لم يسلم مشيل كروزيي وإرهارد فرايدريغ من الرؤية التي تجعل التنظيم مستقلا استقلالية كاملة؛ أي التنظيم الذي لا يخضع إلا لقوانينه الخاصة، القوانين والقواعد الوظيفية لا التنظيم الذي يتحدد بالعوامل والمؤثرات الخارجية. وقد تمثل نقدهما للنظريات السابقة في الجانب الذي يجعلها تنظر إلى الفرد والجماعة في الفراغ؛ بمعنى إما بالانطلاق من الحاجات المنظور إليها بالمطلق، ثم في استقلال عن استراتياجياتهم وعن تنظيمات ملموسة(32).ولأنهما أخذا ظاهرة التنظيمات على محمل الجد فقد جعلا منها ظاهرة مستقلة كليا ومصطنعة.
يتميز التنظيم في نظر هذين الباحثين بالسمات التالية:
1- تقسيم المهام
2- توزيع الأدوار
3- نظام السلطة
4- نظام التواصل
5- نظام المساهمة والأجر(33).
ورغم هذه السمات التي تبدو كركائز أو كأسس لكل تنظيم كيفما كان نوعه توقف بيرنوكس عند جانب مهم تمثل في الهيكلة l'organigramme (34)  مستحضرا أطروحات ماكس فيبر حول السلطة والبيروقراطية (35)، وجوانب أخرى مثل الجوانب اللاشخصية، والجوانب العقلانية التي تتداخل في العمل، الشئ الذي جعله يقبل بأطروحة فايول هنري الذي ينظر إلى المقاولة كجسد اجتماعي.وخلص الباحث بعد ذلك إلى استنباط مسلمات التحليل الاستراتيجي التي تدور حول المسلمات التالية:
المسلمة الأولى: لا يقبل الناس أن يعالجوا كأدوات لخدمة أهداف يضعها المنظمون للتنظيمات.
المسلمة الثانية: الحرية الخاصة بكل فاعل نسبيا داخل المقاولة أو التنظيم، ومعناها أن كل فاعل يحتفظ بشئ من الاستقلالية يستعملها قليلا أو كثيرا حتى ولو كان داخل السجن.
المسلمة الثالثة: تكون الاستراتيجيات دائما عقلانية في رهانات السلطة إلا أنها عقلانية محدودة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار استراتجيات الآخرين واكراهات المحيط (36).
للتحليل الاستراتيجي مفاتيحه الأساسية أو لنقل مفاهيمه الأساسية، ومن هذه المفاهيم نجد الفاعل والنسق والسلطة.
 يلعب الفاعل دورا أساسيا في نظرية التحليل الاستراتيجي. وقد كان كل من مشيل كروزيي و إرهارد فريدبرغ هما من أبدعا نظرية الفاعل. وهي نظرية تقوم ضد دوركهايم الذي أراد أن يطبق العلوم الحقة في دراسته للوقائع الاجتماعية دون الأخذ بقصدية الفاعلين.
تنطلق سسيولوجيا الفاعل من الفرضية القائلة بأن وضعية الفعل أولية، وهي وضعية قابلة للتفسير وفق منطق الأفعال ومنطق وضعية الفعل.
وأما النسق فإنه يحتل بدوره مكانة هامة في التحليل الاستراتيجي. ويأتي معناه من التنظيم أو البناء الإنساني أو مجموعة من الناس مبنينين بناء معينا. يتكون هذا المجموع من عدة عناصر لها استراتيجيات تتطور بتفاوت ولها علاقات تخضع لإكراهات المحيط. ثم إن التنظيم في مجموعه يكون في حركة لا تهدأ قد يبدل أهدافا قديمة بأخرى جديدة، وقد يوظف عمالا آخرين يستبدل بهم غيرهم بمستويات دراسية معينة.
لابد أن التمييز بين الفاعل والنسق يوحي بتمييز بين التحليل الفاعلي والتحليل النسقي أو نمط التفكير الاستراتيجي ونمط التفكير النسقي. هناك فاعلون مستقلون نسبيا وأحرار يخلقون نظاما معينا (نسقا)، ويجعلونه يعمل عبر شبكة من العلاقات تسمح لهم بالتفاوض والتبادل وأخذ القرار(37).
سيكون من المهم في منظور التحليل النسقي تحديد المجموع، كلية العناصر والعلاقات بين العناصر عوض تحليل كل عنصر على حدة لتفادي النزعة الوظائفية التي تركز على عامل أو فاعل أو جزء دون الكل. ثم يستحيل الحديث عن النسقية من دون استحضار التنظيم بما فيه جانب الموارد البشرية وسيرورة التحولات وتموين منتوج معين.ويعني ذلك أن النسق شبكة من العلاقات غير المستقلة، شبكة متداخلة مترابطة فيما بينها. وإذا ما حصل تغيير في إحداها تغيرت العلاقات الأخرى، بل يتحول المجموع في كليته. ولتمييز النسق عن التنظيم أدخل السسيولوجيون جانب الغاية؛ إذ يسعى التنظيم إلى التوازن بمجرد التغيير لأن هناك حالة مثالية من التوازن ينبغي الرجوع إليها أو الحصول عليها، لكن النسق يجهل معنى التغيير رغم أن مثاله هو التوازن(38).
تسمى الطريقة التي تبني بها مجموعة من الناس علاقاتها نسقا للفعل الملموس بما فيها الأنساق الصغرى للفعل الملموس. والتحليل الاستراتيجي لا يكتفي بدراسة هذه العلاقات بمعزل عن دراسة الشك الذي يعني الاكراهات الخارجية التي ترمي بظلالها على التنظيم، والشك الجاثم على العلاقات الداخلية للتنظيم.
والجانب الثالث في التحليل الاستراتيجي هو الجانب المتعلق بالسلطة كمشكل مركزي في التنظيم. وهنا لا يتعلق الأمر بالمنظورات الكلاسيكية التي كانت تنظر إلى من يحتكر السلطة من جهة وإلى من ينفذها من جهة ثانية. ربما أصبح الأمر يسير بشكل جماعي، بتقاسم السلط والتفاوض والاجتماعات المتكررة لإيجاد الحل للجميع.
سيكون من الملائم حتى في مثل هذه الحالات التي تتخذ فيها القرارات أن نعرف السلطة بأنها قدرة بعض الأفراد أو جماعة على ممارسة السلطة على آخرين سواء كانوا جماعة أو أفرادا.
تعيدنا دراسة نسق الفعل الملموس إلى تعريف الجماعة، سواء إلى العلاقات البينشخصية أو إلى تاريخها وثقافتها. ومن أجل توضيح هذه المعطيات لابد من الرجوع إلى فرويد الذي عمل على تحليل علاقة الفرد بالجماعة. وفيما يخص الجوانب المتعلقة بالثقافة والتاريخ (39).
أليس الحديث عن التحليل النفسي هو حديث عن الفرد؟ ثم أليس الحديث عن علاقات جماعة تشكل نسقا هو إحالة على بنية؟ أليست، أخيرا، ثقافة المقاولة هي نسق فعل ملموس؟.
لنتذكر بأن السسيولوجيا تدرس الظواهر كظاهرة التنظيم نفسه إلا أنه هناك أسئلة تنفلت من التحليل مثل دراسة الروابط الاجتماعية و مرضيات التنظيمات والدور الكرزماتي للزعماء التي لا يتناولها التحليل النسقي تحديدا فتظل منسية ومهمشة قابعة في الظل، بل إن علاقة الفاعل بالتنظيم لا يمكن أن تختزل في السلطة والاستراتيجيات وحدها.
قد لا نستغرب إذا قلنا بأن فرويد لم يكتف بتحليل العلاقة بين الطفل والأب والأم؛ إذ تعداها إلى تحليل التنظيمات والمجتمعات. ذلك ما تشير إليه مؤلفات مثل تحليل الحرب 1914-1918 و سيكولوجيا الجماعات وتحليل الأنا 1921 ومستقبل وهم 1927 ومرض في الحضارة1929، حيث التحليل يذهب إلى ماوراء العلاقات البينشخصية الفردية ليطال المجتمع والتنظيم(40).
إن الإنسان كائن ذو رغبات. والحال أن هذه الرغبات ينبغي أن يعترف بها الآخر ويقبل بها ليس بالمعنى القبول الساقط وإنما الاعتراف الاجتماعي، حيث يعترف بصاحب الأهواء والرغبات كذات لأن الرغبات لا يمكن التعبير عنها اجتماعيا وإنما هي منتوج دافع ما.
هناك من جمع بين الاعتراف والهوية مثل ر.سانسوليو . وهناك من رأى بأن جميع البنيات التنظيمية ترتبط بالمتخيل الاجتماعي. فعلى سبيل المثال فإن علاقة الغواية والاستمالة تدخل في علاقة السلطة والعصابات الفردية تترجم تنظيميا أو بلغة التنظيم. هناك تفاعل بين المتخيل الفردي والاجتماعي، والبارانويا قد تكون جوابا جنونيا على مشاكل واقعية مطروحة في الحياة الاجتماعية. وإجمالا فإن التحليل النفسي هو تحليل اللاوعي ، تحليل ما ينفلت من الوعي وعقلانية التنظيمات.
عمل فرويد في سايكولوجيا الجماعة وتحليل الأنا على تأزيم التعارض بين علم النفس وعلم النفس الاجتماعي لأن علم النفس لا يمكنه تجريد علاقات الأفراد بالآخرين والعلم الآخر سيتدخل بانتظام من حيث أنه نموذج ودعم للمنافس. ثم إن بنيات التنظيمات لها سيرورات عصابية لا يمكن فهمها إلا باستحضار لا وعي الأفراد.
لا يمكن أن توجد التنظيمات إلا لأنها موجودة من أجلنا، وذلك ما يعني وجود رابط مثل تحقيق الذات والحب والتضامن والجسارة كدافع لبناء شئ ما مع الغير. ولكي يوجد ذلك لابد من وجود مدخل ليبيدي libidinal أو استثمار عاطفي(41).
إن مجتمعا مؤسسا على حب الأب والمساواة بين الأبناء يعني وجود رابط ليبيدي ونرجسي.فهل يمكن الانطلاق من هذه المسلمة الفرويدية لتحليل العلاقات داخل التنظيمات؟ يلاحظ بيرنوكس أن الصعوبة الأولى تتمثل في غموض صورة الرئيس. فهل من المعقول القول بأن الأفراد لا يعيشون معا بإحالتهم على الغير وبالتحديد على الأب أو المؤسس أم أن هذه الصورة خطيرة وقاتلة لأنه على الأبناء التمرد لقتل الأب؟ تجسد هذه الحالة حالة علاقة السلطة المليئة بغموض صورة الأب.
والجانب الثاني في التحليل الفرويدي أن الأنا لا يتشكل إلا عبر الغير، باعتراف الغير، وهوما يجعل الذات، الاعتراف بالذات، مهددا ومبدأ المساواة بين الإخوة في خطر مثل ما يحدث في النظرة المباينة المفاضلة بين الجنسين وامتداداتها في العمل والحياة اليومية فتهدد بذلك الغيرية الجماعة.لكن المنطق السليم في التحليل النفسي يقول: لكي أظل أنا نفسي ينبغي أن أكون مختلفا.لكن لكي تستمر الجماعة تتصدى للأفراد الذين يظهرون رغبات القتل ودوافع الهدم والعدوان (أسباب الحروب).
سيكون وضع اليد على رابط ليبيدي من بين الوسائل التي تعزز التماسك الجماعي لمنع العدوانية بالسماح بالتعبير أمام أعضاء الجماعة وتحويل تلك العدوانية نحو الخارج، نحو تنظيمات أو جماعات أو مجموعات أخرى.
هناك نوعان من النزوعات في جميع المجتمات؛ أولها النزوع نحو التحطيم الذاتي الذي يلغي كل غيرية أو أن الجميع صار منافسا وعدوا، حيث تكون نهاية الروابط الاجتماعية، نهاية العلاقة بين الحاكم والمحكوم أو بالإبداع الدائم لأعداء جدد يوجدون في الخارج، حيث لا توجد الدولة إلا بالحروب أو التحضير المستمر لحرب آتية(42).
والخلاصة أن التنظيم الجيد يفترض، حسب هذا المنظور، وجود رابط الحب وغيرية الأب والقبول بالاختلاف والغيرية مع مناقشة التبادلية.
لم يعد خافيا أن العصاب هو عصاب تنظيمي. والعصاب هو انعدام القدرة على العيش المشترك أو في الجماعة. وإذا انطلقنا من المسلمة القائلة بأنه على كل فرد أن يعمل في جماعة والجماعة تناقش باستمرار أنشطتها سيكون ذلك علاجا للعصاب.وقد خلص الباحث بيون إلى الاستنباجات التالية:
أولا: إن نفسية الأفراد هي بالأساس سيكولوجية الجماعة لأنه هناك تأثير متبادل بين الأفراد.
ثانيا: إن العمل الواعي العقلاني لجماعة معينة يتأثر بالأحاسيس اللاواعية وانفعالات المشاركين.
ثالثا: إن مشاكل التدبير والقيادة هي شخصية وبينشخصية تترجم بلغة تنظيمية.
رابعا: كلما كانت الجماعة تواجه الواقع كثيرا كلما لوحظ تطورها الايجابي(43).
ويرد عند بيرنوكس جانبا آخر يسمح بفهم الجماعة عدا التحليل النفسي يتمثل في ثقافة الجماعة رغم أنها غير مدركة إدراكا جيدا من قبل السسيولوجيين.
لاشك أن للثقافة تعاريف كثيرة وقد تحيل إلى التأثيرات على الأفراد والجماعة أو القيم التي يقدمها المجتمع أو القيم المنتظمة في نسق بتأثيراتها الرمزية أو التمثلية. والصعوبة الثانية في تحديد الثقافة تأتي من إمبريالية المدارس الثقافوية وبالتحديد التفسيرات التعميمية التي تنشرها(44)؛ ومنها جهوية الثقافة ووطنيتها.إنه التحديد العام المرتكز على الذهنيات والقيم العامة الجماعية الذي تدرسه سسيولوجيا التربية أثناء تناولها لنقل المعارف (العائلة والمدرسة) إلا أن الدراسات المهتمة بالجانب الثقافي في التنظيمات تنطلق من وضعيات ملموسة في العمل، ومن الاختلافات السسيو-مهنية للفاعلين والهوية المهنية للفاعلين.(45)
كان رونود سانسوليو أول من انتبه إلى آثار العمل على السلوكات العلائقية وليس على النفسيات الفردية. وقد لا حظ وجود تعدديات ثقافية تميز العمال غير المؤهلين مثل السلبية عند العمال المؤهلين الذين يستعملون التقنيات والآلات القديمة، والتضامن عند مستعملي التقنية الجديدة، والانعزالية عند التقنيين والأطر ومستخدمي المكاتب وغيرهم.
يعزي الباحث هذه الثقافة إلى عدة عوامل منها:
أولا: الثقافة السابقة وتشمل على سبيل المثال الرجال والنساء، القرويين أو الحضريين، الثقافة الأسرية والتقنية، الثقافة المكتسبة في مقاولة أخرى إلخ...
ثانيا: وضعية العمل ونوع العمل.
ثالثا: الوضعية الاستراتيجية لعلاقات السلطة وتشمل سياسة القيادة والتنقيب والصراعات الاجتماعية وعلاقات السلطة في ورش ما إلخ...(46).

ويخلص الباحث بيرنوكس أن هذه النمذجة تسمح بالتخلص من التعقيد الثقافي للمقاولة التي ستعالج برؤية وظيفية انطلاقا من المنتظرات والأدوار في التنظيم. وبلغة استراتيجية، تسمح هذه النمذجة بالانطلاق من علاقات السلطة. 
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage