3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

بركة السياسة

الخط












الحسن اللحية

لماذا يتمسك رجال السياسة، في المغرب، بالتاريخ إلى حد النرجسية والأبوية؟ لماذا يتوحدون هنا رغم اختلافهم ؟ ولماذا يسود الاعتقاد بأن الأحزاب "الكلاسيكية" التقليدية صمدت في وجه الخطأ ؟ ولماذا كذلك تهيمن على هؤلاء "الأوائل" "الآباء" أسطورة الانحدار من الماضي المجسد في مرحلة الاستعمار والحركة الوطنية، تلك الأسطورة "الماضوية" التي تعتبر مصدر الشرعية النضالية والمشروعية الحاسمة؟ وما هو مصير من "لا تاريخ لهم" هؤلاء الجدد، الذي يشبه وجودهم الحالي الأفلام الهوليودية التي تفتقد للحكاية؟ أليس النزاع حول أسطورة التاريخ، بين المنشقين والأحزاب-الأم، بين حديثي النشأة والأوائل، هو اقتحام لحداثة ما طوعا أو كرها: الفصل والانفصال والقطع والقطعية، علما أن الجدال حول الاستمرارية والقطعية، بين المنشقين والأحزاب الأم، بين الجديد والقديم، هي نفس الإشكالية التي طرحت منذ قرنين: الأصالة/المعاصرة؟ فما هي درجات التحديث عند القدامى؟ وما هي كذلك درجات التقليدانية عند أولئك الذين يدعون الحداثة ؟ بل ما هو مضمون الحداثة والتقليد عند الجميع أحزابا ونقابات وتيارات ودولة؟
لم ينجم عن جدل القديم والجديد، صراع القديم والجديد، أي حوار عميق حول السياسة. ولم يفرز الجدال والسجال بينهما نخبا سياسية مستقلة برؤاها وأطروحاتها، عن بعضها البعض وعن الدولة. يدور الحوار دائما حول نفس الماضي ونفس الرموز والأطروحات. دائما هناك وفاء للحركة ذاتها وللتاريخ ذاته وللرموز ذاتها وتلاوة نفس الأحداث . فجميع فروع الاتحاد الاشتراكي لها وفاء لحركة اتحادية وهمية متخلية يطلق عليها أحيانا الحركة الاتحادية الأصلية، وحينا آخر رفاق فلان: الشهيد. ونفس الرؤية تطال الآخرين. فالحزب الاشتراكي الديمقراطي رغم إقراره بالقطع مع ماضي الحركة الماركسية اللينينية، وبالتحديد مع   23مارس، ما يزال يعتقد أنه امتداد لها. فما مضمون القطعية المتحدث عنها هنا؛ أهي على مستوى استمرار الأشخاص في القيادة أم قطعية مع تصور ما للسياسة؟ إن ما يمكن أن يفرزه هذا النقاش على مستوى الاستمرارية والقطعية يطال أحزابا أخرى كالمؤتمر الإتحادي وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي اللذين يقران بقطائع لا تعمل إلا كاستمرارية. لا بد أن لهذه استمرارية التي تدعم أبوة الأب وتقويها أسباب تحد من ميلاد السياسة. ومن أهمها هو استمرار أخويات سياسية داخل كل تنظيم سياسي لحظة الانشقاق، والذي غالبا ما يكون أفقيا. وللتدليل على ذلك فالصراع داخل الأحزاب لا يتخذ وجها فكريا فهناك دائما جماعة فلان الفلاني أو أو جماعة منطقة جغرافية معينة. إنه تنظيم مواز لتنظيمات أخرى يحبل بها الحقل التقليدي- السياسي كالزاوية: ألم تنحدر الأحزاب السياسية في المغرب من الزاوية؟
لا يمكن أن ننتظر من صراع خافت بين نخب مرعية ومنقادة، في غياب نظريات سياسية، انحيازا واضحا للتقليد أو الحداثة، للتقدمية أو الرجعية. إنها تجيد التوليف العنيف والجمع المتنافر بين القضايا والتصورات والمفاهيم. تتجسد ماهيتها فيما تطلق عليه الدولة التغيير من الداخل والتجديد داخل الأصالة :مغرب الأصالة والحداثة أو الأصالة والمعاصرة...أما تقنياتها في التوليف فهي نفس تقنيات الدولة: ديمقراطية الاستهلاك.
 لابد أن يتمخض عن مجال سياسي محصور ومسدود ومراقب نوع من السياسة أو انعدام السياسة كليا لأن الحروب والترتيبات تدور هناك في الكواليس وعبر الهواتف معززة الأخويات والانغلاق.
والحاصل أن حياة سياسية مثل هذه لا يمكن أن تساهم في طرح سؤال الحدود بين التقليد والحداثة، ولا مدى انفصال الحداثة عن التقليد، وإنما هناك دائما سعي نحو التأبيد والاستمرارية.
يمكن رصد مظاهر التقليدانية والحداثة المتساكنتين بقوة في تصورات الأحزاب السياسية ونظامها الداخلي كامتداد للثقافة الشعبية أو المعيش اليومي، الذي ينتصر للتقليد والاستمرارية وتأبيد الواقع ويهاب التغيير والتجديد. فالمغربي هذا الكائن الثقافي، يخشى الجدة والجديد لأنه يجهله؛ أي يخشى المغامرة والآخر، منغلق على ذاته في القبيلة أو العشيرة أو الحي أو العائلة أو الحزب أو التيار والأخوية، يعتقد أن اختراق الآفاق مغامرة غير محمودة العواقب. متقوقع على نفسه معتقدا أن عاداته هي العادات وأكله هو الأكل والعالم كله في جهل تام. لا وجود إلا لعالمه هو، هناك بحر الظلمات الفاصل بين المجهول لديه والمعروف لديه... ولذلك فهو غير منفصل عن ذاكرته التي هي"زمن بكري". أليس هذا الزمان هو الذي يعلل به رجل السياسة علة وجوده؟ ينبغي أن يكون رجل السياسة منحدرا من أصول ضاربة في القدم، من زمن بطولي صاف، مكتمل أسطوري كزمان الحركة الوطنية أو زمن سلالة شريفة...
هنا تتساوى حكاية الجدة التي تحكيها لأحفادها و حكاية رجل السياسة المنحدر من الماضي التليد. كل واحد منهما يحكي عن ماض غابر مليء ببطولات التحرير والاستقلال، طافح بنكران الذات والتضامن والتآزر...زمن لا يعتريه الخطأ والتقصير والنقص.  وعلى الجدد أن يستمعوا لصوت التاريخ! وعليهم كذلك أن يرثوا أمجاد هذا التاريخ وجنونه كذلكٍٍِ!
لقد حصل رجل السياسة هذا على شيء في الماضي كالسياسة والحقيقة وأضحى مع مرور الأيام شيخا صاحب بركة سياسة وبركة إيديولوجية. لا مجال هنا للنقد الذي تبديه الأجيال اللاحقة لأن جواب شيخ السياسة هو نفس جواب كبير القوم: "أنت عاد قطر بك السقف"، "اللي فاتك بليلة فاتك بحيلة"... وهكذا تترسخ الأبوية المطلقة التي تسمح بها الثقافة الشعبية.
كما أنه لمقياس الأعمار دلالة خاصة في السياسة بالمغرب، وهي بالكاد دلالة أبوية واضحة. فالأب يستيقظ قبل الجميع ويتحكم في الجميع ،ويمارس سلطته على الجميع بدعوى أنه يحمي الجميع من الآخرين ومن الخطأ الذي قد يتسرب إليهم بالنظر إلى صغر سن الأبناء. ولذلك فمن الضرورة أن يتقدم الجميع وأن يكون مسؤولا لأنه أعرف من الآخرين بالمصالح والأشياء ، فهو لا يمكنه أن يتخلى عن منصب سياسي ولا زعامة الحزب والقوم...

هكذا تخترق الماضوية جميع الأحزاب والتيارات السياسية بجديدها وقديمها. وقد تتطور في لحظات السجال فتصير أصولية واضحة للعيان.
ليست الأصولية خاصية التيارات والأحزاب الإسلاموية التي تجعل من مرحلة ما من مراحل التاريخ الإسلامي أصلا، وإنما هي كذلك النزعة السياسية التي تجعل من تاريخ حزب أو الفصيل السياسي أو النقابة أو أشخاص أصلا مشعا بالمقارنة مع تواريخ هامشية خافتة، ومن تاريخ الرموز و الأبطال تاريخا فوق التاريخ...
إن التاريخ هنا لا يحيل على وثائق، ولا على أحداث متعددة المسارات والأسباب، خاضعة لتعدد القراءات، وللصدف وللمنفلت وللهارب. هناك دائما اقتران التاريخ بالأشخاص: تاريخ حزب ما هو تاريخ قادته، تاريخ الإسلام انتهى بموت النبي، وتاريخ الدولة هو تاريخ حاكمها...وهكذا ودواليك حتى يصير تاريخ الزعيم هو التاريخ العام للبلد برمته. التاريخ كقول وفعل للزعيم، وكل ما عداه إما أنه لم يحدث بالمرة أو أنه كان من إيحائه!


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage