3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

الإدارة التربوية إلى أين ؟

الخط
















                                                           يحيى مكتوب
                                    الكاتب العام الوطني لنقابة أطرالإدارة التربوية
                                   عضو المكتب التنفيذي للجامعة الوطنية للتعليم
                                              الإتحاد المغربي للشغل

يكون من باب تحصيل الحاصل القول بأهمية الإدارة التربوية , والتفصيل فيه....




على أنه لابد من التأكيد أن الشعور الذي عم خلال السنوات الأخيرة بالقيمة المتفردة للإدارة التربوية وما ينجم عنه من تفكير في رد الإعتبار للمشتغلات والمشتغلين بها بدأ يتراجع للأسف الشديد لصالح إرادة يغلب عليها سوء تقدير المجهود الذي تقوم به هاته الفئة المناضلة في حقل التربية والتعليم ...
والحقيقة أنه اليوم يصعب علينا تقييم ما آ لت إليه الأمور من ترديات بسبب البياض الذي أحدثه التراجع عن المخطط الإستعجالي و إدارة الظهر لبيداغوجيا الإدماج وما نجم عنهما من فقدان أية بوصلة لنظامنا التربوي ...                                                                                                     
ففي الحين الذي كان فيه التوجه السائد مع عمليات أجرأة الميثاق الوطني للتربية والتكوين ، ومحاولات تسريع وتيرة الإصلاح المتضمنة في مقتضيات المخطط الإستعجالي تذهب في اتجاه التغيير العميق في 
أساليب التدبير ورد الإعتبار لهيئة الإدارة التربوية يلاحظ اليوم أنه تمت إدارة الظهر بشكل أو بآخر لإلتزامات قطعها مسؤولو القطاع في هذا الإتجاه...
إذا كانت الإصلاحات التي تغياها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وبلورها ودققها المخطط الإستعجالي
تستدعي بالضرورة منح المؤسسة التعليمية الإستقلالية المادية والمعنوية  في أفق إرساء الحكامة التي طال الحديث عنها ،عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة ، و إرساء آليات التدبير التشاركي الفعلية عبر تفعيل مجالس المؤسسات .... ، والإنفتاح المنشود على المجتمع ومكوناته وإبرام الشراكات التي تمكن من التعبئة المرغوبة خدمة للمدرسة الوطنية وأهدافها السامية
فإنه لايفوتنا أن نلاحظ أن الإستقلالية المالية للمؤسسات لازالت تراوح في منطقة الإحتشام ، فأرصدة مدرسة النجاح ،على قلتها، يتم تفويتها للمؤسسات بكيفية ملتبسة ، هذا فضلا عن كون طرق صرفها لازالت تخضع لقوانين الصرف العتيقة المعتمدة على مساطر تتسم بالتعقيد وعدم مواكبة متطلبات المؤسسات الطارئة والتي لا تحتمل الإنتظار...
أما عن استقلالية القرار البيداغوجي ، فالأمر لازال كما يبدو في حكم المستحيل...، فالمؤسسة ومجالسها لايعتد بآرائها فيما يتعلق بالبرامج والمقررات ونظام التقييم والإمتحانات لازال خاضعاً لحكم المركز
وتوجيهاته...
إنّ الأمر يتعلق في نهاية المطاف بعودة قوية للمركزية وضرب عرض الحائط شعارات اللّامركزية واللّاتركيز الرنّانة...
في هاته الظروف والملابسات تنامى تمسك أطر الإدارة التربوية بمطلب الإطار . وسجل تاريخ الحركات المطلبية مواقف غير مسبوقة لهاته الهيئة في إطار تفاعل إيجابي بين مختلف مكونات الإدارة التربوية السياسية والنقابية على أرضية العمل المشترك من خلال الجمعيتين الوطنيتين (الإبتدائي والثانوي) ...
هذا مع العلم أن النقابات الأكثر تمثيلية تابعت الملف بمثابرة خلال السنتين الأخيرتين ، وطرحت تصوراتها للإرتقاء بأدوار الإدارة التربوية ، وأكدت على أهمية تمكين أطر الإدارة التربوية من الإطار الذي يعد رافعة أساسية في أي إصلاح مرتقب.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن المحاورين من الجهات المسؤولة  اعتبروا ،وبضيق فهم ، أنّ الإلحاح  على
مطلب الإطار مرده بالأساس تخوف السيدات والسادة المديرين من عمليات العزل المتكرر .ولوحوا بإمكانية إيجاد الحل بعيدا عن هذا المطلب ،وذلك عبر إجراءات تطمئن المعنيين وتحد من إمكانات العزل من المهام التي مورست في الفترة الأخيرة بغير قليل من العسف واللامسؤولية...
وهنا لايسعنا إلّاأن نؤكد أن المطالبة بالإطار نابعة بالأساس من طبيعة التحول الذي نريده للمدرسة المغربية ومن الرغبة في الإرتقاء بها إلى مصاف المؤسسة المستقلة والفاعلة.
ذلك أنه ليس من المعقول في شيئ أن نطلب من المدير أن يشرف بمعية مجلس التدبير على تهيئ وتنفيذ مشروع المؤسسة ، والبرنامج السنوي للمؤسسة  ونحاسبه محاسبة الآمر بالصرف دون أن نمكنه حقيقة من هاته الصفة...
كما أنه ليس من المنطقي في شيئ أن نرغب في تطبيق نظام السيكما ومنح المؤسسات التعليمية صفة الشخصية المعنوية ،دون أن نمتع المديرات والمديرين بإطارهم الخاص والذي هو أس الشخصية المعنوية للمؤسسة....
ومن المفيد أيضاً أن نشير إلى أن الوزارة تعاملت مع مطلب الإطار من منطق تعاملها عموماً مع مطالب الشغيلة التعليمية في إصلاح النظام الأساسي ، أي النزوح إلى البحث والتنقيب عن إصلاح دون تكلفة مالية. وهو الأمر الذي أكدنا استحالته...
بعد توالي اللقاءات ،سواء المباشرة مع السيد الوزير أو في إطار لجان الحوار الموضوعاتية،تبين أنه ليست هناك إرادة حقيقية في التقدم في ملف الإدارة التربوية مما جعلنا نقول في آخر لقاء من لقاءات الحوار الذي باشرته النقابات الأكثر تمثيلية، أنه من غير المعقول الإستمرار في المراوحة في المكان في الوقت الذي تعتبر فيه قواعد الإدارة التربوية  ( مناضلات ومناضلين ) أن الوقت جد ملائم لإحداث التغييير... ، وعند هذا الحد من النقاش تغيرت نبرة المحاورين من جانب الوزارة وصرح السيد مدير الموارد البشرية بشكل لا يقبل التحوير والتأويل أن الإطار جاهز وأنه يتعين فقط منح الوزارة قليلاً من الوقت لتدقق مقترحها...،بل وأكد أن خلوة في ضاية عوة لمدة يومين أو ثلاثة ستحسم الأمر وأننا سنتلقى لتقديم المقترح في صيغته النهائية في القريب العاجل...
ومنذ هذا اللقاء جرت تحت الجسر مياه كثيرة ووقعت أشياء لم تكن في الحسبان...، أول هاته الأشياء الوقفة الوطنية التي نظمتها الجمعيتان أمام الوزارة والتي هب إليها المديرون من كل حدب وصوب للتعبير عن استنكارهم للممارسات اللا تربوية التي طالت العديد منهم ، وعن استهجانهم للأسلوب الحاط من الكرامة الذي يتم به التعامل معهم  من طرف السيد الوزير نفسه...
هاته الوقفة عبرت بالفعل عن النزوع الوحدوي لكل مكونات الإدارة التربوية السياسية والنقابية ، وعن استعدادها للإلتفاف حول الجمعيتين بوصفهما تختزلان المشترك وتجسدان الرغبة في تحقيق ودعم المبادرة النضالية من أجل تحريك الملف المطلبي ووضع الإطار قيد التطبيق.
بعد هاته الوقفة ، أبعدت النقابات عن الملف وصارت الوزارة تتحاور فقط مع الجمعيتين ، وهوالحوار الذي أريد له أن يمتد حتى آخر السنة دون أن يفضي إلى نتائج ملموسة ...
وطبعاً لن أدخل في نقاش حول شرعية أو عدم شرعية هذا الحوار ، ولا عن قوته الإبرائية ، ولا عن الطريقة التي أدير بها . ولكن لابد من القول أن هذا الحوارجرى في أجواء من التكتم و اكتنفت كل أطواره الكثير من الضبابية والغموض فضلاً عن كونه كما أسلفت لم يفض إلى أية نتائج ملموسة
وبهاته الطريقة التي سلكتها الوزارة ،في ملف حيوي وحساس، تكون قد أعطت بالفعل الدليل القاطع على عدم جديتها وافتقارها إلى الحس التشاركي الحقيقي .
لقد عمدت الوزارة إلى أسلوب قديم في المفاوضة والحوار ، وهو أسلوب التسويف والمماطلة  وربح الوقت ...
 وهو ما لن يفيد في شيئ ، على اعتبار أن أسباب الإحتقان التي كانت سائدة خلال السنة الماضية ما تزال قائمة ، وأن استعداد المديرات والمديرين وكافة أطر هيئة الإدارة التربوية لن تزيدها مثل هاته التصرفات إلآ اتقاداً...
كما أنها عمدت إلى تفادي استمرار الحوار مع من هو موكول لهم بقوة القانون التفاوض باسم نساء ورجال التعليم ، عندما وصلت معها النقابات الأكثر التمثيلية موصل الحسم والجد، لتبدء من البداية مع الجمعيتين بغرض تضييع الوقت و ترسيم سياسة اللا حوار...
ورب قائل يقول هاهنا ، لقد فهمت الوزارة اللعبة ، إن النقابات الأكثر تمثيلية تتكتل داخل الجمعيتين
لذلك لجأت الوزارة إلى لعب نفس اللعب ، أي توجهت إلى الجمعيتين لإختصار الطريق...
على أن واقع الحال يقول أن التوجه إلى هكذا حل لم يكن بنية سليمة ، ولم يكن الغرض منه غير المواربة واستبعاد الحلول الممكنة ...
وفي نهاية المطاف لابد من التأكيد أن ماحصل مع ملف الإدارة التربوية لم يشذ عن القاعدة ، وأن المراوحة في المكان هي ما ميز الحوار مع الجهات المسؤولة في كل الملف المتعلق بأسرة التربية والتكوين بدءً بالتعويض عن المناطق النائية وصولاً إلى ما عرفه موضوع الحركة الإنتقالية من قرارات أحادية أدارت الظهر لإقتراحات وآراء نساء ورجال التعليم ونقاباتهم... ، وأوصدت الأبواب أمام إشراكهم في واحدة من أهم ما ينبغي الإنصات إليهم فيه
ولقد صدق من قال أن السنة الحالية كانت بحق سنة بيضاء على مستوى الحوار الإجتماعي عموماً وفي قطاع التربية والتكوين بشكل خاص ...
فلا مقترح النظام الأساسي راى النور ،ولا التعويض عن المناطق النائية خرج إلى حيز الوجود ، ولا الحركة الإنتقالية  مرت كما تقتضي ذلك أساسيات العمل التشاركي...
والآن وقد انتهت السنة الدراسية أو كادت ،لازلنا مرغمين في منطق يبقى الحال على ماهو عليه ولا شيئ يلوح في الأفق المنظور...
وعليه وجبت التعبئة من أجل مواصلة النضال لتحقيق المطالب المشروعة للإدارة التربوية ، وعلى النقابات أن تتحمل كل مسؤولياتها في هذا الملف الذي تأكد بالملموس أنّ تعدد المحاورين فيه لن تفضي لغير المزيد من المماطلة.
ومرّة أخرى وجب التذكير أنّ المطالبة بالإطار ليست من قبيل الترف أو المزايدة ، وإنما هو مطلب أملته التطورات التي شهدتها المسألة التعليمية ببلدنا ، وهي نتيجة منطقية لما نريده لمدرستنا العمومية من أدوار متميزة في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها منطقتنا والعالم.
فإذا كانت المدرسة التي نريد هي المدرسة المنغرسة في رحم المجتمع ، مدرسة الإنفتاح والفعالية
مدرسة تنتمي لهذا العصر وتساهم في ثراء وتنوع عطائه ،مدرسة متحررة من أوهام الماضوية والتقليدانية فإنه يتعين علينا أن نمتلك الشجاعة الفكرية للشروع في ذلك.
وتحرير الإدارة التربوية من ربقة البيروقراطية المتكلسة هو شرط الشروط ،ومقدمة المقدمات في
هذا النزوع .
وعلينا أن ننتبه إلى أن الإستيعاض عن البيروقراطية الورقية ، ببيروقراطية إلكترونية  ليس من شأنه إلاّ
إفشال أية رغبة في الإصلاح .ذلك أنه ليس هناك أي فرق في العمق بين مدير يقضي جل وقته في تحرير التقارير ، المعادة والمكرورة، للجهات المسؤولة بمختلف مستوياتها ومدير يقضي جل وقته إذا لم يكن كل وقته في النقر على الحاسوب لإرسال نفس التقارير ،بلغة التكنولوجيا المتقدمة، إلى نفس الجهات بنفس الرتابة والإستنساخ...
وإذا كانت المدرسة التي نريد هي مدرسة بالمواصفات التي ذكرناها سابقاً ، فإنه يتعين على إدارتنا التربوية أن ترقى إلى مستوى الإنصات الجيد للمجتمع والتفاعل معه والفعل فيه ، والإسهام في تجسيد طموح شعبنا في الحرية والديموقراطية والعيش الكريم...
وعلى إدارتنا التربوية أن تتحرر من آفة الجلوس وراء المكاتب ، ومداعبة فرات الحواسيب والنقر على
حروف اللوحات الإلكترونية...، على إدارتنا أن تبحث عن الشراكات الضرورية لنجاح الفعل التربوي
في بعديه الخاص والعام ، عليها أن تجتهد أكثر للإرتقاء بالشكل المظلوب بأدوار الحياة المدرسية ، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى فضاءات تعج بالحياة...
وعليها أن تؤسس للمشاركتية الحقيقية ، عبر الإشراك الفعلي لكل مكونات المدرسة المغربية وشركائها الحقيقيين في بناء المشاريع وبرامج العمل ، وفي إنجازها...
بل وعليها أن تتحرر من القوالب الجاهزة ، والنماذج العاجزة عن مواكبة تطورات العصر ...
 وحتى تتمكن من ذلك لامحيد لبلدنا أن تُحل المدرسة الوطنية من المحل اللائق بها عبر إكسابها
صفة المرفق المستقل ، وتمتيع مديراتها ومدرائها بالصفة المعنوية التي تمكنهم من لعب دورهم على الوجه المطلوب ، أي بجعلهم يحضون بالإطار اللائق بالمهام المنوطة بهم في دينامية الإصلاح والتغيير.






نموذج الاتصال
NomE-mailMessage