3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

أزمنة المغرب

الخط













الحسن اللحية

للمغرب أزمنة متعددة ومتنوعة، متناقضة ومتنافرة، تنسجم في تنافرها، وتتساوق في تعددها. تشبه إلى حد بعيد، إن لم نقل تستجيب أو تعكس صورة المغربي المركبة، الذي يمتهن مهنا متعددة في آن واحد، يسلك مسالك العقلانية والتقليد في نفس الوقت، وفي جميع اللحظات. فهو عنف سميولوجي وثقافي وذهني يتصارع دونما غلبه أحد الأطراف. فقد حكى يوما بول باسكون عن ذاك الرجل الذي يركب دراجة نارية، يلبس جلبابا ويحمل دجاجة ليهديها لموظف البنك بعد قضاء حاجته. فهذا التجاور بين السلوك التقليدي والعصري يعبر عن نفسه حيثما وليت وجهك. ففي مدننا مثلا تتجاور مدن الصفيح والأحياء العصرية "الفيلات والإقامات والأحياء الصفيحية "  كما تتجاوز الأنماط الاقتصادية الكثيرة.
فالمغربي يعيش هذا التجاور وفق يوميات كثيرة، يومية فلاحية ذات جذور خرافية، وأخرى فصلية، وثالثة عربية هجرية، ورابعة إفرنجية لاتينية، بالإضافة إلى يوميات جانبية عرضية تختزل في الأسواق الأسبوعية والمواسم. 
إن المغرب يؤرخ لنفسه ولوعيه وللآخرين بالأحداث المنعزلة المنفصلة، فهو يقرن الأشياء بحدوث كارثة ما، فيتذكر جيدا زمن المجاعات والأمراض والجفاف والأوبئة. كما أن السلطة من جانبها تختزل التاريخ في الأحداث المعزولة. وهنا تلتقي الرؤيتان للزمن كزمن مشتت لا يتميز إلا بأحداث الماضي.
وحينما يتم الاجتهاد لإحياء أزمنة المواسم والأولياء تتكرس رؤية دائرية متكررة تتعاقب كفصول السنة، وتعاقب أيام الأسبوع، في دائرة لا أول لها ولا آخر حتى وإن خصص يوم من أيام الأسبوع ليكون يوم السوق الأسبوعي فإنه  التكرار القاتل أو إذا ما اجتهدت السلطة وأعيان قبيلة ما أو أشرافها للاحتفال بموسم فإنما يدعمون الزمن الدائري: ليس موسم إملشيل مثلا حدثا للصيرورة، كباقي المواسم الأخرى، ولكنه التكرار لما جرى في الزمن الغابر، تكرار مشوه لأحداث تتأسطر مع توالي الأيام لتصبح حقيقة في تمثلات جماعية للقبيلة، تستعيدها الجماعة بفرجة وهستريا عامة، ويدعم  التصور الرسمي  كل ذلك وعلى جميع المستويات.
يختزل المغاربة  الماضي كله في زمن "بكري"، هذا الذي يحيل على اللازمان واللاتاريخ. إن زمن "بكري" يحل جميع المشاكل، ويصلح مثالا لجميع الصعاب. زمن "بكري" لا بداية له ولا نهاية، لا يتموقع في الزمن الرياضي. يجمع بين حكي الجدة عن الأساطير والخرافات وبين التاريخ الذي يحكي عن البطولات والمغازي، وتجارب الناس الفردية. 
إن ما يعنيه زمن "بكري" بالكاد هو غياب الزمن والسيرورة والعلية والمعقولية والوعي بالماضي كماضي. فمادام زمن "بكري" يحضر في كل لحظة، في المثل والشرح والتفسير، فإنه زمن أزمنة الماضي الحاضرة بشكل مطلق. 
يدعم زمن "بكري" المفهوم الخطي والاستمرارية. لا وجود للهزات والرجات والقطائع والتبدلات والتغيرات، كل ما هناك نمط وحيد مستمر منذ البداية.
يركز الخطاب الرسمي على الزمن كلحظات مستمرة منذ مجيء المولي إدريس الأول، لا يراعي اختلاف الدول التي حكمت المغرب. لا فرق هنا بين الأدارسة وبني مرين، ولا بين هؤلاء والمرابطين أو السعديين أو العلويين، بل لا فرق بين سلطان وآخر، كلهم يسيرون على نهج واحد، لا مكان لاختلافهم في التكوين والطباع، ما سبق هو اللاحق، واللاحق كان الآتي. فالحرب بين دولة في طريقها إلى الزوال وأخرى في طريقها إلى التأسيس لا تؤكد إلا الاستمرارية، وكأن تلك الحرب بالذات هي خيانة الاستمرارية.
إن مثل هذا التصور الخطي للزمن والتاريخ يمحي العهود محوا تاما ولا يترك للجدد، للعهد الجديد، أية فرصة ليتميز كعهد أو كلحظة حاسمة، متغيرة، تعترف بتبدل الأقوام والأزمنة، وبالتفاعل مع المحيط العام.
وهكذا يظل الحاضر يستنسخ الماضي، واللاحق السابق، الإبن والأب، فيعدو بذلك التاريخ آلة نسخ عظمي للعوائد والطقوس والاحتفالات والمراسيم، والعقليات والذهنيات، والغنى والفقر، والتشريف والاحتقار: فالعرق الشريف يمتد كالخيط الرفيع في ضجيج الأعراق وتلوثها، والعرق الحقير يعيش على هامش اللمعان والصفاء. فالأول خال من الخطأ والثاني نسخة ثانية للبشر. لا تتحدد هنا الموطنة بالقوانين وإنما بالانتماء للعرق،الحاضر، المستنسخ عن الأوائل الأفاضل، الأوائل الذين عاشوا في "زمن بكري"!!!
يمتاز الزمن المتكرر، المستنسخ بالرتابة والبطء كذلك. فقد أشار أحد الفلاسفة الفرنسيين الجدد إلى علاقة الميتافيزيقا بالبطن، وهنا بالمغرب يرتبط الزمن بالمطبخ (الكوزينا، الخالفة، الكشينة). تحتفظ قبائل مغربية كثيرة بعادة الطهي في الطجين، وهو علامة من العلامات السياحية للمغرب: الطجين كوجه للمغرب سياحيا.
إن زمن "الطجين"بطيء يدين السرعة والتسرع، لا علاقة له بزمن الساندويتش: الوجبات الجاهزة. إنه زمن رخاها الله، وللي زرب مات...إلخ. إن الزمن الطجين لا يهتم بالزمن، ولا قيمة له إلا حينما يتحول زمن الطجين إلى زمن لربح الوقت في السياسة أو زمن التعذيب في الزنازن: خايه يطيب على خاطرو ويقول كل شيء!
لنقارن بين زمننا الإداري وزمن كندا مثلا. في كندا يصبح ملف الاستثمار جاهزا بعد ستين دقيقة، وأما في المغرب، ورغم الخطب الرسمية، فإن الزمن الإداري يستنسخ زمن القبيلة. يضع المعني ملفه بالوزارة المعنية، ثم يعود بعد أربعة أشهر. فيتوجه إلى العملات، فيضعه من جديد ليدرس وليسلم له، إن حظي بالقبول، بعد خمسة وستة شهور. ثم يتوجه المعني إلى المنطقة الصناعية إن وجدت لتبدأ الرحلة مع المجلس البلدي حول رخص لا معنى لها..
وفي حالة المناقشة يجتهد الجميع في وضع العراقيل. فإذا كان المستثمر أجنبيا عليه أن يمر من هناك، من مسالك ضيقة للغاية لها علاقة بالنسب المئوية، وإذا رفض الطلب تكون تقارير الرفض جاهزة لرفض المشروع بأسماء مختلفة: رفض لسبب طبي، لسبب بيئي..أو تحريك عجلة النقابات الصفراء..ليصبح المشروع بين أيدي القضاء..فيصاب المعني بالإفلاس.
يتبين من خلال هذين المثالين أن الزمن الدائري المتكرر تنعدم فيه المسؤولية، وتنعدم فيه الحرية كذلك. فيستتبع الأمر غياب تام للمبادرة لاختراق مركز الدائرة. فالجميع يرد البطء إلى القانون، إلى الإدارة، إلى غياب الإدارة، لكن "هؤلاء الجميع" يصنعون من قوة الأشياء قوة قاهرة لا يمكن للمبادرة الفردية والجماعية أن تؤثر فيها.
فإن كان زمن الإدارة بطيء ورتيب يرفض السرعة والعقلنة، ويرفض الأحزاب المستمر كوجه عقلانى في التحديث، فهل استطاعت الأحزاب السياسية أن تسرع الإيقاع وتدفع الناس إلى الوعي بالزمن كقيمة حضارية وتجارية وإنتاجية اليوم؟ بل هل استطاعت أن تقنع الناس بأهمية الزمن التقني كزمن الأزمنة المعاصرة؟
كان من المفروض أن تستلهم الأحزاب الاشتراكية مفهوم الزمن الجدلي الذي تنفي فيه الأطروحة نقيضها، وأن ترى إلى صراع الطبقات كوعي بالزمن، كلحظات مركبة وتركيبية مؤسسة للإرادة والمستقبل، لكن الحاصل هو أن هذه الأحزاب سقطت في فخ الاستمرارية والتكرار والتماهي مع الأصل. تكرر التجارب والذهنيات الماقبل حداثية، والتماهي مع أسطورة البداية. تتركز القيادات لتصير مركزا تدور حولها الأفلاك، وتستمر عبر اختزال الحزب فيها. فهي التاريخ الجماعي والفردي والذاتي، وهي الماضي والحاضر. فمطلب الديمقراطية يمزق الاستمرارية والخطية في الدولة والأحزاب، وحينما يتم التشبث بالتأبيد يكون الجواب هو الانشقاقات المنتجة لنفس الصورة، لصورة الأب. وهكذا يتأكد لنا أن زمن التقاليد التي تمتح من ثقافة المشيخة حيث يتبدى كل تطور نحو التغيير خيانة لعوائد الآباء. فالتغيير عامة عدو السكون والبطء والتكرار والاجترار، عدو النزعات التأبيدية التي تريد التحكم في الأشياء والناس، في علاقات الناس بالناس والأشياء. 
يختزل كثير من المهتمين اليوم بالشأن السياسي زمن السياسية في الدخول البرلماني وفي جلسته الختامية، وقد بدأ يمتد هذا التقليد، غير المعقول والهزلي، إلى المنابر الصحيفة الحزبية. فمن جهة أولى يراد القول بأن زمن السياسة هو زمن الاشتغال البرلماني، وهو اعتراف ضمني بقيمة البرلمان كمحرك أساسي للسياسة. لكن الواقع عكس ذلك تماما فالبرلمانات التي عرفها المغرب غالبا ما اتهمت بالصورية والجمود والتزوير وانعدام الفعالية. وبهذا المعنى فإن زمنها هو زمن اللاحركة لأن التدبير الفعلي للحقل السياسي يتم هناك في مكان بعيد عن البرلمان. ثم إن القول بارتباط السياسة بزمن اشتغال البرلمان ينعكس على المجال الإعلامي برمته. ففي الصيف تستقيل الجرائد وتلجأ إلى أدب الغرائب والعجائب، وتدعم نفسها بصحفيين هواة لتكرس الرؤية السابقة. لكن ماذا لو كانت القرارات المهمة التي عرفها المغرب تمر في فصل الصيف؟ لنتذكر على سبيل المثال لا الحصر أن الاتفاق الجماعي بين النقابات والحكومة وأرباب العمل تم في صيف 96 وهو الذي دشن لحكومة عبد الرحمان اليوسفي. ولنتذكر أن محاكمة رجل المخابرات أحمد البخاري كانت في الصيف، وهي محاكمة تهم تاريخ المغرب وأزمنته. وحين جاء ما يسمى بالدخول السياسي البرلماني لم يطرح"النواب" ما قاله رجل المخابرات عن الماضي خلال ذلك الصيف(2001)!
لا يمكن فهم علاقة المغربي بالزمن من خلال الطجين وحده، بل مازالت كثير من القبائل تخزن محاصلها الزراعية في المطامر. والمطمورة هنا جسر عبور نحو أساطير الكنوز المتروكة للنسيان، ونحو فكرة التأبيد... نحو كنوز تركها "ناس زمان، ناس زمان بكري"!
تتنافى المطمورة مع الاستهلاك، مع السرعة، مع الدهرنة، مع زمن الوجبات السريعة وقيام مؤسسات مالية كالأبناك. فالفرد وهو يطمر ما يطمره لا يبالي بالأمراض ومتطلبات الحياة، إنه يفكر في أمرين، في أزمنة الجفاف والأمراض المعدية كالطاعون، وفي متطلبات الجنازة.
 وضعية الجمود والتحييد

رب سؤال يطرح نفسه على الباحثين المهتمين بقضايا المغرب اليوم أكثر من أي وقت مضى، وهو: لماذا هذا الاهتمام المتزايد بطرح الماضي اليوم؟ إن المتمعن في حركيات الإنتاج الفكري والفني والأدبي والسياسي سيلاحظ أن هذا الاهتمام، منذ أول وهلة، سواء في شكل عناوين روائية أو مضامين أقصوصات قصيرة، وفي أفلام سينمائية تحيل على طرحه أو في ظهور مونوغرافيات تاريخية لمؤسسات سجنية سرية في ارتباطها بتاريخ السجون والسجناء أو في علاقة بسير ذاتية وجماعية ألفها معتقلون ليسوا بالضرورة من دائرة الأدباء. ثم هناك الصحافة التي وسعت من دائرة طرح الماضي على أكثر من جنس صحافي، وعلى نطاق واسع، بإيرادها لشهادات وإدراجها لحوارات ونشرها لوثائق ورسائل. وأخيرا نجد الاعترافات التي بدأت تكسر صمت الجدران الأمنية، هذا إذا لم نعتبر الفلسفة الثاوية التي يطرحها تصور المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان آدابا أخرى إلى جانب الآداب التي يطرحها المجتمع المدني.
إن هذا الاهتمام بالماضي يعني بصريح البيان أن الحاضر، حاضر المغرب المعيش، عبارة عن مشكلة سياسية ينبغي طرحها للنقاش.
لم يكن من الوارد أن يطرح الماضي قبل 1956 لأن الوطنيين كانوا منهمكين بأمرين حاسمين هما: أولا إنجاز الاستقلال لضمان دولة سيدة، وثانيهما التطلع إلى بناء دولة للمغاربة، وهي دولة مستقبلهم.
سيطرح الماضي كسؤال لأول مرة في نظرنا بعد إقالة حكومة عبد الله إبراهيم، بحيث سيجد من كانوا يناضلون بالأمس القريب من أجل سيادة دولة مغربية وطنية أنفسهم أمام دولة مشروطة في كل شيء، مشروطة بشروط أمنية فرنسية وأمريكية وإسرائلية. فالشروط المطروحة هي ضمان بقائها واستمرارها في شكل حكم ملكي مما جعل تلك الشروط ضرورة ضرورية.
هكذا تعرف المغاربة على النزعة المحافظة التي تحمي "الماضي" حيث راقبت الزمان بشدة لتجعل المستقبل مطابقا للماضي الاستعماري وحولته بقهر إلى ماض. وباختصار ورثت الدولة المحافضة كل شيء عن فرنسا كالاقتصاد برؤيته الاستعمارية والقانون بمدوناته القهرية وظهائره الشريفية الموقعة تحت إملاءات فرنسا، والتشكيلة الاجتماعية المتناقصة، وفصامات التحديث والتقليد وتمزق الهوية... فماذا يعني الاستقلال في هذه الحالة؟ هذا هو السؤال الذي شرع في طرحه منذ 1962 في التقرير المذهبي للإتحاد الوطني للقوات الشعبية، حيث يشير في مقدمته إلى الشخصنة والانتهازية والمس بالمكاسب وتبني الموافق الفرنسية وتسلط البرجوازية والرجعية وتصفية المنظمات الوطنية للمقاومة (ص 4، 5، 6، 7 ). ثم إن هذا الاهتمام بالماضي اتضح أكثر مع الاختيار الثوري لابن بركة وظهور أول حركة جماهيرية شعبية في 1965.
تكشف كثير من الشهادات والوثائق والاعترافات اليوم عن المجهود الاستثنائي المضني الذي قامت به الدولة من أجل استمرار الماضي الاستعماري عبر مؤسساتها. فهي لم تهتم إطلاقا بترقية البشر إلى مواطنين؛ إذ ظلت تحاكم الناس بنفس الظهائر الشريفية التي استصدرت تحت الحكم الفرنسي. ولم تنصت لمطالبهم أثناء حركاتهم الاحتجاجية، بل قمعتهم بواسطة نفس الضباط الذين خدموا فرنسا على مستوى الأمن والاستخبار والمعارك الفرنسية. وهكذا بدا أن الشيء المرغوب فيه هو الأمن كفرنسا تماما، وبالتالي انجلت السياسة كفن للأمن.
لا تتطلب السياسة الأمنية هنا حسابات واحتمالات والأخذ بمطالب شعبية، إنما للأمن طريقة واحدة، ووظيفة واحدة، هي التجميد والجمود. إنها معرفة بالقوة، فحتى الحيلة التي تعني عند ماكيافللي احتمال السياسة لا تحيل هنا إلا على القوة العمياء ودهاء رجال الأمن في إلقاء القبض على معارض. والقيادة الرشيدة التي تعبر عنها وتوصف بها من قبل وسائل الإعلام الرسمية لا تعني هنا سوى العلم بوسائل المحق والقتل ووسائل التحكم. إن دولة الأمن الخالص كما طرحها ج. بوتيرو تقوم على أمرين متلازمين؛ الأول هو الإحصاء، والثاني هو تضخم النزعة الأمنية وتعليلها بداعي المصلحة العليا للدولة. ففيما يخص الأول فإنه يتعلق بترتيب العلاقات البشرية والاقتصادية في المكان بغية التحكم في علاقة الناس بالمعيش. ومن جهة الأمن الخالص فإن بعض الاعترافات المشار إليها أعلاه أبانت عن تمفصل الأمن بالاقتصاد بصورة قوية، وإليكم مثالا على ذلك:
إن مسؤولا كالغزاوي كان رجل أعمال كبير لم يفصل بين "مقاولاته ووزارة الداخلية"، ورجلان شهيران في تاريخ القمع بالمغرب كأفقير والدليمي كانا أصحاب ضيعات فلاحية ومقاولات متعددة، وأصحاب حانات ومراقص ليلية. وهؤلاء جميعا أسسوا اقتصاديات موازية وتحكموا فيها، وانطلاقا منها رتبوا العلاقات الأمنية.
إن الترخيص بالمطاعم والمراقص والحانات ومحلات بيع الخمور، وتشجيع التهريب وأوكار البغاء (البورديل) لم يكن يمر، كل ذلك، دون علاقات أمنية لأن الحجة كانت دائما جاهزة:"إننا نمول الأمن من أجل استمرارية الدولة".
 لا وجود هنا للحدود بين الأمن و الاقتصاد، بين الخاص والعام، بين الوظيفة الرسمية والوظيفة الخاصة، بين وظيفة رجل أمن أو عسكري وبين الفلاح والمقاول. تغادر الوظائف مختلف التشريعات والقوانين الأساسية المنظمة للوظائف العمومية، لتصبح كل الوظائف لها علاقة بسياسة الأمن والامتياز. فاسترجاع الأراضي من المعمرين، ونزع ملكية من أجل "مصلحة عامة" كان دائما برهان مدروس ومحسوب حول هؤلاء الرجال إلى "ملاك دولة ومالكيها".
لا نود هنا الوقوف عند كارتيلات اقتصادية، ولا التطرق للمنطق الاحتكاري الذي يقتل المنافسة في المهد، ولا التعرض لتاريخ الاستغلال والاستفادة من الإدارة العامة والمرافق العمومية على حساب أداء الضرائب... وإنما نود أن نشير إلى الوضعية الاقتصادية الموازية التي تسببت قصدا في بروز الرؤية الأمنية الشاملة التي طالت الاقتصاد غير المهيكل بدوره بعد أن وجد الفلاح نفسه مضطرا لمغادرة البادية نحو المدينة، فتوسعت بذلك الهوامش وكثرت أساليب التهميش رغم الشعار القائل بأن "مغربنا بلد فلاحي" ولم يحصل يوما أن حقق أمنه الغذائي. ماذا يمكن أن ينتج عن التهميش سوى أحياء قصديرية، وعنف هندسي ومعماري، وأنشطة اقتصادية مراقبة بعناية فائقة!
لا يمكن لأي خطاب سياسي أو اقتصادي إصلاحي أن يبرز في حقل مراقب بعناية كبيرة. فتاريخ الاعتقالات السياسية يجيب بوضوح كبير عن هذا المعطى الأولي. وربما لهذا السبب بالذات فكرت "الدولة الأمنية" في تحييد الأحزاب والنقابات منذ أواسط الستينيات، وإدخالها إلى ثلاجة التجميد التام والمزمن أو التحكم فيها لأداء أدوار مراقبة، بل كان التفكير في محق الأجساد وتذويبها وإخفائها الجواب الأوضح ومنتهى السياسة الأمنية.
إن الضرورة التي تدعم بها "الدولة الأمنية" حجتها في الإقدام على انتهاك القانون هي حجة أمنية بالضرورة, تلك الضرورة التي تجهل القوانين والمشروعية والأخلاق.إنها الضرورة الشريرة، العمياء، الفاقدة لأي لون. ولكن هل الضرورة هنا حالة ظرفية قد تزول، أم ستزول بزوال الظروف؟ إنها حالة الاستثناء الدائمة لأنها والمراقبة وجهان لعملة واحدة ، حاضرة في الأماكن والتنظيمات السياسية و الجمعوية، والمجالات الاقتصادية والثقافية، والمؤسسات الإدارية والتربوية والتعليمية... إن كل شيء ملغوم، والكل مراقب والجميع متهم بظهير "كل ما من شأنه" المطاط.
تجد المراقبة الشاملة في حالة وزارة الداخلية و"جهازها" D.S.T مثالها الساطع والقوى. فهذه الأجهزة شملت البلاد كلها من أقصاها إلى أقصاها: تعيين العمال والولاة وانتقاء القواد ورجال الأمن وصنع خرائط الولاء...وكل ذلك أفضى إلى التحكم في المجالات كلها ونجم عن ذلك مراقبة كلية لأي نشاط سياسي مرورا بتأسيس الأحزاب وصولا إلى تزوير الانتخابات لصالح زبناء الداخلية، هؤلاء الذين سيخدمون "داخليتهم" بإبداء رأي موحي به سلفا والتظاهر بالدفاع عنه في مجلس تشريعي يدين معظم نوابه بالشيء الكثير للتزوير.
تهاب الدولة الأمنية الوضوح والمنافسة والرأي المخالف، لأنها تنتعش وتستمر في السرية والسر وعلى السيرة. فمن جهة السرية فهي خاصية المراقبة الأمنية والمعارضات الراديكالية للدولة. ومن جانب السر فهو ما يعوض التخطيط والبرامج الواضحة. وأما السيرة فهي مهمة أمنية بامتياز تقوم على استعراض حياة الأفراد وحياة التنظيمات السياسية في مختبرات العمليات تحضيرا للخطف أو التصفية...أو خلق الأتباع الجدد!
قد تتخذ هذه المفاهيم ـ الألفاظ معاني أخرى، ونخص هنا السيرة في سياق الخطابات الرسمية. إن الحكم في المغرب، ومجموع الدول العربية، ينبني على السيرة: سيرة الملك، سيرة الحاكم، أي أن الوارث يتعلم من الأب وحده ما ينبغي أن يكون عليه الحاكم، وأن يعرف سرا كيف ينبغي أن يتصرف ليدبر الأمور. فالحاكم هنا لا يطيق آداب النصح كالرسائل الموجهة إليه والآداب السلطانية ، ولا الرأي الآخر المخالف كالنزوعات الإيديولوجية للأفراد والتنظيمات المعارضة، فهو المرآة الوحيدة، وانطلاقا منها يتعرف الناس على صورهم. الحاكم هنا لا يتأمل صورته في أي شيء ما عدا المطلق لأنه لا وجود لشيء يعكسها سوى أنه ظل الله على الأرض وعلى الجميع أن يعكس صورته ويقتضي بسيرته.
تطرق كثير من منظري العصور الحديثة لمرايا الأمراء، وخلصوا إلى أن سيرة الملك تبدو كقانون حي يصير معها صاحب السيرة كالنبي بالنسبة للمسلم. تستوحى أقواله وأفعاله، حتى ما تسرب منها كرها ، لتعمل كتعاليم وتعليمات، ولتزيد من كثافة الرمز والترميز والإيحاء والإشارة...وعلى الجميع أن يستوحيها و يتمثلها لأن الجميع يتحرك ضمن نسق عام من الخضوع والتمثل.
والحاصل أن دولة الأسرار والسير والسرية، أي دولة الأمن، لا تعترف بقواعد مؤسساتية وقانونية مشتركة لأن مهمتها السرية الأساسية هي حالة الطوارئ العامة والقيام بتدابير استثنائية ذات صبغة أمنية.


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage