3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

المدرسة و الليبرالية

الخط



















الحسن اللحية

لا شك أن المؤسسة المدرسية حديثة النشأة والظهور لأن ميلادها يتزامن وميلاد الدولة الحديثة: دولة المؤسسات. وتتمثل أدورها في تقديم خدمة عامة لجميع المواطنين على حد سواء, أي أن المدرسة مجال عام يضمن تربية وتعليما عاما يقوم على الديمقراطية: دمقرطة التعليم, المساواة, أي تكافؤ الفرص, وتعميم التعليم, بمعنى ضمان حق التعليم للجميع. والغاية القصوى هي تربية أيا كان من المواطنين افتراضا على الاندماج الوطني وخدمة الوطن. هكذا تأخذ المدرسة مدلولها الأساس, أي المدرسة الوطنية التي لا تقوم على التمييز العرقي أو الديني أو الطبقي، وإنما تتأسس على الوطنية: الانتماء للوطن(1).
لعل هذه الصورة التي قدمنا بها المدرسة كفضاء عام وطني يدفعنا للتساؤل عن أشكال وأنماط التعليم عندنا، وعن ظهور المدرسة بمفهومها الحديث في المغرب وعن الأدوار التي لعبتها وتلعبها الآن وفيما مضى. والحاصل أن باحثا كبيرا متخصصا في المدارس الحرة كجون جيمس ديمس سيساعدنا كثيرا برجوعنا إليه في هذا الموضوع. فكتابة (حركة المدارس الحرة بالمغرب من 1919إلى 1970) يرصد ذلك الانتقال العنيف من عهد اللادولة، عهد السيبة والحرب القبلية وضد الاستعمار إلى عهد الدولة الناشئة؛ بل يكشف لنا عن طبيعة التعليم المغربي في العهود التقليدية؛ إذ رأى «أن التعليم المغربي التقليدي كان دائما تعليما خصوصيا، إذ لم تكن هناك ميزانية خاصة بالتعليم العمومي قبل الحماية، ولم تكن الدولة تتدخل لإنشاء مدارس جديدة»(2)، بل إن المدرسة هي «المسيد» و «الكتاب القرآني» والمدرس هو «الطالب» و «الفقيه»، والقرآن هو المادة الرئيسية الوحيدة الملقنة عادة في «المسيد»(3). والمسيد مكان غير نظيف يجلس فيه التلاميذ على الأرض المفروشة بالحصير الخشن يرتلون القرآن جماعيا ويستظهرونه فرادى(4).
كما عرف المغرب مدارس ثانوية في بعض المدن والقبائل هي المدارس العلمية التي كانت تقدم تعليما عربيا إسلاميا يقوم على النحو والإعراب وبعض المبادئ في الحساب والجغرافيا(5).
وفي العشرينات من القرن الماضي عرف المنهاج التعليمي تغييرا في طريقة التدريس لا في المضمون المدرس وذلك بتأثير دعاة السلفية الأوائل(5)، في حين كانت فرنسا تجعل من المدارس الفرنسية فضاء غير مسيس حسب الوافدين عليها. ثم عملت فيما بعد بقيادة الليوطي على إنشاء «مدارس أهلية» تتناسب وطبقات المجتمع؛ إذ هناك مدارس للأعيان وأخرى للموظفين والتجار، ومدارس حضرية للعمال والحرفيين وأصحاب المحلات التجارية الصغرى وصغار الموظفين والتجار، وللقرويين المزارعين مدارسهم القروية كذلك(7).
هكذا بدأت نشأة التعليم العصري، وبالتالي المدرسة عندنا، في مناخ لا يعمم التعليم أو يقدم بجرعات صغيرة بناء على تمييز مسبق بين أبناء الأعيان وأبناء الفقراء. بل حتى المدارس الحرة التي أنشأها الخواص كانت تقوم في البداية على تعليم تقليدي وثلاثة منها توجد بالرباط هي التي أدمجت بعض الحصص لتعليم اللغة الفرنسية وقد ووجهت الحياة المتغيرة للمغاربة برفض مطلق من قبل بعض الفقهاء كإبن المؤقت المراكشي(9). وكان من رواد هذه المدارس الحرة السلفيون والتجار وأتباع الطوائف الدينية. ومع تزايد الوعي الوطني تزايدت أعداد المدارس الحرة إلا أن هذه المدارس لم تكن وطنية بالمعنى السياسي الدقيق للكلمة وإنما هي مدارس خاصة مؤدى عن التعليم فيها وقد تعدى المبلغ الشهري بمدرسة بن غازي بفاس حوالي (1000 إلى 2000) فرنك فرنسي في الشهر(10). وهكذا نستنتج بأن هذه المدارس كانت مدارس خصوصية تهيئ نخبة رفضت الالتحاق بمدارس الأعيان الفرنسية، لكن الأفق الجامع بين هذه المدارس الخصوصية والمدارس والمعاهد الفرنسية الموجهة لأبناء الأعيان هو تهيئ نخب لقيادة البلاد، وذلك ما يفصح عنه بوضوح كل من جون واتيربوري وريمي لوفو.
وما يلاحظ هو أن «المدارس الحرة بعد الاستقلال احتفظت بكيانها المستقل مع ارتباطها بمعونة الوزارة»(11) ودخولها دوامة الصراعات السياسية: التوحيد، التعريب والتعميم والمغربة، لتنضاف إلى هذا الصراع مؤسسات البعثات وأنماط أخرى من التعليم كالتعليم الأصيل والتعليم الفرنسي اليهودي وصولا إلى الإقرار الرسمي بالتعليم الخصوصي الذي اعتبره الميثاق رافدا مهما لكن من منظور مغاير تماما.
إذن، فاللوحة العامة لتعليمنا تتمثل في تعددية المدارس والأنظمة وتعددية الإصلاحات منذ الاستقلال إلى اليوم، وتعددية في البرامج والمناهج ورغم ذلك لم نضمن تعليما وطنيا ولم يتعمم التعليم. ثم إن تجاربنا في المنهاج الدراسي متعددة اعتمدت الاستنساخ عن الزاوية والكتاب والمشرق وفرنسا وكندا... وإن شئنا أن الخطاب حول أزمة المدرسة هو حديث الظهور كذلك لا يتجاوز مطلع الثمانينات من القرن العشرين شأنه في ذلك شأن الخطاب البيداغوجي، أي الممارسة التعليمية الواعية بالخطاب التربوي والمدرسي والتعليمي لأنه قبل منتصف الثمانينات من ذلك القرن لم يكن الحديث عن المقرر والمنهاج ونمو الطفل والفضاء المدرسي ولغة التدريس والمحتوى المدرس يطرح مشكلة، ولم تكن المدرسة تطرح مشاكل للمجتمع والدولة إلا أن التقويم الهيكلي انعكس سلبا على المرافق الاجتماعية عامة، ومن أجل توضيح هذا المعطى علينا أن نعرج من هناك لفهم ما يحدث الآن، أي لماذا تراجع دور المدرسة في الإدماج الاجتماعي والاندماج الوطني والتأهيل والتنمية والبحث ونشر المعرفة؟ ولماذا كذلك أصبحت المدرسة جسما غربيا في المجتمع رغم أنها تهم الجميع مباشرة  أو غير مباشرة؟ ولماذا هذه الهوة القائمة بين المدرسة ووسطها ومحيطها؟ ولماذا تتسم المردودية الداخلية للنظام التربوي بالضعف ؟ ولماذا لم تعد المدرسة تؤهل المتخرج منها للشغل والبحث ومواصلة التعلم الذاتي والارتقاء الاجتماعي؟...
لابد من الإقرار أن «السيرورات التربوية تدور في سياقات اجتماعية وتاريخية محددة»(12)، وذلك ما يستدعي منا الانطلاق من التمييز بين العولمة والليبرالية الجديدة. فالعولمة ظاهرة تتنازعها إيديولوجيات متعددة حابلة بالإمكانات(13)، من حيث التبادل والاستثمار المباشر والاتصال وجريان المعلومة والاستفادة المتبادلة من الآخر ومن التقدم الحاصل. وأما الليبرالية الجديدة التي أصبحت ترادف العولمة بكثير من الخلط لها علاقة بالسوق، أي قيم التبضيع والنزعة النفعية والمنافسة وتهييج وإثارة الفردانية وتقليص مسؤولية الدولة كدولة ضامنة للحقوق الفردية والجماعية وحقوق المواطنة واقتصارها على دور التنظيم والتعديل(14). ولكي نتوخى الدقة أكثر مادمنا قد تحدثنا عن السيرورة التاريخية نقول إن الليبرالية الجديدة تعني الأطروحات التي تجددت مع نهاية السبعينات من القرن الماضي، وهي الأطروحات التي نمت بين أحضان الاقتصاد السياسي الكلاسيكي (آدام سميت وريكاردو) والتي تزعمتها مدرسة لوزان بزعامة ليو ورلاس، والمدرسة النمساوية بزعامة كارل منجر والمدرسة الإنجليزية بزعامة استانلي وليام جفنون. وماتعمل الأطروحات الجديدة في الليبرالية الجديدة عليه اليوم هو تسليط الأضواء على الأماكن المظلمة وتطوير ما فات هذه المدارس والتيارات المذكورة. ويمكن إجمال أطروحاتها الحالية في أربع اتجاهات رئيسية هي:
1-          اقتصاد العرض، وهو القول بضرورة تقليص النفقات العمومية وحذف تنامي الضرائب.
2-          النزعة النقدية التي تعتبر النقد محايدا
3-          التيار المؤسساتي الجديد الباحث عن نظرية عامة للمؤسسات أو بنيات الحكمانية
4-     يتكون هذا التيار من الورلاسيين الجدد. ويحاول تفسير استمرار المقاومة والصلابة التي تتمتع بها الأجور على مستوى السوق(15).
يتضح من خلال هذه المعطيات الأولية أن الغرب الليبرالي أمام مصير محتوم يعمل على الحد من سلطة الدولة لتوسيع مجال المنافسة، من حيث أن المنافسة في التعريف الاقتصادي هي القوة الحاضرة دوما بقوة أو ضعف وكقاعدة وظيفية، وقد ترادف الرأسمالية(16)، بينما سيتم إدخال اقتصاد السوق إلى العالم الثالث عن طريق أجهزة مثل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والشركات المتعددة الجنسيات ولهذا المسارحديث سنعود إليه.
تساءل الباحث الفرنسي بيير روزنفالون بقلق قائلا: «إلى متى ستظل الأشياء تسير هكذا على هذا النحو؟ هناك تزايد في الضرائب والأعباء الاجتماعية ألا يمكنه أن يضع تنافسية المقاولات أمام المحق ويهدم الدينامية الاقتصادية؟»(17).
 إن المشكلة الأساسية بالنسبة لهذا الباحث هي علاقة المجتمع بمصيره الخاص، أي أن هناك أزمة في تمثل المستقبل لأن ما تعدنا به دولة الرفاه يدور في الفراغ. ولكي نفهم مقاصد هذا الباحث سنتذكر ما قلناه سابقا عن أسس الليبرالية الجديدة. فباحثنا يرى أنه منذ ق 18 ومنظروالليبرالية يرون أن السوق يشتغل كمبدأ بتعديل ذاتي، له نظام طبيعي تبدو معه الحاجة إلى الدولة ووجودها من الأساس غير ضروري ومرهق، ومهمتها الأساسية هي الاقتصار على الأخذ بزمام هذا النظام والمحافظة على الحريات التي يتأسس عليها السوق(18). هكذا تصير مهمة الدول كمهمة حارس الليل، حارس نظام حريات السوق، بل ذهب هذا الباحث بعيدا في تحليله وهويستعرض أطروحات الليبرالية الجديدة فتوقف عند ملاحظة وجود دولتين معا في قلب الدولة الليبرالية؛ دولة الحق حارسة الديمقراطية والضامنة للحريات ودولة تدخلية مهدمة لهذه الحريات(20)، مبينا تقهقر الوهم السائد بأن الدولة أداة مخصصة لحل المشاكل، وذلك ما تفصح عنه الأصوات التي بدأت تتعالى لتقول بأن المشكل هو الدولة ذاتها. لكن ماذا يمكن أن يحدث في غياب الدولة؟
 إن أول شيء يكون الناس في حاجة إليه، في غياب الدولة افتراضا، هو الأمن والدفاع عن النفس وحماية الممتلكات. ومن أجل ذلك سيكونون جمعيات حماية طبيعية وقد تتطور هذه الجمعيات  فتصبح أمام تقسيم العمل من جديد وتوظيف بعض العاملين من أجل الغرض نفسه وستعرف السوق عروضا متنوعة في الحماية وسياساتها، ثم يدخل المنافسة مقاولون متخصصون في الحماية، وقد يتصارع هؤلاء فيما بينهم أو فيما بينهم والوكالات الخاصة بالحماية والنتيجة كما يرى نوزيك، وهو أستاذ الفلسفة بهارفارد، تشكيل وكالة للحماية تهيمن على الجميع مشكلة مونوبول لعرض خدمات الحماية(22).
يبين لنا هذا المسار بروز مونوبول للعرض بشكل طبيعي في وضعية منافسة تحل محل الدولة مشكلا دولة صغرى لحل المشاكل الاجتماعية. أليست هذه هي الوضعية التي يبشر بها السوق الجديد؟ أليست هذه هي الغاية القصوى للشركات الكبرى التي تعمل على تقليص دور الدولة وتعويضها هناك؟. هكذا إذن تصبح الحاجات الاجتماعية حاجات تلبى في السوق كالتربية والتطبيب والصحة والراحة الخ... ويصبح السوق هو الفضاء الوحيد الموجود في المجتمع، وبالتالي «يصير الفضاء السياسي خاليا من المعنى، والسياسة لم تعد المكان الذي يفكر فيه المجتمع انقساماته كمرآة ليشتغل في شفافية، ولا توجد السياسة كوسيلة لأنشطة فردية»(23)، ولربما هذا ما يفسر الأقوال التي تتردد هنا هناك القائلة بموت السياسة.
لابد وأن هذه الصورة التي استعرضناها إلى حد الآن ستنعكس على دول العالم الثالث، ولكن كما قلنا عن طريق أجهزة مثل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والشركات المتعددة الجنسيات والارتباطات الأمنية والعسكرية، وذلك ما حصل بالفعل وفي أغلب الأحيان فالانعكاسات تبدو ظاهرة في حالة المغرب منذ النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي فيما كان يسمى بالتقويم الهيكلي حيث الحد من النفقات العمومية: التربية والتعليم، انخفاض الأجور وتدنيها مقارنة بالأسعار ومستوى المعيشة، تدني شروط العمل، وتراجع مستوى التطبيب ومجانية الصحة الخ... ويكفي لكي ندرك هذا التراجع أن نستحضر تاريخ المدرسة. فقبل الثمانينيات من القرن الماضي لم يكن المغرب يعرف أزمة عاطلين بالشواهد ولا أزمة برامج ومناهج ولا أزمة ملاءمة، لكنه بعد هذه المرحلة طفا خطاب الأزمة على السطح: هل كان ظهوره مفاجئا؟
إن الأزمة تعني تحول في وظيفة الدولة التي أصبحت منذ ذلك التاريخ تضفي قيم السوق على جميع المخططات الاجتماعية، وحيث أضحت التربية مجالا تجاريا وبدا وضحا التراجع عن الضمانات الأساسية واللجوء إلى الخوصصة والرفع أو الزيارة في الضرائب المباشرة وغير المباشرة، إنه نظام الاقتطاعات الذي يضع الفرد في وضعية الانحسار والظلم، وضعية يتم فيها الاقتطاع بشكل لا مرئي، اقتطاعات تحدث في الضباب بظلم لايعلل مصدره. ويزداد هذا الظلم حينما نجد العامل المحمي والعامل غير المحمي أي الشغيل، هذا الذي يقوم بمهمة أو وظيفة أو دور معين، إن لم نقل أن هذا التصور للعمل المؤقت هو التصور الذي أصبح أساس اقتصاد السوق(25). وهكذا دخل المغرب عصر أزمة السوق ولم يعد قادرا على التحكم في موارده البشرية والطبيعية والمالية ولا قادرا على استثمارها، ولا قادرا على تقريب المجمع من ذاته ومثل ذلك نجده في تفسير الفقر، مثلا يقال أن الفقر يفسر بمعيار الدخل لكن الفكر النقدي يستحضر العزلة والتهميش ومكان العيش وشبكة العلاقات والبنيات التحتية(26).
إذن كيف نفهم كل ما حدث ويحدث من حيث الانعكاسات على المجال التربوي؟
لسنا هنا بصدد استعراض تاريخ «الإصلاحات» الكبرى في مجال التعليم، وإن كان من اللازم الإشارة إلى ارتباطها بظروف سياسية آنية ومستعجلة ما عدا الميثاق الوطني الذي يستجيب لمرحلة تاريخية اصطلحنا عليها مرحلة السوق. ولكي نبين خصوصيات هذا المعطى سنروم توضيح ما يلي:

1- المنظور الاقتصادي للتربية

ينطلق هذا المنظور في تحليله للتربية كنسق معزول عن سياقه، مماثلا بين المقاولة أو أي تنظيم والمدرسة عامة، وحيث المهمة هي الإنتاج. هناك مدخلات تتكون من بشر ومعارف ووسائل ومواد وتمويل، وهناك مخرجات تتكون من تلاميذ يغادرون النسق كما تغادر البضاعة المصنع. وما يعمل عليه هؤلاء هو دراسة تكلفة التربية والتعليم وتقييم المردودية الخاصة بالنظام التربوي سواء أكانت تهم الفرد أو المجتمع، ثم العمل على إخضاع النظام التربوي للحاجات الآنية التي يحركها السوق(27). ولهذا نجد معجما رائجا اليوم حول التربية يدور حول النجاعة والفعالية والكفاية والتحويل الخ... وهو معجم مقاولاتي مرتبط باقتصاد السوق.

2- حضور السوق في الميثاق

ليس بالأمر الغريب ولا المثير للدهشة أن نجد وثيقة الميثاق مليئة بما يحيل على الاقتصاد والسوق والمقاولة. وإن عملية إحصائية بسيطة لمثل هذه المفاهيم كفيلة لتبين لنا المكانة التي يحتلها التصور الخاضع للسوق، حيث نجد، على سبيل المثال، أن التكوين ذكر 304 مرة، والكفاية 26 مرة، والموارد البشرية 26 مرة، والاقتصاد 29 مرة...(28).
إن مدارات هذه المفاهيم وما يرتبط بها هي مدارات سوق اقتصادية بالأساس، والتصورات المحيطة بها هي تصورات مقاولاتية حيث نجد الكفاية والنجاعة والقدرة وإعادة التأهيل والتكوين والمنتوج والمصادقة على الجودة والاعتراف بها وتلبية الحاجات، وخضوع المدرسة للطلب المقاولاتي، أي ما اصطلح عليه بالمحيط الاقتصادي للمؤسسة التعليمية. وبهذه الصورة تنعدم أي حياة أو ينعدم أي داع لوجود المدرسة غير الداعي المقاولاتي، ولتوضيح هذه الرؤية سنضرب مثلا بنخبة الميثاق الوطني للتربية والتكوين، تلك النخبة المختارة والمنتقاة التي ستلج الثانويات المرجعية، فهي نخبة التسيير والتدبير، نخبة البيروقراطية الإدارية لا نخبة البحث والمعرفة والسياسة، ولا هي نخبة العلماء الباحثين ولا الفقهاء المجددين ولا المثقفين المنتجين للمعاني، ولا المبدعين، بل نخبة تجيد الانصياع وتمثل القرار.
إذن ما هي السبل لإعادة المدرسة لوظيفتها التي عرضنا بعض ملامحها في بداية هذا المقال؟
لابد من استغلال الرؤية الواردة في الميثاق الداعية إلى توريط الجميع في شأن المدرسة: آباء، أمهات، أوصياء، أولياء الأمور، جماعات، بلديات، رجال أعمال، خواص، مجتمع مدني، أحزاب، نقابات، أفراد، فعاليات، سلطات، مسؤولون...الخ، لكن التوريط هنا ينبغي أن ينآى عن الشكلية والصورية والنزعة الإدارية ولغة التعليمات والأوامر حتى يجد طريقا آخر غير التقرب من المجتمع في احتفالية. يتعلق الأمر بجعله أكثر سمكا وكثافة، أي مضاعفة أمكنة التوسط وإعادة إدماج الأفراد في شبكة التضامن المباشرة، ومعنى ذلك بلغة أخرى يجب «تشكيل عقل جماعي للوجود المشترك، وإنتاج مقاييس متفاوض بشأنها»(30). هكذا نكون أمام مهام جديدة للمجتمع وللمدرسة، للمجتمع المهتم بقضاياه وللمدرسة التي ستكون فضاء تجميعيا لتلك القضايا، خاصة وأن «التفكير في التطور ودعم وتمتين الدولة الوطنية غير ممكن إذا لم نضع دور الأنظمة التربوية في الحسبان كأدوات إدماج وتلاحم وتمفصل للشعوب حول هوية وطنية، وبالتالي حول منظور اجتماعي وثقافي»(31) يوسع من المشاركة الديمقراطية ويعمل على دمقرطة الثقافة والثروة ومجالات الاستفادة من الخدمات.
وعلى وجه الإجماع يمكن للتربية المدرسية أن تساهم في ميلاد ثقافة الديمقراطية والتضامن والتنمية والبحث العلمي بالانطلاق مما يلي:
1- الحد من سلطة الكتاب المدرسي ليبرز دور المدرس والمتمدرس
2- اعتماد طرق نشيطة في التدريس بدل الحفظ والخزن والذاكرة والاعتماد على التقويم بالاستظهار الشفوي أو المكتوب الذي يقوي من طرق التلقين ورد القول والتكرار.
3- تتعدد فضاءات التدريس بما يتلاءم والدروس المقررة لربط العلاقة مع المضامين المدرسة.
4- استلهام نظريات في تدريس ثقافة حقوق الإنسان والثقافة المدنية بدل الاختزالية والانتقائية المعمول بها إلى حد الساعة.
5- جعل المدرسة فضاء لفحص واختبار ما يدور في المجتمع والوسط من أحداث وظواهر، وذلك حتى ينآى الدرس عن ترديد المجهول وتعليم المجهول أو أن يكون صدى للماضي ولقول المدرس.
6- العمل على الحد من المركزيات تربويا وبيداغوجيا وعلى مستوى المضامين 
 7- العمل على جعل المدرسة مؤسسة للتنشئة المستقبلية، وذلك من خلال جعل الحاضر والمستقبل ركيزتا المضامين والقيم والمعارف والأزمنة بما يقتضيه المستقبل من التزام بتنشئة مواطن كامل المواطنة...
8- ينبغي أن يتجاوز تعليمنا الفهم الضيق للشغل كما هو وارد في الميثاق ومدونة الشغل ليستعيد مفهوم العمل كحق تكفله الدولة وذلك لجعل التربية أداة للإدماج الاجتماعي والاندماج الوطني ويشعر بالانتماء لدولة الكرامة والمواطنة الضامنة للحقوق فعليا.
9- تحويل فضاءات المدرسة إلى فضاءات تعكس الاحترام والتسامح والحياة المشتركة المتعددة وممارسة العدل والإنصاف وزرع قيم التضامن(32).
10- يجب أن تكون المضامين العلمية والمحتويات الدراسية نافعة للحاضر والمستقبل ومتوافق بشأنها من قبل جميع من تهمهم المدرسة من قريب أو بعيد.
11- ينبغي أن تكون المدرسة مؤسسة لتنمية الفكر العقلاني والنقدي وكل ما يرتبط بالحوار والتناظر والنسبية في الأحكام.
12- جعل المدرسة فضاء لفكر المواطنة والمساواة بين الجميع ونزع فكر الخوارق عن الكائن البشري(33).






















الهوامش

1- يعني الوطن الانتماء للأرض ولا علاقة للوطنية هنا بالنزعات القومية والعرقية والطبقية ....  
2- جون جيمس ديمس ، حركة المدارس الحرة بالمغرب (1919-1970). ترجمة السعيد المعتصم، نشر تانسيفت، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.ط. الأولى 1991.ص.16
3- نفس المرجع.ص.17
4- نفس المرجع.ص.18-19
5- نفس المرجع.ص.20
6-. نفس المرجع ص.22
7-  نفس المرجع ص.23
8- نفس المرجع ص.31 (هامش).
9- نفس المرجع.ص.33
10-. نفس المرجع ص.65
11- نفس المرجع.ص.107.
12- cahier de propositions pour l'Education au 21éme Siécle.Buenos Aires Argentine, Septembre 2001.p4
13- cahier de propositions pour l'Education au 21éme Siécle.Buenos Aires Argentine, Septembre 2001.p.7-8
14- cahier de propositions pour l'Education au 21éme Siécle.Buenos Aires Argentine, Septembre 2001.p.6
15- Hoang Ngog Liem, Néo-liberalisme.Ency.Uni2001.
16-Concurrence, Plusieurs auteures.Ency.Uni.2001
17-Pierre Rosanvallon, La crise de L'Etat-providence .Editions du Seuil.Paris1992.p7
18-Pierre Rosanvallon, Ibid.p36
19-Pierre Rosanvallon, Ibid.p63
20-Pierre Rosanvallon, Ibid.p63
21-Pierre Rosanvallon,  Ibid.p59
22-Pierre Rosanvallon,  Ibid.p83
23-Pierre Rosanvallon,  Ibid.p105
24- cahier de propositions pour l'Education au 21éme Siécle.Buenos Aires Argentine, Septembre 2001.p10
25-Pierre Rosanvallon,  Ibid.p128
26-Pierre Rosanvallon,  Ibid.p119
27- Gastognos Jean Claude, Economie de l'education.Ency.Uni.2001
28- نقصد هنا المفاهيم الواردة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين التي لها علاقة بالجانب الاقتصادي.
29-Pierre Rosanvallon, Ibid p119
30-Pierre Rosanvallon, Ibid.p128
31- cahier de propositions pour l'Education au 21éme Siécle. Buenos Aires Argentine, Septembre 2001.p4
32-  cahier de propositions pour l'Education au 21éme Siécle.Buenos Aires Argentine, Septembre 2001.p.30

33- cahier de propositions pour l'Education au 21éme Siècle. Buenos Aires Argentine, Septembre 2001.p.23 
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage