3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

ميلاد العلوم الإنسانية (نصوص ، ترجمة و إعداد الحسن اللحية)

الخط



























حركة العلم
س. فرويد
لقد سمعنا كثيرا بمتطلبات الصيغة التالية: لكي يوجد علم ما عليه أن ينشأ على مفاهيم أساسية. واضحة Clairs ومحددة بدقة. في واقع الحال لا وجود لعلم، حتى بالنسبة للعلوم الحقة la plus exacte لم يبدأ بمثل هذه القواعد. إن البداية الفعلية للنشاط العلمي كله تحتوي أساسا على وصف الظواهر La description des phénomènes التي تجمع فيما بعد وترتب وتدمر في علاقات. نتحاشى أثناء الوصف، مسبقا، تطبيق بعض الأفكار المجردة على ما هو مادي التي قد تكون لدينا، وبكل تأكيد ليست في التجربة الوحيدة الحالية. فأفكار مثل تلك التي تصير مفاهيم أساسية للعلم تتأتى في التحضير اللاحق(...) كما تحتوي ضرورة على بعض درجة اللاتحديد.
S.Freud, Metapsychologie, Paris Gallimard Coll/idées, 1968 p 11.

الرياضيات والعلوم الإنسانية
م.فرشي
منذ قرون خلت لم يكن يتعلق الأمر بمعرفة إلى أي حد يمكن إدخال الرياضيات في العلوم الإنسانية. يبدو هذا الأمر، من بعض الوجوه، غير معقول، وحتى الآن يبقى غير مرغوب فيه بالنسبة لكثير من العقول الجيدة. فالاعتراضات على ذلك كثيرة ومتنوعة.
إننا نفكر في الرياضيات انطلاقا من وضعيات محددة بدقة وبسيطة إلى حد ما، وعلى العكس من ذلك نكون أمام مجموعات متغيرة إلى درجات قصوى. وإذا ما علمنا على إزالة بعض العناصر لتبسيط المشكل نكون على وشك إدخال تحويرات حيث انعكاساتها المباشرة تظهر بلا أهمية، لكن على المدى البعيد تكون مخلفاتها جسمية.
إن الجواب بسيط: نفس الصعوبة تظهر لنا تحت نفس الشكل تماما. في علوم الطبيعة بدون أن تكون هذه الصعوبة، بلا شك، معيقة لتقدمها. نظريا فإن طيران ذبابة يمكنه أن يفسد الحركة المنتظرة في نسق السماوي. وعلى العكس فالأشعة الكونية الناجمة عن عدد هائل من الأجسام السماوية يمكنها أن تكون قابلة للتأثير على حواسنا. ومع ذلك فإننا نحذف هذه وتلك. لكن الإنسان استطاع أن يميز بصبر الأحداث في لانهائية معقدة للأحداث المادية، كل تلك الأشياء التي تتدخل بشكل حي في هذه الظاهرة أو تلك(...) هناك اعتراض آخر مؤسس حول عائق مشكل الحرية الإنسانية. ففي الميكانيكا العقلانية يكون في لحظة محددة مجموع وضعيات وسرعات خاصة لنسق خاضع معلومة، وبالتالي فإن الحركة اللاحقة للنسق التي تكون محددة(...)
وعلى العكس، ففي العلوم الإنسانية فإن إمكانية تخطيء جميع التكهنات تظل ممكنة بقرار غير متوقع لفرد. يوجد هنا بكل تأكيد ظرف جديد يغيب عامة في مجال علوم الطبيعة(...). وهكذا فإن تدخل حرية الإنسان إذا تقلصت في علوم الإنسان الخلاصات المؤكدة فهي لا تكفي لتجعل غير ممكن أو غير ضروري استعمال المنهج الاستناطي والكمي في هذه العلوم. إنها واحدة من المميزات الأساسية لرجل السياسة ورجل الأعمال والمعرفة، تمكنه في ظروف معطاة التنبؤ بالتفاعلات التي قد تحصل بين أناس سيفاوضهم.
M.Frechet, les mathématique et le concret, Paris, PUF 1955, pp 94-96.

دراسة الحوادث النفسية
ت.ربوت
تقدم السيكولوجيا التجريبية الدراسة الحصرية لظواهر الروح تبعا لمنهجية العلوم الطبيعية وباستقلال عن كل فرضية ميتافيزيقية. لهذه الدراسة هدف محدد: الظواهر النفسية ووصفها وتصنيفها والبحث في قوانينها وشروط وجودها. كما أنها تمنع منعا كليا كل تأمل حول طبيعتهاالأولى، فهي ليست لا روحانية ولا مادية، ولا يمكنها كذلك أن تضطلع بأي واحدة من هذه الصفات إلا حينما تريد فقدان أي حق باسم العلم.
إن علم النفس بالنسبة إلينا يشكل جزء من علم الحياة أو من البيولوجيا. كما أنه يختلف عن أجزاء أخرى لهذا العلم، فهو يجعل من الظواهر الروحية موضوعه وليس الظواهر المتعلقة بفزيقية الحياة. فعالم النفس التجريبي هو عالم طبيعي من بعض الوجوه يتمثل عمله في فهم وشرح ظواهر الحياة في أكثر وجوهها رقة وتعقيدا.
فإذا كانت السيكولوجيا جزء من البيولوجيا فإنها لا تدوم ولن تكون جزء من الفلسفة. إنني أقبل بهذه الخلاصة بدون تردد(...) فإذا أرادت السيكولوجيا أن تكون علما وميتافيزيقا فإنها لن تكون لا هذا ولا ذاك. عليها أن تختار بينهما.
T.Ribot, Préface au traité de psychologie de G.Dumas, Paris, Alcan, 1923 tome I, pp IX-X

السلوك
هـ.بيرون
حينما نود دراسة تطور الحياة النفسية نتوخى الحذر أن تكون الميتافيزيقا الآن قد استولت على التطور لتجعل منه، في النشاط المبدع، ما يقوم مقام الألوهية أو الطبيعة- من الظهور وهي تستولي على مهمة فلسفية واسعة. وما أن تتم معالجة هذا المشكل من وجهة نظر علمية بحثة أكثر اعتدالا ودقة أجد نفسي مضطرا للتذكير بفكرة صارت عادية بعض الشيء، وهي ما يسم وجهة نظر هذه العلمية: لنتعرف قيام لغة تعطي تعبيرا للظواهر بشكل قريب، مرة واحدة، من الأحداث المحسوسة لكي تكون مناسبة وعامة حتى نتمكن من فك العلاقات الثابتة أو القوانين التي تسمح لظاهرة معروفة بالتنبؤ بالظواهر التي تعقبها(...) يوقظ لفظ الحياة النفسية دلالات عديدة مختلفة. وبشكل عام نتقبل بأن علم النفس بعد أن كان دراسة للنفس وجزء من هذا العنوان الثلاثي للميتافيزيقا إلي جانب الكوسمولوجيا Cosmologie العقلانية و التيولوجيا Théologie العقلانية صار دراسة لظواهر الوعي phénomènes de conscience(...) منذ ذلك الحين فعلم النفس متهم بأنه ليس سوى أحد وجوه التأمل الفلسفي ولا يمكنه أن يخرج عن هذا المجال الذاتي(...) علينا أن نقر بتصور ثالث للحياة النفسية ينبني على الموضوعية الخالصة يسمح لعلم النفس بأن يأخذ مكانة بين العلوم البيولوجية. ويعود هذا التصور لاتجاهات معاصرة لم تظهر بعد بوضوح(...) لكن إذا كانت هذه الأبحاث لا تهتم بالوعي فبماذا تهتم؟ إنها تهم نشاط َ activitéالكائنات و علاقتها الحس -حركية Sensoir-moteurs بالوسط، أي ما يسميه الامريكيون "the Bahavior" والالمان "das Verhalten" والإيطاليون، "Lo comportamento" وما نسميه نحن العضويات. هكذا إذن يعمل علم النفس على تحديد ميكانيزم Mécanisme وظائف العلاقة(...)
H.Pieron, L'évolution du psychisme et l'étude objective du comportement 1908 in H.Piéron. Paris, PUF 1958 tome I, pp 3-4.

السلوك
ب.فريس
الحدث السيكولوجي بالحصر، ومن حيث هو كذلك فإنه يوضح صورة العلاقة التي يدرسها علم النفس. وبالفعل فإن سلوكا ما هو علامة على شخصية في وضعية معطاة.
إذا كان سلوك ما هو R (حتى نبقى أوفياء للتقليد الانجلوساكسونى و للأبجديات استجابة أو رد أو رد فعل)، فإن ذلك يتم حسب طبيعة الشخصية (R) المواجهة لوضعية (S)معطاة. نستخلص مما تقدم ما يلي: (...)R=F(P.S) (a),
لكي نتفادى أي غموض علينا أن نضيف بسرعة بأن كل لفظ من العلاقة الأساسية عليه أن يتخذ حسب الحالات ذات المستويات المختلفة. السلوك فعل لذات، إذا كان دائما عبارة عن رد فعل في وضعية(...)
P.Fraisse, la méthode expérimentale, Paris, PUF 1967, pp 75-79

مناهج علم النفس
أوغست كونط
إن تفوق الفلسفة الوضعية صار كذلك منذ باكون Bacon، لقد صار لها اليوم، بشكل غير مباشر، نفوذ على العقول حتى وان ظلت غريبة عن رحابة تطورها. في حين أن الميتافيزيقيين حبسوا أنفسهم لدراسة ذكائنا ولم يتمنوا الكف عن انحطاط علمهم المزعوم، بل تنتابهم نشوة تقديم مذاهبهم كما لو كانت مبنية على ملاحظة الظواهر أو الأحداث. من أجل هذه الغاية عملوا على تخيل، في هذه الأيام الأخيرة، وتمييز بحجة قوية متفردة نوعين من الملاحظة، إحداهما خارجية والأخرى داخلية، وهذه الأخيرة هي المخصصة، تحديدا، لدراسة الظواهر الفكرية. ليس هذا هو المكان للدخول في مناقشة خاصة بهذه الصوفية. تجدني مضطرا لأقول بأن التأمل الذاتي المباشر للذهن أو العقل لذاته هو وهم خالص(...).
إنه لمن المحسوس، مع كل ذلك، لضرورة ما لا تقهر بأن يتأمل العقل الإنساني مباشرة جميع الظواهرالأخلاقية خاصة التي يمكن للإنسان أن يلاحظها بنفسه تحت تأثير الأهواء التي تحركها، بهذه الحجة، وحدها، التشريحية تكون الأعضاء متميزة عن تلك الأخرى المخصصة للوظائف الملاحظة. فحتى وإن سمحت الفرصة ليقوم أحدهم بإبداء ملاحظات، فلن تكون لها قيمة علمية كبيرة على الإطلاق، وأحسن وسيلة لمعرفة الأهواء هي ملاحظتها من الخارج، لأن كل حالة أهواء وبالتحديد تلك المراد معالجتها هي بالضرورة متعارضة مع حالة الملاحظة(...) إن الذات المفكرة لا تستطيع أن تنقسم إلى ذاتين، واحدة تعقل بينما الأخرى تشاهده وتفكر. فالعضو الملاحظ والملاحظ هما معا في هذه الحالة شيء واحد، فكيف للملاحظة أن تكون ممكنة؟
َA.Compte, Cours de philosophie positive, Leçon I, Paris, GarNoir, 1992, pp 64-67

الملاحظة والفرضية
م.روشلين
نلاحظ حينما نظن أن هناك ظواهر تبدو لنا بتلقائية، إلى هذا الحد أو ذاك فإننا نمارس الملاحظة في غياب أي افتراض، وهذه الملاحظة تخص بالأساس الظواهر الفردية الملاحظة بشكل عام ومباشر. فحتى علم النفس الذي يقال عنه بأنه "علم الملاحظة" في معناه الواسع لم يستعمل منهجا للملاحظة محددا سلفا(...).
 إلى تاريخ قريب قدمت افتراضات فرويد مناسبة لميلاد معجم يستعمل من قبل علماء النفس مسبقا(...). إن الملاحظة العلمية هي تلك التي تستعمل فرضيات ضمنية كليا.
ونفس الشيء فإن الفكرة القائلة بملاحظة حقيقية لا يمكنها أن تكون إلا ملاحظة حادت فردي يشكل مسلكا في حده الأقصى. جميع المحاولات المتعلقة بملاحظة أحداث متكررة(...) إن قاعدة علم النفس هي الملاحظات المتكررة، بمعنى الملاحظات المراقبة.
M.Reuchlin, méthodes  en psychologie Paris, PUF 1969 pp 15-16

النزعة المخبرية في علم النفس
ب.فريس
تعمل التجربة على إثبات فرضية ما. يرافقها إذان هم تمحيص عدد كبير من المتغيرات الممكنة، وتسجيل دقيق أكثر من ممكن لاستجابات سلوكية. إنه لأمر هين أن يكون الميل نحو هذا المثال أو النموذج في مختبر حيث الجانب المادي والشروط مهيأة من أجل هذه الغاية. إن من يقول المختبر لا يعني إقامة واسعة منظمة في عمارات خاصة. فقاعة هادئة يمكن أن تلعب هذا الدور دائما سواء أكانت بالمدرسة أو المستشفى أو الثكنة، بل يمكنها أن توجد مختبرات بشاحنات.
في جميع الأحوال فإن المختبر يخلق وسطا مصطنعا. إن هدفه هو خلق أو إعادة خلق شروط طبيعية ووضعيات دقيقة. إن منطلق المجرب هو تحليلي ومحاولته المضنية لخلق شروط تساعده أكثر على الكشف الممكن عن تأثير المتغير الذي يدرسه. يعمل هنا بنفس روح الفزيائي والبيولوجي.
ففي مرحلة الملاحظة عليه أن يعود دائما إلى الملاحظة الطبيعية حتى يرجع إلى المصادر. وبالمقابل في التجربة عليه إثبات علاقة بأبعاد التأثيرات المقنعة...
P.Fraisse, La méthode expérimentale, in Fraisse et J.Piaget, traité de psychologie expérimentale, fascicule I, Paris, PUF 1967 p 92.

قياس الذكاءات
ج.دولاي
نعلم بأن لفظ الرائز يعني جميع التجارب التي تجرى على فرد خاضع لاختبارات مندمجة مسبقا بغية الحصول على قياس معين. ولكي يكون قياس ما مقنعا عليه أن يكون موضوعيا Objective والتنقيط خاضعا لقواعد régles تمكن جميع المراقبين من الحصول على نفس النتيجة، وذلك بشرط استخدام نفس الروائز المقدمة بنفس الشكل، وهو ما يسمح بأن تكون موضوعية التنقيط موضوع مقارنة بين الأفراد(...)
لفظ الرائز الذهني استعمله لأول مرة عالم النفس الأمريكي ج.م. كاتيل J.M.Catell في مقالة نشرت بماند Mind سنة 1890 ثم استعمله بإنجلترا، فيما بعد، فرانسيس غالتون Francis Galton وفي ألمانيا كرايبلن Kraepelin و أورن oehrne وفي فرنسا ألفريد بيني Alfredo Binet و ف هنري V.Henri في سنة 1905 ظهر المفهوم في L'année psychologique، ذلك البحث الأساسي لألفرد بيني وتوماس سيمون Thomas Simon ويعرفانه بقولهما: "إنها مناهج جديدة للتشخيص Diagnistic على المستوى العقلي لغير العاديين"
J.Dely, Introduction à la psychometrie clinique, in Etude de psychologie medicale, Paris PUF 1953 pp 111-112.

ميلاد التحليل النفسي
س.فرويد
لا يرجع إلى الفضل، فهناك غيري ممن كان وراء ظهور التحليل النفسي في العالم. ولم أساهم في بداياته الأولى، كنت آنذاك طالبا مشغولا ومأخوذا بامتحاناتي الأخيرة، حينما كان أحد الأطباء في فيينا Vienneهو الدكتور جوزيف بروير Josepph Bruer الذي كان يطبق علاجه على شابة مريضة بالهستيريا Hysterique.
كانت مريضة الدكتور بروير، شابة في العشرين من عمرها، ذكية جدا، ظهرت عليها خلال سنتين من مرضها سلسلة من الاضطرابات الفيزيائية والذهنية أكثر أو أقل حدة. يظهر عليها تطرف حاد مع التخذير. ومن وقت لآخر يظهر نفس الالتهاب في الأعضاء اليسرى، وعلاوة على ذلك اضطراب في حركات العينين وفي القدرة على الرؤية. كما تجد صعوبة في التحكم في حركة رأسها إلى اليمين. كانت تسعل بعصبية مرتفعة، تكره الأكل ولا تشرب الماء خلال أسابيع على الرغم من العطش الشديد الذي يصيبها. كما تشوه الحقيقة على مستوى اللغة، فهي لا تستطيع لا الفهم ولا الكلام. وأخيرا فإنها تصاب "بغيوبات" أو "شرود" في حالات الغموض أو اللبس، و بالهذيان، وبتشويه لكل شخصية.
إنها هنا مجموعة من الاضطرابات التي سنركز عليها عنايتنا(...)
نلاحظ في حالات الغيبوبة هذه بعض التشويه والغموض: حيث يكون للمريض عادة التلفظ بكلمات تكون أقرب إلى انشغالاته الحميمة. يجب على الطبيب أن يحمل هذه الكلمات على محمل الجد وأن يضع صاحبها موضع النائم نوما اصطناعيا في بعض الوجوه، ويعمل على تكرار تلك الكلمات كلمة كلمة محاولا أن يستفز ما يشغلها. قد تسقط المريضة في الحكي. إنها نزوات عميقة مليئة بالحزن، وإن كانت لها جماليتها، نقول عنها بأنها أحلام كان موضوعها هو فتاة صغيرة تجلس قرب قنديل سرير أبيها المريض. وبعد أن عبرت عن بعض تلك النزوات تخلصت بعض الشيء وعادت إلى حياتها النفسية العادية، والتحسن الذي دام ساعات طويلة اختفي في اليوم الموالي ليترك المجال لغيبوبة كانت نتيجة استثارة. فالمريضة نفسها في هذه اللحظة من مرضها لا تتكلم ولا تفهم إلا اللغة الإنجليزية. وقد أعطي لهذا العلاج إسم Talking cure(...)
نلاحظ إذن، وبالصدفة، كما لو كان الأمر عبارة عن "تنظيف" للنفس، حيث اختفت الأعراض المرضية، وفي الآن أن المريضة كانت خلال التنويم تستذكر معبرة فعليا، في الآن ذاته، اللحظة التي تظهر فيها تلك الأعراض لأول مرة. كان هناك خلال ذلك الصيف حر شديد وعانت المريضة من عطش لسبب ما. يمكنها أن تأخذ الكأس لتروي عطشها، لكنها ماأن تضع شفيتها عليه حتى تظهر كمن يكره الماء. وخلال ثوان معدودات أصيبت بالإغماء فهي لا تتغذى إلا على الفواكه لتروي عطشها وقد دام هذا الأمر ما يقارب الستة أسابيع(...) حكت بكل العلامات العميقة عن انعدام الرغبة لديها وبأنها كانت ببيت مربية وأن كلبا تمتلكه هذه الأخيرة بشع الشكل شرب من كأس الماء.
لم تقل شيئا لاحترامها للمقام فكفت عن الحكي فأظهرت غضبها الشديد ثم طلبت بعد ذلك أن تشرب ماء وفعلا شربت كمية كبيرة واستفاقت من غيبوبتها والكأس في فمها.وهكذا اختفت الاضطرابات وإلى الأبد(...) يمكن تلخيص ذلك كالآتي: يعاني الهستيريون من ذكريات مبهمة. وأما أعراضهم فهي عبارة عن بقايا أو رواسب وعلامات على بعض الأحداث التي تشكل صدمة.
S.Freud, Cinq leçons sur la psychanalyse, Paris, Payot 1968, trad. Le lay, pp 7-8-10-12-15

الشعور واللاشعور
س.فرويد
لكي نفهم جيدا الحياة النفسية يكون من المفيد الكف عن التصلب فيما يخص القول بالوعي/الشعور Conscience. ينبغي كما يقول لبس Lipps أن نرى في اللاشعور/اللاوعي بأنه أساس الحياة النفسية كلها. إن اللاشعور يشبه دائرة كبيرة تحيط بالشعور كما لو كان هذا الأخير دائرة صغيرة. لا يمكن أن نرى فعلا واعيا بدون مرحلة سابقة لا واعية، بينما يمكن للاشعور أن يمر من مرحلة الشعور وأن تكون له مع ذلك قيمة نفسية. اللاشعور هو النفسي ذاته وحقيقته الواقعية. إن طبيعته الجوهرية مجهولة لدينا أكثر من واقعية العالم الخارجي، كما أن الشعور يخبرنا عن ذاته بشكل غير تام، وذلك يشبه ما تخبرنا به حواسنا عن العالم الخارجي(...).
إن ما تعلمنا أياه تحاليل تكون علم النفس المرضي والحلم، في هذه السلسلة الأولى، هو أن اللاشعور النفسي يكشف عن وظيفة نسقين متمايزين وهما معا في الحياة العادية. إذن هناك نوعان من اللاشعور لم يميزهما عالم النفس بعد. هما معا غير مشعور بهما في المعنى الذي يعطيه التحليل النفسي. وفيما يخصنا فإن أحدهما، ذلك الذي نسميه اللاشعور، لا يمكنه في أي حالة أن يصل إلى الشعور، أما الآخر الذي نسميه لهذا السبب ما قبل الشعور Préconscient يمكنه أن يصل إلى الشعور بعد أن تكون المثيرات مناسبة لبعض القواعد، ولربما بعد مراقبة كبت جديد(...) إن الظهور إلى الشعور يتطلب أن تكون للتأثيرات هامشا محددا عبر سلسلة من الأحكام تكشف لنا عن التحولات المفروضة بالكبت(...). سنصف علاقات النسقين فيما بينهما من جهة، وفيما بينهما والشعور من جهة ثانية، بقولنا بأن. ما قبل الشعور يلعب دورا في الشاشة بين اللاشعور والشعور.
لا يعمل نسق ما قبل الشعور إلا على منع الوصول إلى الشعور، ويتحكم كذلك في القدرة على التحرك ويضع تقسيم طاقة استثمار متحركة(...)
S.Freud; L'interprétation des rêves, Paris, PUF, Trad, I.Meyerson et D.Berger, pp 520- 521- 522

علم النفس والمعيش
م.ميرلوبونتي
تقبل السيكولوجيا الكلاسيكية بدون جدل التمييز بين الملاحظة الداخلية (لجوانية) أو الاستبطان introspection والملاحظة الخارجية، البرانية Exterieure. فالأحداث النفسية كالغضب والخوف مثلا لا يمكن أن تعرف مباشرة إلا من الداخل، وبالذات من قبل من يجربها، وهذا معناه أنني لا أحصل من الخارج إلا على علامات Signes معبرة عن الغضب أو الخوف، ولكي أقوم بتأويلها علي باللجوء إلى المعرفة التي حصلتها عن الغضب أو الخوف انطلاقا من نفسي عن طريق الاستبطان.
يعمل علماء النفس اليوم على ملاحظة أن الاستبطان لا يفيد في شيء، ولا يقدم شيئا. إذا حاولت دراسة الحب أو الحقد بواسطة الملاحظة الداخلية الخالصة لن أجد سوى أشياء قليلة للغاية قابلة للوصف: بعض المرارة وبعض الخفقان، وبكلمة جامعة اضطرابات غريبة لا تكشف لي عن الحب أو الكراهية. ففي كل مرة أتوصل فيها إلى ملاحظات مهمة اكتشف أنني في منآي عن إحساسي، وما أتفوق في دراسته كسلوك، كتحول لعلاقاتي مع الغير والعالم هو أنني استطعت أن أفكر كما أعقل سلوك الغير الذي أكون شاهدا عليه(...)
إن علم النفس لم يبدأ في تطوره إلا منذ اللحظة التي ميز فيها بين الجسد والروح، حيث أهمل المنهجيتين المتلازمتين للملاحظة الداخلية وعلم النفس الفيزيولوجي sychologie physiologique لا يمكن أن نعلم شيئا عن الانفعال إذا ما حصرنا في دراسة سرعة التنفس ودقات القلب في حالة الغضب، ولن نصل إلى أي شيء في حالة الغضب إذا ما رمنا الفارق الكمي والمسكوت عنه في حالة الغضب المعيش. إن دراسة سيكولوجيا الغضب هي البحث عن تثبيت معنى الغضب، هو التساؤل عن وظيفته في الحياة الإنسانية، وفي بعض الأحيان عن مدى أهميته(...)
وبشكل عام فإن علم النفس الجديد يظهر لنا في الإنسان ليس فهما أو إدراكا مشكلا للعالم، لكنه ذلك الإنسان المرمي في العالم والمرتبط به برابط طبيعي. ثم بعد ذلك يعلمنا مرة ثانية الرؤية إلى العالم، الذي نحن محتكين به بكل مساحة وجودنا، في حين أن علم النفس الكلاسيكي يهمل العالم المعيش لصلح الذكاء العلمي(...)
M.Merleau-ponty, Sens et non-sens, Paris, Nagel, 1966 pp 93-94-96

علم النفس والفيزياء
ب. غيوم
لا يتعارض علم النفس والفيزياء لأنهما معا عبارة عن علم لعالم خارجي وعلم للحياة الداخلية. نجد في السيكولوجيا ذاتها الاستبطان و الإسقاط، وهما معا ضروريان ومشروعان، وغير منفصلين حينما نعالجهما عن قرب. كما أنهما لا يظهران في نقائض الأطروحات النظرية للمذاهب الفلسفية.
فالاستبطان حالة خاصة في المنهج الموضوعي الأكثر عمومية: هو حالة تحصر فيها الذات معلوماتها انطلاقا من منظور مباشر حول وظائفه الذهنية. إنه منظور يمكن أن يكون غنيا في بعض النقط وضعيفا في غيرها من النقط، لكنه لا يمكن على الاطلاق أن يعمل على دفع البحث في الشروط إلى أبعد مداه(...).
إن القول بأن علم النفس لا يمكن أن يتعارض مع علوم الطبيعة Sciences de la nature من علم للظواهر إلى علم بالأشياء Choses هو قول خاطئ. لا وجود لعلم خاص بالظواهر، فالتعبير يحتوي على بعض التناقض.
P.Guillaume, Introduction à la psychologie, Paris, Vrin, 1946, pp 363, 364

وحدة علم النفس
د.لاغاش
تطرح تعددية علم النفس مشكل وحدته، فالتمييز الحاصل بين علوم النفس الطبيعية وأخرى إنسانية يسمح بتبسيط أول، حيث يظل علماء النفس ينجذبون بين الطبيعي والإنساني، علما أن الطبيعي والإنساني مفهومان متحركان، ورغم ذلك فهناك انحياز لهذا أو ذاك في علم النفس المعاصر. والنقاش الدائر يفيد معنى لتحسيس جماعي، لبحث في مبادئ مناسبة أكثر ومتكيفة بشكل تقدمي مع الواقعية، بعيدا عن اختيار مؤسس على حوافز شخصية.
على مستوى البحث الخاص بهذين الاتجاهين الفلسفيين المتناسبين مع طريقتين في العمل، و هما علم النفس التجريبي وعلم النفس الاكلينيكي.
يحتل علم النفس التجريبي والمقارن موقعا يسمح لهما بتأكيد وحدة علم النفس، فهما يعملان على الجانب النظري والتجريبي، على الجانب العام لأنه مقارن، لكن يظل التطبيق صعبا ومحددا فيما يخص السلوكات الإنسانية الملموسة.
وأما علم النفس الاكلينيكي فهو يتميز بالبحث والتقصي النسقي ويعمل على أن يكون مكتملا على مستوى الحالات الفردية، وهو يتميز عن علم النفس المرضي، لكنه يتناول دراسة السلوك(...) والتحليل النفسي يشبه علم النفس الاكلينيكي والعلاج النفسي(...).
D.Lagache, L'Unité de la psychologie, PUF, 1969, pp 69-70

الفيزيولوجيا الاجتماعية
س.ه. دو سان سيمون
إن مجال الفيزيولوجيا، بشكل عام، يتكون من جميع الوقائع التي تمر بها الكائنات المنظمة.
تبحث الفيزيولوجيا في تأثير الفاعلين الخارجين على التنظيم، وتقدر حجم التبادلات التي يحددها الفاعلون في ممارسة وظائفنا، وتجعلنا نتعرف على ما يقوم على الاقتصاد وهو مضاد لصحتنا، وعلى عيشنا الكريم وتلبية رغباتنا وأهوائنا، وعلى ما هو ضروري لاتساع وسائل وجودنا ومضاعفة ردات الفعل الخاصة لمقاومة القوى المهلكة أو الضارة المحيطة بنا، وأخيرا الإشباع الكلي الممكن لحاجاتنا الأولية (...).
غنية بجميع الأحداث التي تم اكتشافها بالأعمال النفيسة الملزمة في مختلف الاتجاهات، تكون الفيزيولوجيا العامة مستسلمة لاعتبارات ذات نظام أكثر علوا، فهي تحلق فوق أفراد ليسوا بالنسبة إليها أعضاء جسد اجتماعي، عليها أن تدرس وظائفه العضوية كما هو شأن الفيزيولوجيا الخاصة التي تدرس ما هو خاص بالأفراد. ولأن المجتمع ليس عبارة عن تجمع سكاني بسيط من كائنات حية، وحيث لا وجود لأنشطة مستقلة لا هدف لها غير اعتباطية الارادات الفردانية، أو نتائج عابرة وبلا أهمية فإن المجتمع على العكس من هذا كله، فهو بالتحديد، عبارة عن آلة حقيقية منظمة، حيث تعمل أجزاؤها بأشكال مختلفة فى سير المجموع كله.
يكون لتجمع الناس وجودا حقيقيا، حيث الوجود أقل أو أكثر نشاطا أو ترنحا حسب ما تقوم به أعضاؤه من وظائف بانتظام أو ما يوكل إليها للقيام به. إذا ما اعتبرناه ككائن حي ودرسنا الجسد الاجتماعي منذ ولادته وعبر مختلف مراحل تطور فإن ذلك يبين لنا شكلا من الحيوية(...).
ِH.De Saint-Simon, De la physiologie sociale, Paris, PUF 1965 pp 56-57

الفيزياء الاجتماعية
أوكست كونط
في المقولات الأربع الرئيسية للظواهر الطبيعية التي احصيناها سابقا، الظواهر الفلكية والفزيائية والكميائية والفزيولوجية، نلاحظ فجوة أساسية خاصة بالظواهر الاجتماعية تدخل ضمنيا في الظواهر الفيزيولوجية تستحق، سواء بالنظر إلى أهميتها أو إلى الصعوبات الخاصة بها، الدراسة وبالتالي الوصول إلى تكوين مقولة متميزة. فهذا النظام الادراكي الأخير الخاص بالظواهر الخاصة جدا والمعقدة جدا والتابعة جدا من بين أخريات يدين بالضرورة بهذا وحده للاكتمال الأكثر بطءا من بين كل ما سبق رغم الحواجز الخاصة التي سنأتي على.ذكرها لاحقا. ومهما يكن فإنه من البديهي أنه لم يدخل بعد مجال الفلسفة الوضعية(...).
ها هي إذن المهمة الكبيرة والثغرة التي ينبغي ردمها للوصول إلى الفلسفة الوضعية. نلاحظ أن العقل البشري استطاع أن يبدع الفزياء السماوية والأرضية، سواء أكانت فزياء ميكانيكية أوكيميائية، ثم الفزياء العضوية سواء أكانت نباتية أو حيوانية وبقي لا أن يتمم نسق علوم الملاحظة بتأسيس الفزياء الاجتماعية(...)
A.Comte, Cours de philosophie positive, Paris, Garnier, 1922 pp 42-43

الوقائع الاجتماعية
دوركهايم
حينما أقوم بدور الأخ أو الزوج أو المواطن، وحينما كذلك أنفذ الالتزامات التي عهدت إلي فإنني بذلك أقوم بواجبات محددة خارجة عني وعن أفعالي على مستوى الحقوق والأخلاق، فحتى ولو كانت تتوافق مع إحساساتي العميقة وأشعر داخليا بواقعية ما فإن ذك لا يجعلها موضوعية لأنه لست أنا من أقامها لكنني تلقيتها بالتربية. يحصل في بعض الحالات الجهل بتفاصيل الالتزامات التي يتوجب علينا القيام بها، ومن أجل معرفتها علينا باللجوء إلى القانون ومؤوليه المسموح لهم بذلك التأويل! ونفس الشيء فيما يخص العقائد والممارسات الدينية. يجدها المخلص قائمة منذ ولادته. وإذا ما وجدت قبله فهي توجد خارجه. ثم إن نسق العلامات الذي استعمله للتعبير عن أفكاري، ونسق النقد الذي استعمله في أداء ديوني، وأدوات الديون التي استعملها في علاقاتي التجارية ثم أخيرا الممارسات التابعة لمهنتي...إلغ كلها تعمل في استقلالية عن الاستعمالات التي أخضعها لها(...) ليست هذه السلوكات أنماطا للتفكير هي وحدها الخارجة عن الفرد، بل إنها عبارة عن سلطة آمرة وجبرية بالنسبة للفرد لتعارضها معه(...).
E.Durkheim, Les régles de la méthodes sociologique,Paris, puf, pp 3-4

الظاهرة الاجتماعية الكلية
م.موس
إن الوقائع التي درسناها تسمح لنا كلها بالتعبير عن وقائع اجتماعية كلية(...) بمعنى أنها تضع الأشياء في موضع اهتزاز في بعض الحالات الكلية للمجتمع ومؤسساته(...).
جميع هذه الظواهر إما إنها قانونية أو اقتصادية أو دينية، بل وحتى جمالية ومورفولوجية. فهي قانونية سواء أكانت من القانون الخاص أو العام، وأخلاقية سواء أكانت منظمة أو منتشرة، إما أنها ملزمة أو فقط تجر المدح والتوبيح، سياسية واعتيادية في ذات الوقت، تهم الطبقات الاجتماعية كما تهم القبائل والعائلات. وهي ذهنية دينية منتشرة، وهي اقتصادية لأن هناك فكرة القيمة والمنفعة والمصلحة والرفاه والثروة والتحصيل والتراكم، ومن جانب آخر الاستهلاك والمصاريف الخالصة، التدبيرية الخالصة، وهي حاضرة في جميع مناحي الحياة(...).
M.Mauss, Essais sur le don, in sociologie et anthropologie, Paris, PUF 1966 pp 274-275

معالجة الوقائع الاجتماعية كأشياء
إ.دوركهايم
إن المقترح الذي بمقتضاه ينبغي معالجة الوقائع الاجتماعية كأشياء، هو المقترح الذي يعمل كأساس لمنهجيتنا ذاتها الذي كان وراء ظهور كثير من التناقضات. لقد وجدنا هذا الأمر متناقضا مخزيا حينما نشبه وقائع العالم الاجتماعي بوقائع العالم الخارجي. من هنا ينجم الخطأ في المعنى هذا التشابه، حيث أن الهدف ليس هو ابتلاع الأشكال العليا للكائن عوض الأشكال الدنيا، بل على العكس من ذلك يجب المطالبة فيما يخص الأولى بدرجة من الواقعية تكون على الأقل متساوية مع ما يعرفه الجميع عن الثانية. كما أننا لا نقول بأن الوقائع الاجتماعية هي أشياء مادية، لكنها أشياء مادية على نفس الأشياء المادية(...) فما الذي يجعل شيئا ما شيئا؟ يفترض الشيء الفكرة كما نعرفها في الخارج لما نعرفه في الداخل. والشيء موضوع معرفة ليس بالضبط مرتبطا طبيعيا بالفكر، فهو كل شيء لا يمكننا من استخلاص فكرة مناسبة بإجراء بسيط للتحليل الذهني، وكذلك ما لا يمكن الذهن للوصول إلى الفهم إلا بشرط الخروج من ذاته عن طريق الملاحظات والتجارب، وبالمرور استطرادا بالخصائص الأكثر خارجية ومباشرة وسهلة البلوغ، على الأقل على مستوى المرئي والأكثر عمقا. فمعالجة وقائع نظام معين كأشياء ليست هي الترتيب وفق هذا الواقعي أو ذاك، إنها الملاحظة المباشرة لبعض المواقف الذهنية. وإذا ما استعضنا في الدراسة فإننا ننطلق من المبدأ الذي يجهل تلك الأشياء من حيث الخواص ومن حيث العلل المجهولة التي تسببها ولا يمكنها أن تكتشف باستبصار متنبه(...).
لا تورط قاعدتنا هذه أي إدراك ميتافيزيقي ولا أي تأمل حول أساس الكائنات(...) على علماء الاجتماع أن يحصل لهم الوعي بأنهم يلجون عالما اجتماعيا، وأنهم ملزمون بتملك وعي، وبأنهم يلجون المجهول، وعليهم أن يشعروا بأنهم أمام وقائع غير مشكوك في قوانينها، تلك القوانين التي تكون هي قوانين الحياة.
ُDurkheim, Les règles de la méthode sociologique, preface de la sconde edition, Paris, PUF 1963

فهم الظواهر الاجتماعية
م.فيبر
كما هو حال كل صيرورة فإن السلوك الإنساني، الخارجي أو الداخلي، يتمظهر في مجرى تطور الترابطات والانتظامات؛ وذلك على الأقل في المعنى الواسع فيما يهم السلوك الإنساني. وتلك الانتظامات والترتيبات المشار إليها تترك في مستوى تطورها التأويل الذي يحتوي على بداهة خاصة كمية بدرجة متغيرة للغاية. فالحصول من جهة على تأويل يحتوي على درجة خاصة وعالية من البداهة ولا يبرهن على شيء في ذاته فيما يخص صلاحيته الاختبارية. وبالفعل فإن سلوكا فرديا مماثلا في تطوره الخارجي ونتيجته يمكنه أن يرتبط بمجموعة من الحوافز المختلفة جدا، حيث الأكثر بداهة على مستوى  الفهم ليس هو ما يوجد فعليا وراء السلوك.
إن "فهم" علاقة ما يتطلب دوما مراقبة ممكنة للغاية بطرق أخرى عادية ... قبل القول بتأويل بديهي في ذاته، وقبل أن يصير "تفسيرا للفهم" الممكن أو المشروع. إنه التأويل العقلاني بالغائية الذي يحتوي على درجة البداهة. نسمي سلوكا عقلانيا غائيا ذلك السلوك الذي يتوجه حصريا عبر وسائل نقدمها "ذاتيا" كأنها ملائمة أو مناسبة للغايات المبحوث عنها (ذاتيا) بشكل تواطؤي. لا وجود إلا للنشاط العقلاني، خيث الغائية تسهل علينا فهمه: نعرف، كذلك، التطور النوعي للأمراض ونتائجها النوعية على السلوك، وأما حدود "الفهم"، فهي متغيرات عديدة في المجالات الاختبارية(...).
تقوم السسيولوجيا كالتاريخ بتأويلات ذات خاصية "برجماتية Pargmatique" انطلاقا من الاطرادات الخاصة بأفهام النشاط. ينبثق الاقتصاد السياسي هنا حينما يبني أو يشيد عقلانيا فكرة "الإنسان الاقتصادي L'homme économique".
إن سسيولوجيا الفهم أو الإدراك تقوم بنفس الشيء، مع العلم أن موضوعها النوعي لا يتضمن في أي "ترتيب داخلي" أو سلوك خارجي، لكن في النشاط. نعني دائما ("بالنشاط Activité" ربما فيه الإهمال الإرادي والاستثناء) سلوكا مدركا نسبيا فيما يتعلق "بموضوعات" نوعية بشكل أقل أو أكثر وعيا بها.
M.Weber, Essais sur quelques catégorie de la sociologie compréhensive, in Essais sur la théorie de la science, Paris, plon, 1965 pp 327-328-329-330

القصد العلمي في السسيولوجيا
ر.آرون
ما الذي يجعل علم الاجتماع قادرا على بلوغ أهداف ثلاثة هي؟
تقعيد الاجتماعي وتحليل التوافقات الاجتماعية، وبتعبير أوكست كونط الوضع في المكان التعددية التاريخية التي يمكن لعلم الاجتماع أن ينظمها ويوفق بين القصدين العلمي والتركيب اللذين يميزانها (...).
إن علم الاجتماع يظل موزعا بين هذين القصدين، العلمي من جهة، التركيب ومن جهة ثانية، حسب البلدان واللحظات والمدارس، فإنه يهمل القصد العلمي ويضاعف من الأبحاث في التفاصيل أو هي العكس فإنه يريد التمكن من التعقيد التركيبي فيكون على أهبة للضياع في الفلسفة.
وفي مقابل خطورة السقوط في الفلسفة لا أتصور علم اجتماع مقتنعا بالأبحاث في التفاصيل. فالخاصية الذاتية للإدراك المجتمعي في كليته ليس هو الظهور أو إرادة الظهور بمظهر المولع بالأبحاث الجزئية. هناك ما هو أكثر من ذلك، إذا ما ضاعفنا من الأبحاث الجزئية كما لو أن الأسئلة العامة غير مطروحة سننتهي بالانخراط ضمنا في بعض التصورات. لنأخذ مثالا على ذلك من علم الاجتماع بالولايات المتحدة الأمريكية، وتحديدا من علم اجتماع العلاقات الصناعية المأخوذ بهم تحقيق أفضل وسيلة ممكنة لادماج العامل في ورشته ومقاولته. عديدون هم علماء الاجتماع الذين يعملون على استبعاد، منذ البداية، أسئلة تهم نظام الملكية أو بنية المجتمع. والحال أن استبعاد مثل هذه الأسئلة أو عدم طرحها بشكل من الأشكال (المسماة إيديولوجية أو سياسية) فإنهم يطرحونها بشكل مغاير. في علم الاجتماع كما هو الحال في الفلسفة، أن تقلع عن التفلسف فأنت تتفلسف بالضرورة (...) فإذا ما غرقت السسيولوجيا في التفاصيل فإنها تصير تقنية في البحث، بالإضافة إلى أنها كانت مرتبطة بإيديولوجيا رسمية فإنها تؤول إلى نسق من التبرير.
يمكنني أن أعترض بأن القصد التركيبي يخرج من رحم القصد السياسي.
R. Aron, Dix-huit leçons sur la société industrielle, Paris, Gallimaed, coll. Idées, 1962, pp 19-21-22

النظرية السوسيولوجية
ر. ك. مرتون
إن النظرية السوسيولوجية، كما يقال مادة، تتكون من مفاهيم. إنه تأكيد مازال غير مكتمل، وغير صحيح أو غير خاطئ، لكنه يظل واسعا. ما من شك أن "التحليل المفهومي" المنحصر في تحديد وتوضيح مفاهيم قارة هي مرحلة لا محيد عنها في العمل النظري، غير أن لعبة المفاهيم كالدورو التفاعل الاجتماعي و المسافة الاجتماعية والفوضى لا تشكل نظرية، علما أن مثل هذه المفاهيم يمكن أن تدخل في نسق نظري. فحينما يبرز منحى ما يهيمن على علماء الاجتماع لنا كل الحق لافتراض أننا نحتج ضد أولئك الذين يحددون نظرية ويضعون التقعيدات، وذلك هو الخطأ الذي يشمل الجميع. لا تبدأ نظرية ما وتظهر، فقط، إلا حينما تتشكل تلك المفاهيم تحت شكل خطاطة. فالمفاهيم تشكل تقعيدات لما يمكن أن يلاحظ، بمعنى المتغيرات التي نبحث عنها بين العلاقات. وحينما ترتبط المقترحات فيما بينها منطقيا نكون قد أنجزنا نظرية.
وأما انتقاء المفاهيم التي تقود الباحث وتحليل الوقائع فهو عمل بديهي وأساسي الاختباري، لأنه من أجل التقدم في تحصيل الحاصل، إذا ما اخترنا مفاهيم لا علاقة فيما بينها سيكون البحث عقيما ...
R. K. Merton, Eléments de théorie et de méthode sociologique, Paris, plon, 1965, Trad. Mendras, pp. 32-33

المتغيرات في علم الإجتماع
ب. لازارسفلد
لا وجود لأي علم يتوخى، من خلال موضوعه، الوصول إلى الكمال الملموس. فهو يختار بعض خواصه ويجتهد في تحقيق علاقات بينها. واكتشاف قوانين، وهو ما يعتبر الغاية النهائية لجميع الأبحاث العلمية. ومع ذلك فإنه في العلوم الاجتماعية يكون اختيار الخواص الاستراتيجية في ذاته مشكلة حقيقية(...) نسمي في بعض الأحيان هذه الميزات وجوها أو خواصا نستعير دوما لفظ "المتغير" من الرياضيات. كما نسمي الوصف والتصنيف أو القياس الفعل الذي يعزو خواصا معينة للشيء أو الموضوع.
تتحدث السسيولوجيا عن "القياس" في معنى واسع جدا كالفيزيائى والبيولوجي. فحينما نعتقد أنه داخل تنظيم فإن خدمة ما تظهر درجة مقنعة في العمل بالمقارنة مع أخرى فنقول في هذه الحالة بأننا حصلنا على قياس رغم أنه لم يعبر عنه بعدد، بشكل عام فإننا نحاول على الأقل الوصول إلى قياسات بالمعنى التقليدي للكمة، وذلك بالبناء المتري المضبوط(...).
نعالج بشكل عام هنا المنطلق الذي ينطلق منه السسيولوجي في تحديد موضوعه. وسنرى أنه حينما يريد تحديد "المتغيرات" القابلة للقياس، لقياس موضوعات معقدة، نكون مرغمين على سلك مسلك أقل أو أكثر نوعية. فهذا الأخير يسمح لنا بالتعبير عن مفاهيم على شكل مؤشرات اختبارية ويتضمن أربع مراحل كبرى هي: التمثل التصوري للمفهوم ثم نوعية الأبعاد واختيار الأدلة المكونة للمؤشرات(...).
تتولد حركة الفكر والتحليل التي تسمح بتحقيق أداة للقياس عامة من تمثل متصور. فالباحث المتعمق في تحليل التفاصيل لمشكل نظري يعمل أولا على بناء مجرد أو صورة. وأما الوجه الإبداعي لعمله فإنه يبدأ في اللحظة التي يلاحظ فيها الظواهر متنافرة، فهو إذن يحاول الاكتشاف فيها عن سمة عميقة مميزة، عاملا على تفسير انتظاماتها، أي: انتظامات ما يلاحظه. ويكون المفهوم في اللحظة الذي يتمسك فيها بموضوعه ليس سوى وحدة في تصور واسع تعطي معنى للعلاقات الملاحظة بين الظواهر(...).
وأما المرحلة الموالية فإنها تهم تحليل "عناصر" الفكرة الأولى هاته التي نسميها كذلك، حسب الحالات "وجوها" أو "أبعادا". يمكن أن نطرحها تحليليا من مفهوم عام يحيوها كلها أو اختباريا من بنية تلازماتها البينية. وفي جميع الأحوال فإن المفهوم يوازي بشكل عام مجموعا معقدا للظواهر عوض ظاهرة بسيطة ملاحظة بشكل مباشر(...).
والمنطلق الثالث يهم إيجاد دلائل على مؤشرات محصل عليها. ولا يتم هذا بدون صعوبات، وأولها يمكن أن تصاغ على هذا الشكل: ما هو الدليل بالتحديد ؟ كتب وليام جمس في كتابه المعنون ب  The meaning of truthما يلي: «حينما نقول بأن شخصا معينا محتاطا فإننا نريد بقولنا هذا بأنه يعتمد عددا من التصرفات خاصة بالاحتياط، وأنه يقلص من الائتمانات ولا يلعب رهاناته كلها على نفس الجواد، ولا ينطلق برأس مبنطحة في مقاولة ... فلفظ «الاحتياط» طريقة عملية للتعبير تجريديا عن سمة مشتركة لهذه الأفعال المعتادة (...)».
هنا كان منطلق وليام جيمس من صورة إلى مجموع أدلة مباشرة في التجربة وفي المعيش اليومي (...) والعلاقة بين كل دليل ومفهوم أساسي كما هو محدد في ألفاظ الاحتمال وليس اليقين فإنه لا محيد عنه في الاستعمال الممكن لعدد كبير من الأدلة. فدراسة قياسات الذكاء مثلا تسمح بتفكيك هذه الفكرة إلى أبعاد متعددة: ذكاء يدوي، ذكاء لغوي ... لكن هذه الأبعاد نفسها لا يمكن قياسها إلا بالانطلاق من مجوعة من الأدلة على وجودها (...).
والمرحلة الأخيرة تهم التركيب، أي: تركيب معطيات ثانوية محصل عليه خلال المراحل السابقة.
P. Lazarsfeld, Des concepts aux indices empiriques, In R. Boudon et P. Lazarsfeld, le vocabulaire des sciences sociales, Paris, Mouton, 1965, pp 27-28-29-30-31




نموذج الاتصال
NomE-mailMessage