3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

الإدارة التربوية : التجربة الغربية (2)

الخط



















الادارة التربوية
-        التجربة الغربية-
إعداد:
 عبدالهادي ايت النويس
 عبدالمجيد أزبور
بإشراف الحسن اللحية
تشيرن.مارتي (Nicole Marty ) في كتابها "مهنة مدير" إلى أن إدارة الموارد البشرية تركز على الموظفين، وتعتبرهم من الناحية الاقتصادية  ك"موارد" تُوضع رهن إشارة "الإنتاج"، وما يهم في ذلك هو كسب رضا "الزبائن[1] ". إن انعكاس نظريات الإنتاج الاقتصادي في هذا التعريف لا يلغي أهمية  التركيز على الجانب الاجتماعي لما له من دور في تحسين وضعية الموظفين، وهو شرط للحصول على نتائج ايجابية في النهاية[2].
وقد تطرقتالكاتبة إلى المسار التطوري الذي عرفه تدبير الموارد البشرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لتصل إلى أن " الرجال والنساء داخل المقاولة هم موارد بشرية يجب تعبئتها وتطويرها والاعتماد عليها في الاستثمار، وتعتبرالمورد الاستراتيجي الأول للمقاولة[3]". وقد تطورت هذه النظرة حاليا ليصبح تدبير الموارد البشرية- حتى داخل المقاولة–تدبير للمهنة وتدبير للمعايير، وذلك أثناء التوظيف وتقويم الكفايات والتحفيز والتنقيل والأجرة[4].
وبالانتقال لحقل التربية؛ فإن مفهوم الموارد البشرية  يتغير كليا "حيث يتم اختيار الموظف عن طريق مباراة ويُعين في إطار وفي سلم  مع ضمان شغل قار، وكل هذا يؤثر على مفهوم وظيفة الموظف[5]". وبخصوص مدير مدرسة ترى الباحثة بأن منطق التطور فرض أن يتم توظيفه بناء على كفايات محددة حتى نضمن أن تكون هذهالوظيفة "مهنة" حقيقية، بناء على تكوين أساس و تكوين مستمر يضمن له التحكم في الكفايات الضرورية[6].
هذا البعد في التفكير في مدير مدرسة باعتباره موردا بشريا يتم توظيفه بناء على كفايات محددة ويتم تعيينه وتكوينه وترقيته انطلاقا من المعايير التي تحددها سلطات الاختصاص والتي تساير منطق المؤسسة التي يشتغل تحت إمرتها، وذلك بهدف تعبئة وتطوير جميع الطاقات الفردية والجماعية المتوفرة لأجل إنجاز الأهداف المحددة؛ جعل الكاتبة ترى بأن مجال تدخل المدير(ة) كمدبر إداري ومنشط تربوي يمكنه أن ينحصر في حدود هذا المفهوم المرتبط بالموارد البشرية[7].
وباعتباره كذلك تحدثت الكاتبة عن الصعوبات التي تواجه المدير(ة) في إقرار ثقافة الاشتغال كفريق تربوي، ذلك أن مفهوم الفريق التربوي - الذي يتم تشكيله بناء على مهمة محددة أو مشروع رائد -  تجد أمامها إكراهات عدم الانسجام بين العاملين في المؤسسة، حيث أن طبيعة التجمعات التي توجد بالمدارس يغلب عليها منطق التحالف أكثر من منطق الفريق[8]. وتشير إلى أن دور المدير(ة) في هذا الباب هو" خلق الحافزية لدى الفريق، والسهر على توزيع المهام، وخلق التعاون الفعلي بين الجميع، وتيسير عملية التواصل بين أعضاء الفريق، كما عليه بدْلُ مجهود لإشاعة روح الإحساس بالأمان لدى الجميع، وتخفيف حدة الصراعات ( الضرورية أحيانا ولكن في حدود معقولة )، ومساعدة الزملاء في الحالات الصعبة...وباختصار توفير الجو الملائم لجعل الجميع يرتاح أكثر في العمل ضمن مجموعة أكثر من ارتياحه للعمل الفردي[9]".هذا الدور الريادي في قيادة الفريق تعود مسؤولية إرسائه إلى المدير، حيث أن قبوله أو رفضه من طرف المجموعة يعود إلى الطريقة التي يدير بها المدير مختلف وظائفه، وهنا تحضر بقوة الكفايات التي يتمتع بها المدير للنجاح في هذا الرهان[10].
تشير الباحثة إلى أن" قانون 1989" يشير إلى أن تسمية مدير مدرسة يتم بناء على التسجيل في لائحة الأهلية الخاصة بالمقاطعة (liste d’aptitude départementale ) التي تتجدد كل سنة، وتتشكل قاعدتها من المدرسين المتوفرين على أقدمية ثلاث سنوات من الممارسة الفعلية[11] بعد التقدم بطلب التسجيل في اللائحة مذيلا بنقطة إدارية يمنحها مفتش التربية الوطنية، ثم اجتياز مقابلة أمام لجنة المقاطعة التي يتم تعيينها من طرف مفتش الأكاديمية[12].
وقد أسهبت الباحثة في الحديث عن لائحة التأهيل الخاصة بالاختيار لشغل منصب مدير(ة) والتي تعتبر شكلا من ضمن أشكال أخرى كان يمكن اعتمادها للتعين في مهام الوظيفة (امتحانات- مباريات- اختيار...)، وأشارت إلى أن اعتمادها تم منذ 1965 قبل أن يتم التراجع عنها سنة 1982، والعودة إلى اعتمادها مجددا 1987، ولكن سنة 1989 عرفت تغييرا جوهريا إذ تم الاستعاضة عن لوائح التأهيل الوطنية بلوائح خاصة بكل قطاع (liste d’aptitude départementale )، وتعتبر هذه اللوائح إضافة إلى الدراسة التي تطال ملفات المرشحين  والمقابلة التي يخضعون لها - بناء على تنافس أكثر من مرشح على منصب واحد -  بمثابة عتبة ضرورية لضمان تجويد عملية الاختيار، وذلك راجع إلى المكانة التي يحظى بها المدير؛ إذ يعتبر بمثابة " الركيزة الأساس للمدرسة ومحرك الفريق العامل بها وممثل المدرسة في الخارج[13]".
أشارت الباحثة إلى أن التكوين الأساس تؤطره وثيقتين رسميتين، فمرسوم 24فبراير 1989 المسمى " تنظيم تكوين مديري المدارس"  يؤكد على إجبارية استفادة جميع المدرسين الذين تم انتقاؤهم لمهام الإدارة من تكوين يعفون طيلة فترته من ممارسة  أي مهام، ثم مذكرة فاتح مارس المعروفة ب" التكوين الأساس لمديري المدارس" والتي تتحدث عن أهدافه التكوين وتنظيم محتوياته ثم تقييمه، كما تبين طابعه القطاعي(نسبة إلى القطاع المدرسي départementale ). وهذا ماجعل التكوين يتخذ صبغة محلية انطلاقا من أن تحديد محاوره يتم من طرف لجنة تنتمي لهذا القطاع المدرسي بناء على الحاجيات المحلية ذات الأولوية ثم بناء على توصيات فوج التكوين السابق من المديرين، وقد أدى هذا التفصيل إلى جعل محتويات التكوين تختلف من قطاع لآخر ومن سنة لأخرى، وإن كانت بعض المحاور لاتتغير نظرا لاستمرار الحاجة إليها[14]. وتمتد فترة التكوين على طول أربعة أسابيع[15]، تخصص منها ثلاثة أسابيع للتكوين في المهنة، وتتم خلال فترة الموسم الدراسي[16].
وبالنسبة للتكوين المستمر تشير الباحثة إلى أن المديرات والمديرين يستفيدون إما من التكوين الذي يتيحه انخراطهم في المعهد الجامعي لتكوين المعلمين، أو من خلال التداريب التي تقام بالمدارس أو المقاطعات المدرسية. وتلفت الباحثة الانتباه إلى أن التعقيدات المتزايدة التي تواجه المهنة تفرض مزيدا من الجهود لأجل زيادة منسوب المهنية ، وهذا لن يتم إلا عبر تكوين مستمر لأجل تطوير الكفايات الخاصة[17] .
الحديث عن استقلالية المؤسسة فُصّل ذكره على الخصوص في كتاب " المؤسسة المدرسية"، حيث أشار المُؤلّفون إلى أن هامش الاستقلالية بدأ في الاتساع منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث أصبحت المؤسسة المدرسية تحمل اسم المؤسسة العمومية المحلية للتعليم (L’établissement Public Local d’Enseignement)[18]، وتمارس هذه المؤسسات سلطات واختصاصات استقلالها الذاتي من خلال عدة وسائل  وإجراءات أهمها مشروع المؤسسة والميزانية وكذا القانون الداخلي ثم الغلاف الزمني الكلي الذي يمنح  حق تدبيره للمؤسسة[19].
توكل المهام الأساسية في نطاق مبدأ الاستقلالية لمجلس يسمى "مجلس الإدارة" (conseil d’administration )، الذي يعتبر بمثابة برلمان صغير يقرر في المبادرات التي يجب اتخاذها لتفعيل مبدأ الاستقلال الذاتي. ويتكون من 24 إلى 30 عضو، يعين ثلثهم من ضمن ممثلي الدولة وممثلي الجماعات المحلية ( يعين مدير المؤسسة ضمن هذا الثلث كرئيس للمجلس باعتباره ممثلا للدولة)، وينتخب الثلث الثاني من حظيرة موظفي المؤسسة، في حين ينتخب الثلث الأخير من حظيرة التلاميذ وأوليائهم[20].
وتتخذ قرارات هذا المجلس ثلاث صبغات:
‌أ.        الصبغة التقريرية: في هذه الحالة يصبح المدير هو المنفذ لقرارات المجلس ( مثلا الاتفاقيات أو القانون الداخلي ...).
‌ب.    الصبغة الاستشارية: فمجلس الإدارة يبلغ –وجُوبا- عندما يريد العمدة مثلا استغلال الفضاءات المدرسية، غير أن قرار المجلس لايتخذ سوى طابع الاستشارة، إذ من حق العمدة أن يقرر على عكس ما يراه المجلس، والأمر نفسه يسري أيضا بالنسبة لإحداث تخصصات جديدة، حيث يمكن للمدير(ة) أن يستعمل سلطته في عدم مسايرة القرار الاستشاري  لمجلس الإدارة.
‌ج.     منح المدير(ة) سلطات التقرير: كما في الحالة المعروضة سابقا أو كلما تعلق الأمر بالحياة المدرسية داخل المؤسسة. وهنا لاحظ الباحثون أن القانون أتاح للمدير(ة) هامشا كبيرا في تقدير مدى صلاحية المجلس في المشاركة في الحياة المدرسية[21].
يعتبر مشروع المؤسسة أحد الآليات التي تجسد بها المؤسسة استقلالها الذاتي، وقد عرف ولادته منذ نهاية سنة 1982 لمواجهة ظاهرة الفشل الدراسي، لكن لم يتم تعميمه إلا سنة 1989 حيث أصبح إلزاميامع ماعرف بقانون التوجيه[22]. ويعرف كتاب " المؤسسة المدرسية" مشروع المؤسسة بأنه " آلية تمارس بها المؤسسة استقلالهاالذاتي، حيث تقوم المؤسسة بتدبير مبادرات محلية في احترام للتوجيهات الوزارية، إنه ( أي مشروع المؤسسة ) بطاقة هويتها[23]".
يَفتح النقاش عن مشروع المؤسسة في التجارب الغربية الباب واسعا أمام أفق واسع في مهنة مدير(ة) أساسه تَفرّد مجال اشتغاله من مؤسسة لأخرى، كما يفتح الباب أيضا أمام أفق آخر يرتبط بالتواصل والعمل الجماعي، ويشير الباحثون إلى أن مشروع المؤسسة هو بالضرورة مشروع جماعي يجعل الوظيفة التواصلية ضرورية لأجل تفعيله ثم لإشاعته وتعميمه داخل المؤسسة وخارجها[24]. ويُقيّم الباحثون دور المدير في هذا المشروع باعتباره " الرجل-المفتاح" فهو ضامن القيم المشتركة التي يدعو إليها المشروع، والساهر على تفعيله وتطبيقه، ويعتبر الرئيس الفعلي له، كما يمكنه تفويض هذا الدور لمساعد أو لأي شخص آخر يعمل بالمؤسسة[25]. والجدير بالذكر أن مشروع المؤسسة ينطلق من خلفيات عديدة من ضمنها الخلفية السياسية، بحيث أن المشروع يسعى إلى جعل المؤسسة المدرسية فضاء للتعلم والتمرس على المواطنة من طرف كافة الفاعلين في المشروع[26].


أورد الباحثون في كتابهم " المؤسسة المدرسية" تفاصيل دقيقة تخضع لها ميزانية المؤسسة ابتداء من تبويبها واقتراحها حتى إقرارها، حيث أشاروا إلى أن الجماعات الترابية تسلم لرؤساء المؤسسات المبالغ المخصصة لمؤسساتهم قبل فاتح نونبر، ويتم إعداد هذه الميزانية من طرف المقتصد الذي يساعد المدير(ة)- باعتباره آمرا بالصرف - بشكل تكون الميزانية في حدود المخصصات، على أن تعطى الأولوية للمصاريف الضرورية، بعد ذلك تعرض الميزانية على مجلس الإدارة لأجل المصادقة، ثم على الجماعة التي تتبع لها المؤسسة وعلى مصالح الأكاديمية، وتصبح الميزانية قابلة للتنفيذ بعد انصرام 30 يوما من تاريخ إحالتها على المصالح المذكورة آنفا[27].
ما يهم أثناء الحديث عن الميزانية - في علاقته بمهنة مدير(ة)- هو اتساع مجال تدخله بناء على إمكانية التقرير في أوجه الصرف وتحديد الأولويات ، ثم ما يتيحه هذا البعد من سرعة التدخل وفعاليته بفعل توفر آليات التدخل عن قرب.



[1]-Nicole Marty ; Directeur d’école : un métier de l’éducation ; ellipses/ édition marketing S.A ; Paris 1997 ; p.10.
[2]- Nicole Marty; ibid; p.10.
[3]-  يحمل هذا التصور للموارد البشرية أفقا مهنيا يأخذ بعين الاعتبار إدخال الجوانب المهنية في جميع العمليات المتعلقة بالمسار المهني للموظف، أنظرNicole Marty ; Directeur d’école : un métier de l’éducation ; ellipses/ édition marketing S.A; Paris 1997 ;p10. .
[4]- Nicole Marty; ibid, p.11.
[5]- Nicole Marty; ibid, p.11.
[6]- Nicole Marty; ibid, p.15.
[7]- Nicole Marty; ibid, p.17.
[8]- Nicole Marty; ibid, p.121 ;122.
[9]- Nicole Marty; ibid, p.123 ;124.
[10]- Nicole Marty; ibid, p.124.
[11]- يعتبر شرط ثلاث سنوات ذو دلالة في توضيح صورة المدير الذي تسعى المنظومة الفرنسية إلى استقطابه إليها، باعتباره إطارا في بداية مشواره المهني.
[12]- Nicole Marty; Directeur d’école : un métier de l’éducation; ellipses/ édition marketing S.A; Paris 1997 ; p.105.
[13]- Nicole Marty; ibid; p.106.
[14]- Nicole Marty;  ibid; p.112;113.
[15]- صدرت مذكرة تسمى مذكرة 17 مارس 1997 جعلت فترة التكوين تمتد إلى خمسة أسابيع.
[16]- Nicole Marty ; Directeur d’école : un métier de l’éducation ; ellipses/ édition marketing S.A ; Paris 1997 ; p.114;115.
[17]- Nicole Marty ; ibid ; p.120.
[18]-- Alain Picquenot; Monique Michel-Khayat et Françoise Leblond; L’établissement scolaire; Ellipses/ édition marketing S.A ; 1996 ; Paris ; p .42.
[19]- Alain Picquenot et autres; ibid; p43.
[20]- Alain Picquenot et autres, ibid; p43.
[21]- Alain Picquenot et autres; ibid; p43.
[22]- Alain Picquenot et autres; ibid; p.46.
[23]- Alain Picquenot et autres; ibid; p.46.
[24]- Alain Picquenot et autres; ibid; p47;48.
[25]- Alain Picquenot et autres; ibid; p.47.
[26]- يتحدث الكتاب عن عدة خلفيات توجه مشروع المؤسسة وسماها بالمنطق التربوي البيداغوجي والسياسي والتدبيري والتنظيمي، انظر تفاصيل مختلف خلفيات المشروع في Alain Picquenot et autres; ibid; p.50..
[27]- Alain Picquenot et autres; ibid; p.57,58.

نموذج الاتصال
NomE-mailMessage