3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

مفهوم العلم

الخط











إعداد:  ذ محمد نيت سيدي حمو
مستشار في التوجيه التربوي












مفهوم العلم في اللغة :ــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجع جذور الكلمة الى أساس معنوي واحد يحدده ابن فارس بعد استقراء معاني  مشتقاتها الى الأثر الذي يميز الشيء الذي به عن غيره  قال ابن فارس : العين واللام والميم أصلٌ صحيح واحد، يدلُّ على أثَرٍ بالشيء يتميَّزُ به عن غيره.من ذلك العَلامة، وهي معروفة. يقال: عَلَّمت على الشيء علامة وقال :  والعِلْم نقيض الجهل، وقياسه قياس العَلَم والعلامة، والدَّليل على أنَّهما من قياسٍ واحد قراءة بعض القُرَّاء : وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ للِسَّاعَةِ [1]
 قالوا: يراد به نُزول عيسى عليه السلام، وإنَّ بذلك يُعلَمُ قُرب الساعة. مقاييس اللغة . 
والملاحظ عند تتبع دلالات العلم في قواميس اللغة أنها تشرحه بالنقيض أو بالمرادف القريب فتقول: العلم نقيض الجهل.  وعلم أي فقه ، 
فيكون العلم اذا شئنا التركيب بين دلالته الجذرية ودلالته بالمقابل والمرادف هو المعرفة بما يميز الأشياء عن بعضها . 
ولا يقال في انتقاد هذا التعريف أنه تعريف للعلم بمرادفه ( المعرفة ) لأن هذا الاعتراض يصح لو اكتفي بهذا المرادف فقط ولكن فيه إضافة تحدد ما سيتم معرفته وهو الأشياء وما يميزها عن بعضها .ثم هل يشترط في هذه المعرفة مجرد الإدراك من غير اعتبار درجة الجزم ، ابن حزم يشترط يقينية المعرفة فيقول : هو تيقن الشيء على ما هو عليه .
وهذا يعني أن المعرفة قد تشمل مدركات يقينية وأخرى غير يقينية فهي أعم من العلم بهذا النظر لأنه خاص بالإدراك اليقيني الذي لا يتطرق اليه شك ولا ظن ولا يكون مجرد اعتقاد عابر يقول احد الدارسين :" مفهوم المعرفة إذاً ليس مرادفاً لمفهوم العلم.فالمعرفة أوسع حدوداً ومدلولاً وأكتر شمولاً وامتداداً من العلم، والمعرفة في شمولها تتضمن معارف علمية ومعارف غير علمية، وتقوم التفرقة بين النوعيين على أساس قواعد المنهج وأساليب التفكير التي تتبع في تحصيل المعارف.فإذا اتبع الباحث قواعد المنهج العلمي في التعريف على الأشياء والكشف عن الظواهر فأن المعرفة تصبح حينئذ معرفة علمية"[2]  


المفهوم المنطقي للعلم : ــــــــــــــــــــــــــــــ
اختلف كثيرا في وضح تحديد جامع مانع للعلم عند المناطقة وعلماء الكلام الى مذاهب : 
المذهب الأول : يزعم أن لا سبيل الى تحديده ، وبعضهم كامام الحرمين والغزالي قال بأن بيان طريق تعريفه إنما هو بالقسمة والمثال ، يقول الغزالي موضحا التقسيم والمثال : ( ولكنا نقدر على شرح معنى العلم بتقسيم ومثال: أما التقسيم: فهو أن نميزه عما يلتبس به، ولا يخفى وجه تميزه عن الإرادة والقدرة وسائر صفات النفس، وإنما يلتبس بالاعتقادات، ولا يخفى أيضا وجه تميزه عن الشك والظن، لان الجزم منتف عنهما، والعلم عبارة عن أمر جزم لا تردد فيه ولا تجويز، ولا يخفى أيضا، وجه تميزه عن الجهل، فإنه متعلق بالمجهول على خلاف ما هو به والعلم مطابق للمعلوم، وربما يبقى ملتبسا باعتقاد المقلد الشئ على ما هو به عن تلقف لا عن بصيرة، وعن جزم لا عن تردد، ولاجله خفي على المعتزلة حتى قالوا في حد العلم: إنه اعتقاد الشئ على ما هو به وهو خطأ من وجهين: أحدهما: تخصيص الشئ، مع أن العلم يتعلق بالمعدوم الذي ليس شيئا عندنا. والثاني: إن هذا الاعتقاد حاصل للمقلد، وليس بعالم قطعا، فإنه كما يتصور أن يعتقد الشئ جزما على خلاف ما هو به لا عن بصيرة كاعتقاد اليهودي والمشرك، فإنه تصميم جازم لا تردد فيه، يتصور أن يعتقد الشئ بمجرد التلقين والتلقف على ما هو به، مع الجزم الذي لا يخطر بباله جواز غيره، فوجه تميز العلم عن الاعتقاد، هو أن الاعتقاد معناه السبق إلى أحد معتقدي الشاك، مع الوقوف عليه من غير إخطار نقيضه بالبال، ومن غير تمكين نقيضه من الحلول في النفس فإن الشاك يقول: العالم حادث أم ليس بحادث؟ والمعتقد يقول: حادث، ويستمر عليه ولا يتسع صدره لتجويز القدم، والجاهل يقول: قديم، ويستمر عليه، والاعتقاد وإن وافق المعتقد فهو جنس من الجهل في نفسه، وإن خالفه بالإضافة، فإن معتقد كون زيد في الدار لو قدر استمراره عليه حتى خرج زيد من الدار بقي اعتقاده كما كان لم يتغير في نفسه، وإنما تغيرت إضافته، فإنه طابق المعتقد في حالة وخالفه في حالة، وأما العلم فيستحيل تقدير بقائه مع تغير المعلوم، فإنه كشف وانشراح، والاعتقاد عقدة على القلب، والعلم عبارة عن انحلال العقد، فهما مختلفان ولذلك لو أصغى المعتقد إلى المشكك لوجد لنقيض معتقده مجالا في نفسه، والعالم لا يجد ذلك أصلا وإن أصغى إلى الشبه المشككة، ولكن إذا سمع شبهة فإما أن يعرف حلها وإن لم تساعده العبارة في الحال، وإما أن تساعده العبارة أيضا على حلها، وعلى كل حال فلا يشك في بطلان الشبهة، بخلاف المقلد، وبعد هذا التقسيم والتمييز يكاد يكون العلم مرتسما في النفس بمعناه وحقيقته، من غير تكلف تحديد. وأما المثال: فهو أن إدراك البصيرة الباطنة تفهمه بالمقايسة بالبصر الظاهر، ولا معنى للبصر الظاهر إلا انطباع صورة المبصر في القوة الباصرة من إنسان العين، كما يتوهم انطباع الصور في المرآة مثلا، فكما أن البصر يأخذ صور المبصرات، أي ينطبع فيها مثالها المطابق لها لا عينها، فإن عين النار لا تنطبع في العين بل مثال يطابق صورتها، وكذلك يرى مثال النار في المرآة لا عين النار، فكذلك العقل على مثال مرآة تنطبع فيها صور المعقولات على ما هي عليها، وأعني بصور المعقولات حقائقها وماهياتها، فالعلم عبارة عن أخذ العقل صور المعقولات وهيآتها في نفسه وانطباعها فيه كما يظن من حيث الوهم انطباع الصور في المرآة، ففي المرآة ثلاثة أمور: الحديد وصقالته والصورة المنطبعة فيها، فكذلك جوهر الآدمي كحديدة المرآة وعقله، هيئة، وغريزة في جوهره ونفسه بها يتهيأ للإنطباع بالمعقولات، كما أن المرآة بصقالتها واستدارتها تتهيأ لمحاكاة الصور، فحصول الصور في مرآة العقل التي هي مثال الأشياء هو العلم، والغريزة التي بها يتهيأ لقبول هذه الصورة هي العقل، والنفس التي هي حقيقة الآدمي المخصوصة بهذه الغريزة المهيأة لقبول حقائق المعقولات كالمرآة، فالتقسيم الأول يقطع العلم عن مظنان الاشتباه، وهذا المثال يفهمك حقيقة العلم، فحقائق المعقولات إذا انطبع بها النفس العاقلة تسمى علما، وكما أن السماء والأرض والأشجار والأنهار يتصور أن ترى في المرآة حتى كأنها موجودة في المرآة وكأن المرآة حاوية لجميعها، فكذلك الحضرة الإلهية بجملتها يتصور أن تنطبع بها نفس الآدمي، والحضرة الإلهية عبارة عن جملة الموجودات، فكلها من الحضرة الإلهية، إذ ليس في الوجود إلا الله تعالى وأفعاله، فإذا انطبعت بها صارت كأنها كل العالم لاحاطتها به تصورا وانطباعا، وعند ذلك ربما ظن من لا يدري الحلول، فيكون كمن ظن أن الصورة حالة في المرآة وهو غلط، لأنها ليست في المرآة، ولكن كأنها في المرآة )[3]
وقد اعترض الآمدي على هذا التوجه بقوله : ( وهو غير سديد فان القسمة ان لم تكن مفيدة لتمييزه عما سواه فليست معرفة له وان كانت مميزة له عما سواه فلا معنى للتحديد بالرسم سوى هذا )[4]
المذهب الثاني :  العلم هو الاعتقاد المطابق للواقع ،وهو توجه المعتزلة وقد ناقشهم الغزالي فيه بقوله :( وهو خطأ من وجهين: أحدهما: تخصيص الشئ، مع أن العلم يتعلق بالمعدوم الذي ليس شيئا عندنا. والثاني: إن هذا الاعتقاد حاصل للمقلد، وليس بعالم قطعا، فإنه كما يتصور أن يعتقد الشئ جزما على خلاف ما هو به لا عن بصيرة كاعتقاد اليهودي والمشرك، فإنه تصميم جازم لا تردد فيه، يتصور أن يعتقد الشئ بمجرد التلقين والتلقف على ما هو به، مع الجزم الذي لا يخطر بباله جواز غيره، فوجه تميز العلم عن الاعتقاد، هو أن الاعتقاد معناه السبق إلى أحد معتقدي الشاك، مع الوقوف عليه من غير إخطار نقيضه بالبال، ومن غير تمكين نقيضه من الحلول في النفس فإن الشاك يقول: العالم حادث أم ليس بحادث؟ والمعتقد يقول: حادث، ويستمر عليه ولا يتسع صدره لتجويز القدم، والجاهل يقول: قديم، ويستمر عليه، والاعتقاد وإن وافق المعتقد فهو جنس من الجهل في نفسه، وإن خالفه بالإضافة، فإن معتقد كون زيد في الدار لو قدر استمراره عليه حتى خرج زيد من الدار بقي اعتقاده كما كان لم يتغير في نفسه، وإنما تغيرت إضافته، فإنه طابق المعتقد في حالة وخالفه في حالة، وأما العلم فيستحيل تقدير بقائه مع تغير المعلوم، فإنه كشف وانشراح، والاعتقاد عقدة على القلب، والعلم عبارة عن انحلال العقد، فهما مختلفان)[5]
المذهب الثالث :  هو حصول صورة في العقل، وهذا المفهوم هو أعم من السابق لأن يشمل المجردات التي لا وجود لها في الوقائع والموجودات في الواقع ، فالثانية  تستفاد عن طريق التصورات وهذا طريقه الحواس لأنها تنقل صور المحسوسات فتنطبع في مرآة العقل فيكون إدراكها من قبله على وجه الجزم تصورا لها على ما هي عليه في الواقع وأما الأولى وهي المجردات فتستفاد عن طريق التصديق  وهو إسناد أمر إلى آخر إيجاباً أو سلباً وهو عملية عقلية ينتقل فيه التصور بين ماهيات المحسوسات فيسند بعضها الى بعض أنواعا من الحكم يكون مجموعها علوما تحصل صورتها من العقل وفيه .وهذا ما نقله ابن خلدون في مقدمته ولم يعتمده.
المذهب الرابع :  ( العلم عبارة عن صفة يحصل بها لنفس المتصف بها التميز بين حقائق المعاني الكلية حصولا لا يتطرق اليه احتمال نقيضه ) وهو ما انتهى اليه الآمدي في أصول الأحكام[6]
يقول في شرحه : (فقولنا : ( صفة ) كالجنس له ولغيره من الصفات ، وقولنا : ( يحصل بها التميز ) احتراز عن الحياة ، وسائر الصفات المشروطة بالحياة . وقولنا : ( بين حقائق الكليات ) احتراز عن الإدراكات الجزئية ، فإنها إنما تميز بين المحسوسات الجزئية دون الأمور الكلية ، وإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن في أن الإدراكات نوع من العلم ، لم نحتج إلى التقييد بالكليات) .  
المذهب الخامس : زوال الخفاء من المعلوم ، وهذا تعريف لغوي أكثر منه تعريف لحقيقته . 
المذهب السادس : العلم وصول النفس الى معنى الشيء وهذا تعريف للمنهج على ما يبدو وليس للصفة الخاصة به . 


المفهوم الابستمولوجي للعلم : ــــــــــــــــــــــــــ

ليس هناك تعريف واحد محدد للعلم يتفق عليه الباحثون والمختصون ومن تلك التعاريف . 
اتجاهان : اتجاه سوسيولوجي واتجاه عقلي نقدي واتجاه يجمع بينهما .
العلم : هو كل منظم من المعرفة التي تتضمن الحقائق والمفاهيم والقوانين والنظريات والمبادئ وهذا التعريف يؤكد على الجانب المعرفي للعلم وينظر إلى العلم بكونه مادة .ويشبه الى حد ما تعريف لالاند :( العلم يطلق على مجموعة من المعارف والأبحاث التى توصلت إلى درجة كافية من الوحدة والضبط و الشمول بحيث تفضي إلى نتائج متناسقة فلا تتدخل في ذلك أذواق الدارسين و إنما ثمة موضوعية تؤيدها مناهج محددة للتحقق من صحتها ).

العلم : هو عبارة عن طريقة للبحث والتفكير وهذا التعريف يؤكد على الطريقة العلمية في البحث في تعريف العلم وينظر إلى العلم بكونه طريقة .وهو ما ينحو اليه تعريف جون ديوي: (العلم هو كل دراسة منظمة قائمة على منهج واضح مستندة إلى الموضعية يمكن أن نسميها علما . سواء أفضت بنا إلى قوانين أو أدت بنا إلى قواعد عامة تقريبية) 

العلم : وهو تنظيم المعرفة والمعلومات التي تم إيجادها عن طريق البحث والتفكير وفقاً لأسس وقواعد معتمدة   .وهو يشبه تعريف بوبر : "العِلْـمُ هو منظومة من المعارف المتناسقة التي يعتمد في تحصيلها على المنهج علمي دون سواه، أو مجموعة المفاهيم المترابطة التي نبحث عنها ونتوصل إليها بواسطة هذه الطريقة" كارل بوبر ص٩
 وهو اتجاه نقدي يتمسك بالنواة الصلبة للنشاط العلمي بعيدا عن أنواع الخطاب المجاور، مثل الأيديولوجيا، والفلسفة، أو شبه العلم. من أجل ذلك يضع أربعة مبادئ يجب استحضارها في تعريف العلم وتفسيره وهي  : 

الصرامة في المنهج: بحيث يجب على كل أنواع البحث أن تحترم المعايير العلمية، ولو في حدودها الدنيا من الصرامة، مثل التماسك المنطقي الداخلي بين الأفكار، والتطابق بين النظرية والظواهر التي تحكمها, باستثناء بول فرايند الذي يرى أن كل شيء مسموح به، فيما يتعلق بالمنهج. 

2 ـ الموضوعية والتعميم: فالخطاب تفترض فيه الموضوعية، فالمعادلة: E = MC2 مثلا صحيحة في مكة وطوكيو وواشنطن،عند المسلم والنصراني والبوذي. 

تراكم المعرفة وتقدمها:بحيث تضاف معرفة جديدة إلى معارف قبلها باستمرار، فيكون تاريخ العلوم في تطور مستمر. 

التحقق والدحض: فكل علم جدير به أن يراقب خطابه بنقده ومناقشته ومواجهته بالوقائع بالبرهنة على نتائجه، ووضع قاعدة لها موثوق بها مؤقتا على الأقل، وإن كانت هذه النتائج ذات صبغة احتمالية، ومع ذلك فالخطأ يكمن في قلب المنهج العلمي، وفي لب الروح العلمية من الصعب تفاديه دائما، ولهذا فإن وظيفة المنهج العلمي هي الكشف عن الأخطاء التي تعاني منها الحقائق العلمية، فالروح العلمية إن هي إلا مقاومة متواصلة للضلال، ولا يتقدم العلم إلا بالنقد والمعارضة، إذ إنه لا يقوم على أرض مضمونة دائما.  

أما الاتجاه التاريخي الاجتماعي في تفسير العلم, فيعتمد على التحليل التاريخي للعلم، تحليلا قائما على علم الاجتماع أو علم النفس، ويرى أصحابه أنه إن كان العلم ثقافة مثل سائر الثقافات، وإذا كانت إرادة الصرامة في العلم والاهتمام بالموضوعية الذي يبديه العلماء أمرا مسل ما به، فإنه مع ذلك تختفي وراءه بشعور أو بدونه مسلمات
لا برهان عليها، وأيديولوجيات، وأهواء مضمرة، وممنوعات أيضا. 

وإذا كانت جماعة العلماء جماعة إنسانية مثل غيرها من الجماعات بما لها من أهواء, واعتقادات, وسلطة, فإن تاريخ الوقائع العلمية، وما يكتنفها من عوامل سوسيولوجية إنما تصف لنا عملا إنسانيا ذا صلة بتاريخه وضغوطه الاجتماعية, ومرتبطا بالعقليات السائدة في المجتمع أو النخبة. 

ونحسب أن تطور المفاهيم العلمية حقل خصب في تاريخ العلوم, لذا نجد في عصرنا هذا عدة علماء وفلاسفة يعنون بهذا المجال, أمثال: توماس كون, وإيمر ليكاتوس, وجرار هولتن, واسكندر كوريه, وجاستن باشلار, وتلاميذهم. 

يرى توماس كون أنه يسود في كل عصر نموذج علمي نظري, يتخذه العلماء مرجعا لهم وسندا، وهو الذي يكو ن بناء العلم، ويقود البحوث، يسميه توماس Paradigme، وفوكو Epistim، ولوكاتوس برنامج البحث، ويسميه هولتن Themata

وقد يستعمل مفهوم في علم ما  ثم يهاجر إلى علم آخر أو علوم, مثل مفهوم الانتخاب والمنافسة اللذين انتقلا من البيولوجيا إلى الاقتصاد، وهكذا يتم التقدم العلمي بطريق آخر غير التراكم المعرفي المتصل، وإنما يتقدم بقطيعة وثورة يظهر إثرها نموذج جديد للعلم مباين لما قبله، فالعلم بهذا المنظار يصبح ذا صلة وثيقة بمنطق التاريخ، وبصيرورة الاجتماع البشري، وهذا لا يحط من قيمة العلم، بل يتيح له ذلك أن يتجاوز نفسه باستمرار، وهو سر ديناميكية العلم وحيويته، فالعلم بهذا يكمن تقدمه في مناقشة أخطائه وتفاديها دون توقف, وفي عدم الرضا الكلي عما نزعم أنه علمي يقيني قطعي، فالمناقشة الحرة والنظر النقدي من الوسائل الفعالة في تقدمه، وفي القرب من الحقيقة، فأخطاؤنا هي التي تعلمنا. 

ونحن رأينا في التاريخ كيف أن الحروب الدينية في أوروبا ساعدتهم على المرانة على هذا النموذج من التفكير النقدي المنافي للتسلط، فذلك الذي جعلهم يتعلمون التسامح مع المعتقدات الأخرى المخالفة لمعتقداتهم, بل عل متهم احترامها, واحترام من آمن بها عن إخلاص كما يقولون هم أنفسهم. 

فالمناقشة الحرة تبين أنه عندما يستمع بعض العلماء إلى بعض, وينتقد يعضهم بعضا آخر, فإن الحظ يسعدهم أن يقتربوا من الحقيقة أكثر, ذلك أن العلم ينبت في أرض ثقافية, والمعارف مرتبط بعضها ببعض, كما يرى أبو حامد الغزالي, والأفكار ترحل وتسير، والعقول تتلاقح، والنظم النظرية مفتوحة، وهذا ما يكفل لها هذا اللون من الغنى الذي ينشأ عن لقائها وتفاعلها وتقاطعها، وعن انتقالها من حدودها إلى حدود معارف أخرى من علوم الطبيعة إلى علوم الإنسان في نسيج الثقافة العلمية الإنسانية. 

فالعلم البشري ليس علما مطلقا, إن الذي يشتغل بالعلم ـ كما أشار بعض العلماء إلى ذلك ـ لا يشعر بوجود عالم من النظريات المؤكدات تمام التأكيد, ولا بحقائق مؤسسة تأسيسا نهائيا، ولا يرى العلماء أنها تتمتع ببراهين قاطعة مطلقة حتى تبلغ بذلك مبلغ اليقين, فهم يتصورون العلم باعتباره مجموعة من افتراضات لها شيء من الدعائم،قلت أو كثرت في شكل نظريات موضعية لا تتخذ صيغة وحدة كاملة. 

لهذا نرى رشارد فريدمن الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء سنة 1966 يقف موقفا صريحا من غموض مفهوم العلم ومعناه فيقول: اشتغلت بالعلم طوال حياتي عارفا تماما ما هو، ولكن الإجابة عن السؤال: ما هو العلم؟هو الأمر الذي أشعر أني عاجز عنه . 

وهذا ما جعل المفهوم النسبي للعلم يسود اليوم لدى فلاسفة العلم, وعند العلماء أنفسهم إلى حد أن ادعى أحدهم, وهو بول فرايرابند أن كل شيء في العلم جائز، وصنع لنفسه نظرية الفوضى في نظرية المعرفة , وأعلن إنكاره لما يسمى بالمنهج في العلم, وكتب كتابا عنوانه "ضد المنهج"، واعتقد بأنه لا يمكن القول بأن العقل يصل في العلم إلى ما هو كلي، كما لا يمكن أن يستبعد اللامعقول من العلم، وهذا ما جعله معجبا بالصين عندما رفضت جماعة ماوتسي تونغ العلم الغربي المهيمن في ثورته الثقافية. 

وأغرب من ذلك فإن بول فرايرابند دعا إلى إعادة الاعتبار للسحر والتنجيم والكهانة والأساطير التي عزم العقليون على محوها من الأرض, وربما كان هذا إشارة إلى عرض من أعراض أزمة العقل الغربي، وما عزمت عليه جماعة ما بعد الحداثة من فك الثوابت، وهدم ما تعارف عليه أهل الغرب من العقلانية وصرامة المنهج والثقنية. 

ولا ينفي هذا أن للعلم عموما وللمعرفة منطقا تنظيميا فيما يذهب إليه فيلسوف العلوم ومؤرخ اللسانيات سلفان أورو، فالعلم يملك نظاما ما يتكون من ثلاثة عناصر على الأقل ضرورية: 

1ـ عناصر نظرية (مفاهيم...). 

2ـ عناصر اجتماعية (مؤسسات سياسية, علمية,...). 

3ـ عناصر نفعية عملية (تقدم اقتصادي وتقني...). 

ومن وسائل فهم العلم وتاريخه الاعتماد على دراسة العلاقات بين هذه المكونات الثلاثة, فالعلم لا يلخص في مجرد النظريات والمعطيات والتجارب, لأن الأفكار ينتجها بشر ومؤسسات, ويأخذ بها علماء من البشر. 

ومن أجل هذه النسبية وهذا القصور في العلم لجأ العلماء والباحثون إلى طريقة جديدة (موضة العصر) وهي ما نسميه ما بين التخصصات , وهي وسيلة تكمل النقص الذي يعاني منه التخصص الواحد, وذلك لضرورة وجود تفكير كلي جامع, أو نظرة شاملة، وهذا ما أثمر سببا من أسباب التجديد في العلوم الاجتماعية, حيث أثبتت بعض الدراسات أن معظم التجديد النظري انبثق من الحدود والهوامش التي تلتقي فيها هذه العلوم, مثل اللقاء الأخير بين البيولوجيا وعلم الأجناس (الأنتروبولوجيا), ففتح بذلك حقل خصب لاكتشافات عن أصول السكان, فتيسرت معرفة الأنساب بواسطة خصائص الدم.)  . 

أهداف العلم : للعلم اربعة أهداف رئيسة هي :

1- الوصف : Description 

ان هدف العلم وصف الظواهر المختلفة وغيرها معتمدا في ذلك على الملاحظة واستخدام ادواته او اجهزته العلمية الخاصة .

2- التفسير Explanation

لايقف العلم عند وصف وفهم الظاهرة بل يتقصى معرفة اسبابها ويعتمد التفسير على دراسة المتغيرات التي تلازم الظاهرة وتسبب حدوثها .

3- التنبوء Prediction  . 

عندما يصل العلم الى تعميمات تفسر الظواهر المختلفة يحاول الاستفادة من هذه التعميمات في التنبور مستقبلا والتنبوء يعني : استخدام معلومات سابقة لتوقع حدوث نتائج أو ظواهر مستقبلية .

4- الضبط والتحكم : Control   : ويعني ضبط العوامل والظروف التي تجعل ظاهرة معينة تتم على صورة معينة او منع حدوثها بما يتفق وصالح الانسان ، ويعتمد ضبط الظاهرة على مدى صحة تفسيرها والتنبوء بها .



ائحة المصادر والمراجع والمواقع المعتمدة : ـــــــــــــــــــــ
-        المستصفى لأبي حامد الغزالي بتحقيق الدكتور محمد سليمان الأشقر.مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى 1997 . بيروت
-        الإحكام في أصول الأحكام لأبي علي الآمدي .دار ابن حزم الطبعة الأولى 2008 .بيروت
-        محاضرات في نظرية المعرفة لصابرين زغلول
-        موقع القواميس العربية  : http://www.baheth.info
-        مقال "مبحث العلم كدليل الى الله " لعباس علي جاسم من موقع : http://www.aklaam.net                





[1]  سورة الزخرف الآية 61
[2]  صابرين زغلول، محاضرات في نظرية المعرفة ص9  

[3]  المستصفى للغزالي ص 22،23
[4]  أصول الأحكام للآمدي ص 10
[5]  المستصفى ص 22
[6]  أصول الأحكام ص 11
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage