3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

التشرميل التربوي

الخط


التشرميل التربوي
قراءة في بعض تعسفات الإدارة التربوية
بالمؤسسات التعليمية
                                       د مصطفى شميعة  باحث في التربية  
فليعذرني ذوو الاختصاص وأصحاب النظريات، والسادة الأساتذة وكل المهتمين بالقطاع التعليمي ببلادنا إذ أنا سلخت هذا المفهوم " التشرميل"  من سياقه الاجتماعي الدال على التسلط و القهر، إلى سياق التربية الدال على التهذيب وتقويم الاعوجاج. فالسياقان متنافران مختلفان، لكن بالنظر إلى ما هي عليه منظومتنا التعليمية من اهتراء أخلاقي و قيمي، أجدني لا أرى مصطلحا أكثر دقة لتوصيف معالم الانفلات التربوي الذي باتت عليه مدارسنا سواء داخل الأسوار أو خارجها.  ولعل أجواء الامتحانات التي تمر بنا الآن خير دليل على ذلك، إذ تسجل الأرقام ما يزيد عن مئات  حالات الاعتداء على الأساتذة المراقبين، كما سجّلت وفي سابقة خطيرة إقدام تلميذ مشرمل على محاولة إحراق نفسه بسبب منعه من دخول مركز الإمتحان لتأخره؟ كيف نتصور أن يطال التشرميل التلاميذي  الأساتذة المراقبين بسبب حرصهم على أداء واجبهم في ضبط حرمة الامتحان، وإعادة الاعتبار لمصداقيته؟ أكيد أن ردود أفعال التلاميذ اتجاه حراسة الأستاذ هو نوع من التشرميل الذي يهدد استقرار المنظومة ، أليس ضبط التلاميذ بمناسبة الامتحان أو بدونها، وهم مزودون بعتاد الأسلحة البيضاء نوع من التشرميل الذي يخلق الإرهاب النفسي والجماعي لفئات عريضة من رجال ونساء التعليم، وهو التهديد الذي يطال أيضا التلاميذ أنفسهم عندما تتحول ساحة المدارس إلى أرضيات لتصفية الحسابات التي تبدأ خارج أسوار المؤسسة.
لكن هل يقتصر التشرميل فقط على التلاميذ؟ أو بلغة التربية والتكوين هل العنف المدرسي هو فعل تلاميذي محض؟
أكيد الجواب على هذا السؤال هو لا: إذ لا يعقل أن نحمّل التلميذ وحده مسؤولية خلق وضعيات العنف المدرسي، فهناك العديد من مظاهر التشرميل التي يتورط فيها نساء ورجال التعليم أنفسهم بوعي أو بدون وعي، كما نجد أيضا الكثير من أشكال التشرميل الذي تمارسه الإدارة التربوية في حق الأساتذة والتلاميذ والعكس أيضا صحيح، فالتشرميل موجود بمؤسساتنا التربوية بل ويأخذ أنماطا وأشكالا متنوعة وهكذا دواليك. فإذا نظرنا بعين الموضوعية المبنية من قاعدة التواصل التربوي اليومي بمؤسساتنا التعليمية نجد أن التشرميل يبدأ من فوق إلى تحت، وذلك عملا بمبدأ الاستبداد الهرمي الذي تتداخل في تمظهره علنا وهْمُ السلطة الإدارية التربوية، والاعتداد بفقر مدقع في فهم المقتضيات التنظيمية والتشريعية للمؤسسة التعليمية، وأبجديات الممارسة التعليمية التعلُّمية، وهكذا نقف على سادية  تدبيرية تفرز تشرميلا من نوع يصعب التصدي له.
فالمدير الذي يسيّر ولا يدبر، أي الذي لا يستطيع تمثل الفرق بين مفهوم التسيير ومفهوم التدبير، هو مشرمل كبير بأسلوبه في التعاطي مع الوضعيات التعليمية. فنجده يسقط جنون عظمته على من حوله، فيستعبد طاقمه الإداري عملا بالتسيير الفردي الأحادي الذي يقصي كل الآراء من حوله. وهكذا يشرمل المدير المسيّر الإدارة بنمط تدبيره، فيتحوّل من حوله في سيرورة  الزمن التربوي إلى خدم وحشم، يأتمرون بأوامره ويسيرون على هدي عُقده التي ورثها منذ طفولته أو مراهقته، كما نجده في سياق آخر  يشرمل الأساتذة بزلاته التنظيمية، فيغلق على نفسه أبواب مكتبه متحصنا بفريق الموالاة ليقرر وإياهم ما يراه مناسبا لخلق التوتر وزرع الأحقاد، فلا مشاريع ولا برامج  لتسيير مؤسسة عزمت الدولة على تحديث هياكلها التنظيمية، وقطع الصلة بأساليب تدميرها. لكن للأسف وجود هذا التشرميل الإداري التربوي يجعل المؤسسة تقوم على  الفعل وردة الفعل، مستبعدا المرونة والأبعاد الاجتماعية في مقاربة وضعيات التدريس التمدرس ، أي متغافلا عن كون المدرس هو إنسان يخطئ ككافة البشر وأن التلميذ هو أيضا إنسان أكثر حساسية من أي عنصر لآخر داخل المؤسسة، لهذا ينبغي أن يستعمل في التواصل معهما لغة البعد عن التشرميل، والقرب من التواصل الإنساني المنتج.
إن أكثر التحديات التي تواجه منظومتنا التعليمية هي الوعي بضرورة التواصل المندمج المبني على المساطر والمستندات و الوثائق التنظيمية التي تحدد الواجب وتعطي الحق في نفس الوقت، وعندما نقول التواصل المندمج فهذا يعني دمج الوضعيات التدبيرية في سياق إستراتيجية تربوية إدماجية، ومقاربة تدبيرية تقوم على استيعاب كل الفاعلين داخل المؤسسة، دون تفضيل طرف على طرف أو إقصاء أحد على حساب الآخر،  لكن هذا لا يعني أن تفرض الإدارة التربوية نهجا تسلطيا تسقط من خلاله نواقصها في تدبير مرفق  تربوي عام توليه الدولة عناية فائقة، وتعول عليه بكل إمكاناتها لانقاد البلاد والعباد. من جهة أخرى لا يجب أن يفهم انفتاح الإدارة التربوية على التدبير المدمج التشاركي والتشاوري على أنه نوع من التفسخ التنظيمي الذي يفقد الإدارة التربوية هبتها الرمزية، فالطاقم التربوي بالمؤسسة ينبغي أن يكون في مستوى المحطات الإصلاحية الكبرى التي أصبحت حلم يقظة بالنسبة للسلطات التربوية الإقليمية والجهوية والمركزية، وهذا مخطط إصلاحي عام ينبغي للجميع الانخراط فيه بمسؤولية الحس الوطني الغيور على مكتسبات التعلم ومستقبل الأجيال

إنها هذه مسؤولية كبرى وخطيرة، لأن توابعها تنعكس على التلميذ، رجل الغد، لهذا لا نستغرب إذا ما خلصنا إلى فكرة أن التشرميل التلاميذي هو تعبير عن رفض لتشرميل آخر  " الإداري التربوي" ، الذي ينبغي أن يكون على عكس ذلك، قدوة لكل المتدخّلين  .
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage