3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

البراغماتية والسوسيولوجيا

الخط


























البراغماتية والسوسيولوجيا
دروس ألقيت بالسوربون ( 1913- 1914)
إميل دوركهايم

ترجمة و تعريب
الحسن اللحية

الدرس الأول (1)
(ألقي في 9 دجنبر 1913)




مقدمة:
ماهي الأسباب التي حملتني لاختيار موضوع هذا الدرس؟ ولماذا عنونته بالبراغماتية والسوسيولوجيا؟ إنها، بداية، راهنية البراغماتية التي تبدو- تقريبا- النظرية الوحيدة الموجودة حاليا، بالإضافة إلى ذلك نجد في البراغماتية معنى للحياة والفعل يشتركان فيهما مع السوسيولوجيا؛ والسوسيولوجيا والبراغماتية، هما معا، أبناء نفس المرحلة.
ومع ذلك، وفيما يخص خلاصات البراغماتية ستجدني بعيدا عنها للغاية. هناك، إذن، فائدة في تسجيل المواقف المحترمة للمذهبين معا. فالمشكل المثار من قبل البراغماتية خطير للغاية. نتابع في أيامنا هذه هجوما ضد العقل، ونعيش معركة حقيقية بيد مسلحة(2)، ويبدو كما لو كانت الفائدة من هذا المشكل ثلاثية.
1- هناك، بداية، منفعة عامة، حيث تبدو البرغماتية أفضل من جميع المذاهب الأخرى بقدرتها على تحسيسنا بضرورة تجديد العقلانية التقليدية، فهي تبين لنا ما يعتريها من عدم الكفاية.
2- ثم هناك، في المقام الثاني، منفعة وطنية. فثقافتنا الفرنسية كلها العقلانية الأساس مهددة. هنا نجد أن القرن الثامن عشر الممدد للديكارتية. فالسلب الكلي للعقلانية يشكل خطرا: سيكون انقلابا لثقافتنا الوطنية كلها. وستتحول الروح الفرنسية إذا تقبلنا هذا الشكل لللاعقلانية الذي تمثله البرغماتية.
3- أخيرا هناك منفعة فلسفية حصرا، فليست ثقافتنا وحدها المهدد و إنما مجموع التقليد الفلسفي، وذلك منذ زمن التأمل الفلسفي الأول – مع استثناء سيكون موضوعنا- ذي المنحى العقلاني. سيكون كذلك انقلاب لهذا التقليد برمته الذي يجب الدفاع عنه إذا ما كانت البرجماتية مقبولة.
بكل تأكيد، نميز، عامة، في التقليد الفلسفي تيارين: التيار العقلاني والتيار التجريبي. ولكنه من اليسير جدا أن نجد في التجريبية والعقلانية بأنهما ليستا، في العمق، سوى طريقتين مختلفتين في إثبات العقل. هذا من جهة أولى، ومن جهة ثانية سنقيم اعتقادا بأن البراغماتية تنزع نحو التحطيم: عقيدة الحقيقة- سنتقبل وجود أحكام ضرورية. والاختلاف في التفسير الذي نعطيه لهذه الضرورة: تؤسسها التجريبية في طبيعة الأشياء، والعقلانية في طبيعة العقل نفسه، في طبيعة الفكر، لكنه فيما يخص الجانبين معا فهما يعترفان الخاصية الضرورية الملزمة لبعض الحقائق وأن الاختلافات ثانوية بالمقارنة مع هذه النقطة الأساسية. والحال أنه، تحديد، هذه القوة الملزمة للأحكام المنطقية، وضرورة هذه الأحكام للحقيقة، هي التي تنكر البرغماتية. فهي تؤكد أن العقل يظل حرا أمام الحقيقي.
ومن هنا تقترب البراغماتية من الاستثناء الوحيد الذي تلمح إليه، ونعني به السفسطائية التي تنفي بدورها كل حقيقة. ليس هذا التقارب اعتباطيا لأن البراغماتيين هم أنفسهم يعترفون بذلك. وهكذا نجد ف.س.ٍس. شيلير يعلن "بأنه بروتاغوري" مرددا الأولية التالية: إن الإنسان مقياس كل شئ(3).
لا ننسى، مع ذلك، بأن السفسطائي لعب دورا نافعا في تاريخ المذاهب الفلسفية؛ فهو الذي أيقظ سقراط. ونفس الشئ قد يحدث الآن بحيث قد تجر البراغماتية الفكر الفلسفي، من نومه الدوغمائي الجديد" حيث ينزع نحو النوم منذ الاهتزاز الذي أحدثه النقد الكانطي. لقد وضع مؤلفه، كما قال ذلك هو نفسه، مكامن ضعف العقلانية القديمة أمام الضوء. يجب أن تتجدد العقلانية لإقناع متطلبات الفكر الحديث وتأخذ بعين الاعتبار بعض النقط الجديدة في النظر التي أدخلت من قبل العلم المعاصر. والمشكل هو إيجاد صيغة تحافظ على الأساسي في العقلانية، مقنعة الانتقادات المؤسسة التي توجهها لها البرغماتية.

أصول البراغماتية(4)

1- فريدريك نتشه
وجد م. روني بيرتلوت(5)، في مؤلف حديث العهد، في نتشه الشكل الأول للبراغماتية. وأكثر من ذلك فإن فردريك نتشه يمثل البراغماتية الراديكالية الكاملة. ومن هنا اعتقد المؤلف ربط البراغماتية بالرومانسية الألمانية و وضعها تحت التأثير الجرماني. وفيما يخصنا فإننا نربط البراغماتية بتقليد الفكر الأنجلوساكسوني.
ماهي، إذن، النقط المشتركة بين نتشه والبراغماتية؟ يرفض نتشه كل صنف مثالي أخلاقي ذي خاصية مطلقة، بخاصية لحقيقة كونية. وحسب هذا الأخير فإن المثالي يكون خارج الحقيقي والخاطئ. يقول نتشه:" هذه هي طريقي الآن، يقول زرادشت(6)، فأين هي طريقكم؟ هذا ما أجيب به كل من سألني:"الطريق" لأن الطريق غير موجودة". يسلتهم نتشه تحررا كليا للتصرف كما هو الحال بالنسبة للفكر. فالحقيقة التأملية لن تكون لا شخصية ولا كونية. لن نستطيع التعرف على الأشياء إلا بمساعدة طرق تعدد منها وتحولها قليلا أو كثيرا إلى تفكيرنا الخاص. إننا نبنيها على صورتنا، ونموقعها في الفضاء ونصنفها إلى أنواع وأصناف...إلخ. والحال أن لا شئ من كل هذا موجود، بل لا وجود للرابط بين العلة والأثر. نقيم مقام الواقعية نسقا كاملا من الرموز والخيالات، وباختصار إننا نقيم نسقا من الأوهام: " كيف يتأتى لنا التفسير! لا نعمل إلا بأشياء غير موجودة مثل الخطوط والمساحات والأجساد والذرات والأزمنة القابلة للقسمة والفضاءات القابلة للقسمة- فكيف يمكن للتأويل أن يتأتى لنا إذا كنا نصنع من كل شئ صورة، صورتنا نحن؟"(7).
لكن لماذا نقيم خيالات كهذه الخيالات؟ يجيب نتشه قائلا لأنها نافعة لاستمرارنا في الحياة. إنها خاطئة لكن ينبغي الاعتقاد في حقيقتها حتى نستطيع الحفاظ على كائنات من صنفنا؛ وذلك ما يساعدنا على البقاء على قيد الحياة والباقي يختفي. يقول نتشه:" لن يحافظ أي كائن حي على بقائه إذا كان المنحدر المراد إثباته عوض تعليق حكمه، وان يخطأ فيه أو أن يتخيل عوض انتظاره، أن يستحسن عوض عوض أن يجحد، أن يصدر فيه حكم عوض أن يكون منصفا، لم يتطور بشدة متطرفة. تناسب بقية أفكارنا واستنباطاتنا المنطقية في دماغنا الحالي سيرورة، صراع غرائز، وهي عينها غير منطقية وغير عادلة؛ لا ندرك، عامة، إلا نتائج الصراع الذي كان منذ القدم، يعتمل فينا هذا الميكانيزم الآن بسرعة وخفية"(8). إنها، إذن، المنفعة؛ وذلك هو مبدأ البراغماتية عينه.
توجد، مع ذلك، اختلافات عميقة بين نتشه والبراغماتية. لنلاحظ أن فردريك نتشه لا يقول بأن كل نافع حقيقي، لكنه ما يشبه الحقيقي الذي أقامته المنفعة. فهو يرى أن النافع خاطئ. ويوجد حسب نتشه شكل للحقيقة عوض ذاك المرجح حقيقيا من قبل أناس "القطيع"، يوجد شكل آخر من الأخلاق عوض "أخلاق العبيد"، يوجد منطق آخر عوض منطق العامة. هناك حقيقة لا تبلغها إلا العقول المتحررة. فالفنان، تحديدا، هو العقل المتحرر من جميع القواعد والقادر على إخضاع جميع أشكال الواقعية، الممسك بالحدس ما يختفي تحت المظاهر والوهم.
لا شئ من هذا كله في البراغماتية. لا وجود، بالنسبة إليه، لمساحة للأشياء تتميز عن عمق تتأسس عليه. المساحة هي الأشياء كما تبدو لنا.والحال أننا بهذا الشئ نحيى وهو ما يشكل الواقعية. لا مجال للبحث تحت المظاهر. ينبغي الاهتمام بالعالم كما يظهر لنا دون الاهتمام بمعرفة شئ آخر.
يقدم وليام جيمس مذهبه، بنفسه، كاختبارية راديكالية وتتمثل حجته دوما في التبرم الساخر عن التفكير العقلاني والمنطقي. فما يهمه هو ما يبدو أو يظهر لنا في التجربة المباشرة: الفكر لا يتحرك إلا فوق أرض واحد وليس فوق أرضيتين مختلفتين.
وحجة البراغماتية على ذلك أنه لما يظهر أنها تقبلت شيئا يتجاوز التجربة، شيئا فوق عالم الظواهر، فإن هذا الشئ لا يخرج عن التجربة ولا عن ظواهر العالم. وهذا ما يتجلى في نزوعاتها الدينية التي هي واقعية للغاية. فالكائنات ما فوق طبيعية، الآلهة، هي بالنسبة لوليام جيمس، توجد في الطبيعة، هي قوى واقعية قريبة منا لا نعتقد فيها مباشرة ولكننا نعتقد في آثارها التي تكشف عنها لنا في بعض اللحظات في بعض التجارب. وهكذا نستطيع اكتشافها شيئا فشيئا كما اكتشفنا قوى فيزيائية (الكهرباء...إلخ) التي كانت مجهولة لدينا لمدة طويلة وهي موجودة بالرغم من كل ذلك. يحدث كل شئ، إذن، على مستوى الظواهر، وهذه الأمور بعيدة كل البعد عن الفكر النتشوي.
صحيح أن فردريك نتشه، في بعض اللحظات من حياته، أنكر وجود جوهر يختفي خلف المظاهر وتقبل ماهو موجود منها. ودور الفنان هو أن يحرر ويخلق مكان الجوهر عالما من الصور المتحركة المتنوعة التي تتطور بشكل مستقل. وما أن يكسر الفكر إطاره المنطقي يمكنه هو الآخر أن يتطور بكل حرية.
فالبراغماتية ليست أقل انحرافا عن طريقة النظر هذه عوض الأولى. فهي لا تطالب بالتعميق ولا بتجاوز الواقعية المباشرة لتحل محله عالما من إبداع الفكر. يهيمن في هذا العالم معنى واقعي وليس معنى عملي. فالبراغماتي إنسان عملي ثم يعمل، فيما بعد، على ربط الأهمية بالأشياء، وهو لا يتتبع نشاطه في الحلم؛ ولا يتخذ، كما حدث لنتشه، نبرة النبي أو يستلهمه، فهو لا يعرف الحسرة ولا الحزن. فالحقيقة هي شئ ينبغي تحقيقه.

II- الرومانسية
   
سيكون من المفيد الوقوف عند الخطوط المشتركة بين البراغماتية والرومانسية بما فيها معنى التعقيد والغنى وتنوع الحياة كما هي معطاة لنا.
كانت الرومانسية، في جزء منها، رد فعل ضد كل ماهو تبسيطي في العقلانية والفلسفة الاجتماعية لنهاية القرن الثامن عشر.
لكن معنى تعقيد الأشياء الإنسانية هذا، وهذا الإحساس بعدم كفاية فلسفة القرن الثامن عشر نجده في أساس السوسيولوجيا الوليدة آنئذ، عند كل من سان سيمون وأوغست كونط اللذين فهما بأن الحياة الاجتماعية غير مكونة من علاقات مجردة لكنها مكونة من مادة غنية للغاية.
إن احساسا كهذا الإحساس لن يبلغ بالضرورة مبلغ الصوفية ولا البراغماتية. فأوكست كونط، على وجه خاص، كان في أعلى درجات الغقلانية، ومع ذلك أراد تأسيس سوسيولوجيا أكثر تعقيدا أو اكثر غنى و أقل شكلية من الفلسفة الاجتماعية للقرن الثامن عشر.

III- الوسط الأنجلوساكسوني: بيرس

لفهم البراغماتية ليس علينا العودة إلى مذاهب بعيدة في الزمن ولا إلى الفلسفة الألمانية، يجب، فقط، وضعها في وسطها الأصلي، الوسط الأنجلوساكسوني.
أول من نطق لفظ الرباغماتية هو العالم الأمريكي بيرس(9). فهو أول من عرض- في مقالة نشرت في يناير من سنة 1878 في مجلة أمريكية (10) وترجم المقال في المجلة الفلسفية في يناير من سنة 1879 (11) تحت عنوان كيف نجعل أفكارنا واضحة- الأفكار التي تدعي البراغماتية أنها أفكارها.
وإليكم ما هو أساسي في تلك الأفكار التي عرضها بيرس في مقالته المذكورة أعلاه. تساءل بيرس لماذا نفكر و أجاب قائلا لأننا نشك. إذا كنا في حالة دائمة من الشك لن نكون في حاجة إلى التفكير وبذل المجهود للخروج من شكوكنا." يدفعنا الهيجان الذي ينتجه الشك لبذل مجهودات لبلوغ حالة الاعتقاد"، ومن جانب آخر، يترجم الاعتقاد بالفعل – لأن الاعتقاد الذي يفعل غير موجود؛ وعلى الفعل أن يتخذ خاصية الاعتقاد التي تشمله. والحال أن حالة الاعتقاد هي حالة التوازن، هي حالة الراحة (السكون) إذن، ولهذا السبب نبحث عن الاعتقاد. ستكون، إذن، الصفة الأساسية للاعتقاد هي " إقامة عادة...لعادتنا نفس خاصية أفعالنا، واعتقادنا كعادتنا وتصورنا كاعتقادنا". هكذا يحيط الشك بالفكرة، والفكرة الفعل، فتفضي اعتقادا وتترجم بحركات منظمة بالعادة. فمعنى الفكرة كلها يقبع في معنى العادة التي تحددها هذه الفكرة.
من هنا تتأتى القاعدة التالية:" اعتبار ماهي التأثيرات العملية التي نفكر فيها التي يمكن أن تنجم عن موضوع تصوراتنا. إن تصور مجمل هذه التأثيرات هو التصور الكامل للشئ". إذا كنتم في الحالتين تتصورنها مختلفة والتأثيرات هي نفسها فلأنكم أمام تمييز خاطئ: الموضوع هو نفسه، سواء، مثلا، المناظرات بين الكاثوليكيين والبروسطانتيين حول تحول خبز القربان وخمره إلى جسد المسيح ودمه. هؤلاء يجدون في القربان رمزا، والأوائل حضورا (تجسيدا) واقعيا إلا أن التأثير النهائي واحد بالنسبة لهما معا: القربان غذاء الروح. لا يهم منذ الآن ما إذا كان جسد ودم المسيح واقعيا فالمناقشة كانت شفوية(11).
يجعل كل هذا البراغماتية بعيدا. ثم إن بيرس لم يعلن عنها بالحرف في المقال المذكور، بحيث لم يقم بذلك إلا في سنة 1902 -في مقاله المنشور- في Dictionary of Philosophy لصاحبه ج.م. بالدوين (13) رغم استعمله مدة طويلة، كما قال فيما بعد (14)، في مناقشاته.
توجد بكل تأكيد قرابة بين الأطروحة التي دافع عنها بيرس في مقاله وبين البراغماتية. فالمذهبان يحاولان معا إقامة علاقة ترابط واسعة بين الفكرة والفعل لاستبعاد جميع الأسئلة الميتافيزيقية الخالصة حتى من المناقشات الشفهية، وكي لا تطرح إلا المسائل التي لها مصلحة عملية، وحيث الاصطلاحات مستقاة من العالم الحسي.
إليكم اختلاف أساسي. لا توجد في مقال بيرس نظرية للحقيقة. لم يطرح مشكل الحقيقة: طرح المؤلف كيف يمكننا الوصول إلى توضيح أفكارنا وليس ماهي الشروط اللازمة حتى تمثل الفكرة عن شئ حقيقة التأثيرات الحسية لهذا الشئ. تقبل بيرس، كما شأن النظرية الكلاسيكية، بأن الحقيقة تفرض بنوع من "القدرية"، وأن العقل لا يمكنه أن يعترف بتفوقه أمامها. وهكذا فإن الحقيقي رأي حقوقه يمتلك في ذاته، وجميع الباحثين مجبرين على تقبله؛ وذلك ما يناقض مبدأ البراغماتية كليا.
وهكذا حينما ستظهر أعمال وليام جيمس سيرفض بيرس التضامن معها وعمل على تسجيل اختلافاته معه. لم يطلق بيرس العقلانية: فإذا كان للفعل ثمن في نظره فلأنه أداة للتقدم بالنسبة العقل. في سنة 1902 وفي مقالة نشرت في Dictionnaire de Baldwin اعترف أنه لا يمكن الاكتفاء بالتركيز على هذه المسألة وتضامن ضمنيا مع تأويلات وليام جيمس. وفي مقالة Monist لسنة 1905 What Pragmatism is أبدع مصطلحا جديدا هو pragmaticisme. " أضاف بأنه اسم كريه حتى نفكر في الأخذ به عنه" حتى يتفادى أي خلط بين أطروحته وأطروحة جيمس. في مقال آخر تحت عنوان عواقب النزعة البراغماتية(15) صنف مذهبه "مذهبا للحس المشترك". كان فضوليا أكثر من اللازم، ولكن وليام جيمس استمر في الاستناد إليه في هذه الظروف وحيى أب البراغماتية ولم يشر مرة إلى اختلافاته معه.

وليام جيمس

يعتبر وليام جيمس (16) الأب الحقيقي للبراغماتية. ففي سنة 1896 نشر مؤلفه حول إرادة الاعتقاد Volonté de croire (17) المعاد نشره سنة 1911. ميز في هذا المؤلف المسائل النظرية الخالصة التي لا ترتد إلا إلى العلم وإذا كنا لا ننظر بوضوح تام يمكننا الانتظار حتى يشتعل النور، يمكن للعلم أن يوفر لنا يوما العناصر الضرورية لإيماننا، ومن جهة أخرى فإن المشاكل العملية التي تنخرط فيها حياتنا وفي حضور هذه المشاكل لا تجعلنا ننتظر. يجب علينا الاختيار، اتخاذ موقف حتى ولوكنا غير متيقنين، يجب علينا القيام بذلك بخضوعنا لعوامل شخصية، لبواعث فوق منطقية مثل المزاج والمرح...إلخ. سنترك كل ما يجرنا كالفرضية التي تبدو لنا حية أكثر من الأخريات ننجزها ونترجمها إلى فعل.
يفكر وليام جيمس، هنا، في الاعتقاد الديني، وحيث يحعل نصب عينيه الاعتقاد الأخلاقي كوجه من وجوهه. إنه "الرهان" الباسكالي؛ علما أن الحقيقة هنا غير قابلة للبرهنة، ولا تظهر لنا بوضوح لهذا يجب اتخاذ معسكر والعمل بالانطلاق من النتيجة. ها هنا تتمثل نقطة البداية الرئيسية في البراغماتية. تحضر عند جميع البراغماتيين هذه الاهتمامات الدينية، وبهذا الشكل ظهرت لأول مرة مع وليام جيمس. ويظهر أن الحقيقة، في نظره، خاصية شخصية وأن الحقيقة والحياة، هما معا في نظره، لا يفترقان. هناك براغماتي كبير مثل ف.س.س. شيلر F.C.S.Schiller من أوكسفورد، لكي لا نقول بأنه من الضروري بالنسبة لوليام جيمس التوفر على موقف في المسائل الدينية، يعلن من جانبه بأنه لا ينبغي "ألا تشخصن" الحقيقة، و" ألا ينزع عنها الطابع الإنساني"، وأعطى لبرغماتيته اسم النزعة الإنسانية.
لم ينطق وليام جيمس أبدا، فيما سبق، بكلمة البراغماتية وقد ورد اللفظ في دراسته حول التصورات الفلسفية والنتائج العملية (18) المنشورة بحولية جامعة بركلي بكاليفورنيا في 9 شتنبر 1898، حيث طورت هناك الموضوعات الأساسية للبراغماتية.


هوامش:


1- درس ألقي في 9 دجنبر1913
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage