3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

صياغة المشاريع خلال مرحلة المراهقة: دراسة ميدانية على مراهقين بولونيين

الخط















صياغة المشاريع خلال مرحلة المراهقة:
دراسة ميدانية على مراهقين بولونيين


ماكدالينا بيورونك
Magdalena Piorunek


 الترجمة من البولونية إلى الفرنسية:
كاتارزينا كازكوياك
Katarzyna Kaszkowiak

الترجمة من الفرنسية إلى العربية:
عبد الله الهلالي (مستشار في التوجيه التربوي)

العنوان الأصلي:

L’élaboration des projets à l’adolescence : étude empirique auprès d’adolescents polonais


مكانة المراهقة في دورة حياة الفرد
 يجمع علماء النفس وعلماء الاجتماع على الدور المحوري الذي تلعبه مرحلة المراهقة في دورة حياة الفرد، و أبرز ما يميزها أنها فرصة تتيح إمكانية إقحام هذا الفرد في تجربة المشاركة الاجتماعية. ولا ريب في أن ذلك يعني بالدرجة الأولى وضع المراهق في سلسلة من المواقف والوضعيات التي يتعين عليه تجريبها واستخلاص ما تتضمنه من دروس، خصوصا وأن هذه الدروس المستخلصة هي التي من شأنها الارتقاء به إلى بنيات اجتماعية أعمق وأنضج. إضافة إلى هذا البعد البنيوي، تتضمن المشاركة الاجتماعية بعدا وظيفيا  يتجلى في مجموعة من الالتزامات والقواعد التي يتم استبطانها تدريجيا. وأخيرا، ثمة بعد ثالث ذو طبيعة نفسية اجتماعية يرتبط باكتساب المعارف التي يتطلبها الوسط الثقافي، وكذا اكتساب القدرات السيكولوجية  التي تبنى عليها الشخصية والهوية والهابيتوس.
ولأنها تتمحور حول بناء هوية الشاب وحول البحث عن الجواب الشافي على السؤال "من أنا ومن أريد أن أكون في المستقبل؟"، فإن مرحلة المراهقة تعد مرتعا تتداخل فيه، وبصفة وثيقة، حياة الفرد داخل الأسرة وحياته المدرسية والمهنية. من هنا، فالتحدي الكبير الذي يطرح أمام المراهق هو أن يختار لنفسه هوية مهنية ومعها بطبيعة الحال الالتزام المسؤول الذي يميز حياة الراشدين. ينضاف إلى هذا المسعى تحد آخر خارجي يرتبط بالموقع المدرسي الذي  تمنحه المنظومة المدرسية لهذا المراهق، والذي يتجسد مدرسيا من خلال التدرج عبر مختلف مراحل ومستويات التمدرس.
خلال هذه المرحلة تتم الاختيارات المدرسية، وخلالها أيضا تبنى المشاريع المهنية والحياتية. ينطلق الشاب، وهو على عتبة الولوج إلى عالم الراشدين، من تجاربه الاجتماعية و من القيم والأهداف التي حددها، فيبني معايير وصفية وتقويمية معينة، ومن تم يضع تصورا لمستقبله؛ وقد يبني تمثلات حول أدواره العائلية والمهنية المستقبلية. إنه يستطيع فعل ذلك، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه يريده، أو أنه يعرف كيف يقوم به. لهذا يعتبر إيريكسون مرحلة المراهقة بمثابة "وقف تنفيذ" نفسي واجتماعي. إن هذا التأخر المبرمج، هذا التأخرالذي يهم نمو الشخصية كما يهم المكانة الاجتماعية،  يمثل بالنسبة للفرد مجالا لتجريب أدوار اجتماعية مختلفة من خلال مد وجزر، واستدراكات واستباقات مبكرة في مجالات متنوعة، دون أن يحدث هذا تناقضات داخلية حادة لديه. كما يعتبر هذا التأخر شكلا من الأشكال المؤسسية لامتحان مرحلة الانتظار هاته، قبل أن يتحمل المراهق الواجبات والمسؤؤليات التي تميز مرحلة الرشد. والمدرسة هي التي تلعب الدور الأهم أثناء هذا الانتقال الفريد من الطفولة إلى الرشد، على اعتبار أنها تسمح للمراهق بالتجريب المؤقت لمختلف أنواع الأنشطة والأدوار المهنية. علاوة على ذلك، يعتبر "وقف التنفيذ" المذكور مرحلة للتجريب على المستوى النفسي والعلائقي تمكن الفرد من الدخول التدريجي في  الأدوار  المختلفة التي تتطلب  مستوى معينا من الالتزام.                 
 إن الانتقال إلى عالم الراشدين يدفع الفرد إلى القيام باختيارات مدرسية ومهنية، ولن يتم ذلك بدون صراعات، من هنا الحاجة إلى تنظيم مساعدة تربوية خاصة للمراهقين. وطبعا فالمسؤول عن هذه المساعدة هو آلية التوجيه التي يجب أن تختص بسيرورة بناء المشاريع المدرسية والمهنية خلال مرحلة المراهقة.
 في هذا المقال يعرض المؤلف نتائج دراسة طوليةLongitudinale  أنجزت على مجموعة من الأفراد تم تتبعهم من مرحلة نهاية الطفولة إلى مرحلة المراهقة المتأخرة. يتعلق الأمر ببحث كيفيي هدفه هو دراسة بلورة المشاريع المستقبلية، المدرسية والمهنية، وفق مقاربة عيادية، وتحديد ووصف التحديات الشخصية التي تعترض الشباب أثناء صياغة وتنفيذ مشاريعهم. وسنعرض أولا طريقة جمع المعطيات ومعالجتها، وفي مقام ثان تصنيفا لاستراتيجيات بناء مشاريع المستقبل والرهانات الشخصية المتصلة بهذه السيرورة والمستقاة من دراسة وتحليل حالات. وأخبرا، سنناقش الدلالات العامة لهذه النتائج على مستوى الاستشارة المقدمة للمراهقين، وعلى مستوى المساعدة على تخطيط وبناء مستقبلهم الدراسي والمهني.
 المنهجية المتبعة:
الأهداف:
    في مجال دراسة مشاريع المستقبل المدرسية والمهنية غالبا ما يقع التفضيل على الباراديغم المعياري، على اعتبار أنه يسمح بوصف التوجهات وتعميم النتائج. والمعروف أن الباراديغم المعياري يرتبط في العلوم الاجتماعية باستعمال التقنيات البحثية الكمية التي تصلح بالأساس للكشف على العوامل التي تسبب في ظهور ظاهرة ما. ولأن الباراديغم المعياري يتوافق مع مبادئ الفلسفة الوضعية،  فإنه يعتبر نقيض الباراديغم التفسيري الفينومينولوجي.
 إذن ناذرا ما يتم الاعتماد في مجال دراسة مشاريع المستقبل على الدراسات التي تتأسس على الباراديغم التفسيري، حيث أن الأمر يتعلق، داخل هذا النموذج المنهجي، بتحليل الواقع الاجتماعي كما بناه الأفراد أنفسهم. إلا أننا وعكس التوجه العام أردنا إدراج دراستنا الحالية ضمن هذا الباراديغم (التفسيري الفينومينولوجي)، وسنحاول من خلاله فهم ووصف التجربة الفردية والذاتية للشباب في مجال تحديد وبناء مختلف مراحل مسارهم المدرسي والمهني. 
 إن تحليل وضعية المراهقين في مراحل دراسية مختلفة  يسمح برصد الطريقة التي يتصورون بها الواقع الاجتماعي، أي الانتقالات المدرسية المتتالية، وكذا الطريقة التي يشاركون بها في خلق هذا الواقع، أي الطريقة التي  ينظرون بها  إلى المستقبل والطريقة التي يبنون بها المراحل المتتالية لمسارهم الدراسي والمهني. بتعبير آخر، يتعلق الأمر هنا برصد الاستراتيجيات المتبعة من طرف المراهقين لبناء مستقبلهم.
 يسلط البحث الذي قمنا به الضوء على ([1]) :
-           الدلالات الذاتية الخاصة لوضعيات اتخاذ القرارات الدراسية والمهنية وسياقاتها (الدوافع، واسترتيجيات اتخاذ القرار، والحالة الذهنية عند مواجهة  القرار، وتمثل المستقبل، ومفعول التجارب الماضية).
-           العلاقات السببية بين  المتغيرات التي لها تأثير على مشاريع الأفراد الدراسية والمهنية.
-           تعميم وتنبؤ قائم على توجهات تنطلق من وصف وتشخيص سلسلة من الحالات المتشابهة.

 جمع المعطيات:
  تتميز المقاربة التي اخترناها يأنها طولية؛ فهي تضم، من جهة، معالجة متكررة وفي زمن حقيقي ترتكز على مقابلات وطرق سردية واستمارات، ومن جهة ثانية، معالجة أخرى يقوم بها الفرد نفسه بطريقة بعدية، أي في مراحل أخرى تبعد بقليل عن زمن التجارب المعيشة في السابق. وتمكن هذه المراجعات من رصد مقاطع من التجارب الحياتية بنفس الصورة التي وجهت بها وبنيت خلال مراحل التمدرس المتتابعة. وقد تم جمع هذه المعطيات بمدينة بوزنان Poznań بين 1991 و2002، اعتمادا على مجموعة تجريبية تتكون من 40 فردا. أما اختيار الأفراد بالنسبة لهذه السلسلة الأولى فقد كان عشوائيا.
يجدر أن نوضح بأن هذه البحوث الطولية قد تمت تكملتها ببحوث كمية بواسطة استمارات وجهت لعينة مهمة مكونة من 559 تلميذ موزعين على الأقسام النهائية للمدارس الابتدائية والثانوية وحسب مختلف المسالك. غبر أن نتائج هذه الاستمارات لن تستثمر في هذه المقالة إلا جزئيا في بعض الإشارات عندما يقتضي الأمر مجابهة المعطبات الكيفية الطولية مع المادة الكمية التي توفرها الاستمارات.
 المرحلة الأولى:
تمت اللقاءات الأولى مع الأفراد في المدرسة الابتدائية؛ حيث قمنا بسلسلة من المقابلات مع تلاميذ يبلغون من العمر 10 سنوات، ودعمت هذه المقابلات باستعمال أدوات بحثية تصلح لتقييم المهن من طرف الأطفال، وتبيُن الصورة التي يكونونها على العالم المهني.
المرحلة الثانية:
اشتغلنا على نفس الأطفال وقد وصلوا إلى سن 15 تقريبا، أي مرحلة المراهقة (نشير إلى أن الأفراد يوجدون في مرحلة انتقالية بين المرحلة الابتدائية والمرحلة الثانوية حسب النظام التعليمي البولوني القديم).
بعد ذلك طلبنا منهم:
-           أن يصفوا كتابة وضعيتهم وهم على أهبة اتخاذ القرار وكذا نواياهم الدراسية والمهنية.
-           أن يعبأوا استمارة الاهتمامات التي تم تقنينها من طرف Frydrychowicz و Jaworskiej Matuszewskiego و Woynarowskiej.
-           أن يبنوا خطابا سرديا مكتوبا يصفون من خلاله ذواتهم، ويغطي هذا الخطاب الأبعاد الآتية:
·           الصفات الفيزيولوجية والحالة الصحية؛
·           الصفات النفسية و العاطفية؛
·          الاهتمامات؛
·          المعارف والقدرات؛
·          أهداف الحياة والقيم والرغبات؛
·          التفضيلات المهنية بغض النظر عن القدرات الفردية الفعلية (ما أود القيام به  بصرف النظر عن قدراتي الحقيقية
·          التقويم الذاتي والخصائص التي يمكن أن يكون لها تأثيرا سلبيا على هذا التقويم؛
-           أن يشاركوا في مقابلة مفتوحة مرتبطة بوضعيتهم وببناء مشاريعهم الدراسية والمهنية، وتتمحور هذه المقابلة الشبه الموجهة حول الأسئلة التالية:
·           أسئلة مرتبطة بحاضر الفرد: الوضعية النفسية والاجتماعية للمراهق وهو في مفترق طريق بين مرحلتين دراسيتين؛
·           أسئلة مرتبطة بالماضي: ركزنا على ذكريات الطفولة وإعادة بناء الأحداث والوضعيات التي سبقت القرارات الدراسية والمهنية. ناقشنا الاختيارات والقرارات والأفكار الماضية (أفكار الطفولة) التي تتصل بالعالم المهني، والذكريات المتصلة بـ"الجو التنشئوي العام"، وكذا الخطاب المتداول على مستوى الأسرة بخصوص "الحياة".
·           أسئلة مرتبطة بالمستقبل:  طلبنا من التلاميذ تمثلهم للمسار الدراسي والمهني والحياتي مستقبلا، في رؤية استباقية بعيدة المدى (10 سنوات).
-           أن يشاركوا في تمرين توقعي أساسه تكملة مجموعة من الجمل، خضعت في ما بعد لتحليل وفق فئات موضوعاتية، وبعد ذلك استثمرت عند التقييم الإجمالي للحالة. من بين هذه الجمل نجد على سبيل المثال:
·     كانت طفولتي...؛
·    ينصحني أبواي دائما بـ...؛
·    قبل كل شيء، أرغب في...؛
·    ما يمنعني من النجاح في الحياة هو...؛
·     عندما أفكر في ما أتمنى القيام به عندما أنهي دراستي الإعدادية...؛
·    المهنة الأحسن هي... إلخ.
المرحلة الثالثة: 
عند نهاية السنة الدراسية وفي أقسام السنة الأولى من التعليم الثانوي (المدارس المهنية، الثانويات التقنية، الثانويات المهنية، والثانويات العامة)، قمنا بالتأكد من مدى تحقيق هذه المشاريع الدراسية والمهنية الأولى عند المراهقين، والوقوف على مواقف هؤلاء وأهدافهم الحياتية وكذا مشاريعهم على المدى المتوسط بخصوص المرحلة الدراسية المقبلة. وقد تم التحقق من خلال خطابات مكتوبة من طرف الشباب.

المرحلة الرابعة:
هذه الدورة البحثية المتأسسة على تقنيات تشخيصية سيتم تكرارها بطريقة مشابهة بعد مضي 3 أو 5 سنوات حسب مدة التعليم الثانوي، أي عند عتبة التوجيه المقبلة: مباشرة قبل بداية التعليم العالي (ما بعد البكالوريا) أو قبل الاندماج في سوق الشغل، حسب الحالات. أثناء هذه المرحلة البحثية، قمنا بمقابلات مع المراهقين حول مشاريعهم على المدى المتوسط.    وتحققنا في ما بعد من الطريقة التي تحققت بها هذه المشاريع بعد أشهر (سنة على الأكثر)، بعد بداية المرحلة الجديدة من المسار الدراسي والمهني. 
يلخص الجدول التالي  البروتوكول البحثي الطولي المعتمد:
السنة
عمر الأفراد
المستوى الدراسي
المنهجية
1991-1992
9-10
 السنة الثالثة من التعليم الابتدائي
 مقابلات - تقنيات وصفية لاستقاء المعلومات التي يعرفها الطفل عن العالم المهني
1996-1997
14-15
 السنة  الثامنة من التعليم الابتدائي: نهاية المرحلة الابتدائية
 خطاب مكتوب حول وضعية اتخاذ القرار المعيشة والمشاريع الدراسية والمهنية- مقابلات فردية حول بلورة المشاريع الدراسية والمهنية- خطاب سردي مكتوب يتعلق بالوصف الذاتي- قائمة الاهتمامات- تكملة جمل.
1997-1998
15-16
 السنة الأولى ثانوي
التحقق من تحقيق مشاريع التمدرس بالثانوي- خطابات مكتوبة من طرف الأفراد المستجوبين.
2000-2001
18-19
مستوى الباكابوريا
 مقابلات متمحورة حول المسار  الدراسي وحول  المشاريع الدراسية والمهنية- خطاب مكتوب  سردي يصف الذات والمشاريع المستقبلية الدراسية والمهنية على المدى البعيد.
2001-2002
19-20
 السنة الأولى بالمدارس المهنية بعد البكالوريا؛
السنة الأولى من التعليم العالي؛
 السنة الأولى من الولوج إلى سوق الشغل.
التحقق من تحقيق المشاريع
تحليل المعطيات الطولية:
بالنسبة لنا، يتعلق الأمر بأخذ التجربة الفردية بعين الاعتبار، لهذه الغاية اخترنا طريقة دراسة الحالة، وهي أحدى أهم الطرق التي تركز على الفرد وأكثرها استعمالا: " ... يمكنها الاستناد إلى أدلة مستقاة من مقابلات وروائز أو من ملاحظات موضوعية في بيئات طبيعية، أو من دراسات طولية ووثائق شخصية ... أو كل ما من شأنه أن يقدم معلومات ملائمة " (Runyan, 1992, pp. 189-199). يمكن أيضا لدراسة الحالة أن تضم معلومات مستقاة من طرق سردية (على سبيل المثال طرق السيرة الذاتية الشبه الموجهة) وليس يالضرورة أن يكون هذا المسرود مشكّلا من أحداث تمت ملاحظتها من طرف الفرد بطريقة موضوعية، وإنما من تأويلات فردية لما حدث بالماضي، وردود فعل فردية على هذه الوضعيات.
تندرج دراسة الحالة في إطار الدراسات الوصفية الإثنوغرافية ([2]) التي تصبو إلى إعادة تشكيل البنيات الدلالية الذاتية  وبنيات استيعاب العالم الاجتماعي من طرف الأفراد أنفسهم ومن خلال التعبير الشخصي عن هذا العالم، وهو ما لا يمكن القيام به بواسطة الطرق الأحادية الشكل لجمع المعطيات والوسائل التحليلية الأكثر تنظيما(Miles & Huberman, 2000 ; Urbaniak-Zając & Piekarski, 2001).
يتعلق الأمر بالنسبة لنا برصد حالة الفرد وهو يتخذ قرارات دراسية ومهنية ملموسة، ويقوم باختيارات حياتية، في سياق يتسم بانتقالات بين مختلق أسلاك التمدرس. هدفنا هو اكتشاف السبل التي يسلكها الأفراد لفهم وشرح وإنجاز أفعال، وبالتالي تدبير أمورهم في مختلف مواقف الحياة (Miles & Huberman, 2000). فرغم التعاطف مع المستجوب، فإن الباحث لا يعمد إلى  التخلى كليا عن المعرفة التي يملكها،  لكنه يعمد في بعض الوضعيات إلى الاستعمال الواعي لصقته كأجنبي على الواقع المدروس: يتعلق الأمر  إذن بدراسات تواصلية تفسيرية أو فبنومينولوجية تفاعلية كيفية، طبيعتها الأساسية هي "الفهم العملي" للدلالات والسلوكات (Miles & Huberman, 2000 ; Palka, 1998 ; Urbaniak-Zając & Piekarski, 2001) .
 تسمح صفة "غريب" بتحديد العوامل التي لا يتبينها المستجوبون، والتي من شأنها أن تأثر على أفعالهم دون أن يكونوا واعين بها (Oswald, 1997 ; Urbaniak-Zając & Piekarski, 2001). صحيح أن الفرد يعيش قصته بطريقة فردية، لكن فهم هذه القصة لا يتوقف فقط على المعنى الذاتي الذي يمكن أن يصوغه هذا الفرد، لأن المعنى يوجد أيضا بطريقة موضوعية.
إذا كانت عملية جمع المعطيات الطولية تنطوي على متطلبات (تشكيل ملفات قابلة للمقارنة، استعمال تقنيات تكميلية، إعادة كتابة معطيات المقابلة إلخ.)، فإن معالجة هذه المادة المنتجة الضخمة تنطوي بدورها على متطلبات أخرى تخصها.     يقتضي الأمر إذن إنتاج عُدة  تحليلية صارمة عند دراسة الحالة؛ تضم هذه العدة  التحليلين الآتيين:
-           مقارنة دراسات الحالة التي تسمح باستخراج أنواع الاستراتيجيات المتبعة من طرف المراهقين:
 تم اعتماد مقاربة أولى تتم خلالها دراسة المحتويات السردية المدونة والتي تحملها المحادثات مع المستجوبين وكذا النصوص التي كتبوها، وتدييلها بتعليقات، ثم تلخيصها. بعد ذلك، تشفر هذه المعطيات وتصنف. هكذا إذن تصبح دراسة الحالة متأسسة على معطيات كاملة عن الحالة وعلى مجموعة من الملخصات المسهِّلة التي تلخص مختلف المعطبات الفردية، وأخيرا على تحديد الإستراتيجية المستعملة من طرف كل فرد على حدة، وطيلة مشواره الدراسي، عند التخطيط لمستقبله الدراسي والمهني. إن التحليل المقارن للحالة يسمح بنوع من التجميع يتم وفق أنواع الاستراتيجيات، وبناء على تجربة الأشخاص في مجالي التخطيط و بناء السبل الدراسية والمهنية. من هنا، فالمنظور المعتمد في تحليل الإستراتيجيات هو ذو طبيعة دياكرونية، ما دام الأمر يتعلق بمقارنة المسارات.
-            تحليل مقطعي يسمح بتحديد مجموعات الأفراد بتاء على متغيرات محددة:
 يتعلق الأمر بعمل تجميعي لمختلف المعطيات، لكن هذه المرة ليس من أجل بناء صنافة للإستراتيجيات، وإنما من أجل تحديد مجموعات الأفراد المتميزين عن غيرهم حسب انتظام خاص لبعض المتغبرات. خلال التحليل المقطعي للمعطيات الكيفية، نقوم بعمليات تشبه للتحليل الأحصائي الذي تخصع له للمعطيات الكمية (Miles & Huberman, 2000, p. 74). إنه تحليل مبني على نموذج Czerwińska-Jasiewicz (1997, 2001)، ويتأسس على بعض المتغيرات المبنية انطلاقا من ملاحظات موضوعية (النجاح مقايل الاخفاق في مراحل التمدرس)، ومعايير كمية (الميول إلى التركيز على الحاضر مقابل  الميول إلى التركيز على المستقبل – الفاعلية مقابل السلبية في مجال التخطيط). يجمع هذا العمل بين المنظور الدياكروني للتحليلات السابقة و المنظور السانكروني المبني على معطبات آنية ملموسة وعلى متغبرات مبنية. 
 تحليل الإستراتيجيات التي يتبعها المراهقون أثناء التخطيط للمستقبل الدراسي والمهني:
 إن استراتيجيات التخطيط للمستقبل هي منتوجات نظرية، وبالتالي فهي ليست قابلة للملاحظة المباشرة. يتعلق الأمر تحديدا بالروابط بين التخطيط عند كل مرحلة من مراحل المسار الدراسي والمهني، وسيرورتها المباشرة على مستوى الممارسة، والتحقق من الافتراضات القبلية التي توجه الأفعال الملموسة. ولتصوير هذا المنهج ووصفه بطريقة دقيقة نستعمل استعارة "وسائل استخراج" النماذج المرتبطة بتنظيم المعطيات الكيفية (Miles & Huberman, 2000, pp. 259-260).
 إن استراتيجيات التطلع نحو المستقبل التي لدى المراهقين هي، بدرجة كببرة،  نتاج سيرورات تقويمية نفسية، أساسها تقويم ذاتي للطاقات الكامنة والقيم الشخصية والمعارف حول الذات وحول العالم المحيط، وأيضا درجة الاستعداد للفعل. من هنا، فالمادة البحثية الملموسة والقابلة للملاحظة والتحقق المباشرين تشمل:
-            المشاريع التي تهم المستقبل الدراسي والمهني الشخصي والتي بعبر عنها الشباب (سواء تلك التي ستتحقق أو تلك التي تظهر مؤقتا خلال التخطيط كالأفكار العابرة أو المحاولات الخاطئة).
-           الأفعال الحقيقية التي تتجسد في اختيار نوع محدد من التكوين أو التوجيه، وفي إجراءات التسجيل في المدارس المختارة، وفي تحقيقها عبر الحصول على تأهيل مهني معين داخل سياق تكويني منظم أو خارجه...  إلخ.
 نشير إلى أن الأمثلة المقترحة أسفله تمثل استراتيجيات التخطيط للمستقبل الدراسي والمهني. وقد تم استقاءها من معطيات ميدانية جمعت في إطار دراسة الحالة.  
لقد أسمينا النوع الأول من تلك الاستراتيجيات إستراتيجية التكثيف (تقليص مجال الاختيار). يرتبط هذا النوع بعمليات التوجيه المدرسية المحددة وببلورة مبكرة لمشاريع أساسية للتوجيه المهني. يمكن الحديث هنا في الغالب عن أشخاص  لديهم قابلية للتطويع بالمعنى الذي يقصدهRiesman, Glazer et Denney (1971) ، ما دام هذا النوع يتحدد بطريقة مبكرة إلى حد ما، أحيانا  منذ المرحلة الأولى من نهاية الطفولة، حيث تكون الخطوط الكبرى  للتوجيه مبكرة جدا ومتصلة بشرطية اجتماعية (مثلا العادات العائلية، والجو العائلي الذي يتيح نوعا من التماهي الشخصي). وحيث أن مجالات الاهتمام الشخصية والمهنية ترسم بطريقة محددة نوعا ما؛ والتفضيلات والمؤهلات التي في الغالب يتم تحديدها في البداية بطريقة تتسم بالعمومية وفي شكل أنشطة مفضلة، تصبح في ما بعد دعامة لخطط مهنية محددة.  يبدو في الغالب أن هذا النوع من الوضعيات يرتبط بأشخاص ناجحين مدرسيا ولهم مستوى عال من التطلعات المدرسية. هؤلاء يحددون منذ بداية المرحلة الابتدائية مراحل تمدرسهم المقبلة، فهم يعرفون أنهم سيذهبون إلى ثانوية  التعليم العام وأنهم سيلجون إلى جامعة معينة حاضرة في وعيهم كصغار، وأنهم سيلتحقون بميدان معين كالطب أوالإعلاميات أوالعلوم الإنسانية..  إلخ.  ومع الوقت يتقلص ويتحدد أكثر هذا التوجه المهني العام. ثمة حالات أخرى يمكن أن يحصل فيها هذا التوجه المهني المبكر، إلا أن الصعوبات الدراسية والنتائج المتدنية تجعلها صعبة التحقق، فتنقص فعالية التنبؤ بتحقيق المسار التكويني المرغوب.
توضح حالة التلميذة (إيولين) هذا النوع من الاستراتيجيات، حيث مكننا تحليل المادة التي تم تجميعها من إعادة بناء تجربتها الفردية وهي تتصور وتحقق مراحل مسارها المدرسي والمهني:
  تعيش (إولين) داخل أسرة صغيرة تتكون، بالإضافة إليها، من أبوين تلقيا تكوينا أكاديميا في الاقتصاد فاستطاعا من خلاله تأمين استقرار مادي للعائلة. تفكر هذه الفتاة في الحياة المهنية كما يلي: اهتماماتها واضحة (اللغات – الأدب – الفن)، وهي واعية بالكفايات التي تتوفر عليها (تلميذة نجيبة وتجد راحة كبيرة في المواد العلمية واللغات الأجنبية). منذ الطفولة، وتحديدا في السنة ما قبل الأخيرة من المرحلة الابتدائية، عبرت (إولين) عن تفضبلها المهني، واعتزمت  الانخراط في مسار مرتبط بمجال اللغات. لهذا قررت الولوج إلى ثانوية ممتازة في مدينة بوزنان.
ولأنها تلميذة متوجة في أولمبياد اللغة، فإنها تستطيع اختيار الثانوية التي تناسبها، لكن فبل ذلك، عليها اختيار الإعدادية المناسبة. وهي على مشارف الولوج الى الجيمنازيوم gymnasium ([3])، تصرح (إولين) بوضوح بأنها تتمتع بالعناد والإصرار: "عندما أود الحصول على شيء ما فإني أصل إليه مهما كلفني ذلك، كما أنني أنظر إلى المستقبل بتفاؤل وأكره الناس المتشائمين. لما أتخيل حياتي في المستقبل، أحقق كل شيء في أحلامي، وهكذا أصل إلى ما أريد الوصول إليه [...].  ينصحني والدي دائما بأن أ ختار ما أفضله [...].  أحب الناس المستقلين الذين يدافعون عن رأيهم ولا ينصاعون بسهولة إلى محيطهم، ولا يقلقني أن يكونوا غريبين أو منطوين أحيانا؛ الشيء الأهم هو أن تكون لهم أفكارهم الخاصة التي يؤمنون بها، وأن يعرفوا كيف يدافعون عنها... أما الأهداف المهمة في حياتي فهي أن أسس أسرتي الخاصة و وأن أسلك المسار الذي أحلم به، مسار مترجم. أراهن على أن يقدرني المحيط وأن يحترمني... أعتقد أن الشيء الأساسي هو أن يختار الإنسان المجالات التي يحبها والتي يتفوق فيها.  ليس هدفي هو الحصول على السلطة، ولا إدراة أناس آخرين، ولا أن تكون لدي ثروة كبيرة؛ ما أريده هو أن أمارس مهنتي ما أمكن وبأفضل طريقة ممكنة.  وليس هدفي هو الحصول على ثروة كبيرة؛  غير أنني أرغب أن يكون لدي بعض المال من أجل تدبير شؤوني اليومية والاستمتاع بالحياة، لكن دون مبالغة..."
 أنهت (إولين) المرحلة الثانوية بدون مشاكل. كما أنها عمقت تفضيلاتها اللغوية وكرست جهودها باستمرار في تعلم الإنجليزية. أما مستوى تطلعاتها، فلم يتراجع تحت تأثير المحيط المدرسي الجديد، إلا أن مشاريعها المهنية قد عرفت تعديلا طفيفا بعد اعترافها بأن سوق الشغل يفرض القيام بدراسات أخرى قد لا تكون بالضرورة لغوية. إلا أنها رغم ذلك تتمنى الاستمرار في تعلم اللغة الإنجليزية: " إنني أنظر إلى مستقبلي المهني بتفاؤل، لكنني أدركت وجود مشكل البطالة الذي فد يدفعني إلى البحث عن شغل في مهنة أخرى غير المهنة التي أحلم بها. أعتقد، على كل حال، بأن معرفة اللغات الأجنبية من شأنها منحي فرص عمل كثيرة."
عند نهاية المرحلة الثانوية، حصلت (إولين) على نتائج دراسية ممتازة. غير أنها عرفت حالات من اللايقين دفعتها إلى القيام باختيار في آخر لحظة؛ إذ قررت اجتياز امتحانات الولوج لتوجهين مختلفين: العلاقات الدولية في الأكاديمية الاقتصادية واللسانيات الإثنية بجامعة Adam Mickiewicz. فبالنسبة لاختيار الاقتصاد، يتداخل فيه كل من تاثير الأبوين الذي يظهر جليا منذ المرحلة الابتدائية في شكل إعجاب مهني، وأيضا تاثير الكفايات المكتسبة في مجال الرياضيات: "أريد أن يكون عملي مرتبطا بالعلاقات الدولية أو بالاقتصاد أو التجارة أو بصفة أخص باللغات. أريد ممارسة عمل يسمح بالاتصال مع أناس أجانب، وليس العمل المكتبي [...] سيعجبني العمل الذي بتطلب الإبداع وليس العمل الذي يقتصر على  التنفيذ الميكانيكي للمهام، أي العمل الذي يعطي إمكانية تحقيق الذات ويضمن الاستقلالية... يمكنني أن أشتغل كمترجمة أو داخل مقاولة مهتمة بالاقتصاد الدولي ، أوكمرشدة سياحية مقيمة ببلد أجنبي، أو كمدرسة لغة أجنبية (ليس بالمدرسة )، أو كمالكة لمطعم أو ناد إلخ.  لقد تابع والداي الدراسة بالأكاديمية الاقتصادية ويعرفان جيدا خصائص العمل في المهن التي يمكن ممارستها بعد الدراسة؛ إذن أعتمد عليهم في ذلك باستمرار. إنهم قدموا لي الإمكانيات التي تتيحها الكليات المرتبطة بالاقتصاد."
 بعد نجاحها في الامتحانين معا، اختارت (إولين) أخيرا أن تدرس اللسانيات الإثنية، ومن تم تتابع في أجل قريب الدراسة بالأكاديمية الاقتصادية (أو كلية التربية)، وفي أمد أبعد، تتابع دراسات تكميلية بمدرسة للترجمة.
إذن بدا أن (إولين) قد بنت "فكرتها عن الحياة" مبكرا إلى حد ما، اعتمادا على نفسها، لكن من المحتمل أيضا أن يكون للتأثير الأبوي دور كبير.  لقد اختارت، بناء على تطلعاتها المدرسية والمهنية الكبيرة، تكوينا عاليا واسعا للغاية: لغوي – اقتصادي ( يغلب عليه الطابع اللغوي)، ويبدو أن هذا الاختيار يدمج بمرونة التغيرات التي تحصل في سوق الشغل لكن دون التخلي عن الأهداف الشخصية. كما أنه ليس تكرارا للاختيارات الأبوية، وإنما هو بناء شخصي نشيط لمستقبلها المهني . إن هذه الخاصية، إضافة إلى الكفايات المهنية العالية التي تعتزم اكتسابها، هي التي من شأنها أن تسهل لها الولوج إلى سوق الشغل، وقد سبق أن سهلت لها نجاحها الدراسي.   
 الاستراتيجية الثانية هي استراتيجية التجميع، وتتجسد في شكل تعبير عن رغبات مدرسية متحركة ومتحولة، و في مجال التوجيه، في شكل تطلعات مهنية مستمرة تنبني على إضافة عناصر جديدة للمشروع. في حالات مثل هذه، يمكن لمستوى التطلعات المدرسية أن يكون محددا بوضوح، لكن بالمقابل يكون التوجه المهني في الغالب غائبا.
على سبيل المثال، يتطلع فرد من المبحوثين إلى الحصول على تكوين عال، لكنه لا يعرف بالضبط في أي مجال. وفي كل مرحلة من المراحل التكوينية المتتابعة، نجده يصوغ مشاريع مهنية جديدة كلما تبلورت أكثر اهتماماته ونقط قوته أو ضعفه.
تنبع هنا المشاريع و"الأفكار حول المستقبل" من تحفيزات متنوعة، وتظهر كلما تطور مسلسل معرفة الذات. يشبه الأمر إذن العمل المضني الذي تنطوي عليه  لعبة البوزل "Puzzle"، حيث تنكشف الملامح النهائية للتوجه الدراسي والمهني في خضم سيرورة حياة الفرد وبطريقة تدريجية.
من حين لآخر، تظهر هذه الاستراتيجية لدى شباب من ذوي الاهتمامات المتنوعة والذين يجدون صعوبات في تحديد نواياهم، وترجيح الأميز من بينها، ومن تم اختيارها في حياتهم المهنية (في آخر المطاف غالبا ما تكون الصدفة هي المقرر).
الاستراتيجية الثالثة هي الاختيار العشوائي أو "الاختيار المبني على تفويض الأمر للآخرين". تتأسس هذه الاستراتيجية على نوايا دراسية غير دقيقة ونوايا مهنية غير محددة، وتظهر لدى شباب مترددين وبدون أي فكرة حول التوجه المهني. إنهم في الغالب أشخاص يسهل تطويعهم، حيث يبنون اختياراتهم، عن وعي أو عن غير وعي، على اختيارت الآخرين (عندما يُفتَقَد الدعم الخارجي تكون لهذا التفكير آثارا قاسية يصعب على الفرد تحملها، زد على ذلك الإحساس بارتكاب "الخطأ القاتل"، وهو عامل بالغ الأهمية). غالبا ما يَترك هؤلاء الأشخاص القرار الأخير للصدفة والحظ، كما يقومون بالفعل تحت تأثير اندفاعات داخلية أغلبها بدون معرفة حول الذات، وبدون تفضيلات ولا مشاريع شخصية محددة (نشير إلى أن هذا لا يعني أن الاختيارات الحياتية التي يقوم بها الأشخاص الذين لهم سهولة في التكيف، والذين يعتمدون في الغالب على الرقابة الخارجية، ستكون بالضرورة خاطئة).
 ثمة استراتيجية أخرى هي استراتيجية الآن، وتظهر في صورتين، الصورة المتفائلة (ستتحسن الأمور مع مرور الوقت) والصورة المتشائمة (لا أرى أية آفاق لحياتي).
تتميز الصورة الأولى بتوجيه دراسي مميز إلى حد ما، وتوجه مهني غائب، وتأخير واع للقرارت ذات البعد المهني، وتأجيل التحضير لفعل الاختيار، واتخاذ القرارت في آخر لحظة، وهو ما يقلص فرص النجاح، ولو أنه في نفس الوقت يمنح للذات تأويلا إيجابيا لأي إخفاق محتمل .(Doliński, 1993, pp. 150-151) إن الأشخاص من هذه الفئة يهربون بطريقة واعية من كل تخطيط، تحديدا من التخطيط بعيد المدى، ويسعون جاهدين إلى أن يحيوا لحظة الحاضر وأن يتخذوا قراراتهم بطريقة مرنة، بل حتى إلى تغيير القرارات المتتابعة. يعتبر التخطيط بالنسبة لهم قسري جدا، لأنه يدفع إلى القيام بتدابير استباقية في الوقت الذي يفضل فيه هؤلاء الشباب القيام في اللحظة الآنية بردود الفعل تجاه دوافع داخلية وخارجية لحظية.
أما في الصورة الثانية فيتجلى بوضوح توجيها دفاعيا؛ إذ يعمد الفرد خلال المحطات الحياتية التي يحس فيها بالتهديد واللايقين إلى توظيف الميكانيزمات الدفاعية للذات و إلى الرغبة في تفادي الهزيمة. وهكذا تبدأ هذه العمليات في تقمص دور القواعد التعديلية، فينتج عن ذلك السلبية و عدم القدرة (Doliński, 1993). إن الأشخاص من هذه الفئة لا يخططون، لأنهم لا يستطيعون التخطيط (وليس لأنهم لا يريدون ذلك كما في الوضعية السابقة)، ولا يتوفرون على سلطة اتخاذ القرار، كما يزخر ماضيهم الحياتي في الغالب بأحداث صعبة، وبالتالي تحتاج حياتهم إلى تعديل سلوكي، وإلى إنهاء سريع لمرحلة الانتظار التي تميز مرحلة المراهقة.
 نقفل صنافة الاستراتيجيات المتبعة في التخطيط الدراسي المهني باستراتيجية أخيرة وهي استراتيجية الأمان (طائر في اليد خير من عشرة على الشجرة). إنها التعبير عن التوجهات المهنية الأقل مخاطرة، والأضعف من حيث المدة الزمنية، والتي تتحقق شيئا فشيئا مع المحطات المدرسية. هنا تهدف قرارات التوجيه إلى التقليل ما أمكن من مخاطر الفشل، وتهم هذه الوضعية على وجه التحديد أناسا يتمتعون نسبيا بدرجة عالية على مستوى معرفة الذات. إنهم يدركون متطلبات سوق التربية وسوق الشغل، ويدركون أيضا التنافر الموجود لديهم بين رغباتهم (مجالات الاهتمام) و الإمكانيات (الكفايات والنتائج و المتطلبات الخارحية)، ويفصلون بين الأحلام (التطلعات التي يعتبرونها غير واقعية وآيلة إلى الفشل)  من جهة، و من جهة أخرى، الفرص الحقيقية التي لا تبعث إلا على القليل من الرضا، لكنها تمنح يقينا أكبر وأمان حياتي أوفر.
 ثمة استراتيجيات أخرى عديدة يستعملها الشباب في التخطيط للمسارات الدراسية والمهنية. إلا أن المادة البحثية التي تم تجميعها، والتي ترجع حدودها إلى صعوبة البحوث الممتدة وتنوع التزامات الأشخاص على طول المدة التي تغطيها هذه البحوث، لا تسمح باستخراج سوى الاستراتيجيات الخمس التي عرضناها.
 التحليل المقطعي: الشباب في مواجهة المستفبل التربوي والمهني.
 نُذَكّر بأن هذا التحليل المتأسس على نموذج Miles et Huberman (2000) يأخذ بعين الاعتبار، وبالتزامن، متغيرات قابلة للملاحظة الموضوعية أو مبنية بواسطة التحليل الكيفي، ومرتبطة بتجربة الحياة في مجال تخطيط التمدرس والتوجيه المهني. هذه المتغبرات هي الفاعلية مقابل السلبية في ميدان التخطيط؛ والنجاح مقابل الفشل في مختلف المراحل الدراسية؛ والتركيز على الحاضر مقابل التركيز على المستقبل أثناء بلورة الاختيارات الدراسية والمهنية. وقد سمحت هذه التدابير المنهجية بتحديد ثلاثة مجموعات من الأشخاص:
تتكون المجموعة الأولى من أشخاص يتميزون بنوع من الفاعلية في مجال التخطيط الحياتي وفي التحقيق الناجح للقرارات المتخذة والمشاريع المبنية، ولو أنهم مختلفون من حيث مضمون الخطاب الذي يبنونه حول اتخاد القرار، و من حيث سيرورة مساراتهم الدراسية. صحيح أن هؤلاء يستعملون استرتيجيات متنوعة عند الاختيار (التكثيف والتجميع والأمان)، لكن لديهم بالمقابل خاصية مشتركة: هم مقتنعون بكونهم يقودون حياتهم بأنفسهم، ولديهم إحساس بأنهم صانعوا هذه الحياة، ولو أن وعيهم بذلك يبقى محدودا (أعرف من أنا وماذا أريد، أو على الأقل أعرف ما لا أريده).
إن عملية "لعب الأدوار" لدى هؤلاء الأفراد تتم في إطار تقييم واقعي لقدراتهم ولفرصهم المدرسية.  إنهم يحددون أفقا معينا من القيم، وطرقا متنوعة من الإمكانات، أو لِنقُلْ، يبنون، تحت هاجس الخوف من المجهول، تفكيرا ذا استشراف أكبر، بحيث أن البعض منهم، في مستوى متقدم مقارنة مع مراهقين آخرين، يتميز بقدرة قوية على الاستقلال ([4])، وبوصلتهم الداخلية تسمح لهم باختيار التوجه الجيد من بين مسارات حياتية متعددة، ولو أن هذا لا يضمن النجاح دائما، ولا يسهل بطبيعة الحال عمليات الاختيار. غالبا ما يكون التلاميذ الجيدون والجيدون جدا هم الذين يفلحون في الخروج من هذا الوضع.
 عموما، عند تحليلنا للأهداف الحياتية التي يضعونها، تظهر تصريحات حول الرغبة في الإبداع والتفتح الشخصي والاستقلال الفكري والسلوكي، كما يخصصون حيزا كبيرا في حديثهم لنطاق الحياة المهنية، ويمرون، بالمقابل، مر الكرام، وبطريقة متداخلة، على السياقات الأخرى ذات الوظائف الخارج- مهنية.  
  لكن قبل أن نستعرض الخصائص الأخرى المميزة لهذه المجموعة، لا بد أن نشير إلى سلوك التقييم الذي يقوم به هؤلاء الأفراد نظرا لأهميته. بما أنه مرتبط أكثر بالقواعد التي يضعها المجتمع ويجيزها، ومرتبط  أيضا بالجوانب التي يفترض تقييمها إيجابيا، فإنه يعتبر معلومة أساسية حول الخطاب الثقافي الذي شب عليه هؤلاء الشباب، أكثر من كونه معلومة عن ميكانيزمات التقدير الذاتي، على اعتبار أن هذه الأخيرة تكون في الغالب مخفية وغير واعية ويصعب تحديدها حتى أثناء الاتصالات المتعددة التي يقوم بها الباحث (Smoleńska, 1993). يمكن لهذه القيم الثقافية المرتبطة بإثبات الذات أن تؤثر في سلوك بعض الأشخاص في وضعيات حقيقية من خلال "المناخ  التقييمي" الذي تخلقه والذي يمكن التعرف على ملامحه في وضعية جماعة من الشبان وهم يصفون مثلا أسرا يتدبرون أمورهم بطريقة جيدة لمواجهة واقع منافسة السوق الحرة، أسرا تضم أبوين بتعليم عال، وإخوة كبار يفضلون أسلاك تكوينية طويلة وعالية المستوى. هنا يكون المحيط الثقافي مشبعا منذ الطفولة بسلسلة من المثيرات المحفزة لنمو عام يسمح بتشكيل نوع من الاستقلال في التفكير، علاوة على  نضج حياتي خلال هذا التفكير (ولو أن هذا الوضع الإيجابي قد يبدو بالنسبة للأفراد أنفسهم كعبء، بالنظر إلى الإحساس الذي ينتج عنه، الإحساس بأنهم موكولون إلى أنفسهم في مواجهة وضعية اتخاذ قرارات صعبة).
ينصب هذا التفكير في الغالب على المستقبل الخاص بالشاب وعلى حاجته إلى تحديد اهتماماته وعلى الكفايات التي يتوفر عليها. ويعزو المراهقون هذا النضج إما إلى الاندفاع الاجتماعي الذي يحصلون عليه من بيئة حياتية قارة وآمنة اقتصاديا (ونفسيا في بعض الأحيان)، وإما إلى وضعيات خاصة تستدعي منهم سلوكا وقرارات ذات مسؤولية أكبر من ما يتطلبه سنهم. أما إمكانيات التموقع في سوق الشغل فهي بالنسبة لهم كبيرة نسبيا "سأتدبر أمري بطريقة أو بأخرى، لن انهزم بسهولة، أستطيع القيام بأشياء متنوعة"، وقد يرجع هذا  إما إلى  رأسمالهم الثقافي أو إلى اختيار حياتي خاص؛ لهذا نجدهم يدركون حياتهم بدون عراقيل، الشيء الذي يسهل لهم الأحلام والبناء الحر لخطط قد تكون بعيدة المدى (ربما لأنهم لم يعيشوا تجارب الفشل الدراسي). كما أن لديهم تطلعات عالية وانتظارات مدرسية لم يجدوا الوقت الكافي لمراجعتها خلال تمدرسهم بالمرحلة الثانوية التي يجتازونها في الغالب داخل ثانويات "جيدة" من ثانويات التعليم العام. لكن ما إن يصلوا إلى نهاية المراهقة ويقتربوا من مرحلة الرشد، حتى تصبح قرارتهم أكثر حذرا وأحكامهم أقل قطعية.
 ننتقل الآن إلى المجموعة الثانية والمشكلة من شباب يتميزون بسلبية كبيرة في الحياة، لكن أيضا بنجاح ذاتي في تحقيق اختيارات مهنية؛ فهم يبنون خططا مدرسية ومهنية بطريقة تختلف عن أقرانهم المنتمين إلى المجموعة الأولى. إنهم على العموم يطبقون استرتيجية الاختيار العشوائي، لكن أيضا الاستراتيجية الآنية في شقها المتقائل. هنا يتم التخطيط، إن جاز استعمال هذا المفهوم، على مدى غير بعيد، في أحسن الأحوال على مدى السلك الدراسي الموالي، وفي أحوال أخرى، ينصب فقط على تدبير نهاية السلك الحالي. يجدر أن نشير إلى أن الاستراتيجية التي تعتمد على التخطيط على المدى القصير أو اللاتخطيط إطلاقا، قد تكتسي بعض الفعالية عندما بتعلق الأمر بظروف تتسم باللايقين وبحاضر متغير وبوجود أرضية شخصية ملائمة. وقد بحدث أيضا أن تكون النتائج أقل ثقلا على الفرد حتى في حالات الاضطرابات السيكولوجية الشخصية أو حالات فشل محتمل.
عموما تضم هذه المجموعة تلاميذ متوسطي المستوى إلى جيدين؛ وعند تحليل الأهداف والقيم الحياتية التي يضعونها، يلاحظ في الغالب ذكرهم لأسرة سعيدة، وربط علاقات إنسانية مرضية، وأيضا الهدوء والأمان العاطفي، و العيش الكريم.   ورغم غياب اهتمامات مبلورة بشكل واضح؛ وتفضبلات مهنية صريحة، فإن تطلعاتهم المدرسية تبقى عالية شأنها شأن أفراد المجموعة الأولى، والسبب راجع إلى رغبتهم المطردة في الاستفادة من تكوين عال بعد الباكالوريا. يلاحظ في الغالب أن هؤلاء الأطفال قد تربوا داخل عائلات يتوفر فيها أحد الأبوين على تكوين عال؛ ومنذ مرحلة الطفولة، ورغم التطلعات العليا والطموح المدرسي الكبير الذي يتميزون به، نجدهم يختارون مدارس لا تضمن مرورا سهلا إلى التكوينات العليا، وهنا تكمن المفارقة. غالبا ما تكون هذه المؤسسات المختارة مدارس مهنية أو ثانويات تعليم عام ضعيفة المستوى، وبدون تاريخ عريق، فقط مؤسسات بديلة لتكوين ثانوي جيد، لكنها ذات جاذبية بحكم اعتمادها على انتقاء ضعيف عند الولوج. ولأنها تستقبل تلاميذ من مستوى متدن، فإنها تمنح لهم على الأقل فرص متابعة الدراسة.
إنهم يعيدون نفس الطريقة في كل مرحلة دراسية، بدون خطة محددة لمسارهم المهني، لكن بتطلعات مدرسية عالية. يختارون بعشوائية جامعات أو سبل غير مباشرة لتحقيق انتظاراتهم التكوينية  "الأهم بالنسبة لي هو أن أحظى بتكوين عال [...] أن أتعلم قبل كل شيء". فمثلا  المراهقة (ماغدا)، بعد تكوين ثانوي في مجال الرقص الكلاسيكي قررت في آخر لحظة الالتحاق بأكاديمية التربية البدنية واختيار مجال السياحة، ليتم قبولها في النهاية لدراسة "التكنولوجيا الغذائية" في أكاديمية الزراعة؛ وهكذا صاغت قرارها مع ميول نسبي نحو البيولوجيا. أما (كاسيا) التي حلمت بالصيدلة وبشغل في إحدى الصيدليات، فقد انتهى بها المطاف في أكاديمية الزراعة متبعة في ذلك قاعدة اختيار "الأقل سوءا" "ما أريده هو أن أ كمل دراستي". نفس الشيء بالنسبة لـ (طوميك) الذي كانت لديه اهتمامات وخطط مرتبطة بمجال الإعلاميات عندما أنهى الثانوية التقنية، إلا أنه في آخر لحظة، وتحث تأثير ضغوطات اجتماعية وتأثير "مناخ تقييمي" أسري، اتخذ فرار الالتحاق بشعبة البناء بمدرسة متعددة التخصصات.
تنتج هذه القرارات المفاجئة عن رغبة في تجريب الحظ، لا أقل ولا أكثر، بحيث يتم اعتمادها في بعض الحالات ضمن مشاريع احتياطية، وبالتالي أي اندفاع خارجي مؤقت لا يمكنه أن يعرقل الخطط المهنية العامة، ولا تسبب لدى الأفراد أي إحساس يالفشل على المستوى الدراسي. عندما يختار المراهقون نظرتهم المهنية بدل مهنة حقيقية، فإنهم لا يرون في ذلك تناقضا كبيرا. حتى من منظور المعنيين بالأمر، فالهدف الأسمى، الذي هو التواجد في مدرسة عليا ومتابعة التكوين، يبرر العمليات التصحيحية الصغيرة التي تعدل الأهداف الأصلية، وهذا لا يشكل إطلاقا أي حاجز ضد تحقيقها.
عند مقارنة نتائج الدراسات الأمريكية (Schneider & Stevenson, 1999) ([5])، يمكننا القول بأن التركيز على الطموحات المدرسية الكبيرة قد يكون ذا تأثير سلبي على الأشخاص الذين لا يتلاءم سلوكهم مع المتطلبات الحقيقية للتكوينات والتأهيلات الضرورية لتحقيق المهن المرغوب فيها. يتطلب المرور عبر المسار الدراسي وقتا طويلا بالنسبة لبعض الشباب لأنهم يضعون لأنفسهم طموحات وخطط حياتية غير واقعية. كما أنهم يحصلون فقط على القليل من المعلومات التي تسمح لهم بتصحيح رؤاهم الخاطئة. الكثير منهم يعتبرون التمدرس شبيها بالشراء المزاجي، ويعتبرون المرور من مرحلة دراسية إلى أخرى بطاقة عبور ميكانيكية. يبدي هؤلاء إصرارا من أجل الوصول إلى الهدف، إلا أنهم يسيرون على الطريق الخاطئ أو في اتجاه غير محدد. إنهم نجحوا في متابعة الدراسات العليا، سيما أنهم اختاروا، عن وعي أو عن غير وعي، استراتيجية ذات فعالية أكثر تستهدف الولوج إلى دراسات عليا، وراهنوا في الغالب على كليتين أو ثلاث كليات، على الأقل واحدة من بينها من دون شعبية كبيرة، وعولوا على سهولة الولوج إليها وضعف المنافسة. و يمكن أن يكونوا أيضا قد تلقوا تكوينا في نظام  خصوصي للمدارس العليا.  لكن هل سيكونون راضين لمدة طويلة على الاختيارات التي قاموا بها؟ وهل رتابة الجو التنشئوي الذي قرروا الانخراط فيه في آخر لحظة، والذي سيضطرون إلى إثبات ذواتهم فيه ضد رغبتهم الفعلية، ستكون فعالة؟ لن تكون كذلك إلا إذا لم تكن الصدفة هي التي كانت وراء الاختيارات التي قاموا بها: سيجيب التكوين الذي تلقاه الأفراد على الانتظارات في بعدها الاجتماعي مثلا، وليس بالضرورة في بعدها المدرسي، أو بعد تراكم التجارب الحياتية سيعيد هؤلاء الأفراد تقييم هويتهم.
أما المجموعة الثالثة فيهيمن علها النهج السلبي، وتتشكل من  أشخاص أجبروا على إعادة بناء اختيار دراسي بعد فشلهم في امتحانات القبول في التعليم العالي (وأحيانا إعادة بناء مسارهم المهني)، ومواصلة التدريب في مدارس أخرى غير التي رغبوا فيها، في الغالب في مدارس عليا مهنية خاصة. ويمكن لهذا الاضطراب في الخطط أن يدوم أو أن يرتبط فقط بتأجيل مؤقت للمشاريع الأولى.
يمكننا تمييز فئتين من بين هؤلاء الشباب الذين أجبرهم الفشل في الامتحانات على اتخاذ قرارات بعيدة عن الخطط الموضوعة مسبقا:
 شباب تحولت هويتهم بفعل هذه التجربة، إنهم أولئك الذين لم يقوموا بتقييم واقعي لإمكانياتهم (كانوا ضعيفين جدا بالنسبة للمتطلبات) أو أولئك الذين لم تسعفهم استراتيجية الحصول على بطاقة الطالب. بعض الشباب، على سبيل المثال، اتخذوا هذا القرار متأخرين، بعد ضغط مواعيد التسجيل، وبدون معرفة حقيقية بـ"السوق" الجامعي؛  تقدموا لامتحانات القبول بكليات عديدة تتميز بمنافسة كبيرة على مستوى الولوج، وعندما يفشلون في الولوج إلى هذه الكليات، فإنهم يفسرون ذلك إما بمستواهم "إمكانياتي كانت جيدة، ولكن ليست جيدة بما فيه الكفاية"، أو فقط بغياب الحظ (مثلا  غياب الاستعداد الجسدي أو العقلي).
شباب تشكلت هويتهم للتو، إنهم يجدون مشاكل في الجواب على السؤال "من أنا؟ وماذا أريد؟" و ليست لديهم تفضيلات دراسية ومهنية واضحة، وأهدافهم في الحياة (هذا إن جدت فعلا) لا صلة لها بأي نشاط مهني، كما أنهم لم يحرزوا نجاحات كبيرة في مساراتهم الدراسية الماضية.  نتيجة ذلك، وعلى الرغم من غياب مشاريع ملموسة، فقد قرروا تجريب حظهم (ماذا لو نجح الأمر؟)
في معظم الأحيان، تضم هاتين المجموعتين من الشباب مراهقين من أبوين يتوفران على تعليم ثانوي أو أقل من هذا المستوى، وأيضا تلاميذ ثانويات عامة ذات عرض تربوي هزيل، وكذلك تلاميذ من مدارس أخرى. ليس من المستبعد أن تكون تجارب الفشل التي عاشها هؤلاء الشباب ناتجة عن العشوائية التي يتبعونها في اتخاذ القرارات. ومع ذلك، قد نميل إلى الاعتقاد بأن تقديراتهم غير الواقعية للإمكانيات التي يتوفرون عليها والفرص التعليمية التي أمامهم، أو الغياب الكلي لهذه التقديرات هو نتيجة لتأثير معين من بيئة اجتماعية تفتقر إلى الخبرة في مجال معرفة الذات وإلى التفكير العميق المنصب على المستقبل. يمكن لكل هذا أن يفسر بدوره ضعف الحالة النفسية للشباب (وربما ليس فقط الشباب) المفتقرين إلى التخطيط الحياتي الواقعي والذي غالبا ما يبدو كمحاولة للتنبؤ بما لا يقبل التنبؤ، أو كعملية محكوم عليها مسبقا بالفشل. كما أن العدد الكبير من المتغيرات التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في عملية التخطيط، والعدد الكبير من الافتراضات بشأن العلاقة السببية بينها، يثبط كل محاولة. الأمر يشبه إلى حد ما البحث عن النظام وسط فوضى عارمة؛ وفي وضع كهذا تصبح الحياة في بعدها الراهن جذابة، خصوصا عندما يكون رهان البناء الواعي للسبرة الشخصية مرتفعا للغاية مقارنة مع إمكانيات فرد لم ينضج بعد.  
إن المكافأة التي يمكن أن يحصل عليها الفرد من أنشطة التخطيط لمسار الحياة لا ينبغي أن تكون هي النجاح المهني. ما يميز الأشخاص الفاعلين عن الأشخاص السلبيين، بل حتى الأشخاص من دون إرادة، هو الطريقة التي تستخلص بها هاتين المجموعتين النتائج من تجارب الفشل. فالمجموعة الأولى تجعل منها تجارب حياتية حاملة لمعلومات حول الذات وحول العالم من حولها، وقابلة لكي تستخدم في مسار الحياة مستقبلا. أما المجموعة الثانية فلا تقوم بذلك بالسرعة المطلوبة؛ إنها تغير موضوع التجارب الحالية، مستجيبة لاندفاعات تفاعلية آنية، وتترك دائما للحياة مهمة اتخاذ القرار، مع الاحتفاظ في أغلب الأوقات بإحساس سعيد.
خاتمة: تحديات المساعدة على التوجه
 تتحدد الأنشطة الاستشارية والمساعدة في مجال التوجيه اعتمادا على درجة التقدم الحاصل في عملية التخطيط للمستقبل الدراسي والمهني التي يقوم بها الشباب. سوف يتعلق الأمر في معظم الحالات بدعم موجه لـ:
أ- توضيح العوامل التي تحدد الوضع الحالي للمراهق داخل السوق التربوي وسوق الشغل؛
ب- ترتيب الاحتمالات وما تحقق في حياة المراهق من اختيارات؛
ج- تيسير معرفة مثلى للذات.
ينبغي أن يكون تأثير هذه التدخلات منصبا على تعزيز القدرة على اتخاذ القرار لدى الشباب والوعي على المدى الطويل بالطبيعة المعقدة للقرارات المهنية التي لا يراها الشباب دائما.
 إلا أنه في كثير من الحالات، سيتم أيضا تبرير نوعين آخرين من التدخلات تتم على المدى الطويل، سيكون الهدف منها هو مساعدة التلاميذ على تطوير الكفايات الفكرية والعاطفية والسلوكية التي تسمح لهم بتحمل المسؤولية لوحدهم في مواجهة الحياة المهنية، بالإضافة إلى تعزيز أشكال الدعم الفردي المبنية وفقا للاحتياجات النفسية والاجتماعية والشخصية التي عبروا عنها. كل واحد من هذه الإجراءات يتطلب مجموعة محددة من الكفايات التي يجب أن تتوفر لدى المستشارين في التوجيه العاملين داخل المنظومة التربوية. تحديدا يجب عليهم تطوير كقايات في مجال علم النفس التربوي لمساعدة الشباب على معرفة قيمهم، وعليهم أبضا العمل على تنظيم مجالات النقاش وتوضيح التعقيد الاجتماعي، ومساعدة الشباب على التعبير عن مشاريع الحياة وجعلهم على بينة من الرهان النفسي الذي ينطوي عليه المسار المهني. إن عدم القدرة على التنبؤ و عدم الاستقرار يصدان كثيرا من الناس أثناء عملية التخطيط والالتزام الشخصي. لذا، ثمة معارف خاصة لا مناص منها من أجل الرفع من فعالية الخدمات الاستشارية، معرفة معمقة بحيثيات اشتغال الفرد خلال فترة النمو، وأيضا معرفة بحيثيات بلورة المشاريع الدراسية والمهنية.
أيضا على المساعدة الاستشارية أن تجعل التلميذ قادرا على التغلب على التأثير الخاص الذي تمارسه بعض الأنواع  من المدارس التي تهيكل الطريقة التي يفكر بها الشباب في مستقبلهم التعليمي والمهني، وذلك بتقديم نوع من الانعكاس لصورتهم، حسب تعبير كيشار Guichard وهيتوHuteau  (2005) (انظر أيضا كيشار، 2001).  فالهدف الرئيسي لمساعدة من هذا القببل هو إعداد الأفراد لتوجيه حياتهم الخاصة بمسؤولية؛ وهذا يذكرنا  بالتقليد الأنجلوسكسوني المتمثل في التتبع المستمر للفرد طيلة مسيرته المدرسية والنمائية من أجل مساعدة المراهق على المجابهة ، و باستمرار، مع السؤال "ماذا ستفعل بحياتك؟
إن طرح هذا السؤال، والقدرة على الإجابة عليه بفعالية، ينطوي على عمل فكري كبير، لأن الأمر يتعلق ببناء الفرد للصورة الذاتية التي يكونها عن العالم المهني و كذا الصورة التي يكونها عن نفسه. يتعلق الأمر، تحديدا، بطرح السؤال: "كيف يمكنني أن أندمج في العالم المهني؟ " عندما يتوصل الفرد إلى الجواب على هذا السؤال، تتأكد قدرته على التخطيط وعلى بناء حياته المهنية. بهذا المعنى، يمكن للمساعدة على التوجيه، من خلال تقنيات التشخيص، أن تكون وسيلة للتحفيز والتقييم الذاتي.
لقد أصبح التوجيه مدى الحياة، والتوجيه الممارس بعناية و بشكل يراعي شمولية الإنسان، تحديا تربويا حقيقيا لم يتحقق بعد في النظام التعليم البولوني.
المراجع:
Erikson, E. H. (1972). Adolescence et crise. Paris : Flammmarion.
Herr, E. L. & Cramer, S. H. (1972). Vocational Guidance and Career Development in the Schools: Towards a Systems Approach. Boston : Houghton Mifflin.
Hodkinson, P. & Sparkes, A. C. (1997). Careership: A Sociological Theory of Career Decision Making. British Journal of Sociology of Education, 18 (1).
DOI :
10.1080/0142569970180102
Osipow, S. H. (1973). Theories of career development. Englewood Cliffs, New Jersey : Prentice Hall.
Piorunek, M. (2006). The Youth as the Clients of Career Guidance: Selected Studies of Polish Adolescents, /w/. The New Educational Review, 2, 11-25.
Schneider, B. & Stevenson, D. (1999). The Ambitious Generation. New Haven-London : Yale University Press.
Smart, R. & Peterson, C. (1997). Super’s career stages and the decision to change careers. Journal of Vocational Behavior, 51, 358-374.
Super, D. E. (1957). The psychology of careers. New York : Harper & Row.
Super, D. E. (1990). A life-span, life-space approach to career development. In W. D. Brown & L. Brooks (éd.), Career choice and development : Applying contemporary theories to practice (2e éd.) (pp. 197-261). San Francisco, CA : Jossey-Bass.
Watts, A. G., Hawthorn, R., Hoffbrand, J., Jackson, H. & Spurling, A. (1997). Developing local lifelong guidance strategies. British Journal of Guidance and Counselling, 25.
Watts, A. G., Law, B., Killeen, J., Kidd, J. M. & Hawthorn, R. (éd.) (1996). Rethinking Careers Education and Guidance : Theory, Policy and Practice. London : Routledge.









 [1] - نشير إلى أننا سنقدم في هذه المقالة جزءا واحدا فقط من النتائج المحصلة، ولمعرفة التقرير المفصل لهذه الأبحاث، انظر Piorunek (2004a, 2004b).
[2]  - إلى جانب البحوث الكمية ذات الطابع الوصفي الإثنوغرافي والفينومينولوجي التفاعلي، يذكر المؤلفون Urbaniak-Zając et Piekarski (2001, pp. 26-27) البحوث البنيوية المبنية على إعادة بناء الخطاب والتي يكون فيها موضوع التحليل هو النص، وتشكل فيها لغة الاستعمال اليومي تجسيدا وموضعة للتجارب الفردية. ويصنف المؤلفان Miles et Huberman (2000, pp. 8-9) بدورهم، لكن بطريقة أخرى مختلف التقنيات البحثية الكمية: التقنية "التأويلية" المستندة إلى أدبيات طويلة المدى في الفينومينولوجيا (ومعها فروع منهجية كالسيميوطيقا، والتفكيكية، والنقد الجمالي والمنهج الإثنوغرافي والهرمينوطيقا)، والانتروبولوجيا الاجتماعية ( تعتبر الاثنوغرافبا  وتحليل التاريخ الشخصي أهم ثياراتها)، وأيضا التحليلات الاجتماعية التشاركية (ثيارها الأساسي هو التحليل بواسطة الفعل)   
[3] -   هو المقابل للمرحلة الإعدادية بالمغرب.
[4]  - هنا يمكننا أيضا استعمال مفهوم"التحرر" خصوصا في شقه الدلالي المرتبط بنوع خاص من التفتح الفردي الذي يسمح بالخروج إلى خارج حدود الحرية، إنه تصور للإنسان المتعدد الأبعاد. يفترض هذا التحرير قدرة على التجديد والإبداع  من شأنها تجنيب الفرد من التبعات الخارجية.  من هنا، يمكننا إذن الافتراض بأن الاستقلالية المشار إليها مترابطة مع هذا النوع من التحرر.     
[5] -  تم بناء النتائج على أساس خصوصية النظام التربوي الأمريكي الذي يتيح أسلاكا تكوينية عليا متنوعة من حيث الكيف والمدة. من بين ما لاحظه هذان المؤلفان، نذكر ارتفاع طموح الشباب وانتظاراتهم التربوية،  خصوصا أولئك المسجلين في دراسات قصيرة مدتها سنتين، ويبدون رغبتهم في التسجيل في مدارس أخرى تقدم برامج تعليمية مدتها أربع سنوات و شهادة الإجازة ؛ بينما يلاحظ في الواقع  ضعف فرص هذه العمليات.    



نموذج الاتصال
NomE-mailMessage