3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

الازدواجية الآلية ودلالتها في الثلاثية الرشدية: نحو مقاربة منطقية

الخط














الازدواجية الآلية ودلالتها في الثلاثية الرشدي[1]
نحو مقاربة منطقية


    
                عبد الجبار أبوبكر
أستاذ الفلسفة
جامعة ابن طفيل




           أود في مستهل هذه المداخلة أن أوضح ما أعنيه بالازدواجية الآلية، لأن القول بها قد يثير تساؤلات عند القارئ الكريم، ما يجعله يعتقد أنها ستقول قولا عجبا، و كلاما خارجا عن المألوف، و الأمر ليس كذلك، ولذلك أقول إنه لما كان من الممكن أن يصطدم الباحث في الفلسفة الرشدية بعدة صعوبات، تنتهي به إلى تقرير أحكام قد تكون أحيانا غير منصفة في تقويم فلسفته، بسبب مقاربتها من جهة المضامين دون مطالبتها بالتدليل على وسائل و آليات إنتاجها، فقد بات من اللازم رفع الغموض عنها، و تفسر منهج القول الرشدي في تقرير الحقائق الفلسفية، و إلقاء الضوء كذلك على نقده للفلاسفة و المتكلمين. و عليه فلما كانت غايتي هي مقاربة هذه النصوص من الجهة الآلية، أقول في البداية أن الآلية تحتمل معنيين في الممارسة التراثية[2]، معنى عام، و هو التفاعل الآلي بين علمين فأكثر ، بحيث يكون أحدهما علما مقصديا، و الآخر علما آليا، و لما كان موضوع هذه الازدواجية هو الثلاثية الرشدية، فإن التفاعل الآلي بالمعنى العام فسننظر إليه هنا من خلال علاقة الحكمة بالشريعة، بحيث ستكون الشريعة علما مقصديا و الحكمة علما آليا، عند علماء الكلام، و الحكمة علما مقصديا و الشريعة علما آليا عند الفلاسفة، إذ سوف ننظر في وجوه التفاعل بينهما عندهم، و نقف عند موقف ابن رشد من هذا التفاعل. وأما المعنى الخاص للآلية، فهو الوقوف عند الآليات التحتية التي يتميز بها كل علم على حدة، كالآليات البرهانية بالنسبة للفلسفة، و الآليات الجدلية بالنسبة لعلم الكلام...و هي الآليات التي تبين لنا أجناس القول المختلفة، و تسهم في إيضاح جنس القول الفلسفي الذي ظل ملتبسا، الأمر الذي تسبب عنه القول مثلا بكلامية ابن رشد، و القول بأن ابن رشد يقول بالبرهان و يعمل بالنقيض، و غيرها، بل إن الازدواجية الآلية التي يجمع فيها ابن رشد بين الآليات البرهانية و الآليات التبليغية، قد تدفع إلى القول بأنها  وجه من وجوه التناقض الذي يشكو منه هذا الفكر.
           و عليه، فإن المسعى الذي نرومه من هذه المداخلة هو أن نبين أنه لا تناقض في فكره، ذلك أن وجود هذه الازدواجية في ثلاثيته ليست خلطا وقع فيه ابن رشد من حيث لا يدري، بل بالعكس إنها مزيته، إذ هو مزج مقصود فرضه عليه فهمه العميق لجنس القول الفلسفي الذي يقتضي هذا الجمع، و فرضته عليه أيضا الفئة التي يتوجه لها بهذه الثلاثية·.   
1- الآليات الاستشكالية (الآليات العامة)
1- 1طبيعة التكامل بين الحكمة والشريعة في الفكر الإسلامي:
لقد تداول أغلب فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب الجمع بين الحكمة والشريعة، وإقامة أواصر وجسور للتداخل بينهما للنظر في المطالب الفلسفية و الكلامية  بنظرة توفيقية تكاملية، ترفع المصادمة بين الفلسفة اليونانية والشريعة الإسلامية.  لقد كان مرمى فلاسفة الإسلام هو تكييف و تبيئة الفلسفة اليونانية وجعلها موافقة للثقافة الإسلامية العربية ومجالها التداولي ، وبهذه الطريقة الدامجة بين علم الكلام والفلسفة، يصبح التطابق ممكنا بينهما، ولقد سبق إلى ممارسة هذه الرؤية الدامجة، علماء الكلام قبل الفلاسفة، حيث يعود لهم الفضل في تأسيس هذه العلاقة الاندماجية، وتقييد ضوابطها ومحدداتها عبر استخدام آلية المطابقة التي سمحت لهم بالخروج من حقل علم الكلام إلى حقل الفلسفة بكل حرية، واستثمار آلياته في مقاربة قضاياها.
         أدت إشكالية الدفاع عن التوافق بين الحكمة بالشريعة أمام الخصوم، إلى الاستخفاف بالفروق بين الفلسفة وعلم الكلام، واعتبار الحدود بينهما حدودا وهمية، الشيء الذي سمح للآليات المفهومية ب"الانتشار" من غير رادع، والمفهوم حين يوصف بالانتشار، فذلك دليل على نجاحه وصلاحيته في تنظيم الدراسات، وبذلك يشكل انتشاره عملية طبيعية، ويفسر نجاحه بماله من قدرة إنتاجية، وقوة تنظيمية[3] .
         يعد علم الكلام أول العلوم التداولية القابلة للتداخل مع غيرها، سواء كانت علوما عقدية، لغوية أو معرفية. وأنماط تداخله مع هذه العلوم متعددة في الممارسة التراثية، أما تداخله مع العلوم العقدية، فتتجلى في صلته بعلم الفقه وأصوله، واستثمار الفقهاء لبعض قوانينه وآلياته يقوم دليلا على ذلك. وأما تداخله مع علوم اللغة العربية فهو موجود عند الكثير من اللغويين-إن لم نقل كلهم- ونذكر كنموذج لهذا التداخل ما كتبه عبد القاهر الجرجاني، في كتابه أسرار البلاغة، فعبد القاهر لم يكن ينظر في الظواهر البلاغية نظرة اللغوي الصرف الذي لا تهمه إلا مباحث صناعته، أي لم يكن ينظر إليها في حد ذاتها، بل كان ينظر فيها، في علاقة بمعارفه الأخرى، وخصوصا انطلاقا من نظرته لله وللعالم وللإنسان، وهي لن تكون إلا نظرة أشعرية برؤية تكاملية وشمولية، ودليلنا على ذلك، هو افتراضه دائما خصما يساجله وينازعه الرأي، ونمثل لذلك بحديثه عن الاستعارة التي جعل فيها خصمه المساواة بين الاستعارة في الفعل والاستعارة في الاسم، وذهب إلى إقامة فوارق بينهما على ضوء الفوارق بين المجاز العقلي والمجاز البلاغي بهموم كلامية، رابطا هذا التمييز بقضية نفي الأفعال عن الإنسان والعالم، وجعلها خالصة لله وحده، ومن الضروري الإشارة إلى أن عبد القاهر في رده على الخصم وإقناعه بهذه الفوارق الاستعارية لم يكن يتقمص شخصية المتكلم ولغته فقط، بل "ومتخليا عن شخصية اللغوي والبلاغي"[4] .
وعليه، فبما أن الاندماج حاصل في الممارسة التراثية بين علم الكلام والعلوم العقدية، وبينه وبين العلوم اللغوية، فكيف لا يتداخل مع الحكمة، خصوصا وأنه هو العلم الذي يلتقي معها في المطالب والمباحث الإلهية قبل غيره، إذ علم الكلام هو الذي اهتم بإثبات مبادئ العقيدة الإسلامية، وبالتالي فبمقدوره تطعيم الآليات الاستدلالية الفلسفية والتوسيع من مداها.
         هذا ما نلاحظه في أغلب أعمال الفلاسفة، أمثال الفارابي وابن سينا... إلا أن ابن رشد ومن خلال صريح نصوصه، لا يقبل بهذه الطريقة التي سلكها الفلاسفة والمتكلمون، على حد سواء، وآثر أن يسلك مسلكا آخر، إنه مسلك الفصل بين الحكمة والشريعة، فما هي قواعد وضوابط المسلك التكاملي الذي أخذ به الفلاسفة والمتكلمون؟ ولماذا ذهب إلى نقد المسلك التكاملي عندهم، علما أن المسلك التكاملي أولى من المسلك التجزيئي. هل لأن ابن رشد ينطلق من مسلك تكاملي آخر يراه الأفيد من المسلك التكاملي الذي عمل به الفلاسفة؟ هل لأن الآليات الاستشكالية (المفاهيم الرحالة) التي استعملت في بناء هذا المسلك لم تقم بالمهام المنوطة بها والمتمثلة في وثاقة العلوم؟
         إن علاج إشكالية التداخل بين الحكمة والشريعة عند المتكلمين فرضت عليهم الأخذ بعين الاعتبار طبيعة الخصوم، وهم نوعان:خصوم من داخل الملة وخصوم من خارجها. الدفاع الكلامي إذن مزدوج الأبعاد (داخل/خارج) سيضع المتكلمين أمام صعوبة كبرى، ذلك أن المجابهة داخل الإسلام ستدفع المتكلمين إلى تحصين أطروحاتهم الخاصة من خلال تجزيء النصوص القرآنية وفصل بعضها عن البعض الآخر، متوسلين بالآيات التي تدعم زعمهم، تاركين الآيات التي تخالف مقاصدهم، والتي ستكون مادة دسمة لخصومهم.
وعليه، يمكن أن نلاحظ أن كل قراءة تحكمها المصلحة والسياسة إلا وتكون محكومة بالنظرة التجزيئية، ولقد نتج عن هذه النظرة رواج جملة من المفاهيم الدينية يتهم بها بعضهم البعض الآخر كمفهوم الكفر والإيمان وغيرهما، وهي مفاهيم ضاق ابن رشد من استعمالها [5]، واعتبر أن توظيفها تم في غير محله، إذ لا يمكن أن يوصف أحد بالكفر، إلا إذا كان خارج هذين الأصلين، (الكتاب و السنة النبوية)
بيد أن المجابهة الخارجية، لا تتطلب الاعتماد على نصوص الشريعة الإسلامية للدفاع عنها، لأن هذا الخصم يقع خارجها، ولذلك فمواجهته تتطلب هذه المرة التسلح بنظرة تكاملية، عبر فتح نقاش معه انطلاقا من آليات مفاهيمية مشتركة يسلم بها، إنها المفاهيم الكلية التي تتمتع بالشمولية التواصلية التي توجد فوق الديانات والمعتقدات، إنها القوانين العقلية التي ارتأى المتكلمون أنه بمقدورها إضفاء المشروعية العقلية على العقيدة الإسلامية، وإخضاع الخصم وغلبته، كي يعترف بمشروعية الشريعة الإسلامية، ولذلك باتت الفلسفة خطابا عقليا عند المتكلمين، هم في أمس الحاجة إليه لوصل صناعتهم به، واستثمار آلياته المفهومية لبلوغ هذا المقصد، ولقد تجلى هذا الاستثمار في تسلح المتكلمين بالآليات المفهومية الفلسفية ومزجها بالمضامين الكلامية.
هكذا وضع المتكلمون أنفسهم أمام مفارقة تتمثل في تبني النظرة التجزيئية متى كان الخصم من داخل الأمة، والتسلح بالنظرة التكاملية متى كان الخصم من خارجها. أما بالنسبة لفلاسفة الإسلام فقد سلكوا نفس الطريق، لكن مع قليل من الاختلاف، حيث أخذوا الآليات المفاهيمية من علم الكلام فأفرغوها من مضامينها ثم ملؤوها بمضامين فلسفية، وهو ما يحدو بنا إلى التساؤل عن طبيعة هذا المسلك التكاملي الذي أخذ به الفلاسفة والمتكلمون من قبلهم. أهو مسلك تكاملي مقبول يوافق خصائص "التكامل التداخلي" أم لا يوافقه؟
         تتميز عملية المزج بين الآليات المفهومية الكلامية بالمعاني الفلسفية لدى الفلاسفة، وبين الآليات المفهومية الفلسفية بالمعاني الكلامية لدى المتكملين بعدم احترام لأجناس الخطاب، ذلك أنه إذا كان من الثابت أن علم الفقه، وعلم الكلام، والفلسفة علوم تشكو جميعا من الالتباس والغموض الذي أدى إلى اختلافات كثيرة بين أرباب هذه الصنائع المعرفية، وإذا ثبت أيضا أن هذه العلوم تنتسب للمجال التداولي، وأنها جميعا تتوسل باللغة الطبيعية، وتتأثر بخصائصها. فإن هناك أمرا آخر يثبت المغايرة بين هذه المعارف، يتمثل في كون كل علم يمتلك ما يميزه عن غيره، وإلا صارت العلوم علما واحد، وصار من المتعذر الحديث عن التصنيف والترتيب الذي يبحث عن الوحدة وراء المغايرة،  ودليلنا على ذلك هو أن الخطاب الفلسفي خلق لنفسه منهجا برهانيا، وهو برهان لا ينزل على اللغة الطبيعية تنزيلا فوقيا، بل يفجر من داخلها، ، على الرغم من العوائق والصعوبات التي تعيشها اللغة، فأنشأ لنفسه جهازا مفاهيميا خاصا به، مباين للأجهزة المفاهيمية الطبيعية و الصورية. وهذا دليل قاطع على وعي فيلسوف قرطبة بارتباط الخطاب الفلسفي بلغته الطبيعية وبمجاله التداولي، ما أعطى للبرهان الفلسفي بعده الحجاجي، إلا أنه ينبغي أن نشير  أنه لما كان الخطاب الفلسفي خطابا حجاجيا وتداوليا من جهة، وبرهانيا من جهة ثانية، وهو خطاب لا نجده في غيره من أصناف الخطابات الأخرى، فإن هذا يدعونا إلى القول مع ذ حبيب أعراب، إنه إن كان للحجاج دلالة قاموسية واحدة، وكان له معنى واحدا عاما وكليا، فإنه يتحقق ويتعين في حقول عديدة ومتباينة، وأن تعدد وتباين حقول ممارسة الحجاج، تفضي بنا إلى القول بوجود عدة أنماط وأنواع من الحجاج، إذ هناك حجاج بلاغي، حجاج فقهي، حجاج فلسفي، وحجاج قضائي... الخ يقابله تداول بلاغي، تداول فقهي، وتداول فلسفي...
         وعليه فلما كانت هناك أصناف حجاجية وتداولية متنوعة تشكل عناصر للمجال التداولي الإسلامي العربي العام، صار لكل صنف حجاجي مفاهيمه، حيث تقال مفاهيم الخطاب الفلسفي على أنحاء كثيرة[6]، لكن مفاهيم علم الكلام تقال باشتراك، وقبل الأخذ بالمفهوم الفلسفي والعمل به، ينبغي المرور به على مراحل وخطوات متعددة، بعضها يشد في رقاب البعض الآخر، بغية تحديد الدلالة الأنطولوجية الأولى، [7] وبعد ذلك استثمارها، لكن الفلاسفة والمتكلمون يشغلون هذه الآليات بصرف النظر عن فحصها الدلالي الدقيق، فينزلونها في مباحثهم تنزيلا فوقيا، "وليس خطأهم فقط من قبل أنهم يتركون الفحص عن أشياء هي للفيلسوف، بل ومن قبل أنهم يتركون الفحص عنها، الفحص عن أشياء التي هي أوائل جميع الموجودات والمتقدمة عليها، فيعرض لهم ألا يعرفوا موجودا من الموجودات بما هو على الحقيقة بأقصى أسبابه"[8] ومعنى هذا القول، إن المطلوب من الفلاسفة أن يبحثوا قبل الدمج بين آليات علم الكلام وآليات علم الموجود، عن جواهر الأشياء التي هي قبل الأشياء، ولما لم تحترم مستويات الخطابين التداوليين الكلامي والفلسفي، فإن ذلك يقوم دليلا على عدم معرفتهم بالبرهان الفلسفي، واستغلاق دلالته عنهم، لأنهم كانوا لا يعرفون من البرهان، إلا دلالته الضيقة وهي دلالة لا تصلح لجنس القول الفلسفي بأي حال، وبهذا تتضح مكانة فلاسفة الإسلام التي هي مكانة مشاكلة لمكانة المتكلمين عند أبي الوليد.
         إن المزج بين حقلين معرفيين متباينين من حيث آلياتهما الاستشكالية: أحدهما تشكو آلياته المفهومية من الاشتراك والآخر قد تخلصت آلياته منه، بواسطة استثماره لبعض الآليات الجدلية[9]، لابد وأن يؤثر على الفهم، لأنه يصعب معه البحث عن أوائل الأجناس الثابتة بالحقيقة، بسبب دخول الاشتراك من جديد إلى حقل الممارسة الفلسفية بسبب هذا المزج الآلي بين الآليات الاستشكالية الكلامية والفلسفية.
 إذا كان ثمة آليات رحالة من علم لآخر فثمة أيضا آليات خاصة بكل علم، لا تصلح للتنقل والتجوال، وهذه الآليات الأخيرة هي ما يشكل خصوصية كل علم على حدة وتميزه عن غيره. ولما لم تحترم هذه الآليات الخاصة، كسرت الحدود بين أصناف الخطاب، فصار من الممكن أن ينزلق النظر البرهاني، إلى مراتب الخطاب الجدلي، وأن يختلط اليقين بالظن عند فلاسفة الإسلام في رأي ابن رشد، حيث يتم العجز عن تفصيل المعاني الكثيرة التي يقال عليها المفهوم الواحد، وبخاصة المفاهيم المفردة التي تكثر دلالاتها ومعانيها[10]، وهذه الفوضى الدلالية "لا يتخلص منها العلماء المهرة بعلم الكلام والحكمة فضلا عن العامة، ولو كلف الجمهور العلم من هذه الطرق لكان من باب تكليف مالا يطاق"[11]، لأنهم تكلموا كلاما خارجا عما يعقله الإنسان. ولذلك فإن عناية هؤلاء في كلامهم حسب ابن رشد هو إقناعهم أنفسهم لا إقناع غيرهم، لأنهم لابد وأن يكونوا بعلمهم هذا فهموا من الألغاز التي يقولونها معاني قنعوا بها[12]
إن الظاهر من مزج الفلاسفة والمتكلمين بين الآليات التحتية لعلم الكلام والفلسفة هو العمل بمبدإ التكاملية بين المعارف. والمعروف أن التكاملية تؤدي بالضرورة إلى إنتاجية سليمة، لكن واقع هذه التكاملية أدى إلى عكس المطلوب، الشيء الذي يدعونا إلى مراقبة طبيعة هذه التكاملية، لمعرفة مدى تطابقها مع التكاملية الصحيحة كما سنرى لاحقا.
إن الزيادة في الإمعان في طبيعة المزج بين آليات علم الكلام وآليات الخطاب الفلسفي، يجعلنا نسجل أن التكامل الذي يشيدونه، ما هو إلا تكامل براني، يقابله فصل جواني، أو قل: إنها "التكاملية اللاتكاملية" وهي تكاملية مقلوبة، أعني: إنه إذا كان ثمة وصل للمفهوم الكلامي بالمضمون الفلسفي، ووصل للمفهوم الفلسفي بالمضمون الكلامي، فثمة فصل في عمق هذا الوصل، أساسه فصل المفهوم الفلسفي عن مضمونه، وفصل المضمون الكلامي عن مفهومه، فيصير معه التكامل الذي يشيدونه، إطارا فارغا من محتواه العلمي والواقعي، إذ كيف يعقل قبول الفصل المتعسف بين المعاني ومبانيها من جهة، وكيف يمكن قبول إسناد إنتاج لآلة لم تساهم في إنتاجه من جهة أخرى؟
         وعليه، فإن هذا التكامل بمقدوره أن يفسر لنا الطريقة التي سلكها الفلاسفة والمتكلمون في تأويلاتهم، التي لم يكونوا فيها لا مع الجمهور ولا مع الخواص، "أما مع الجمهور فلكونها أغمض الطرق المشتركة للأكثر، وأما مع الخواص، فلكونها إذاتؤملت وجدت ناقصة عن شرائط البرهان، وذلك يقف عليه بأدنى تأمل من عرف شرائط البرهان"[13]. وكأني بابن رشد يقول، ولكي يكونوا مع الجمهور عليهم بوصل المفهوم الشرعي بمضمونه، وإذا أرادوا أن يكونوا مع الخواص عليهم بوصل المضمون الفلسفي بمفهومه، ولعل الظاهر من هذا أن ابن رشد يسلك طريقا منهجيا مخالفا تماما في منطلقاته لمنطلقات المتكلمين والفلاسفة، حيث إنه إذا كان الوصل ظاهرا عندهم والفصل مضمرا، فإن الفصل ظاهر عند ابن رشد والوصل هو المضمر*.
هذه التكاملية الرشدية هي التكاملية الصحيحة، أو قل "التكاملية المتكاملة"، إذ كيف يعقل بناء تكاملية الآليات العامة على أساس فصل الآليات الخاصة.
وعليه، فإن التكاملية المقبولة هي تلك التي تقوم بوصل المباني بالمعاني، سواء كانت هذه المباني دينية، أو فلسفية، فالعلاقة بين الآليات وإنتاجيتها من منظور القراءة التكاملية السليمة هي علاقة لزومية، فالآلة جسم والإنتاج روحه، وارتباط الإنتاج بالآلة كارتباط الروح بالجسم، يضعف بضعفه ويقوى بقوته. هذه العلاقة لا مناص من الانتباه إليها، ولا هروب من الاعتراف بها، حيث لا نجد الاختلال في الإنتاج إلا من جهة الآلة وجريها على غير الواجب، وإذا قتلت الآلة بقي الإنتاج ميتا لا فائدة منه، لأننا لا نعثر على روح في غير جسم، وهذا المعنى هو المعنى السليم للتكاملية، ودورها في إنتاج المعارف، إذ لا ينبغي أن ننظر للآليات باعتبارها أدوات فقط، ولكن باعتبارها عناصر مساهمة في بناء الأطر المعرفية، ومشاركة في توليد دلالتها الإضافية، ودليلنا على هذا الادعاء كل القضايا التي اشترك فيها النظر بين الفلاسفة والمتكلمين، واستأثرت باهتمامهم البالغ كقضية وجود الله ووحدانيته وقدم العالم وحدوثه، ومسألة الصفات والرؤية وغيرها، فكيف ذلك؟
         لقد أثار اشتغال فلاسفة اليونان على العلم الطبيعي نوعا من الانشغال الديني، الذي لم يجد جوابا عن تساؤلاته إلا بالعمل بمبدأ التداخل التكاملي بين الإلهيات كعلم مقصدي وباقي العلوم الأخرى المعترف بوثوقيتها كالعلم الطبيعي واستثمار قوانينه بعد إخراجها مخرجا أعم، يلائم عمومية وكلية الميتافيزيقا للبرهنة على وجود العلة الأولى، وهذه الهموم لا مكان لها عند فلاسفة الإسلام، لأنهم مسلمون ويسلمون بوجوده، بل اهتموا بكيفية البرهنة على وجود الله، ولما كان مطلب الدفاع عن الشريعة حاضرا بقوة مع من يقع خارجها ذهبوا إلى التوفيق بين العقل و النقل . هكذا نلاحظ أن الفلسفة اليونانية اتخذت طريقا يبتدئ من الطبيعة- الشاهد- وينتهي بإثبات الله- الغائب- لكن الفلسفة الإسلامية ابتدأت من الله لإثبات العالم، وهو طريق مخالف في منطلقا ته للفلسفة اليونانية، ولما كان هاجس مفكري  الإسلام هو التوفيق بين العقل والنقل، افترقت طرقهم في ذلك، واختلفت أساليبهم، ووجهات نظرهم، وهذا التوفيق بين طريقين متعاكسين سوف لن يخلو من مخاطر.
إن بناء علاقة بين العقل والنقل، مسألة لا يختلف عنها ابن رشد، فهو كغيره، من الفلاسفة ينص على ضرورة قراءة نصوص الشريعة بالاعتماد على العقل، ولذلك تصدى لطريقة الحشوية في معرفة وجود الله، والتي تنفي دور العقل في هذه المعرفة، وترى أن معرفته سبحانه وتعالى، ينبغي أن تتم عن طريق السمع فقط، فذهب إلى اعتبارها فرقة مقصرة عن مقصود الشرع، لأن الشرع دعا إلى الإقرار بدور العقل في هذا المجال، والتصديق بوجود الباري سبحانه بأدلة عقلية منصوص عليها في عدد كبير من الآيات الكريمة([14] )، أما بالنسبة لباقي المتكلمين، أشاعرة ومعتزلة، وإن سلم لهم أبو الوليد بهذا الدمج بين العقل والنقل، فإنه ينتقد طريقتهم في ذلك، فالمتكلمون لم يقفوا عند المعنى الظاهر للآيات الكريمة التي تثبت وجوده سبحانه، وتثبت حدوث العالم، وتنظر في باقي القضايا الأخرى التي عالجها الشرع كمسألة الصفات، والرؤية وغيرها، بل أولوها تأويلات أخرجتها عن مقاصدها، فاستنتجوا منها جملة من الأدلة كدليل الممانعة مثلا، ودليل الجوهر الفرد وغيرها.
تعتبر هذه الأدلة في نظر ابن رشد، أدلة سيقت في إطار جدلي واحتمالي، لذلك ذهب إلى الاعتراض عليها، من خلال تفكيك بنيتها المنطقية([15]).
لم تكن هذه الأدلة برهانية في نظر ابن رشد، لكن لا ينبغي أن يفهم من ذلك أنها لم تبن  على الاستنتاج البرهاني، ولا كان ينتظر منهم بناء أدلتهم في صيغ رمزية رياضية، ولا ادعى أنه سيقوم بذلك، بل هو يستغرب لمن يطلب براهين في هذه القضايا شبيهة ببراهين التعاليم، وإنما يعتبرها ليست برهانية، لأنها روجت في أدلتها جملة من المفاهيم الفلسفية مفصولة عن مضامينها، وألبسوها مضامين كلامية، نذكر منها مثلا، مفهوم الجوهر، مفهوم الممكن والإمكان، مفهوم العلة، مفهوم المعلول، مفهوم النهاية، واللانهاية، مفهوم الوجود، مفهوم الممكن، مفهوم الضروري،... 
وعليه فإن فحص الآليات المفهومية قبل استعمالها يعتبر فحصا في أوائل القياس، تلك الأوائل التي اشترط فيها ابن رشد جملة من الشروط منها: أن تكون مناسبة، ضرورية، كلية، وصادقة، لأن الأول بالحقيقة هو الذي يكون أثبت سائر الأوائل الذي لا يمكن أن يحصل فيه انخداع([16])، إلا أن المتكلمين وظفوا هذه المفاهيم توظيفا فضفاضا، وغامضا، وملتبسا، فأتوا بما لا "يجري مجرى الأدلة الطبيعية والشرعية، أما كونه ليس يجري مجرى الطبع، فلأن ما يقولون في ذلك ليس برهانا، وأما كونه لا يجري مجرى الشرع، فلأن الجمهور لا يقدرون على فهم ما يقولون من ذلك فضلا عن أن يقع لهم به إقناع"([17]). ما يمكن ملاحظته على نقده للمتكلمين وبيان جد ليتهم، هو أنه تعرض بالدرس والتحليل للآليات المفهومية وليس إلى شيء آخر، وإثبات هذه الدعاوى في نظره لا يتطلب الغوص في الجدل، لذلك ينبغي الأخذ بأحد أمرين، إما إثباتها شرعيا، أو إثباتها فلسفيا.
لقد سلك فلاسفة الإسلام، نفس مسلك المتكلمين إذ حاولوا البرهنة على القضايا الفلسفية بأدلة موفقة بين الشريعة والحكمة، إلا أنهم في هذه العملية، سوف يروجون للمفاهيم الشرعية هذه المرة، وإكسابها معاني فلسفية، ولذلك يصير فعل العقل عندهم في العالم العقلي إبداع وإيجاد في غير زمان، وفعله الذي يفيض منه إلى النفس أمر، وفعل النفس حركة، وفعل الطبيعة خلق، وأيضا فعل الكائنات المتعرضة للكون والفساد تكوين[18]... وهذه المفاهيم شرعية الأصل، تم اقتباسها واستعارتها من القرآن الكريم وألبسوها معاني فلسفية بعيدة كل البعد عن معانيها الدينية واستعملوها في بناء أدلتهم، وتبرير صدقها. فهل بعد هذا الخلط في الآليات المفهومية الكلامية والفلسفية، يمكن الحصول على براهين في علمهم الإلهي على نمط البراهين الحسابية، علما أن هناك فروق واضحة بين هذه الآليات؟
         بالنسبة للغزالي، أدلتهم ليست من البراهين في شيء فاستغرب لهذه الحجج التي يدعون أنها براهين، مستنكرا فعلهم فاعتبر أن في هذا الفعل ضلال عن سبيل الله، وكلامه حق في ذاته في نظر أبي الوليد ابن رشد،[19] فإذا كان ابن سينا من قبله قد ذهب في حل هذه المسألة،"قدم العالم وحدوثه". إلى تبني استدلال يقوم على توظيف جملة من الآليات المفاهيمية الكلامية كالجائز بذاته، والجائز بغيره، والواجب بذاته، والواجب بغيره، وغيرها، بهدف الوصول إلى الواجب بذاته إطلاقا، وهو الله سبحانه، والممكن بذاته، الواجب بغيره وهو العالم، وأخيرا الممكن بغيره، وهي أشياء العالم، وهذا الذي ذهبوا إليه من هذا التقسيم هو الرغبة في التوفيق بين رأي الحكماء، ورأي علماء الكلام، فذهبوا إلى إثبات حدوث العالم من جهة الذات، وإثبات قدمه من جهة الزمان." فإن هذه الحلول التي اقترحها الفلاسفة لم تكن قادرة على إقناع الغزالي، لذا اعتبروا في نظره  بعيدين كل البعد عن فرقة أهل الحق، التي ذهبت إلى اعتبار العالم حادث، فأسقطت من ثم أن المحدث يفتقر إلى محدث، فاعترفت بالصانع. وعن الدهرية التي قالت بقدم العالم، فاستغنت عن الصانع، بل جمعا بين المتضادين وقالا بقدم العالم مع وجود الصانع"([20] ).
يعتبر هذا النقد من جهة الغزالي في نظر ابن رشد واجب، لكنه  عندما كان يسوق أدلتهم لنقدها، لم يقف عند الآليات المفهومية (الشرعية) التي وظفها الفلاسفة فكان عليه أن يقف عندها واحدا واحدا، ويدقق النظر في ضوابطها ليخرجها من غموضها إلى الوضوح الدلالي، لا أن يتعامل معها كمفاهيم متواطأ عليها، وهو ما في نفوسهم من معاني مباين لما في نفسه منها، وكان في نقده يتوسل بطرق المتكلمين وهذه الطرق لا تقل خلطا في معانيها من سابقتها كما  أوضحنا ، لذلك ففي كتاب تهافت الفلاسفة جمع الأمرين معا في نظر ابن رشد حينما قال: "فقد تبين لك أن ليس في الأدلة التي حكاها عن المتكلمين كفاية، في أن تبلغ مرتبة اليقين، وأنها ليست تلحق بمراتب البرهان، ولا الأدلة التي أدخلها وحكاها عن الفلاسفة في هذا الكتاب لاحقة بمراتب البرهان، وهو الذي قصد بيانه في هذا الكتاب"([21])..
هكذا وضع كتاب "تهافت الفلاسفة" "تهافت التهافت" أمام نقدين: نقد للفلاسفة، ركز فيه ابن رشد على وصل المفاهيم الشرعية بمضامينها، والأمثلة على ذلك كثيرة في هذا الكتاب، ونقد للغزالي والمتكلمين ، ركز فيه على وصل المفاهيم الفلسفية بمضامينها كما قلنا، حيث رأى أن الغزالي في تفنيده أدلة الفلاسفة سقط فيما سقط فيه المتكلمون، إذ لما كان هدفه هو إلزام الفلاسفة بالتخلي عن فكرة القدم، فإنه قد وظف في نقد هم جملة من الآليات المفاهيمية الفلسفية تحتاج هي الأخرى إلى ضبط وتحديد للوقوف على وجوهها الدلالية بغية تنقيحها ورسم حدودها المنطقية، في أفق تحديد الدلالة الأنطولوجية الأولى[22]، لأنها هي المقصودة في بناء النظر الفلسفي البرهاني. لذلك قال: "هذه مسائل كثيرة عظيمة تحتاج كل واحدة منها إلى أن تفرد بالفحص عنها، وعما قاله القدماء فيها، وأخذ المسألة الواحدة بدل المسائل الكثيرة، هو موضع مشهور من مواضع السوفسطائين السبعة، والغلط في واحد من هذه المبادئ هو سبب لغلط عظيم في إجراء الفحص عن الموجودات"([23]).
لذا، والتزاما منه بهذه الطريقة في الفحص، رأى أن الفاعل الذي وظفه الغزالي في نقد دليلهم حول قدم العالم عند الفلاسفة، مباين للفاعل في الفلسفة، إذ هو عند الغزالي "فاعل يصدر منه مفعول يتعلق به فعله في حال كونه"([24])، أما الفاعل بلغة الفلاسفة فيصدر عنه فعل يتعلق به المفعول ولا يستغني عنه، بل لا يقوم المفعول إلا بقيام الفعل، وهذا النوع من الفاعل في تقدير أبي الوليد ابن رشد "أشرف وأدخل في باب الفاعلية من الأول"([25]). وعليه يمكن أن نستنتج من خلال مجهود ابن رشد في هذا النقد أن كلا من الخطاب الفلسفي، والخطاب الكلامي خطابان تداوليان وطبيعيان، إلا أن أحدهما موحد مفاهيميا والآخر لم يستطيع تحقيق هذه الوحدة. وأن هذا هو الباعث الرئيس لفصل الحكمة عن الشريعة عند ابن رشد، لأن الآليات الاستشكالية الكلامية لا تستطيع أن تزيد في صلابة الخطاب الفلسفي، بل تساهم في هشاشته، وتفقده وثاقته.
بعد أن ناقش ابن رشد المتكلمين والفلاسفة، وفكك البناء الداخلي لأدلتهم، ليبين أن طرائقهم تلفيقية، لا علاقة لها بطريقة الشرع، التي دعا منها الجميع على اختلاف فطرهم إلى الإقرار بوجود الباري سبحانه، حق علينا أن نسائل ابن رشد عن الطريق التي نبه الشرع إلى اعتمادها؟
يجيبنا ابن رشد عن هذا السؤال قائلا: "قلنا: الطريق التي نبه الكتاب العزيز عليها، ودعا الكل من بابها، إذا استقرئ الكتاب العزيز، وجدت تنحصر في جنسين: أحدهما طريق الوقوف على العناية بالإنسان، وخلق جميع الموجودات من أجلها، ولنسم هذه دليل العناية، والطريق الثانية، ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء الموجودات مثل اختراع الحياة في الجماد، والإدراكات الحسية والعقل، ولنسم هذه دليل الاختراع"([26]).
هكذا انصرف أبو الوليد إلى إعادة بناء الأدلة من جديد، أخذا بمفهوم الظاهر من العقائد، فالدليل الأول، وهو ما أسماه بدليل العناية يبدو واضحا في عدد من السور، وهي التي تسمى سور النعم كسورة "النحل" مثلا، وسورة "الأنعام"، من غير تكلف في التأويل. ومقتضى هذا الدليل:
كل الموجودات موافقة لوجود الإنسان،
هذه الموافقة هي ضرورة من قبل فاعل لذلك مريد،
هذه الضرورة تدل على وجود فاعل قاصد لذلك.
وأما الدليل الثاني فهو دليل الاختراع، ومقتضى هذا الدليل ينبني على مقدمتين ونتيجة.                    
هذه الموجودات مخترعة،
كل مخترع فله مخترع،
للموجود فاعل مخترع له.
هذان الدليلان صادقان يذكراننا بالقياس البرهاني الصادق [27] ، إلا أنه لابد من ملاحظة مسألة هامة، وهي توظيف مفهوم الاختراع، ومفهوم الصنع في بنائه لهذا القياس، وهذه زلة تبليغية وقع فيها ابن رشد، حينما كان يهدف إلى الحرص على سلامة العامة، فوظف مفهوم الاختراع كبديل عن مفهوم الخلق وهو المعروف عند العامة، لكنه كان من اللازم أن لا يغيب عنه "أن المسلمين كانوا في زمن الوحي مستعدين لتقبل أية فكرة تأتيهم من الوحي"([28])، ولذلك فمفهوم الخلق ستكون له فائدة تواصلية أكبر من مفهوم الاختراع، إلا أن هذا لن يؤثر كثيرا على يقينية القياسين، لأن ابن رشد كان دائما حيثما يذكر الاختراع يرفقه بالحديث عن الخلق، وحيثما يذكر الاختراع بمعزل عن الخلق أرفقه بجواهر الأشياء، واختراع الجواهر لن يكون إلا خلقا وليس غيره.بدليل قوله "... إن اسم الخالق أخص بالله تعالى، من اسم الفاعل، لأن اسم الخالق، لا يشركه فيه المخلوق، لاباستعارة قريبة ولا بعيدة، إذ كان معنى الخالق هو المخترع للجواهر"[29] أيضا يوجد في كلام الله سبحانه ما لا يخالف وصف ابن رشد لله بالصانع في قوله تعالى:"وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء" [30]. وعليه يمكن أن نقول: إنهما قياسان يصلحان للعوام وللخواص، إنما الاختلاف في تفصيلهما، بدليل أن الجمهور يمكنه إدراك وجوده سبحانه بالمعرفة الحسية. والخواص يزيدون عليها ما يدرك بالبرهان، حيث يرى في تفسيره لقوله تعالى: "ألم نجعل الأرض مهادا"([31]) أن مفهوم المهاد إذا تم وصله بمضمونه، وحفظه له كما جاء في الآية، يجمع الموافقة في الشكل والسكون والوضع، بالإضافة إلى ما يحمله من معنى الوثارة واللين فيقول مستعجبا: "ما أعجب هذا الإعجاز، وذلك أنه قد جمع لفظ " مهاد"، جميع ما في الأرض من موافقتها لكون الإنسان عليها، وذلك قد تبين على التمام للعلماء (الطبيعة) في ترتيب من كلام طويل، وقدر من الزمن غير يسير والله يخص برحمته من يشاء"([32]).
وعليه، فإذا تؤمل هذين الدليلين وباقي الأدلة الأخرى، يبرز اتفاق فلسفة ابن رشد مع منطلقات الفلسفة اليونانية، التي اختارت الانطلاق من الطبيعة والتجربة، لاكتشاف أشرف العلل، وموافقة للشريعة التي نصت على اتباع نفس الطريق، أي: التفكير في خلق الله لمعرفته سبحانه، دون التفكير في ذاته وطبيعته.
ما يدل أيضا على تمسك ابن رشد بظاهر الشرع، هو موقفه من مسألة الجسمية، فالشرع لم يصرح للجمهور بكون الله جسم، أو بأنه غير جسم، الشيء الذي أسقط المفسرين في متاهات تأويلية متعددة، إذ ذهب المعتزلة إلى نفي الجسيمة عنه سبحانه، مع وجوب التصريح بها للمكلفين، وانتفاء الجسمية معناه انتفاء رؤيته، الشيء الذي يطرح سؤالا، ألا وهو كيف يمكن التسليم بوجوده مع أنه غير جسم؟ وأما الأشاعرة فذهبوا إلى الجمع بين نفي الجسمية مع جواز الرؤية لما ليس بجسم بالحس، وهذا أيضا يسبب حيرة وشكوكا للعامة، إذ كيف يمكن التسليم برؤية ما ليس بجسم.
يفسر ابن رشد سبب هذه الحيرة ب"التصريح في الشرع بما لم يأذن الله ورسوله به، وهو التصريح بنفي الجسمية للجمهور، وذلك من العسر أن يجتمع في اعتقاد واحد أن هاهنا موجود ليس بجسم، وأنه مرئي بالأبصار، لأن مدارك الحواس هي في أجسام أو أجسام([33]) ولرفع هذه الحيرة وهذه الشكوك، يقول ابن رشد في هذه المسألة: "قلنا: الجواب في ذلك أن يجابوا بجواب الشرع، فيقال لهم: إنه نور، فإنه الوصف الذي وصف الله به نفسه([34]) في قوله سبحانه وتعالى "الله نور السماوات والأرض"([35]) وفي قول نبيه ورسوله الكريم(ص) "إن لله حجاجا من نور لو كشف لأحرقت سبحات ما ينتهي إليه البصر" والنور كما هو معلوم أرفع الموجودات المتخيلة والمشهورة عند الحس، لذلك يعتبر هذا المثال "شديد المناسبة للخالق سبحانه، لأنه يجتمع فيه أنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه، وكذلك الأفهام، مع أنه ليس بجسم"([36]).
          أيضا فيما يخص كيفية نسبة الصفات إلى الذات، فتعتبر في تقدير ابن رشد بدعة في الشرع، فالأشاعرة يرون أن الصفات "هي صفات معنوية زائدة على الذات، فاعتبروا الله سبحانه، عالم بعلم زائد على ذاته، وحي بحياة زائدة على ذاته، كالحال في الشاهد"، وهذا القول يسقط في الجسمية، رغم أنهم من نفاتها والسبب في ذلك أن ثمة صفة وموصوف، وحامل ومحمول، وهذا الموقف هو سبب خصومتهم مع المعتزلة، وهي خصومة رفضها ابن رشد، وسعى إلى اجتثاث أسبابها، لأن الإجابة عن مثل هذه الإشكالات متعذرة، ولا يمكن الحسم فيها بقول برهاني، لذلك كان ينهى دائما عن "التعمق في هذا فيقال ما يقوله المتكلمون: إنه يعلم المحدث في وقت حدوثه بعلم قديم، فإنه يلزم عن هذا أن يكون العلم المحدث، في وقت عدمه، وفي وقت وجوده علما واحدا، وهذا أمر غير معقول، إذ كان العلم واجبا أن يكون تابعا للموجود، ولما كان الموجود تارة يوجد فعلا، وتارة يوجد قوة، وجب أن يكون العلم بالموجودين مختلفا، إذ كان وجوده بالقوة غير وقت وجوده بالفعل، وهذا شيء لم يصرح به الشرع، بل الذي صرح به خلافه"([37]).
وعليه فلما وصل طريق التفلسف إلى خلاف ما صرح به الشرع، فإن ما فعلوه ليس من الفلسفة ولا من التوفيق بين الحكمة والشريعة في شيء، لأن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له بلغة ابن رشد، لذلك ذهب أبو الوليد إلى التشبث بما صرح به الشرع، وهو الاعتراف بصفات الكمال وتعددها، من غير تفصيل للقول في ذلك، والتوقف عند هذا الحد يكون أكثر توافقا مع الحكمة، لأن ما قرره القدماء لا يختلف مع ما قرره الشرع، بل كانوا يقولون "إن علم الله وصفاته لا تكيف ولا تقاس بصفات المخلوقين حتى يقال هي عين الذات، أو زائدة على الذات"([38]).
وبهذا يمكن القول، إن إرجاع المفهوم الشرعي إلى أصله، والمفهوم الفلسفي إلى قاعدته أدى في نظر ابن رشد، إلى الموافقة بين الحكمة والشريعة، بيد أن مزج الآليات المفهومية بين الحقلين، أدى إلى التلفيق بينهما لا إلى التوفيق، ولذلك فإن التمسك بظاهر النصوص، أقرب إلى الفلسفة من التأويلات الكلامية التي كانت في عمقها سياسية، مزقت الشرع ومزقت الأمة، وفرقتها إلى طوائف وفرق متباينة، وهو ما نهى عنه الله سبحانه وتعالى بقوله: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا"([39]).

1-2- علاقة الحكمة بالشريعة: وصل جنسي، فصل نوعي

يتبين مما سبق أن وصل الحكمة بالشريعة، على أساس فصل المفاهيم عن مضامينها، لا يؤدي إلى دمج الحكمة بالشريعة دمجا سليما، بل أدى إلى خليط لا هو شرعي ولا هو فلسفي، الشيء الذي جعل الخطابان معا، يشكوان من فوضى دلالية نتيجة غوصهما في أعماق الجدل، ولذلك اضطر ابن رشد إلى إعادة النظر في الآليات المفاهيمية بنظرة تكاملية أساسها وصل المباني بالمعاني، المفاهيم بالمضامين، الآليات بالإنتاجية، وهذا هو التوجه الصحيح وهو الذي أخذ به اللغويون والفقهاء أيضا، فهذا عبد القاهر الجرجاني يرى أن من عمل بهذا الفصل "كمن أزال الشيء عن جهته، وأحاله عن طبيعته، وذلك مظنة الاستكراه، وفيه فتح أبواب العيب، والتعرض للشين"([40])، وهذا ابن حزم يعتبر أن حمل اللفظ في اللغة على ظاهره فرض ينبغي احترامه، ومن لم يحترم ذلك، فهو لم يقم إلا بإفساد الحقائق كلها، والشرائع كلها، وقد عبر عن ذلك قائلا: "ولا سبيل إلى نقل مقتضى اللفظ عن موضعه الذي رتب للعبارة عنه، وإلا ركبت الباطل، وتركت الحق، وجميع الدلائل تبطل نقل اللفظ عن موضعه في اللغة، ولا دليل يصححه أصلا"([41]).
بهذا يتضح بجلاء أن الطريق الذي سلكه أبو الوليد، طريق معاكس تماما، ذلك أنه إذا ذهب الفلاسفة والمتكلمون إلى وصل الآليات العامة (حكمة/شريعة) على حساب الآليات الخاصة (الآلة/الإنتاج) فإن أبا الوليد نحى نحو وصل الآليات الخاصة على حساب الآليات العامة، ونعبر عن ذلك بما يلي:

الآليات الخاصة
الآليات العامة   

الآلة/ الإنتاج         
علم آلي/ علم مقصدي

مفهوم/مضمون
   حكمة/شريعة
الفلاسفة/المتكلمون
فصل                       
وصل
ابن رشد
وصل
فصل

إن إقدام ابن رشد على وصل المفهوم الفلسفي بمضمونه، ووصل المضمون الكلامي بمفهومه فرض عليه ضرورة الفصل بين الحكمة والشريعة، ولذلك اضطر إلى إخراج المفاهيم الفلسفية من الشريعة، والمفاهيم الكلامية من الفلسفة، وجعل كلا من الشريعة والحكمة بناء قائما بذاته، لكن هذا لا يعني أنهما يخالفان بعضهما البعض، فالشريعة بعد هذا الفصل في نظر أبي الوليد "إذا تؤملت وجدت أشد مطابقة للحكمة مما أول فيها، وكذلك الرأي الذي ظن في الحكمة أنه مخالف للشريعة يعرف أن السبب في ذلك، أنه لم يحط علما بالحكمة ولا بالشريعة، ولذلك اضطررنا نحن إلى وضع قول: أعني فصل المقال في موافقة الحكمة بالشريعة"([42]).
لقد عبر ابن رشد عن موافقة الحكمة للشريعة بأكثر من صيغة، وأبلغ مثال عنده  أن "الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له" والموافقة بينهما لا ينبغي أن تقف أمام تداخلهما لتمنعه، بل على العكس من ذلك، ينبغي أن تشجع على تداخلهما وتفاعلهما، الشيء الذي يدفعنا إلى التساؤل عن رغبة ابن رشد في تبني الفصل في الوقت الذي يدعو فيه واقع حالهما إلى الوصل و التداخل؟
إن علاقة الحكمة بالشريعة عند ابن رشد، شبيهة إلى حد كبير بعلاقة البلاغة بالفصاحة عند اللغويين، فهما يعودان إلى أصل واحد، كرجوع الفصاحة والبلاغة إلى جنس واحد، لأن غرض كلا من الفصاحة والبلاغة، إنما هو الإبانة عن المعنى وإظهاره، لكن ومع ذلك لقد أجمع اللغويون على أنهما مختلفتان، ذلك أن الفصاحة بما هي تمام آلة البيان، فهي مقصورة على اللفظ، لأن الآلة تتعلق باللفظ، والبلاغة إنما هي إنهاء المعنى إلى القلب، فكأنها مقصورة على المعنى، إلا أن هذا الاختلاف لا يمنع من وجود تطابق بينهما([43])، فكذلك علاقة الحكمة بالشريعة، فالحكمة لا تقصد شيئا آخر غير إصلاح النفس وتزكيتها بالفهم السديد للأشياء والأخلاق الفاضلة، وهذا نفسه لا غير هو الغرض من الشريعة، وهذا أمر لا يختلف عليه أحد من العلماء بالفلسفة، ولا أحد من العلماء بالشريعة([44]).
إنهما متوافقتان، لأن جنسهما واحد وحقيقتهما واحدة، لكنهما مختلفتان لأنهما نوعان لهذا الجنس، إنهما تختلفان في المرجعية فقط، فالشريعة مرجعها الوحي، والحكمة مرجعها العقل، وهذا الاختلاف هو: "اختلاف في جهة القول لا في الموضوع والغاية"([45]). لذلك فهما متكاملتان، وعلى أساس هذه القناعة التي ترسخت عنده، رفض الشرائع التي لا يخالطها العقل، معتبرا إياها أنها ليست من الشرائع في شيء. "إن كل ما قصرت عن إدراكه العقول الإنسانية، فواجب أن نرجع فيه إلى الشرع حق، وذلك أن العلم المتلقى من قبل الوحي، إنما جاء متمما لعلوم العقل أعني أن كل ما عجز عنه العقل، أفاده الله تعالى للإنسان من قبل الوحي"([46]).
يكمن إذن الاختلاف بينهما في الطريقة فقط، إذ طريقة الشرع طريقة بلغت الغاية في الوضوح، (بواسطة الآليات الخطابية التبليغية). بيد أن طريقة الفلسفة غامضة وخفية، بسبب حضور الآليات التصنيعية . وعليه فإن المزج بين طريقين مختلفين، سيؤدي لا محالة في تقدير ابن رشد إلى طريق أغمض.
وعليه يمكن أن نقول: إنه حيث توجد الموافقة يجوز الفصل، إذ الفصل يكون دائما في الشيء الواحد، سواء كان حقيقة أو جنسا أو غيرهما، ولا يمكن أن يكون غيره، وقد اعتبر أبو هلال العسكري، صاحب كتاب "الفروق في اللغة" في تمييزه بين دلالة الفصل ودلالة الفرق، معتبرا أنه حيث يوجد الفصل توجد الوحدة، وحيث يوجد الفرق توجد المغايرة الجنسية والنوعية، كقولنا: فصل الثوب لأنه واحد، وهذا فصل في الكتاب، لأن الكتاب بمثابة جملة كبيرة واحدة، يضطر صاحبها إلى تقسيمها وفصلها حتى تتضح معاني الجملة الكبرى، ولهذا يقال فصل الأمر ولا يقال فرق الأمر، لأن الأمر واحد، والفرق خلاف الجمع"([47]).
1-3- فصل المقال فيما بين ابن رشد وعلم الكلام من الاتصال:
لقد ذهب أغلب الدارسين إلى اعتبار ابن رشد في ما كتبه كان يمارس الحجاج لا البرهان، بدليل أن مؤلفاته كانت حجاجا مع الشراح بامتياز لبيان تهافتهم في تفسير فلسفة أرسطو، والكشف عن مناهج الأدلة، كان فيه متكلما مع المتكلمين يبين لهم فيه مساوئ طريقهم في استخدام العقل،  فأعطى أدلة بديلة لأدلتهم، وهي أدلة كلامية لا تختلف في ضعفها عن أدلة المتكلمين([48])، ويعد "تهافت التهافت" أيضا كتابا بلغ الغاية في التفاعل  الحجاجي مع الغزالي.
نحن نوافقهم في ذلك، لكن ليس مطلق الاتفاق، لأننا نرى في موضوع كلامية ابن رشد، أنه حقا ذهب إلى مناقشة كل القضايا التي اشتغل عليها علماء الكلام، لكنها تعتبر أيضا موضوعات للفلسفة، وإلا فلماذا تعرف الفلسفة في دار الإسلام ب"الفلسفة الإسلامية" في مقابل الفلسفة اليونانية؟ فهذه تعرف بوطنها، وفلسفتنا تعرف بمحددها العقدي، حتى أن الإسلام يمكن اعتباره هو المسؤول الأول عن وجودها والضامن لبقائها .
إن استحضار المحدد العقدي في الفلسفة الإسلامية، شرط أساسي  في ممارسة فعلها، ففلاسفتنا حين  أقبلوا على فلسفات غيرهم، كانوا يبحثون فيما يهم حضارتهم وتقدمها، وهذا ما يفسر لنا إقبالهم على الإرث السقراطي، الأفلاطوني، والأرسطي بالخصوص، دون غيره من الحقول المعرفية اليونانية الأخرى، كالأدب مثلا، ولعل السبب المباشر في ذلك هو استحضارهم بشكل أخص للمحدد العقدي.
الثقافة اليونانية كانت تعرف شرخا كبيرا، فأشعارها وآدابها تؤمن عموما  بتعدد الآلهة، بيد أن فلسفة المتأخرين من فلاسفتها كانت فلسفة قائمة على "التوحيد"، وتؤمن بأن هناك علة لهذا الكون -وإن لم تحدد هل هي علة خالقة أو صانعة له- تمت معرفته خصوصا في فلسفة أرسطو انطلاقا من المعرفة بالطبيعة والمعرفة بأحوالها.
يعد عزوف الفلسفة الإسلامية عن الأدب اليوناني إذن، دليلا على أنه لا يلبي حاجياتها العقدية، فأقبلت على الأدب الفارسي كبديل عن الأدب اليوناني لترجمته وتقريبه، لأنه لا يتوفر على تعدد في الآلهة، بل صراع بين الخير والشر، وهما قيمتان أخلاقيتان عالجهما الإسلام بكل عناية.  إن الأخذ بعين الاعتبار القيد العقدي الإسلامي، سيجعل الفلسفة الرشدية تبحث عن سبل للتعلق بالفلسفة اليونانية، وهو تعلق آلي، حيث استعارت منها جملة من الآليات -الآليات التصنيعية- التي باتت الفلسفة الإسلامية في أمس الحاجة إليها -خصوصا فلسفة ابن سينا والفارابي- ولذلك فحضور الفلسفة اليونانية –والمنطق جزء مهم منها- في الفلسفة الرشدية حضور آلي استدلالي من جهة، ومن جهة أخرى وبموجب هذا القيد العقدي، تتأسس لحظات اللقاء بين الفلسفة الرشدية وعلم الكلام، إذ كل منهما ينهل من هذا المحدد، فصار موضوعا لعلم الكلام والفلسفة على حد سواء، مثلما صار الموجود المطلق موضوعا للفلسفة بإطلاق ولعلم الجدل من حيث التقائهما على مستوى الموضوع الكلي، ولذلك لما التقى علم الجدل بالفلسفة حول الموجود المطلق، والتقى علم الكلام بالفلسفة الإسلامية حول المضمون والمحدد العقدي صير إلى الاعتقاد في أن الفلسفة ضرب من الجدل، والفلسفة الرشدية ضرب من الكلام، فتطابق علم الجدل بعلم الكلام، والأمر ليس  كذلك. ولذلك يمكن القول: إن علم الجدل علم آلي ينبغي التوسل به في إنتاج الخطاب الفلسفي، وفي إنتاج الخطاب الكلامي على حد سواء، باعتبارهما علمان مقصديان، إنما الآليات الإشكالية الجدلية تشكل البداية والنهاية في تفعيل المضامين العقدية الكلامية، بيد أنها في الخطاب الفلسفي الإسلامي والرشدي منه بوجه أخص، فإنها تشكل البداية في إنتاج هذا الخطاب، وهي بداية تأسيسية تهيأ المجال النظري للآليات الاستدلالية البرهانية التي تبدأ مهامها عندما تنتهي الآليات الجدلية من طرد المفاهيم التي تقال باشتراك وتبقي على المفاهيم التي تقال بمعان كثيرة، وحسبنا دليلا على ذلك، آلية المقابلة الجدلية التي تعتبر أكثر حظا من غيرها في الحضور سواء في علم الكلام أو في الفلسفة، فعلم الكلام عندما يستعمل هذه الآلية، فهو يقابل أطروحة بأطروحة، ليفند إحداهما ويثبت أطروحته وينتصر لها، وانتهى الأمر. أما توظيف هذه الآلية من قبل الفيلسوف فهو توظيف مختلف تماما، إذ هو لا يهدف إلى تفنيد دعوى في مقابل الانتصار لأخرى، وإنما يقابل رأيين لنفس الأطروحة الواحدة، الواحد يثبتها والآخر يبطلها، وذلك لغرض الوقوف على الغموض الذي يكتنفها، بغية تحضير الآليات التصنيعية للنظر فيها نظرا دقيقا، فالصلة إذن بعلم الجدل موجودة، إلا أن هذا لا يعني أن هناك صلة بين الفلسفة وعلم الكلام على مستوى المنهج.
إن الوصل بينهما على مستوى المنهج، يعصف بمبررات وجود الخطاب الفلسفي الإسلامي، لأن الخطاب الكلامي يقوم بهذا الدور، وهذا كلام غير مقبول، لأن علم الكلام يقوم على الاشتراك، والفلسفة تقوم على المواطأة العامة·، وبالتالي فإن النظر الفلسفي مباين للنظر الكلامي. والنظر الفلسفي أوثق قولا من نظيره الكلامي، لأن الأول برهاني والثاني جدلي. ولما كان النظر الفلسفي الإسلامي نظرا برهانيا، لزم أن يترك علم الكلام مكانه للفلسفة وليس العكس.
وعليه، يمكن أن نقول: إن ابن رشد فيما قدمه من أعمال، كان يتكلم من خارج علم الكلام لا من داخله·.
هذا عن كلامية ابن رشد، أما عن حجاجية خطابه الفلسفي، فيمكن القول: حقا إن الخطاب الفلسفي لا يمكنه أن يكون إلا خطابا حجاجيا وجدليا كما أسلفنا، شأنه في ذلك شأن كل العلوم التي تعتمد على اللغة الطبيعية، وأن كل جنس من هذه  "يسعى بأبحاثه إلى ضم الحجاج إلى حضيرته الخاصة، ومقاربته من زاويته الخاصة والمحددة، ونتيجة لذلك اعتني مفهوم الحجاج وطعم بمفاهيم وتنظيرات مختلفة لازالت في تجدد مستمر"([49])، ولذلك فإن الخطاب الفلسفي بما هو خطاب حجاجي، لما طعم بخصائص البرهان، لن يخلصه كلية وبشكل نهائي من رواسبه البلاغية والخطابية والجدلية، لأنه "باستثناء لغة الرمز والدلالات الواحدة، لا نكاد نعثر على لغة طبيعية لا تنزع من تلقاء ذاتها إلى الإغراء، وهذا النزوع هو الذي يبرر ضمنيا أو صراحة، وجود البلاغة، والحجاج البلاغي"([50])، لذلك فجنس القول الفلسفي لا يمكنه مطلقا أن يتنكر لأصوله اللغوية، وما دام الأمر كذلك فهو يدفع بالبرهان لأن يعقد الصلة بالحجاج، وبالتالي سيتأثر كلاهما بالآخر، إذ الحجاج يمد البرهان ببعده الإقناعي والبرهان يمد الحجاج ببعده الاستدلالي، فيصير الحجاج الفلسفي موسوما بسمات مخصوصة تميزه عن أصناف الحجاج الأخرى منها الحجاج الكلامي، إنه حجاج تداولي خاص بالفلسفة والفلاسفة، يقابله حجاج تداولي خاص بالمتكلمين...الخ. ولذلك فإن اندماج وتداخل البرهان بالحجاج يجعله برهانا إقناعيا، لكن في الوقت ذاته يحوله من إقناع تداولي عام، إلى إقناع تداولي خاص، إنه إقناع بحقيقة الأمر في نفسه، وليس إقناعا بأي الأقاويل كيفما اتفقت.

2- الآليات الاستدلالية (التصنيعية و التبليغية)                                                                            

بعد أن ثبت في المحور السابق من هذه المداخلة أن ابن رشد عمل بكل ما في وسعه في ثلاثيته بالخصوص، على تجنب أخطار ما وصلت إليه الأمة من تشردم وتمزق، جراء علاقة الحكمة بالشريعة، التي ذهب فيها الفلاسفة والمتكلمون إلى دمجهما دمجا كليا، و الذي قاد إلى ظهور فصل كلي متطرف اعتبرهما متباينين تباينا مطلقا، ذهب ابن رشد لتجاوز هذا الوضع المتطرف إلى النظر في علاقتهما بتوسط من غير تناقض، ومن غير إلحاق ضرر بأيهما، ففصلهما نوعا ووصلهما جنسا، جاعلا من المنطق قاسما مشتركا بينهما. لكن هذا الطريق الوسط الذي نهجه أبو الوليد ابن رشد يطرح صعوبة تبليغية، الشيء الذي يدعونا إلى التساؤل، فنقول: هل الآليات التبليغية التي ينبغي اتباعها في إيصال مواقفه (الفاصلة/ الواصلة) بين الحكمة والشريعة، يجب أن تكون تابعة للوصل الجنسي الذي عرفته علاقة الحكمة بالشريعة عنده،  أم ينبغي أن تكون تابعة للفصل النوعي بينهما؟ وإذا ثبت تبعيتها للوصل الجنسي، ألا يمكن أن يشكل هذا مفارقة في خطابه، ويعصف بالتالي، هذا الوصل بإحدى خلاصات المحور الماضي، وهي خروج ابن رشد من علم الكلام، وحوراه للمتكلمين والفلاسفة من داخل الفلسفة، ويدفعنا هذا في المقابل إلى إثبات كلامية ابن رشد رغم تنصله منها؟
إذا حاول الفلاسفة والمتكلمون بناء تكاملية مقلوبة، أي بناء الوصل بين الحكمة والشريعة على أساس فصل الآليات المفهومية عن مضمونها، والتي تصدى لها أبو الوليد ابن رشد للقضاء على الفوضى الدلالية، بفصله بين الحكمة والشريعة، فالمطلوب من فصله بين هذين المجالين المعرفيين أن يبنيه على فصل آلي أيضا بموجب القراءة التكاملية. أقصد أن فصل الحكمة عن الشريعة مضمونا يعتبر نتاجا لفصل آلي بينهما، إذ لا يمكن صرف الإنتاج عن آلاته، وإلا فكيف يعقل القبول بتداخل آلي بين الحكمة والشريعة منتج لفصل مضموني بينهما؟
لذلك يمكن أن نقول: إذا لم يقبل ابن رشد من المتكلمين فصل المفاهيم عن مضامينها، وإسنادهم مضامين إلى مفاهيم لم تساهم في إنتاجها، فلن نقبل منه مثل هذا الصنيع، أعني أن يسند فصل الحكمة عن الشريعة إلى وصل آلي تبليغي بينهما، لأنه إذا كان بناء الوصل على الفصل (وصل مقلوب) غير ممكن،  فبناء الفصل على الوصل غير ممكن كذلك ، لأنه سيؤدي به إلى ما سقط فيه المتكلمون.
إن فصل الحكمة عن الشريعة، معناه: فصل العامة عن الخاصة، وإقصاء لطبقة وسطى، وهي فئـة المتكلمين، إذ الناس كما أجمع على ذلك كل فلاسفة الإسلام، أيضا, ثلاثة أصناف " عوام وهم أهل السلامة البله وهم أهل الجنة، وخاصة وهم أهل الذكاء والبصيرة، ويتولد بينهم طائفة هم أهل الجدل والشعب([51]). حيث قال الله في حقهم "فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة"([52]).
          تفاديا للشغب والعنف الكلامي، دعا العلماء والمحققون إلى تجنب هذه الطرائق في النظر، ودعوا إلى مخاطبة العامة بطرائق خاصة ومناسبة لأفهامهم، تعتمد على مفاهيم وألفاظ شرعية سهلة ومتداولة بينهم. ومخاطبة الخاصة بطرائق تليق بمقامهم كخواص، لأنهم لا يقنعون بطرق العامة، وهذه طريقة الشرع في التبليغ، باعتباره موجها لكل الناس، عوام وخواص. لذلك إنه لما كانوا غير متساوين في الإدراك وفي طرق التفكير، وظف جميع طرق التصديق التي هي عامة للجميع عوام وخواص، العوام يأخذون منه ظاهره، والخواص يزيدون على ذلك ما يعرفونه بالبرهان، شريطة أن لا يصرحوا بتأويلاتهم للعوام، لأن التصريح بها في حقهم، معناه إباحة التفكير والنظر بدون ضوابط، ولذلك لابد من أن يقدم لهم الدليل على وحدانيته سبحانه، وعلى صدق الرسول وعلى اليوم الآخر، من غير زيادة على الأدلة القرآنية. وإذا تم التفكير في هذه الأدلة  ينبغي أن يكون تفكيرا سهلا وبسيطا "لا بقول المتكلمين أن الأعراض حادثة، وأن الجواهر لا تخلو عن الأعراض الحادثة فهي حادثة، ثم المحدث يفتقر إلى محدث، فإن تلك التقسيمات والمقدمات، وإثباتها بأدلتها الرسمية يشوق قلوب العوام، والدلالات الظاهرة القريبة من الأفهام على ما في القرآن تنفعهم، وتسكن نفوسهم، وتغرس في قلوبهم الاعتقادات الجازمة"([53])، لذلك فلكل صناعة أهل، ومن وصل الحكمة بالشريعة وقدمها للعامة، كمن أهدى نفائس صناعة إلى غير أربابها"([54]).
إن التمييز بين أصناف الناس، راسخة في التداول الإسلامي العربي، ولقد كانت سنة من سنن رسولنا الكريم في تبليغ رسالته الربانية إلى الخلق كافة. ونستدل على ذلك بما كتبه صلى الله عليه وسلم  في مخاطبة أحد ملوك الفرس قائلا له: "من محمد رسول الله إلى كسرى ابرويز عظيم فارس: سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، أدعوك بداعية الله، فإني رسول الله إلى الخلق كافة لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فاسم المجوس عليك"([55])، وهذه كلمة بسيطة معبر عنها بألفاظ سهلة لا تحتاج إلى تأويل وإلى تعميق نظر. وهذا دليل منه صلى الله عليه وسلم على وعيه بأن مخاطبه لا يتقن العربية، فكيف به يستطيع تأويل مفاهيمها، إذا جاءت غامضة؟ لكن عندما كان يخاطب  قومه كان يفخم اللفظ، ويكسوه معاني ودلالات كثيرة لعلمه بإتقانهم للغة العربية ومحبتهم لها. ومن أقواله المأثورة ما كتبه لوائل بن حجر الحضرمي قائلا: "من محمد رسول الله، إلى الأقيال العباهلة من حضر موت، بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، على التبعة الشاة، والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس، لاخلاط، ولا وراط، ولا شناق، ولا شغار..."([56]).
لقد أبدى ابن رشد ميلا كبيرا إلى هذا الطريق المنهجي في التبليغ، حرصا على سلامة العامة، إلا أنه ينبغي أن نشير إلى أن الزيادة في الإمعان تبين لنا أن الحكمة والشريعة لا زالتا متداخلتين، من غير أن يخل هذا التداخل بالفصل الذي أقامه بينهما، ويظهر هذا في تمييزه في نصوص الشرع بين ما يؤول وما لا يؤول: ما يؤول هو للجمهور يأخذ عن ظاهره بآليات تبليغية سهلة وبسيطة، وما يؤول من نصوص الشريعة الإسلامية لا زال موصولا بالحكمة، ولا يمكن تأويله إلا باستثمار الآليات المنطقية البرهانية، وهذا هو ما نعبر عنه ب"التداخل التكاملي" الذي يقوم على استثمار القوانين ويهمل المتغيرات.
 وعليه فإن نصوص الشرع ثلاثة أصناف:
أ- بعضها لا يؤول، وينبغي أخذه على ظاهره.
ب- بعضها يؤول حتى يكشف المعنى الباطن.
د- بعضها متردد بين هذين النوعين، حيث يوقع شكا وحيرة في تأويله أو عدم تأويله.
         أ- مالا يؤول من نصوص الشريعة وينبغي أخذه على ظاهره في نظر ابن رشد، ثلاثة أمور: الإقرار بوجود الله، وبصدق رسالة نبيه، واليوم الآخر، دون أن يتم تجاوز ذلك إلى ما بعده، وهذا يذكرنا بالغزالي الذي ألح غير ما مرة على هذا المنع، إذ يرى أن ذلك ليس من شأن العوام والمتكلمين لأنهم لا يتشوفون إليها، ولا يهتدوا إلى الطريق المفيدة. "فأقول للعامي ليس الخوض في الاختلافات من عشك فادرج فإياك أن تخوض فيه أو تصغي إليه فتهلك (...) فكيف تكون من أهل العلم، ومن أهل الخوض فيه، فإياك ثم إياك أن تهلك نفسك، فكل كبيرة تجري على العامي أهون من أن يخوض في العلم، فيكفر من حيث لا يدري"([57]). لذلك ينبغي في إبلاغهم هذه الأدلة أن ينزلوا منازلهم، وذلك ليس بالاعتماد على آليات برهانية طويلة تنبني على تقنيات متفننة، بل بمقدمات بسيطة وسهلة للفهم، لا تتطلب تفكيرا طويلا، ولا نظرا عميقا لفهم نتائجها. تستثمر فيها كل الأدوات اللغوية، وخصوصا البلاغية من مجاز، واستعارة، وتشبيه، واستقراء، وغيرها، في صور بلاغية بليغة مقبولة تحقق النقلة من المعنوي إلى الحسي بغرض الإبانة والتوضيح، لا أن يكون التخاطب بفاخر الكلام وناذره، ورصينه ومحكمه، لأن العوام لا يستطيعون فهمه ويذهب معناه عنهم، ومن فعل ذلك معهم "ذهبت فائدة كلامه، وضاعت منفعة منطقه"([58])، فهذه الآليات التبليغية فيما يرى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، هدفها إيضاح الملابسات، وكشف عوار الجهالات، بأسهل ما يكون من العبارة، ولذلك قال الحسين بن علي رضي الله عنهما "البلاغة تقريب الحكمة بأسهل العبارة"([59])، وإذا كانت هذه الآليات بمقدورها تفسير عسير الحكمة وتقريبه بأقرب الألفاظ تداولا في أوساط العامة، وباستطاعتها تفهيمهم ما يفهمه الخواص، فإنها تشكل بديلا تبليغيا في نظر ابن رشد في تقريب الفكر سواء كان شريعة أو حكمة، للطريق الآخر الذي يستعين في تبليغ الفكر بمفاهيم فلسفية مفصولة عن مضامينها، وموصولة في الآن نفسه بمضامين لم تساهم في إنتاجها.
ب- ما يؤول من نصوص الشريعة، هي جملة النصوص الشرعية، التي يصعب فهمها، حيث تحتمل دلالات متعددة ومتناقضة، ولذلك فهي تحتاج إلى تعميق النظر، للكشف عن المعنى الباطن فيها، وهنا تكون الشريعة في حاجة للتداخل مع الحكمة، ليس بمعنى حشر الحكمة في أحشاء الشريعة، كما فعل المتكلمون والفلاسفة، فهذا النوع ليس من التداخل في شيء، بل تتوسل بآلياتها المنطقية، وبقوانينها البرهانية دون غيرها. وهذا ما يفسر لنا الوصل الجنسي بينهما، وهذه الطريق "هي من شنشنة قوم عرفوها من أحمد (ص) وهم قوم، اهتدوا بنور الله إلى ضياء القرآن، وأخذوا منه الميزان بالقسط والقسطاس المستقيم، فأصبحوا قوامين بالقسط"([60])، ولا يخفى على أحد ما يعني الميزان والقسطاس المستقيم عند الغزالي*. إن العقل، القياس العقلي، والنظر البرهاني، هو طريق ابن رشد كما هو معلوم، لذلك سيكون هذا العمل منوطا بالخواص الذين يعرفون طريق النظر البرهاني، ويعرفون جملة الآليات والقوانين التي ينبغي معرفتها، في فحص الآليات الاستشكالية قبل توظيفها.
لممارسة هذا النشاط العقلي يشترط أبو الوليد شروطا ثلاثة متماسكة ومتداخلة فيما بينها:
1- احترام خصائص الأسلوب العربي، لأن عدم احترام هذه الخصائص معناه صرف المعاني عن مبانيها، وإذا فعل المؤول ذلك غاب عنه المعنى الحقيقي المرغوب في كشفه ومعرفته.
2- احترام البنية الداخلية للنص، وهذا الشرط معناه عدم إقحام مفاهيم لا تمت بصلة للمجال التداولي، التي قد تشوش على وضوح البناء الداخلي.
3- مراعاة المستوى العقلي لمـن يوجه إليه التأويل، وهذا الشرط أيضا معناه، إبعاد هذا النوع من النظر عن العامة، رغم أن مفاهيمه واضحة ولا اشتراك فيها، وذلك بالموازنة بين مستوى المعاني ومستوى المستمعين "فيجعل لكل طبقة كلاما ولكل حال مقاما، حتى تقسم أقدار المعاني، على أقدار المقامات(...) وأقدار المستمعين على أقدار الحالات"([61])، فهذه التأويلات لا ينبغي الإفصاح عنها إطلاقا، لأنها تصعب في بعض الأحيان حتى على الخواص، فما بالك بالعوام*،
ج- النصوص المترددة بين هذين النوعين، وهي نصوص توجد في مفترق الطرق، حيث يجد الفيلسوف نفسه حائرا، هل يلحقها بالنظر الشرعي أم يلحقها بالنظر بالبرهاني، هل ينظر فيها بمفاهيم شرعية أم بمفاهيم فلسفية، هل يأخذها بظاهرها، أم يذهب إلى تأويلها؟
يقول أبو الوليد: "وهاهنا صنف ثالث من الشرع متردد بين هذين الصنفين يقع فيه الشك، فيلحقه قوم ممن يتعاطى النظر بالظاهر الذي لا يجوز تأويله، ويلحقه آخرون بالباطن الذي لا يجوز حمله على الظاهر للعلماء، وذلك لعواصة هذا الصنف واشتباهه، والمخطئ، في هذا معذور، أعني العلماء"([62])، أما بالنسبة لابن رشد فهو من الذين يفضلون إلحاق النظر في هذه النصوص بالنظر البرهاني، بدليل أن الظواهر ما كانت لتكون متعارضة لولا تنبيه فطر الراسخين في العلم إلى ضرورة النظر فيها([63]).
لقد شكلت هذه النصوص مادة لتأويلات المتكلمين، حيث أولوها تأويلات متعددة، إلا أن ابن رشد يرفض طريقهم- لأنهم سلكوا في تأويلاتهم مسلك الفصل لرفع التعارض كما رأينا- ويشترط في تأويل هذه النصوص ضرورة الجمع بينها برؤية تكاملية للإمساك بالمعنى الغامض. وهذه الطريقة تذكرنا بابن رشد الفقيه في "بداية المجتهد، ونهاية المقتصد" الذي كان دائما، وقبل أن يستعمل قوانين الترجيح. يذهب إلى الجمع للوقوف على الخلل في الأدلة، ويذكرنا بابن رشد الفيلسوف الذي كان في شروحه، قبل أن ينظر نظرا برهانيا في القضايا، يعمل بالجمع بين الإثبات والإبطال للمسألة الواحدة، ليقف على حجم الصعوبة والعواصة في قضاياه الفلسفية، ولذلك يمكن أن نقول بوحدة المنهج، وإن اختلفا نوعا، وسبب هذا الاختلاف، هو طبيعة الآليات المفهومية الشرعية والفلسفية، فالمفاهيم الشرعية تستدعي استحضار القرائن، تمهيدا للترجيح بيد أن المفاهيم الفلسفية يستدعي فحصها الاعتماد على النظر الجدلي تمهيدا للنظر البرهاني.
وعليه يمكن أن نستنتج أن نصوص الشريعة الإسلامية ثلاثة أصناف، ينبغي أن ينظر فيهما بطريقتين: الأول، مالا يؤول و يعتمد في تبليغه على آليات تبليغية بسيطة، والباقي من النصوص يعتمد فيها على آليات برهانية، لكن بأي الطريقين يأخذ أبو الوليد في تبليغ مقاصده في ثلاثيته، خصوصا وأنها مؤلفات اعتنت بعلاقة الحكمة بالشريعة، إذ "فصل المقال" يعتبر تنظيرا منهجيا لها، و"الكشف عن مناهج الأدلة"، و"تهافت التهافت" تطبيقا وتمثيلا لها؟ هل هذه الثلاثية موجهة للعامة؟ وإذا كان الأمر كذلك فينبغي اتباع طرق تبليغية بسيطة، أم هي موجهة للخاصة؟ وإذ ذاك عليها اتباع طرق برهانية مركبة ومتفننة.

2-1- الوصل الآلي بين الطريقين التبليغي والتصنيعي

إن الناظر في الوضع الآلي لهذه الثلاثية من جهة التبليغ، لا يمكنه إلا أن يلاحظ أن ابن رشد جعلها موسومة بطابع البساطة والسهولة، ويظهر هذا في تقديم تعريفات محددة لجملة من المفاهيم: كمفهوم العلم، الحكمة، الطبيعة، وغيرها. كما يظهر أيضا في التوسل بآليات التشبيه، لتقريب المعاني البعيدة، كالحال مثلا: في تشبيه الأجرام السماوية بعلاقة الأمير بمأموريه، والسيد بعبيده، وهذا تشبيه عامي معروف ومتداول بينهم، وأيضا تشبيه الفلك والتغييرات التي تطرأ على أوضاعه، بإنسان يحرس المدينة أو البيت بالدوران حولها ليلا ونهارا لحمايتها، وتشبيه علاقة الحسنات بالسيئات، بعلاقة الأغذية بالصحة([64])، كما وظف آليات التمثيل على نطاق واسع خصوصا في "فصل المقال" إذ هو "لم يقف عند حدود التوسل بالتمثيل في تعريفه للفلسفة الإلهية، بل جاوز ذلك إلى أن أفرد كتابا، لهذه الفلسفة، وهو لا يكاد يتوسل في بناء موضوعها ومنهجها، وفي تقرير مشروعيتها على امتداد حجم هذا الكتاب، إلا بالآليات التمثيلية"([65]).
النظر من هذه الجهة لهذه المؤلفات يجعلنا نسجل، أن أبا الوليد يتوجه بها إلى العامة، ولا سيما وأنه يلح في عدد من المواقع من هذه الثلاثية على أنه يتوجه بها إلى العوام، لذلك آثر استعمال الحجاج لإقناعهم بما يلزم معرفته من هذه الأشياء.
لكن بالمقابل ينبغي ألا تحجب عنا هذه الآليات التبليغية حضور الآليات المنطقية، التي تقتضي الدقة المفاهيمية والتقعيد الدلالي، فلقد رأينا سالفا بما فيه الكفاية ما يعفي من إعادة تكراره هنا، أن ابن رشد أعاد المفاهيم الفلسفية لمواضعها، ووصلها بمضامينها، لكن هذا الصنيع لا يهم العامة في شيء في هذه الثلاثية  ولاسيما وأنه نبه على عدم إطلاعهم على البرهان وعلى مفاهيمه، لعدم ألفتهم به، ولذلك كان من اللازم أن يقتصر على النصوص التي لا تحتاج إلى تأويل، وحملها على ظاهرها كما يقول، ويترك الحديث عن التي لا ينظر فيها إلا بالتأويل، الشيء الذي يجعلنا نتساءل: هل ابن رشد يتوجه بهذه المؤلفات إلى الخاصة؟
من خلال صريح نصوص ابن رشد، فهي مؤلفات لا يتوجه بها للخاصة، بل للذي لم يتقدم بعد للارتياض بهذه الأشياء التي يجب الارتياض بها، وأمام هذا الوضع الاستدلالي التبليغي المزدوج، اختلف الدارسون حول الفئة المخاطبة في هذه الثلاثية، هل هي العامة أم الخاصة؟ فالتي غلبت النظر في طابع البساطة والسهولة ، قالت إنها مؤلفات جدلية موجهة للعامة، ومن ثم فهو متكلم كالمتكلمين، والتي غلبت النظر في اللغة الفلسفية، قارنت بين هذه المؤلفات، فوجدت فروقا بينها، فرأت أن  "تهافت التهافت" يعتمد على المقدمات المركبة، والطرق التي لا يستطيع  الجمهور استخدامها، وهو طريق خاص بالحكمة وأهل البرهان، في حين أن "الكشف عن مناهج الأدلة"، و"فصل المقال" في متناول الجميع، إذ طبعت بطابع الطرق الشرعية، ففي الأول بلغ تصوره للذات الإلهية ذروة التنزيه والتجريد، ونفي أي شبهة من شبهات المادة والجسمية، بيد أنه في "الكشف" و"الفصل" يقدم تصورا للذات الإلهية فيه جسمية نابعة من تخيلات العامة وتصوراتها التي تقيس دائما وأبدا كل الأمور الغائبة على لا ما تعرف في عالم الشهادة والعيان([66]).
إلا أن تقويم الآليات الاستدلالية في هذه الثلاثية، ينبغي فيه استحضار طابع التداخل بين الجانبين التبليغي و التصنيعي وهو تداخل لا انفكاك فيه لأحدهما عن الآخر"لذا ينبغي طلب الآليات الاستدلالية بالاستناد إلى حقيقة هذا الامتزاج بين التصنيع والتبليغ في الخطاب الإلهي الرشدي"([67]). وهذا الطلب يجعلنا أمام نفس السؤال: أي نوع من الفئات المخاطبة؟ فالمزاوجة بين الطريقين يلغي احتمال توجهها للخاصة أو للعامة، الشيء الذي يجعلنا نقول ولو مرحليا بأن جمع ابن رشد بين ما يؤول ومالا يؤول في آن معا، والذي رافقه جمع للآليات الاستدلالية في هذه الثلاثية لا يخلو من خلط استدلالي ينبغي حسمه. أعني هل هو تناقض وسم الخطاب الفلسفي الرشدي أم غيره؟
قد يعترض علينا في هذا الاستخلاص –خلط ابن رشد بين طريقين استدلاليين متباينين أحدهما تبليغي والآخر تصنيعي بالقول: إن الحجاج يذهب إلى تقرير وصل الخطاب الفلسفي بالخطاب الطبيعي والحجاجي، وأن الخطاب الفلسفي لا يعتمد على البرهان الرياضي الذي يشتغل على "الأكسيومات" كما هو الحال في علوم التعاليم، بل يعتمد على برهان خاص بالفلسفة، يشتغل على الأطروحات والإشكالات والمفاهيم، وبالتالي فهو برهان لا يتحقق إلا بواسطة اللغة وآلياتها من تمثيل وتشبيه واستقراء وغيرها، "فبه نكون أمام تناسق وتماسك مسارات المفاهيم، أكثر مما نحن أمام تماسك القضايا المنطقية" [68]انطلاقا من ابن رشد نفسه. وعليه فإن الجمع بين الطريقين ليس خلطا وقع فيه الرجل، بل تلك هي حقيقة البرهان الفلسفي، وإذا نظر أبو الوليد في ثلاثيته بهذا النوع من النظر البرهاني، فإن مؤلفاته موجهة للخاصة.
نقول: إن اعتراضنا على مسلك الجمع بين الطريقين التبليغي والتصنيعي عند ابن رشد، لا ينبغي أن يفهم منه أننا مع فصلهما، لأن هذا النوع من الفصل يعني: فصل البرهان عن إمكانات ومقتضيات تحققه، وبالتالي فالفصل يعتبر نفيا للبرهان الفلسفي وإعدامه بالكامل، ولكن نعترض على كون هذا النوع من النظر موجه للخاصة، بدليل النصوص الرشدية الصريحة التي أكد فيها غير ما مرة، على أن يتوجه بها إلى أولئك الذين لم يرتاضوا  بعد على صناعة الحكمة، ولذلك نقول:
نعم، إن البرهان الفلسفي  يعتبر برهانا تداوليا "يتكامل فيه البعد التحليلي العقلي المنطقي مع البعد الحجاجي التناظري الإقناعي، والحجاج الفلسفي كأي حجاج آخر، تقاس صلاحيته بمعايير خارجية، أي بمعايير قوته وضعفه في الإقناع، غايته ليست هي الصحة والصواب بل هي التأثير والتقبل، أما صلاحية البرهان وصدقـه فهي على عكس صلاحية الحجاج، إنها لا تقاس بمعايير خارجية، أي برأي أو موقف الآخر منه، بل قيمته مباطنة له"([69])، أي تكمن في صدق قضاياه وتماسك علاقاته، ولذلك فالبرهان الفلسفي يجمع بين الطريقين، فتقاس معايير صلاحيته بمعايير داخلية وخارجية في آن معا، خلافا للعلوم التداولية الأخرى التي تركز على الإقناع فقط، "فالفيلسوف يشبه، ويستعير، ويصف، ويمثل، ليفهم التصورات الأولية، وليشكل القضايا على شرط أن تكون استدلالاته صادرة عن العقل دون أن يتجاهل متطلبات التلقي"([70]).
إن ممارسة البرهان الفلسفي معناه، اقتسام الحقيقة مع الآخر، باعتبارها اعتقادا جازما مبنيا على أساس معقولية و صرامة الدليل، والتوافق معه على صرامة ومعقولية التفكير، وليس اقتساما للقناعات التي لا دليل عليها و التي تعرف عند الفلاسفة بالاعتقادات الفاسدة ، هذا هو هدف الفلسفة بالقصد الأول، وليس التأثير في العواطف والمشاعر.
إن الآليات الاستدلالية التبليغية بالأساس التي يعتمد عليها الفيلسوف، تجعل المتلقي يقبل بحقائقه، وليس له من سبيل للتعبير عن هذه الحقائق غير طرق سبيل هذه الآليات، وطاقاتها التواصلية والاستدلالية. ولذلك يمكن أن نقول: إن عقلانية ومعقولية التفلسف لا تستدعي العداء التام لحضور هذه الآليات، أعني حيث ما يوجد البرهان ينبغي أن تغيب الآليات التبليغية بإطلاق، وحيثما تحضر هذه الآليات ينسحب البرهان ليترك المجال فارغا لها، بل بالعكس من ذلك تماما، فهما متكاملان  إن لم نقل متلازمان، إذ لا وجود لإبلاغ بدون مادة ينبغي إبلاغها، كما لا يمكن إبلاغ مادة بدون وسائل لإبلاغها، ولذلك فالبرهان يشكل المادة* والمضمون، والآليات التبليغية هي جسور وقنوات له.ولذلك فأفكار الفيلسوف لا يمكنها بإطلاق أن تكون "عارية من مستلزماتها اللغوية والأسلوبية التي تفيده في إنجاز قدر من التأثير العاطفي، وتسلك بالمتلقي نحو التبني العملي لحقائقها"[71]، فالفيلسوف لا يمكن أن يبين حقائقه الفلسفية إلا بالعتاد والذخيرة اللغوية.
 إن دور الآليات اللغوية يكمن في كونها تجعل الفيلسوف قادرا على الإفصاح عن حقائقه البرهانية، أي إظهارها وإخراجها من دائرة الظل إلى دائرة الوضوح والتجلي. يقال:"أفصح الصبح إذا أضاء، وأفصح اللبن إذا انجلت رغوته فظهر، وأفصح الأعجمي إذا أبان بعد أن لم يكن يفصح ويبين"([72]).هذه هي علاقة البرهان بطاقاته اللغوية.
وعليه فالبرهان الفلسفي، لا يمكن عزله وفصله عن اللغة وبالتالي عن البيان، بل البيان هو ما يشكل قوامه، وشرطا من شروط وجوده، ولا يمكن أن ينمو ويترعرع ويظهر إلا في أحضان البيان، ولذلك فالفصل بينهما يعتبر فصلا تعسفيا ينم عن أمرين: الأول هو أن الدعوة إلى فصلهما تنم عن فهم خاص للبرهان مباين للبرهان الفلسفي الذي يرتضيه ابن رشد منهجا للخطاب الفلسفي، والثاني استثمار هذا الفصل المزعوم بين البيان والبرهان، وبالتالي بين الحكمة والشريعة استثمارا إيديولوجيا في الوقت الذي لا تتحقق فيه الحكمة عند ابن رشد إلا بواسطة الشريعة، ولا يتحقق البرهان إلا بواسطة البيان[73].
هذا هو البرهان الفلسفي الذي ينبغي إبلاغه للخواص، وعليه فإن اعتراضنا على الجمع بين البرهان والآليات التبليغية، لا يعني رفضا للجمع بين البرهان ومستلزماته التبليغية، والذي يظهر بجلاء في طبيعة النظر في الآليات المفاهيمية الفلسفية، ووصلها بمحتوياتها، ولكن الاعتراض على الجمع بين الآليات الاستدلالية التصنيعية  الصرفة لتبليغ مالا يؤول من نصوص الشريعة الإسلامية مع تبليغ ما يؤول من هذه النصوص، ولذلك يمكن القول: إذا كان البرهان الذي هو بالوصف الذي سقناه أعلاه يوجه للخاصة بالضرورة باعتبارها هي القادرة على فهمه وتنزيله في  الموضع اللائق به، فإن استحضار الآليات الاستدلالية التبليغية الصرفة، تجعلنا نشك في أن الفئة الخاصة هي الفئة المقصودة عند أبي الوليد ابن رشد، ولا يمكن أن نقبل ذلك  إلا إذا كانت الخاصة عنده تعني الفئة التي لا زالت بعد لم تتعود على إحكام صناعة الفلسفة.
وعليه، فإن البث في حقيقة هذه الفئة المخاطبة، يقتضي طرح السؤال التالي:  ما هي طبيعة الآليات الاستدلالية التصنيعية والتبليغية في آن معا في ثلاثيته؟
 للإجابة عن هذا السؤال: نطرح سؤالا آخر  يمكننا من قراءة ثلاثية ابن رشد قراءة تكاملية تسمح بالاهتمام بنصوص رشدية أخرى، فنقول: ألا يوجد في الآليات التبليغية ما منها يوجه للعوام، وما منها يوجه للخواص؟ وأيضا، ألا يوجد في الآليات التصنيعية ما يوجه للخواص وما منها يوجد لغيرهم؟
2-2- طبيعة الآليات التبليغية والتصنيعية عند ابن رشد:
في إجابتنا عن الأسئلة المطروحة أعلاه، نستهل الحديث عن الآليات التبليغية  بما يقوله اللغوي عبد القاهر الجرجاني الذي يرى أن "الكلام يفضل بعضه بعضا ويتقدم منه الشيء الشيء، ثم يزداد من فضله ذلك، ويترقى منزلة فوق منزلة، ويعلو مرقبا بعد مرقب، ويستأنف له غاية بعد غاية، حتى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع، وتحسر الظنون، وتسقط القوى، وتستوى الأقدام في العجز"([74]). فالكلام منه ما هو كلام بسيط، يمكن فهمه لمجرد سماعه، وهناك كلام يحتاج إلى تأمل وتفكر، ولذلك يمكن القول: إن الآليات التبليغية نفسها منها ما هو موجه للعوام، ومنها ما هو موجه للخواص، باعتبارها متفاوتة ومتفاضلة، فالاستعارة مثلا كآلية لغوية، استعارتين: فهناك استعارة العامي البسيط *وهناك استعارة الخواص الناذرة التي لا يقع على معانيها، إلا من كان متوسعا في معرفة اللغة العربية، ومدركا لوجوه استعمالها، وعلى دراية تامة بفاخر ألفاظها. بهذه الطريقة ينبغي أن ننظر في الآليات التبليغية في الثلاثية الرشدية، فننظر في طبيعة هذه الآليات داخل سلمها، هل هي آليات بسيطة تبسيطية موجهة للعوام، أم هي آليات يعجز عن إدراكها العوام، ولا يقع على معانيها إلا الخواص؟
2-2-1-  الآليات التبليغية
إن الناظر في شبكة الآليات التبليغية عند ابن رشد في ثلاثيته، يجده يركز في تقريب المعاني على جملة من التشبيهات، ثم يرتقي بعد ذلك إلى التمثيلات، كما يمكن أن نلاحظ أن أغلب هذه التمثيلات –إن لم نقل كلها- ركزت على تقريب  علاقة الحكمة بالشريعة، وعلى وحدتهما الجنسية بالأساس، جاعلا الشريعة أصلا، والحكمة فرعا له، ناهجا في أغلب هذه التمثيلات أسلوب الإغراء بغية شحذ همم القراء للاهتمام بالفلسفة، والأدلة على ذلك كثيرة، نمثل لذلك بإحداها بقول ابن رشد: "ومثال مقصد هؤلاء مع مقصد الشارع، مثال من قصد إلى طبيب ماهر قصد حفظ صحة جميع الناس، وإزالة الأمراض عنهم بأن وضع لهم أقاويل مشتركة للتصديق في وجوب استعمال الأشياء التي تحفظ صحتهم وتزيل أمراضهم، وتجنب أضدادها، إذ لم يمكنه فيهم أن يصير جميعهم أطباء، لأن الذي يعلم الأشياء الحافظة للصحة والمزيلة للمرض بالطرق البرهانية هو الطبيب، فتصدى هذا إلى الناس وقال لهم: إن هذه الطرق التي وضعها لكم هذا الطبيب ليست بحق، وشرع في إبطالها حتى بطلت عندهم(...) هذا إن صرح لهم بتأويلات صحيحة في تلك الأشياء لكونهم لا يفهمون ذلك التأويل، فضلا إن صرح لهم بتأويلات فاسدة تحفظ الصحة وتزيل المرض، وهذه هي حال من يصرح بالتأويل للجمهور (...) وإنما كان هذا التمثيل يقينيا وليس بشعري كما لقائل أن يقول، لأنه صحيح التناسب: وذلك أن نسبة الطبيب إلى صحة الأبدان، نسبة الشارع إلى صحة الأنفس، أعني أن الطبيب هو الذي يطلب  صحة الأبدان، إذا وجدت ويستردها إذا فقدت، والشارع هو الذي يبغي هذا في صحة الأنفس، وهذه الصحة هي المسماة بالتقوى"([75]).
       إن آلية المماثلة والتي كانت أكثر حظا من غيرها في تبليغ علاقة الحكمة بالشريعة وترسيخها، تعتبر فرعا من التشبيه الذي يعتبر أصلا، ولقد اعتبرها اللغويون فرعا، للخصوصية التي تتمتع بها، على الرغم من أنها تستند في وجودها إلى المشابهة مثلها مثل التشبيه، وهذه الخصوصية تكمن في كونها تعتبر نقلة عقلية تتجاوز التشبيه ووضوحه الذي يصير فيه إدراك وجه الشبه بشكل سريع ومباشر، لأنه يعتمد على تصوير لمدركات الحس المألوفة، فتكون واضحة في طرفي التشبيه.
     وعليه فالتقديم الحسي في تقدير اللغويين يشكل الآلية الأولى للتعلم، والذي يترتب عنه بعد ذلك معرفة المعقولات، إذ لا يتم الإدراك العقلي في الأغلب الأعم، دون رجوع إلى ما يقدمه الإدراك الحسي، ومن هنا يتحول التصوير الحسي إلى وسيلة معرفية تقرب المعاني المجردة التي يصعب على المرء إدراكها عقلا دون معاونة الحس([76]). أما في آلية المماثلة فوجه الشبه يحتاج إلى اعتماد التأويل العقلي لرفع الضبابية عنه، وهذا لا يوجد في التشبيهات، التي لا يكون للصفة فيها وجود حقيقي، لأن وجودها في هذه الآلية يكون تقديريا، وسبب ذلك أنها تقوم على الجمع بين أمرين يكونان بعيدين من جهة ومختلفين من جهة أخرى، يصعب إمساكها والوقوع عليها إلا بالتأويل. وهذا التأويل نفسه يتفاضل ويتفاوت في شبكة التمثيلات من تمثيل لآخر، والسبب في ذلك درجة البعد في طرفيه وعدم وضوح العلاقة بينهما، فهناك من التمثيلات من تكون قريبة في وضوحها من التشبيهات الصريحة، ومنها ما تتطلب زيادة في التأويل على ذلك، وصولا إلى الحد الذي نصل فيه إلى التمثيل الذي يقوم على التركيب المركب، الذي يؤدي إلى الغموض، ويفرض الإغراق في التأويل، وهذا النمط موجود في القرآن الكريم، وهو النمط العالي من أنماط  التمثيل، لاعتماده على نوع من الغموض المستحب.
         إن الناظر في تمثيلات ابن رشد يجدها تسلك مسلكا وسطا، فلا هي تشبيهات عامية، ولا هي تمثيلات للخواص، بل جاءت تمثيلات مغرية للتطلع إلى معرفة الحكمة ومحبتها، وتقوم بترويض فكر المتلقي على استخدام العقل، وإعداده لقبول الأقاويل العقلية. ولما كانت طبيعة الآليات التبليغية عند ابن رشد لا تخلو من بساطة من جهة، كما لا تخلو من شحذ للذهن، وإغراء للتطلع نحو الحكمة ، فإننا لا نوافق بإطلاق القائلين بأن هذه المؤلفات موجهة للعامة، ولذلك يمكن القول: إن كانت موجهة للعامة فهي عامة ليست كالعامة التي لا تفقه ولا تنقه بتعبير الغزالي، أو قل إنها  "خاصة العامة ".

2-2-2- الآليات التصنيعية

         إذا كان التفاضل ملازما للآليات التبليغية، فلا يخلو أن يكون ملازما للآليات التصنيعية كذلك، وقد تعرض ابن رشد لهذا التفاضل في كتاب البرهان، فبعضها ممزوج بعناصر الخيال بهدف تقوية التصديق فيها، وبعضها موصول بمستلزماته اللغوية دون هذه العناصر، ولا يمسك بالتصديق الذي يكتنف هذه المقدمات إلا المحنكون في صناعة البرهان، العالمون بشروط بناءه. لذلك، وهو ينظر في الإشكالات التي تطرحها الإلهيات، كان يجد نفسه ملزما بالمقارنة بين آراء المتكلمين، وآراء الفلسفة الحقة، وهذه المقارنة كانت سبيلا لبيان الخلل الذي تحتوي عليه تلك الآراء، من خلال طرح جملة من البراهين ذات طابع تبسيطي من غير استعراض لتفاصيلها. وعليه، يمكن أن نسجل طبيعة اللقاء بين الآليات التبليغية والآليات التصنيعية، والذي يتمثل في ترويض الفئة المخاطبة التي أسميناها " خاصة العامة " للتدرب على النظر في الأشياء نظرا برهانيا، وهذا لا يصدق على ثلاثيته فقط، بل يصدق وبالمثل على جوامعه. ونمثل لذلك، بالاختلاف الحاصل بين حديثه عن الحد، الذي ركز فيه على الدور المنطقي والمعرفي، بيد أنه في الشروح يتحدث عنه مستحضرا أبعاده الأنطولوجية، فالحد في الجوامع غير مشحون " بذلك الثقل الماهوي الذي سيتزايد في تطور الأجناس التفسيرية " ([77]). إن طابع البساطة الذي يكتسي براهين ابن رشد في ثلاثيته يبين مدى استحضاره للوظيفة التربوية، واحترامها في هذه الأعمال. ويظهر هذا في عدد كبير من النصوص، نمثل لذلك بمناقشته لاعتقاد خصومه في نظام الكون. إذ بعد أن استعرض آرائهم، قدم برهانا مجملا من غير تفصيل، ويبرز هذا الإجمال في الاعتقاد الفلسفي الصحيح، أن تفصيل هذه الأشياء " ليس يمكن أن يبين هاهنا، إذ كانوا بنوه ( يعني القدماء) على أصول ومقدمات كثيرة تبين في صنائع كثيرة وبصنائع كثيرة، بعضها مرتب على بعض"([78]) ، فالفئة المخاطبة هنا، لا تمتلك قدرا من الشمولية في التكوين حتى تستطيع فهم المعاني البرهانية الخفية، والوقوف على القوانين والآليات الضروري معرفتها في كل علم. إلا أنه ينبغي أن نشير إلى أن أبا الوليد وهو يبسط البراهين، فهو ينبه بالمثل كل من نضج لاستيعاب ما هو أكثر من هذه البراهين، وذلك بالتوجه للاطلاع على الشروح، ويظهر هذا في قوله " فمن أحب أن يقف على هذا، فليضرب إليها بيده في المواضع التي وجب ذكرها، وذلك بعد الشروط التي يجب أن يتقدم وجودها في الناظر نظرا برهانيا "([79]).
          لا يمكن للبراهين المجملة أن تفيد اليقين إطلاقا، بل تفيد الإقناع وغلبة الظن، كما أنها تغري القارئ لها فتحركه "إلى وقوع اليقين بالنظر في العلوم"([80])، وطابع الإغراء هنا يذكرنا بالتقاء الآليات التصنيعية مرة أخرى بالآليات التبليغية، في هذه الثلاثية.
         وعليه يمكن أن نقول : إذا ذهب بعض الدارسين، وبموجب تغليب نظرتهم  للآليات التصنيعية على الآليات التبليغية في الثلاثية وقالوا: إنها موجهة للخواص، فإننا أيضا لا نوافقهم كليا، ولذلك إذ نسلم معهم أنها موجهة للخاصة، فإنها ليست كالخاصة، المعروفة ببعد نظرها، وعلمها بشرائط البرهان، ولذلك  يمكن أن نصطلح عليها " بعامة الخاصة ". لكن من تكون هذه الفئة التي هي تارة "خاصة للعامة " وتارة أخرى " عامة للخاصة " ؟
    إن طابع التبسط والمرونة، وكذا الإغراء الذي يسود الآليات التبليغية والتصنيعية عند ابن رشد، بمقدوره تفسير هذه الفئة المخاطبة التي تبدو هي الأخرى مرنة، فلا هي بعامة ولا هي بخاصة. إنها الفئة المستعدة للخروج من مصاف العامة – ولذلك أسميناها بعامة ليست كالعامة – لتلتحق بسلك الخاصة الراسخة في العلم من غير أن تصير خاصة بمجرد الاستعداد لذلك – ولذلك أسميناها أيضا " بخاصة ليست كالخاصة " -. إنها الفئة المتعلمة المهيأة لتحمل مسؤولية العلم، إنها هي مستقبل مجتمع وأمة ابن رشد التي تعرضت للتمزق والتشردم، إنها الفئة المراهن عليها في بناء مجتمع تسوده الوحدة المنشودة والتسامح، أمة خالية من التعصب الحزبي والمذهبي الذي كان وراءه المتكلمون والفقهاء المتعصبون على حد سواء، ولذلك كنا نجده يتوقف في العديد من القضايا وعدم التصريح بالقول المفصل، على أن يسمح لنفسه بالتصريح بالقول المجمل، لأن هذه الفئة لا ينبغي اطلاعها على كل العلم من بداية تعلمها. بل ينبغي أن تسلك إليه من بابه، وأن تكون على علم بطرق السلوك إليه، ولذلك اعتبر أن منع البراهين بإطلاق ظلم، وهذا واضح من خلال قوله" إن منعها أي – البراهين المجملة – بالجملة صاد لما دعا إليه الشرع، لأنه ظلم لأ فضل أصناف الناس، ولأفضل أصناف الموجودات "([81]).
      سيمكن لهذه الفئة بموجب تمسكها بطرق التعليم، أن تصير من الخواص بامتياز، لذلك فالمختصرات، والجوامع، والمؤلفات وأخيرا الشروح، إذا رتبت بهذه الطريقة في التعليم، فإنها ستؤدي وظيفة بيداغوجية في طرق التحصيل و بناء المعرفة. فالمختصرات جاءت عنده أقل عمقا من الجوامع، حيث ركزت فقط على كل علم على حدة،  مع الوقوف على آلياته الخاصة حتى تصير معروفة، بخلاف الجوامع التي جاءت مثقلة برؤى أكثر عمقا من المختصرات، والتي هي أقل عمقا بالقياس إلى الشروح والتفاسير([82]).
      خاتمة: وعليه، إن كانت الازدواجية الآلية عند ابن رشد، تبدو في الظاهر تناقضا، فإنها على الأصح هي ما تسمى بتعبير الغزالي ب"سياسة العلم" أي السياسة التي ينبغي اتباعها في تبليغ مقاصده، ولذلك فإن تحقيق هذه الازدواجية الآلية، يعني تحقيق الموازنة بين الفكر واللغة في إطار المعرفة بأحوال المخاطبين، إنها موازنة يستطيع بها ابن رشد تفهيم "خواص العوام" معاني الخاصة بالرغم من صعوبتها عنهم، من خلال استعمال ما يسمى "بالمفاهيم الواسطة[83]*"  
إن الجمع بين الآليات التصنيعية والآليات التبليغية، يعتبر جسرا لعبور العامة إلى مصاف الخاصة، بواسطة المفاهيم الواسطة، وإذا كان الأمر كذلك، فإننا نشك فيما جاء به يوسف سلامة الذي يرى أن ابن رشد في تمييزه بين الخاصة والعامة، كان يريد أن يجرد الجمهور من كل سلطة، ويفرض عليه أن يؤدي فرائض الطاعة والولاء، وأن ينفذ ما أمر به من طرف الأقليـة صاحبة السلطة، فيكون بذلك ابن رشد قد نظر للنخبوية والاستبداد، بل اعتبره هو المؤسس للأساس الإيديولوجي لكل نزعة استبدادية في الفكر والعمل([84])، وخلافا لذلك فإننا نرى أن ابن رشد لو كان ينظر فعلا للاستبداد لما نهج هذا المنهج الحجاجي، باعتباره أحد المسالك الضرورية لتمرير الحكمة المجملة في هذه الثلاثية، ولا انتقد التسلط وحكم الأقلية في كتابه "الضروري في السياسة"، بل بالعكس يبدو ابن رشد أحد أبرز المفكرين الذين يرغبون في تقليص الهوة بين العامة والخاصة، بل ويعتبر أن العامة مصدر لإنعاش فئة الخاصة. وهذا يذكرنا بأرسطو الذي كان يخصص دروسا سماعية لغرض تأهيل التلاميذ تأهيلا فلسفيا([85]).
 



[1] -  هذا النص هو مداخلة ساهمت بها في الندوة الدولية التي نظمها مركز الدراسات و البحوث الإنسانية و الاجتماعية بوجدة،   
[2] -  طه عبد الرحمان:  تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي،البيضاء،الطبعة الأولى، سنة 1994ص: 84
· - المقصود بالثلاثية هنا، كتبه الثلاثة:" فصل المقال" و"الكشف عن مناهج الأدلة" و" تهافت التهافت".
[3]- Isabelles Stangers : les concepts nomades D’une science à l’autre, édition d'u seuil, Paris octobre, 1987.
 P : 20 
[4] - نصر حامد أبو زيد، "مركبة المجاز من يقودها وإلى أين؟" ضمن كتاب: المجاز و التمثيل في العصور الوسطى، تأليف مجموعة من الباحثين، الطبعة الثانية،البيضاء، سنة 1993ص:54.
[5] - يقول ابن رشد: "إن الناس قد اضطربوا (...) كل الاضطراب في هذه الشريعة حتى حدثت فرق ضالة وأصناف مختلفة، كل واحد منهم يرى أنه على الشريعة الأولى وأن من خالفه إما مبتدع وإما كافر مستباح الدم والمال وهذا كله عدول عن مقصد الشارع (ص) وسببه ما عرض له من الضلال عن فهم مقصد الشريعة" الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة،  ، نشر مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة الأولى سنة 1998،بيروت، لبنان. ص: 99.


[6]- للإطلاع أكثر على الموضوع راجع ما تقدم به ذ محمد المصباحي في عمله الذي عالج فيه  مظاهر الوحدة في الفكر الفلسفي لابن رشد
[7] - ابن رشد: تفسير ما بعد الطبيعة، تحقيق موريس بويج، الطبعة الرابعة، سنة 1990-1991منشورات دار المشرق، بيروت، لبنان.
، ص:341
[8] - ابن رشد: نفس المصدر، ص: 327
[9] - ابن رشد كتاب الجدل، تحقيق جرار جيها مي، ، دار الفكر اللبناني سنة 1992.  ص: 516-519
[10] - ابن رشد: كتاب السفسطة، حقيق جرار جهامي، دار الفكر اللبناني، سنة 1992 ص: 682
[11] - ابن رشد: الكشف، ص: 105.
[12] - ابن رشد: تفسير ما بعد الطبيعة، ص: 251.
[13] ابن رشد: فصل المقال فيما بين الشريعة و الحكمة من الاتصال، تحقيق محمد العسكري، نشر مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان. الطبعة الأولى، نوفمبر، 1997، ص: 122.
* - تزكي هذه الخلاصة، أمورا أخرى نذكر منها : قلب طبيعة القياس المتداول بين الفلاسفة من قياس الشاهد على الغائب، إلى قياس الغائب على الشاهد، وأيضا مسألة تصنيف العلوم التي انتهى فيها إلى فصل ما وصلوه، ووصل ما فصلوه ...      

[14] - ابن رشد، الكشف، ص: 102.
[15] - ابن رشد، نفسه، ص: 126.
[16] - ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ص: 341
[17] - ابن رشد، الكشف، ص: 127.
[18] - Richard walzer : l’éveil de la philosophie islamique, librairie orientale, paris1970, P :21.

[19] - هذه من العلامات الدالة على الصلة الموجودة  و المضمرة بين الغزالي و ابن رشد، والتي  عمق فيها  د. محمد مساعد البحث، إذ نقب عن  الاتصال الموجود وراء الانفصال في العلاقة بينهما، في عمله الهام بعنوان مكانة الغزالي في فكر ابن رشد(حضور و مساهمة) 
[20] - للتوسع في هده المساءل الخلافية بين الفلاسفة راجع عمل الأستاذ محمد مساعد السالف ذكره.
[21] - ابن رشد، تهافت التهافت تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة، مصر، سنة 1968، ص: 86.
[22]-"فأما بعض المتكلمين فيرون إيضاح الحق وبأي نوع ينبغي أن يعلم الحق، ولكنهم لا يقدرون على ذلك، وإنما يفعلون هذا، لأنهم لا يعرفون الأنالوطيقا، لأنه ينبغي لمتعلم الحق أن يعرف أولا هذه الأشياء، ولا يطلبها إذا سئل عنها، فمعلوم من هذه الأوائل أن للفيلسوف النظر في الأشياء التي هي أرفع من جميع الجواهر على حقيقتها، وله أن يفحص عن أوائل القياس، وينبغي لمن كانت عنده معرفة جنس من الأجناس أن يقوى، أن يخبر ما أوائل ذلك الجنس الثابتة بالحقيقة، ولذلك ينبغي لمن كانت عنده معرفة الهويات على كنهها أن يقوى أن يخبر ما أوائلها بالحقيقة، والأول بالحقيقة الذي هو أثبت من سائر الأوائل، هو الذي ليس يمكن فيه انخداع، لأنه باضطرار ينبغي أن يكون هذا الأول واضحا جدا معروفا، فإن جميع الناس يخدعون في الشيء الذي لا يعرفونه، وينبغي للذي عنده معرفة شيء من الهوايات، أن يعلم الأول على الحقيقة (.....) بل ينبغي أن يعترف به الذي عنده معرفة الهوية، لأن ذلك يلزمه باضطرار، فمعلوم أن الأول بالحقيقة الثابت أكثر من سائر الأوائل هو ما وصفنا". ابن رشد: مقالة الجيم، من تفسير ما بعد الطبيعة ص: 341، 
[23] - ابن رشد، نفس المصدر، ص: 66.
[24] - ابن رشد، نفس المصدر، الطبعة 3، القاهرة 1981، ص: 428.
[25] -   ابن رشد، نفس المصدر، ص: 428.
[26] - ابن رشد، الكشف، ص: 188.
[27] - راجع له هنا كتاب تلخيص البرهان. حقيق جرار جهامي، دار الفكر اللبناني، سنة 1992
[28] -  عبد المجيد الصغير: "المنهج الرشدي وأثره في الحكم على ابن رشد"، ندوة ابن رشد ومدرسته في الغرب الإسلامي، البيضاء أبريل1978 ص:288
[29] ابن رشد:المصدر السابق، ص: 93.
[30]- سورة النمل، الآية 90    
[31]- سورة النبأ، الآيـة:6
[32] - ابن رشد، الكشف، ص:164
[33] - ابن رشد، نفسه، ص: 157.
[34] - ابن رشد، نفسه، ص: 142
[35] - سورة النور، الآية 35
[36] - ابن رشد، نفسه، ص: 144.
[37] - ابن رشد، نفسه، ص: 129-130
[38] - ابن رشد، تهافت التهافت، 1981، ص: 547.
[39] - سورة آل عمران، الآية103
[40] عبد القاهر الجر جاني: أسرار البلاغة، تحقيق رشيد رضا، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت لبنان.ص: 13.
[41] - ابن حزم عن سعيد الأفغاني: نظرات في اللغة عند ابن حزم، دار الفكر، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية سنة 1985 ص: 34
[42] - ابن رشد، الكشف، ص: 153.
[43] - أبو هلال العسكري: الصناعتين، تحقيق مفيد اقميحة، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية ،الطبعة الأولى، سنة،1981ص: 17
[44] - ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، 1975. دار المعرفة، الطبعة الثانية، سنة 1975 ص: 94.
[45] -  محمد المصباحي: الفكر الرشدي على محك الحداثة، مجلة مقدمات، العدد15،شتاء 1981 ص: 28.
[46] - ابن رشد، تهافت التهافت، ص: 415.
[47] -  أبو هلال العسكري: الفروق في اللغة، تصحيح عادل نويهض،  ، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، سنة 1977،ص: 142.
[48] - حسن حنفي: الاشتباه في فكر ابن رشد، عالم الفكر، المجلد 27، العدد4، سنة 1999، ص:133/134.
· - يعود نحت المصطلح إلى ذ. محمد المصباحي
· - وهذه مسألة أجمع عليها العديد من الدارسين
[49] - حبيب أعراب:"الحجاج و الاستدلال الحجاجي" مجلة عالم الفكر، المجلد 30، يونيو شتنبر 2001، مجلة دورية تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، الكويت.
[50] - حبيب أعراب، نفس المرجع، ص: 11.
[51] - الغزالي: القسطاس المستقيم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1406-1986، ص:48 .
[52] - سورة آل عمران: الآية 7.
[53] الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام ، دار الفكر اللبناني، بيروت،الطبعة الأولى 1993.ص: 85
[54] -  الغزالي: المضنون به لغير أهله، دار الكتب العلمية، بيروت،لبنان،سنة 1996. ص: 21.
[55] - أبو هلال العسكري: الصناعتين ص: 172.
[56] - أبو هلال العسكري: نفس المصدر ص: 172.
[57] الغزالي: القسطاس المستقيم، ص: 49.
[58] أبو هلال العسكري، نفس المصدر السابق، ص: 39.
[59] - أبو هلال: نفسه، ص: 63.
[60] -  الغزالي: المصدر السابق، ص: 36.
* -  -  القسطاس المستقيم يعني عنده علم المنطق
[61] - أبو هلال العسكري: الصناعتين، ص: 153.
* - ونمثل لذلك بما رواه ابن الأنباري عن الكندي الذي ركب إلى أبي العباس مستفهما فقال له: إني لأجد في كلام العرب حشوا، فقال له أبو العباس في أي موضع وجدت ذلك؟ فقال: أجد العرب يقولون: عبد الله قائم، ثم يقولون إن عبد الله قائم، ثم يقولون إن عبد الله لقائم، فالألفاظ متكررة، والمعنى واحد، فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم: عبد الله قائم إخبار عن قيامه، وقولهم: إن عبد الله قائم، جواب عن سؤال سائل، وقولهم: عبد الله لقائم، جواب عن إنكار منكر قيامه" وإذا غاب هذا عن الكندي فكيف سيكون عليه حال العامة، خصوصا في موضوعات صعبة على الفهم أبو هلال العسكري: المصدر السابق، ص: 153.
[62] - ابن رشد: فصل المقال، ص 112.
[63] - ابن رشد: نفس المصدر، ص: 98.
[64] - ابن رشد: الكشف، ص: 182.
[65]  طه عبد الرحمن: مرجع سابق، ص: 175.
[66] الأمثلة على ذلك كثيرة في الدراسات، راجع مثلا محمد عمارة، " المادية و المثالية في فلسفة ابن رشد" دار المعارف، بدون سنة. ص: 19-22.
[67] -  د. طه عبد الرحمان: المرجع السابق، ص: 163.
[68] - حبيب أعراب، مرجع سابق ص:117
[69] - حبيب أعراب: مرجع سابق، ص: 117.
[70] - حبيب أعراب: نفس المرجع السابق، ص: 122.
*   - انظر كيف تتحول الآليات في العلوم الإنسانية إلى مضمون والمضمون إلى آليات.
[71] - حبيب أعراب: نفس المرجع السابق، ص: 122.
[72] - أبو هلال العسكري: مصدر سابق، ص: 16.
[73] - عبد الجبار ابوبكر: "الحجاج وإشكالية المشترك اللفظي"، ضمن كتاب الحجاج ، مفهومه و مجالاته، عالم الكتاب الحديث، الأردن، عمان،، سنة 2010،.ص:126.
[74] -  عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، تصحيح و تعليق رشيد رضى، دار المعرفة، بيروت، لبنان ص: 28.
* -  كالقول مثلا: "وردت بحرا"،
[75] - ابن رشد: فصل المقال، ص: 120-121.
[76] ألفت كمال الروبي:"المثل والتمثيل في التراث النقدي والبلاغي"، ضمن كتاب المجاز و التمثيل في القرون الوسطى، سبق ذكوه ص: 88.
[77] -  محمد المصباحي: أنحاء الوحدة وتجلياتها في الفكر الرشدي، سبق ذكره ص: 223.
[78] - ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 301.
[79] - ابن رشد: نفس المصدر، ص: 177.
[80] - ابن رشد: نفس المصدر، ص 177
[81] - ابن رشد: فصل المقال، ص:144
[82] - Carra Devaux : Les penseurs de l'islam, Tome quatrième, librairie orientaliste, Paul Geutner, Paris, 1984p :166.
* -  لقد أورد بشر بن المعتز في صحيفته حديثه عن المعنى قائلا: "ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتضع بأن يكون من معاني العامة، فمقدار الشرف في المعنى، الصواب وإحراز المنفعة" عن جابر عصفور:" بلاغة المقموعين" ضمن كتاب المثل و التمثيل في العصور الوسطى السالف ذكره ص:29
[84] عن ناصر ونوس: ابن رشد من زوايا متعددة، مجلة عالم الفكر، 1999، ص: 202-203.
[85]  - A.E Wdro man and J.L, Greed the philosophy of Aristotle, Mentor Classic, USA 1952, P :18-19

نموذج الاتصال
NomE-mailMessage