3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

حب الوطن عند ماكيافللي

الخط










حب الوطن عند ماكيافللي

 ترجمة : الحسن اللحية
عن كتاب السياسة و الخيال
لا يظهر بأن فكرة الوطن Patrie تحتل مكانة مركزية في الاصطلاحات والفكر السياسي لماكيافللي، وذلك رغم أنها تلعب فيه دورا أسياسيا لا يمكن تقليصه.ولكي نتبين ذلك الدور بوضوح، أي الدور الذي تلعبه فكرة الوطن، يكفي استحضار الفصل الواحد والأربعين من الكتاب الثالث للخطابات حول تيتوس لفيوسDiscorsi sopra la prima deca di tito livio المعنون بالعنوان التالي:Che la patria si debbe difendre o con ignominia.ed in qualunque modo e bene difesa .
يبرز نيكولاس ماكيافللي في النص المشار إليه أعلاه الوطن، ومقصود هنا فكرة الوطن، كقيمة مطلقة تقريبا، خاصة وأنها تبدو كأساس لجميع القيم الأخلاقية والسياسية الأخرى. وبالنظر لسلامة الوطن فإن جميع القيم الأخرى تبدو تابعة لها.يقول ماكيافللي:"هنا، وحيث نقرر في سلامة الوطن della salute della patria، علينا ألا نأخذ بأي اعتبار للعدل أو الظلم، للرأفة أو القسوة، للمجد أو الخزي.بل أكثر من ذلك فباستبعادنا لأي اعتبار آخر علينا أن نتبع في كل ذلك الجانب الذي يحفظه ويصون كرامته".
يكمن هنا كل ما هو مهم: إنقاذ وطنه هو إنقاذ لحريته.فهذا الأمر كما يقول ماكيافللي "يستحق التسجيل والتقليد من طرف كل مواطن يمكنه أن يقدم النصح لوطنه".
هكذا يبدو أن المبعوث الروماني ،سفير روما، لسيوس لنتولوس lucius lentulus  كان محقا لما قال بأن بقاء الوطن يستحق الفضيحة ،وذلك بقوله :"لأنه إذا ما احتفظنا بالجيش سيتوفر لروما كل الوقت لمحو تلك الفضيحة. وإلى هذا الحد سنموت ممجدين فلا نفقد أنفسنا، وبالتالي ستفقد روما بالإضافة إلى حريتها". لقد أكد حنبعل Hannibal من جانبه هذه الحكمة لما هرع إليه القرطاجنيون يطلبون النجدة، نجدة وطنه، إذ لم يعتمد في ذلك إلا على نفسه وجيشه. يقول ماكيافللي موضحا:"لنعتبر تلك أنها آخر ورقة لنجدة الوطن إلا أنه لم يرغب في التورط دونما أن يجرب حلولا غيرها، فهو لم يخجل حينما طلب السلم ظانا أن لا علاج لوطنه غيره وليس الحرب، لكن مطلبه السلمي رفض.وعلى الرغم من الرفض الذي واجهه لم يرفض هو الحرب مخافة الهزيمة. وهكذا فكر في الإقناع أو الهزيمة الشريفة. فإذا ماكان حنبعل وهو القبطان اللامع قد احتفظ بجيشه كله باحثا عن طرق السلم عوض الحرب فإنه بفعله ذاك سيظل عبدا في وطنه.ماذا يمكن أن يفعل رجل غيره إذا ما كان أقل تجربة وقيمة منه؟ لكن الناس يرتكبون خطأ كي لا يحدون من آمالهم، يؤسسون عليها ولا يحدون منها حتى لا ينهارون".
تفسر لنا هذه المبالغة في حب الوطن أن الذين يضعونه أمام الخطر أو ما يمكن أن يجعله عرضة للضياع بفعل الانتقام الشخصي أو المجد يستحق الموت حتى ولو كانت حالات حيث الجريمة لا تعاقب. وإذا كان من اللازم أن نضيف دليلا آخر كي نلامس عمق موضوعة الوطن عند ماكيافللي يكفي التذكير هنا بالفصل السادس والعشرين من كتاب الأمير Prince المعنون ب"الحض على تحرير إيطاليا من البرابرة" الذي يقدم دلالته الساطعة لمجموع النص الذي ختمه بنداء يحيي فيه الوطن ويدعو فيه إلى تخليص إيطاليا، بمعنى تحرير الدولة. يقول ماكيافللي:"فبالقدر الذي يجعلها (أي إيطاليا) كأنها بدون حياة فإنها تنتظر ذاك الذي يستطيع مداواة جراحها، ووضع حد لنهب لومبارديا وابتزاز المملكة والتوسكان، ومن يعالج مصادر الداء التي تعفنت منذ زمن بعيد.نراها كما لوكانت تتضرع إلى الله ليبعث إليها برسول يخلصها من قساوات وفظاظات البرابرة.ونراها أخيرا مستعدة ومهيأة لتتبع راية ما إذا ما وجد أحدهم".
ولكن إذا ما كان الوطن من بين حوافز الفكر السياسي الماكيافللي، هل يتم نفس الشئ فيما يخص حب الوطنAmour de la patrie ؟ بكل تأكيد يتم ذلك.فالفصل السادس والعشرون من كتاب الأمير بالإضافة إلى نصوص أخرى تعتبر بحق أناشيد في الوطنية. لكن يخطئ من يظن بأن تعبيرحب الوطن Amore della patria لا يوجد في مجموع هذا النص، إلا أن المشكل المطروح يمكن أن يكون أكثر عمقا. وبالفعل كيف يمكن أن تكون للناس، كما نقول ونفترض ذلك ذاتيا أو جوهريا، طبيعة سيئة، ولا هم لهم، بشكل خاص، غير مصالحهم الخاصة؛ تجدهم دائما غير مقتنعين بما لديهم، وحسودين للآخرين. فهل من الممكن أن نجد فيهم ذرة حب للوطن؟ وكيف لنبلاء يتلهفون للهيمنة ولشعب عنيد أن يتجاوزا تضاربهما ليعرفا هما مشتركا خاصا بالحرية والوطن ؟ نتذكر هنا الحكمة السياسية التي تخترق كتاب الأمير والخطابات حول تيتوس لفيوس حينما يقول ماكيافللي:"تجعل العداوات الطبيعية الشعب والنبلاء يتعارضان لأن بعضهم يريد الحكم والبعض الآخر يرفض الخضوع.إن النبلاء أصل كل الشرور التي تعرفها المدن-الدول".كما أن الأشياء تصير ذات خطورة أكثر من ذي قبل حينما ينضاف إلى هذا المبدأ العام، كما هو حال إمارة فلورنسا، "الحظ السيئ"و"المؤسسات الفاسدة".
من الممكن أن يفسر لنا هذا الأمر بأن كتاب الخطابات Discorsi يشير إلى وجود ما يقوم مقام حب الوطن .يشرح ماكيافللي، بخاصة في الكتاب الأول من الخطابات، وتحديدا في الفصل الحادي عشر بأن الدين الذي أقامه نوما بومبليوس كان موجها لمواطنين متغطرسين أحله محل وطنهم.يقول نيكولاس ماكيافللي:"إن من يتفحص الأعمال المنجزة من قبل الشعب الروماني برمته، ومن قبل عدد من المواطنين سيجد بأن الرومانيين كانوا أكثر ما يخشونه هو نقض اليمين أكثر من القوانين.وهم يجلون قوة الله عن تلك التي كانت للأموات(...) وهكذا فإن مواطنين لا يبقيهم لا حب الوطن Amore della  patriaولا القوانين في إيطاليا وتجعلهم يحفظون القسم ويخشونه(...) فجميع هذه الأشياء نجمت عن الدين الذي أدخله نوماNuma إلى روما".
لا يأخذ حب الوطن عند ماكيافللي صورة سلبية على وجه الإطلاق؛ إذ في تواريخ فلورنسا Histoires florentines، وبخاصة الكتاب الثالث الجميل المتعلق بثورة سيومبيCiompi، يتبين لنا أن الحالات التي يأخذها لفظ الوطن Patria يعبر عنها كلها في الصيغة التالية:حب الوطن Amore della patria.إن الحدث نفسه صادم.
للتعبير الوارد "حب الوطن" حالتان في الكتاب الثالث من تواريخ فلورنسا.يتعلق الأمر على وجه الإجمال بتعبير استعمله ماكيافللي نفسه لتحديد بعض أنواع الإحساس واستلهام الموضوع في كتاب الخطابات الخاص بالمواطنين العاديين أو رجال السياسة. ماهو ،إذن بالتحديد محتوى "حب الوطن"؟ وكيف تتمفصل هذه الفكرة في الإحالة الأكثر عمومية على الوطن الذي يخترق المتن السياسي الماكيافللي برمته؟ وماهي أخيرا الدلالة السياسية لاستلهام الوطنية؟.
لكي نحاول الإجابة عن هذه الأسئلة المطروحة سأعالج ثلاث نقط، أولها وظيفة الإحالة على الوطن في كتاب الأمير، وثانيها دلالة حب الوطن في الكتاب الثالث من تواريخ فلورنسا، وثالثها الرهان التاريخي-السياسي لاستلهام الوطنية.
1- الوطن في كتاب الأمير
نجد فكرة الوطنية، أو تظهر، في الفصل السادس: نجد حالتين ، ثم في الفصل الثامن: نجد حالتين، وأخيرا في الفصل السادس والعشرين: نجد حالة واحدة.
إن الدلالة الأكثر عمومية للوطن هي تلك التي تقول بأرض الأجداد، لكنها لا تستنفذ معناها في الأثرoeuvre الماكيافللي . ثم نجدها كذلك في الفصل السادس من كتاب الأمير الذي يتناول فيه "الإماراتPrincipautés الجديدة التي يحصل عليها –الأمير- بأسلحته الخاصة وببسالته". فالسياق الفكري هنا هو ذاك المتعلق بتأسيس الوطن؛ إذ المؤسسون الكبار grands fondateurs للوطن هم من ينبغي تقليدهم من طرف الأمراء الأقل كفاءةtalent، وهؤلاء العظماء الكبار هم "موسى وكورش وروميلوس وتيزي وكل من يشبههم". والحال أنه من أجل تفسير ما قام به هؤلاء المؤسسون أو المؤسسون الجدد عمل ماكيافللي على تسجيل فكرة الوطن في إطار تأمل حول ما يمكن أن نسميه التناسب بين الفضيلة والحظ الطاغي في تجاربهم.فما يميز هذا التناسب كونه يناقض كليا الحالات العادية جدا التي تسمح بالفضيلة. يقول ماكيافللي موضحا:"ولكن لكي نعود إلى هؤلاء الذين استطاعوا بفضل فضيلتهم الخاصة وليس بفضل الحظ أن يصيروا أمراء، وأقول بأن الأكثر سموا من بينهم هم موسىMoise وكورشCyrus و روميلوسRomulus وما شابههم(...) فإذا ما حللنا ما قاموا به في حياتهم لا نجد أن الحظ منحهم شيئا أكثر من الفرصة lo occasione، فهي التي منحتهم مادة أدخلوا فيها الشكل الذي بدا لهم جيدا، وبدونها لن تبلغ فضيلتهم ما بلغته ولا جدوى من الفرصة التي ستتاح لهم".
إن فائدة الفضيلة في الحالة الأولى للمؤسسين لها من جهة ما للحظ بمقدار عاد من الفظاظة ومعاكسة الإرادة فتظهر كفرصة. ومن جهة ثانية فإن ما تحافظ عليه الفضيلة من علاقة بالحظ يصير معرفيا من حيث أنه إعادة تعرف.وبذلك "فإن الفرصة كانت وراء سعادة هؤلاء الرجال، كما أن فضيلتهم الرفيعة جعلتهم يتعرفون على تلك الفرصة.ومن تم فإن وطنهم lo loro patria عظمهم وصار سعيدا".
كما نجد فكرة الوطن في النص المذكور على الصيغة التالية:يقول ماكيافللي:"كان من المناسب ألا يكتفي روميلوس بالألب، وهو الذي عاش مهملا منذ ولادته، لكنه صار ملك روما ومؤسس وطنها المشهورfondatore di quella patria .كان من اللازم أن يجد كورش الفرس غاضبين وغير راضين على هيمنة الميديين عليهم(...)".
إن الإحالة على هذا المؤسس الكبير للوطن تسمح بإيجاد نموذجmodèle  يمكن من خلاله توضيح الوضعية القائمة في إيطاليا.لنتوقف أولا عند الفصل السادس والعشرين من كتاب الأمير، وخاصة حينما أطلق ماكيافللي نداء موجها لمخلص للوطن، وحيث الإحالة مباشرة على موسى وكورش وغيرهما من المؤسسين. يقول ماكيافللي:"يحدث نفس الشئ الآن إذ أن هناك إرادة لمعرفة فضيلة روح إيطالية . وإنه لمن الواضح أن إيطاليا آلت إلى نهاياتها، فهي شعب عبيد أكثر من اليهود، مسترقة أكثر من الفرس، ممزقة أكثر من الأثينيين، بدون رئيس ولا نظام، منهزمة مفككة، مغزية، وعلى الرغم من ذلك فإنها تتحمل جميع أنواع الدمار والخراب".
تتخذ الإحالة، في إطار الفصل السادس من كتاب الأمير، على المؤسسين العظماء شكلا موازيا للوضعية المعاصرة لإيطاليا. فالذين يقلدون المؤسسين الكبار لفضيلتهم ستواجههم الصعوبة البراجماتية paradigmatique للحصول على السلطة.تقف هذه الصعوبة أمام كل أمير جديد قادر على إدخال مؤسسات وأعرافusages جديدة يقيم عليها سلطته وأمنه، وبذلك فلا  أكثر محقا بالنسبة إليه غير تلك المستجدات التي سيعمل على إدخالها. كما أن النصر لا يأتي إلا حينما يعد هؤلاء المجددون أسلحتهم الخاصة. يقول ماكيافللي:"يظهر أن النصر كان حليف جميع الأنبياء المسلحين وأما العزل منهم فقد هزموا، لأنه علاوة على ما بيناه أعلاه هناك الطبيعة المتغيرة للشعوب، إذ من السهل إقناعها بذلك لكنه من الصعب إبقاؤها عليه".
يتضح أن الإحالة هنا تهم الراهب جيروم سافونارول.كما أن كتاب الخطابات (1.9) يحتوي على تطوير للفكرة المشار إليها أعلاه المتعلقة بضرورة تأسيس جمهورية على يد رجل واحد كي يستقيم أمرها. يقول نكولاس ماكيافللي موضحا ذلك:"علينا أن نأخذ بهذا الأمر كقاعدة عامة: يكاد لا يحصل أبدا أو إلا نادرا أن تكون جمهورية أو مملكة جيدة التنظيم منذ بداياتها أو أصلح أمرها كليا إلا برجل واحد، بل وأكثر من ذلك لا بد من أن يسود فيها رجل واحد يبين الطريق ويخضع له ذلك التنظيم.ثم كذلك فإن رجلا حكيما مشرعا راغبا في أن يكون نافعا ليس لذاته بل للخير العام وليس لورثته بل لوطن الجميع، فهذا الرجل عليه أن يكد في معالجته بمفرده للسلطة".
بدأنا نمسك بتمييز استعمالات القسوة بالتحديد، وذلك من خلال متابعتنا لفكرة الوطن، في كتاب الأمير، سواء فيما يخص الإمارات المؤسسة بطرق ممقوتة(الفصل الثامن) أو الإمارات المدنية(الفصل التاسع).
ذلك إذن هو الشكل الذي يبرز من خلاله مفهوم الوطن الذي يتجلى ما بين التأسيس الأول من جهة وملحاحية الإصلاح داخل إيطاليا في ذلك العصر من جهة ثانية. والحال أنه ما بين أسطورة تأسيس أولى واستعجال إعادة تأسيس حاضر فإن الإشارة إلى الوطن تأخذ معنى مزدوجا في كتاب الأمير، فهي من ناحية أولى تعيق العلاقة بين الحظ والفضيلة لتصير علاقة مجردة بين قوتين تتعارضان في غالب الأحيان وتتفقان في أخرى. فالنزعة الوطنية تنقش أسماء الرجال في التاريخ الخاص لمدينة أو لمدينة-دولة. يفكر ماكيافللي في العلاقة، من خلال هذا التاريخ، بين البطل القديم المؤسس والبطل الحديث (المرغوب فيه والمطلوب) بألفاظ أو تعابير التقليد. وأما من الناحية الثانية فإن استحضار الوطن يرتبط بهم الصالح العام والحرية السياسية .فالوطن يبين مدى أهمية الارتباط بقيمة تتجاوز الفرد؛ إذ أن هذه العلاقة الوثيقة بالوطن وحريته هي ما يعطي للفرد أفقا يتجاوز مصلحته الخاصة ووجوده الخاص حتى يفتحه على العام وما ينعش الجميع.
ورغم الصراعات التي تهز ،بالضرورة، الدولة-المدينة ، ورغم طبيعة الناس وانقسامهم إلى طبقات(الكبار والشعب) فإن الوطن يمثل قيمة دنيا وبدونها لا يمكن وجود أي مقياس مشترك محتمل يستشف في الأخير ، وذلك لما يفقد في الأخير كل شئ كإمكانية لغة مشتركة و إرادة متقاطعة تتوخى تجاوز العقبات التي تضر بالمدينة- الدولة.
2- حب الوطن في تواريخ فلورنسا
سبق وأن قلت ذلك سابقا، وأكرر هنا، مرة أخرى، بأن فكرة الوطن تبدو مرة كمبدأ للتفسير استخدمه ماكيافللي في تحليله التاريخي-السياسي، و طوراكنداء يهم الفاعلين في الأحداث السياسية.
إن الصيغة التي يبدو من خلالها تعبير حب الوطن amore della patria  في الكتاب الثالث من تواريخ فلورنسا توجد في الفصل الخامس. يستهل ماكيافللي هنا حديثه بوصف سلوك المواطنين، أولئك الذين يدفعهم حب الوطن للاجتماع بسان بييرو شيرادجيو.لكن ما يهم هنا، في مناقشات هؤلاء المجتمعين، هو استحضار حب الوطن في خطاب أحد المواطنين الذي كان يتمتع بقدر كبير من السلطة.كان نداءان لحب الوطن يؤطران خطابه.ترد الإشارة الأولى في البداية؛ إذ يقول:"إن الحب الذي نحمله لوطننا أيها السيد الفاضل عمل على جمع شملنا ثم قادنا وراءكم لنتحدث عن المصائب التي مافتئت تكبر في جمهوريتنا.ومن أجل أن نعلن بأننا على أتم الاستعداد لمساعدتكم على القضاء عليها".وأما الإشارة الثانية في النص المذكور فقد جاءت في آخره.يقول ماكيافللي:"رغم الأمثلة المتضاربة من الماضي فإن جمهوريتنا، أكثر من غيرها، تستطيع، ليس فقط، أن تظل موحدة، لكنها قادرة على بلوغ الأخلاق الجيدة والسلوكات المدنية بشرط أن تتفضل سيادتكم للقيام بذلك بدافع حب الوطن وليس بهوى شخصي وستجدنا نحضكم على ذلك ".
يضع الخطيب الأصبع، من خلال هاتين الإحالتين المشيرتين إلى حب الوطن، على ما يتسبب في الإضرار بفلورنسا وما يجعلها منقسمة يجتاحها الفساد.
وكان أول موضوع استفاض فيه الخطيب هو الانحلال والفساد الذي يعود إلى الصراع بين الأحزاب factions، إذ أن تناقضها وتنافرها يجلب البغضاء وهما معا يضعفان الوطن. والملاحظ أن الانحلال المشار إليه يقود إلى انحلال آخر يهم الأخلاق و الآداب التي تستطيع القوانين إصلاحها.
تفترض إمكانية إقامة حياة حرة ومدنيةvero vivere libo e civile بأن الفوضى يمكن أن تعزى لظروف وليس لطبيعة البشر بشكل خاص.يقول ماكيافللي:<<من الممكن التغلب على الخبث بالحكمة، وذلك بوضع حد لطموح هؤلاء الرجال إما بالقضاء على المؤسسات التي تغذي الأحزاب أو بخلق غيرها تتوافق والحرية المدنية الحقيقية>>، لكن مع الأسف أن ما اتخذ لإصلاح الجمهورية لم يعمل إلا على مضاعفة الصراعات.
توجد الإحالة الثانية لحب الوطن في خطاب القاضي البلدي لوي غشارديني الذي ألقاه أمام حشد تتزايد مطالبه بلا حد، يقول :"نتمنى أن نناقش مع بعض الناس فيهم  من شئ الإنسانية وحب الوطن .لقد قبلنا إراديا منصب القضاء هذا ونحن نفكر في الاقناع بجميع الطرق طموحاتكم بإنسانيتنا". وأخيرا توجد الإحالة إلى حب الوطن في الكتاب الثالث-الفصل الثالث والعشرون- وهنا يضع ماكيافللي حب الوطن من جديد في علاقته بوطن حر يتناقض و واقع وطن (إيطالي) مسترق. وقد وردت هذه الإحالة في خطاب بندتو ديغلي ألبرتي BENEDETTO DEGLI  ALBERTI ؛ وذلك قبل ذهابه مباشرة إلى المنفى، حيث اتهم من طرف القاضي البلدي الجديد الذي كان يخشى قوته الشخصية وسلطة عائلة آل ألبيرتي . يقول ماكيافللي على لسان بندتو ألبيرتي:" إن نفس هذا الحب للوطن يجعلني أمقت أخلاق من يحكمون حاليا حيث لا يوجد الآن من يعاقبهم وهم لا يرغبون في تأنيبنا لهم. إني أقبل بتحريرهم بنفيي من تخوفهم ليجربوا هم المنفى، ليس فيما يخصني ولكن في حق كل الذين يعرفونهم بإطلاعهم على تصرفاتهم الطغيانية والإجرامية.إنهم بضربي يقتلون الآخرين.لا أشفق على ما أصابني لأنها تشريفات منحها لي وطن حر لا يمنحني إياها وطن مستعبد".
هكذا يبدو لنا من خلال الكتاب الثالث لتواريخ فلورنسا أن حب الوطن يرتبط ارتباطا وثيقا بحب الحرية، ثم بمطلب مؤسسات جيدة و تقويم الأخلاق.فهذه القيم كلها ملتزمة بحب الوطن سواء أهمت مواطنا أو حكومة أو أكدت أن الارتباط بالوطن هو في نفس الوقت شرط لإصلاح قيم سياسية أساسية لجمهورية حرة.
3- رهان تاريخي- سياسي لحب الوطن
يتضمن حب الوطن، بشكل أساسي، حمولة سياسية. فلا يذكر بالثنائية dualité الأغوسطينوسيةaugustinienne  القائمة على وطن دنيوي وآخر روحي ، بل إن الفصل السابع من الكتاب الثالث من تواريخ فلورنسا يحتوي على الموضوع الأهم، بحيث يرى انطلاقا منه أن"مواطني هذا الزمن يفضلون وطنهم على حياتهمcittadini stimavono allora piri la patri ache l anima ".
إن السياق الذي يرد فيه هذا النص يناقض الكنيسة التي تعطي معنى ترى من خلاله المواطنين منشغلين بالسلام أكثر من أنفسهم.فإعادة تحديد علاقة سلامة الوطن بألفاظ زمنية حصريا هو ارتباط بالدفاع عن الحرية التي تفوق قيمتها الأفراد التي يحملونها.
نجد هنا في الحالة الخاصة بماكيافللي ما سبق أن أكده الباحث إرنست كانتروفيسKantorowicz   Ernestبشكل عام حول العودة إلى قيم رومانية خالصة في عصر النهضة، إلى ماوراء النزعة المسيحية، في مقالته الجيدة المعنونة ب"الموت من أجل الوطنpro patria mori " في الفكر القروسطي حين قال:"يكفي ذكر شيشرونCicéron أو هوراسHorace (...)لنستحضر هذا الكم الهائل من القيم الأخلاقية الملازمة لروما، بحيث أن الموت من أجل الوطن بعث من جديد، فيما بعد، من طرف بتراركPetrarque والإنسانيون الأوائل مصحوبا بفضائلهم العادية واستحقاقاتهم المدنية"(25).
كما أن ماكيافللي بين علاقة ،من ذي قبل، في الفصل الثاني من الكتاب الثاني للخطابات بين حب الوطن وحب الحرية ، موضحا في نفس الآن أن الغزوات الرومانية والهيمنة على شعوب قريبة أو بعيدة جعلت كلها حب الوطن شيئا صعبا لطغيان حب الحرية عند تلك الشعوب المغلوبة(26).
ثم هناك حجة تقنية تؤكد أكثر ما تؤكده هو تقييم(إعطاء قيمة valorisation) للوطن، (كتاب الخطابات، الكتاب الثاني، الفصل31 )، وتتعلق هذه الحجة بتوضيح أمر أشد خطورة حينما يعهد بالثقة لرجال طردوا من أوطانهم.يقول ماكيافللي:" علينا أن نضع في الحسبان إلى أي حد يكون كلام ووعود المطرودين من وطنهم عبثا.ففيما يتعلق بكلامهم علينا أن نفكر بأن جميع الحجج التي يمتلكونها مثلكم لها صلة بوطنهم.وهم قادرون على التخلي عنكم والتقرب من غيركم ماداموا لم يعدونكم إلا بالقليل.وأما ما يخص الوعود الواهية والآمال التي قدموها فتتملكهم رغبة شديدة للعودة إلى أوطانهم لاعتقادهم بوجود أشياء خاطئة طبيعيا،ويضيفون أخرى كثيرة إلى عزمهم".
نجد هنا العلاقة بين حب الوطن وحب الحرية.وبعيدا عن الوطن فإن الفرد يفقد تحديداته المدنية بخاصة.
فحب الوطن وحب الحرية يوثقان، عند ماكيافللي، الرغبة في جمهورية حرة تسودها مؤسسات جيدة تتوافق وأخلاق جيدة، وذلك من أجل إعطاء مكانة للحياة الحرة والمدنية.إلا أنه في الكتاب الثالث من تواريخ فلورنسا تظل هذه الرغبة، دوما، غير مشبعة لأنها تصطدم بصيغة نوعية تأخذها العداوات المتبادلة بين الأحزاب والأشكال الفاسدة للمؤسسات والحظ السيئ.

خلاصة
حلل ليو ستراوس Léo Strauss الخاصية النظرية والعملية المزدوجة لكتاب الأمير، طارحا الأسئلة التالية:"هل أراد ماكيافللي توحيد أو الجمع بين الفضائل السكولائيةscolastique بتلك التي نجدها في الشعر الوطني ؟وهل سيكون ذلك الجمع بصيغة ما ضروريا لفهم الأمور السياسية؟". تتأصل هذه الأسئلة فيما أطلق عليه هذا المعلق "الاختلاف الساطع بين الجفاف المدرسي (السكولائي)، تقريبا، المهيمن في بداية الكتاب وغنائية الفصل الأخير منه المنتهي بإيراد مقطع من الشعر الوطني الإيطالي". والحال أننا رأينا أن استحضار الوطن عند ماكيافللي لا يتجاوز الفصل الأخير من كتاب الأمير، بل وجدناه يجند، من جهة أخرى، القيم السياسية الخاصة المرتبطة بالعيش الحر والمدنيvivere libro e civile.
نجد مواقف ماكيافلية، بشكل مفارق، تتعلق بالوطنية في سياقات بعيدة جدا تاريخيا وفلسفيا.يتعلق الأمر إذن بالمثالية الألمانية. لا أفكر هنا فقط في القراءة الدقيقة التي قام بها فشتهFichte  (1806-1807) الخاصة بماكيافللي ، ولكن في مكانة الوطن عند كل من كانطKant وهيجلHegel .
استحضر إيمانويل كانط اعتبارات حول الوطن بتحديده لشروط دستور حر، إذ بموجبه تتعارض النزعة الأبوية paternalisme مع النزعة الوطنية. فالحكومة الأبوية هي في حقيقة أمرها، كما يرى كانط، الأكثر طغيانا؛ هذا الطغيان الذي يسلب حرية الرعاياSujets (باعتبارهم، في نظر السلطة الأبوية، عبارة عن أطفال قاصرين بالنسبة للحاكمين)، في حين ترتبط الحكومة الوطنية بحرية الإنسان . أما هيجل فترد عنده فكرة الوطن في مبادئ فلسفة الحق Principes de la philosophie du droit معارضا المنحى الذي يعتبر النزعة الوطنية استعدادا للتضحيات والأعمال الخارقة، حيث يرى فيها "وضع النفس في وضعية وسياق الحياة المألوفة لتعرف بأن الجماعة هي القاعدة الجوهرية والغاية".تبدو لنا هنا نزعة وطنية للمعيش حيث "الوعي بمصلحتي الذاتية والخاصة التي تكون محمية ومتضمنة في مصلحة وغاية الآخر(ويقصد هنا الدولة أو الجماعة)".
إذا ما كانت هذه التحليلات صحيحة فإن وضع الوطن في الاعتبار يسمح باكتشاف وجها آخر لماكيافللي وذريته الفكرية.


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage