3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

الحسن اللحية: سوسيولوجيا التنظيمات

الخط



































 أولا: سسيولوجيا التنظيمات عند فليب بيرنوكس

ينطلق فليب بيرنوكس من التعريف الشائع القائل بأن السسيولوجيا هي دراسة الوقائع الاجتماعية و السسيولوجي هو من يشرع في العمل بملاحظته للحقول متسائلا: كيف نفسر سلوكات الفرد والجماعات في التنظيمات؟. ولاحظه الباحث، وهو المشكل في نظره، لاعقلانية ظاهرة ولا توقعية السلوكات في التنظيمات. رأى، مثلا، أن أصحاب القرار من مستوى عال في المقاولات والعمال غير المؤهلين، أو اليد العاملة الرخيصة، يتخذون قرارات لا عقلانية وتصرفاتهم تطرح المشاكل دائما. فكان همه هو كيف نشرح السلوكات الفردية في التنظيم؟ وكيف لا يقوم الأفراد بالعمل الواجب القيام به؟(1).
لا يمكن، في نظر الباحث، رد كل ذلك إلى المزاج الشخصي أو الرغبات الذاتية، وهي التفسيرات التي كانت رائجة بين المحللين للتنظيمات. وبتعبير آخر ليست السلوكات هنا سلوكات فردية فحسب وإنما هي جماعية كذلك لأنها سلوكات اجتماعية حتى ولو اتخذت وجوها فردية. ففي المقاولات تحديدا لا ينبغي فهم سلوكات للفرد بردها لعلاقته الدائمة بمزاجه وحاجاته ورغباته لأن الجماعة تطرح المقاييس التي يجب على الفرد أن يخضع لها وإلا لم يعد منتميا لها. لا يتعلق الأمر بجوانية الفرد وإنما بالعلاقات القائمة بين ‘فراد الجماعة والمقاييس التي تنتجها الجماعة(2).فالمسألة المطروحة بالذات لا تعود إلى ظاهرة ثقافية تؤثر في السلوكات الفردية بشكل مباشر وإنما عبر ثنايا المؤسسات والتنظيمات مع عدم استبعاد الجنس والعمر وتأثير الأفراد، وهي أمور ينبغي دراستها كاستراتيجيات خاصة(3).
إذن نحن أمام محددات إما فردية كالمزاج والخصائص والسمات الشخصية أو جماعية كالثقافة الإثنية [شعب يعمل لأنه لا يعمل] والعمر والجنس إلخ...، وهي كلها غير كافية لتفسير السلوكات داخل التنظيمات؛ لذلك لماذا لا نتحدث عن التحفيز الفردي والجماعي؟ لأن التحفيز يدفع الأفراد للعمل في استقلالية عن السياق الذي يوجدون فيه؛ بمعنى انطلاقا من حاجاتهم. فالحديث عن التحفيز هو حديث عن التنظيم عوض الأفراد الذين يشكلونه.ورغم ذلك لا يمكن للتحفيز أن يحدد سلوكات الأفراد لأنه ينبغي أن ننظر إلى الفرد في علاقاته بالآخرين.
سيتصرف الفرد وفق مصالحه وما تمنحه إياه المقاولة كالأجر حسب المردودية مثلا، فيبدل بذلك الفرد مجهودات كبيرة. قد تتصرف المجموعة حسب مصالحها وفق النظام الأجري فنكون جماعة تحدد الاستراتيجية الشاملة والتنظيم يعرف استراتيجية منطق الفاعل(4).
يترجم منطق الفاعل في التنظيم بعلاقات السلط المعيشة؛ منها السلط التنظيمية والثقافية المحددة لمقاييس السلوكات:كيف تتغير أو تتبدل هذه المقاييس المحددة للسلوكات؟ هل بالتأثيرات الداخلية ( كتغيير أدوات العمل أو إدخال تكنولوجيات جديدة مما يعني تغيير ثقافة الفاعل) أم بتغيرات الخارجية ( المحيط)؟.
يقترح فليب بيرنوكس، للإجابة على هذه الأسئلة، نماذج تفسيرية مثل النموذح الحتماني الفرداني الذي ينطلق في تفسيره للسلوك من المتغير الذي يحدده محيط الفرد. والنموذج الثاني هو نموذج الواقعية الكلية الذي ينظر للسلوكات كنتاج للبنيات الاجتماعية، وحيث هذه الأخيرة تسم المجتمع في كليته. وأما النموذج الثالث فهو النموذج التفاعلي الذي ينظر للسلوكات والأفعال كأفعال خاصة بالمقاولة تستهدف بلوغ أهداف معينة (5).     
ولتفسير هذه النماذج عاد بيرنوكس للتاريخ مبينا كيف تشكلت في المجتمعات الصناعية بفضل الاكتشافات التقنية تنظيمات لخلق الثروات. وكان المكان الأول الذي تخلق فيه الثروة هو المعمل usine إلا أن المعمل وأوراشه لا يشتغلون من تلقاء نفسهما. وللوقوف على منظورات كل مرحلة في التنظيم الصناعي يقترح فليب بيرنوكس تتبع النماذج التنظيمية الكبرى التالية:
3-      تراكم الرأسمال
سيكون السسيولوجي ماكس فيبر شاهدا على التحولات التي عرفها التطور الصناعي خلال نهاية القرن التاسع عشر؛ ولذلك فإنه فكر في الظروف والعوامل والأسباب المفسرة لها، منطلقا من ملاحظة بسيطة مفادها أن رؤساء (المعامل) أو الزعماء المالكين للثروة لا علاقة لهم بالاقتصاد ولا يحصلون على ما يحصلون عليه بفضل المكانة الاجتماعية، ولكن بفضل عامل الدين، وخاصة المذهب البروتستانتي.
يفسر فيبر هذه الظاهرة بالرأسمالية التي تعني النظام الذي يقوم على المقاولة الصناعية، وحيث الهدف هو تحقيق الحد الأقصى من الأرباح بفضل التنظيم العقلاني للعمل والإنتاج. إنه لقاء بالصدفة بين الرغبة في الربح و النظام العقلاني اللذين يشكلان هذه الظاهرة المتفردة الأصيلة للرأسمالية الغربية(6).
بطبيعة الحال فإن الراغبين في الحصول على الثروة كثر ويوجدون في جميع المجتمعات لكن ليس بالتأمل ولا بالغزو لا بالمغامرة لكن بالعلم.
فما يميز المقاول هي الرغبة في مراكمة ثروة بلاحدود وبلا نهاية. وبهذا المعنى فإن هناك ذهنية وأخلاقا خاصة بالرأسمالي منها رفض المصاريف غير الضرورية وحب الظهور والعمل بلا كلل.إنه يعمل تلبية للدعوة الربانية.
ويرى فيبر أن الدعوة التي تجعل الرأسمالي يعمل بدون كلل ولا ملل تجد أصولها في المذهب الكلفاني. فعلى الإنسان أن يعمل تلبية لنداء الله ولا يجب أن يبذر الأموال تبذيرا حتى يراكم الثروة بأخلاق قاسية وطاهرة وحذرة. ثم إن هذه الرؤية تلتقي بفكرة الفردانية؛ إذ أن كل إنسان سيكون وحيدا أمام الله مما يضعف فكرة الجماعة(7).
ب- ميلاد القيم البورجوازية
تركز اهتمام كارل ماركس على الصراع الدائر حول من يملك وسائل الإنتاج ومن لا يملكها. وكان الاقتصاد في نظره المحدد الوحيد للأنظمة القيمية والدينية والتنظيمية للمجتمع والتاريخ ضرورة؛ أي وجود قانون تاريخي حتمي وضروري للتطور تمر منه المجتمعات.
لا شك أن البورجوازية قلبت النظام الفيودالي السابق الذي لم يعد يستجيب للحاجات الجديدة والأسواق الجديدة.فالمرور من المانفاكتورا إلى الإنتاج الآلي ستكون له انعكاسات على الإنتاج الصناعي مثلما يحدث اليوم مع ظهور أشكال جديدة في الإنتاج.
فالبورجوازية وهي تتطور تعمل على احتواء تناقضاتها، احتواء آخرها الذي هو البروليتاريا خوفا من انقلابها ضدها.لكن كارل ماركس ينطلق من تأكيد ثابت و ضرورة تاريخية وسببية تاريخية كذلك تقول بالتطور الحتمي الذي يجعل الطبقة اللاحقة أكثر تقدما من السابقة، وهي تحمل بذرة موتها بين مناكبها لتبرز طبقة أخرى.وفي حالة البورجوازية يرى ماركس بأن حاجتها إلى مراكمة الرأسمال جعلتها طبقة ثورية بامتياز.
فالبورجوازية نتاج سيرورة تاريخية طويلة. ومن أهم مميزاتها أنها مزقت الروابط المتعددة الألوان التي كانت تجمع الفرد بالسيد في المجتمع الفيودالي لتحل محلها رابطا جديدا بين الإنسان والإنسان يقوم على المصلحة العارية، وهو الرابط البارد؛ فهو رابط جعل الكرامة تابعة لقيمة التبادل؛ وبتعبير ماركس فإنه عوض الاستغلال المقنع بالأوهام الدينية والسياسية جعلت الاستغلال المفتوح المباشر كأساس للثروة. وتتمثل وجوه ثورتها في تغيير وظيفة الطبيب و القانوني والشاعر ورجل الدين ورجل العلم إلى أجراء، واختزلت العائلة في علاقة نقدية بسيطة(8).هكذا تكون البورجوازية قد حولت الأنظمة الاجتماعية والأخلاقية والبنيات لتفسح المجال للمجتمع الصناعي الجديد.
يلاحظ فليب بيرنوكس أن التنظيم الاجتماعي الذي تلا المرحلة الصناعية الأولى كان هشا وغير قادر على استيعاب التحولات لأنه يحتفظ بالنماذج الموروثة عن القرون الوسطى كالجسد الإنساني والتعاقد الاجتماعي. ففي النموذج الأول كان كل فرد يحتل وظيفة خاصة يعرفها جيدا ويتقنها جيدا كذلك. وفي المجتمع هناك من يتكلف بوظيفة الصلاة (القديس، الراهب..) وهناك من يتكلف بالدفاع، وهناك من يتكلف بالتجارة، وآخر بالصناعة التقليدية، وغيره بالفلاحة إلى آخر ذلك. وكان الاعتقاد أن هذا النظام يترجم مشيئة الله حيث لا يمكن تغييرها وإنما الخضوع لها. من جهة ثانية يضمن عدالة الأجر وكل ما يترتب عن ذلك مبرر دينيا.
في حين أن التعاقد الاجتماعي هو محاولة لائكية لم تبلغ مستوى قلب النظام الأول كليا وكانت الإحالة دوما إلى قانون طبيعي ثم إلى نظام اجتماعي لتحديد العلاقات بين المواطنين في الدولة. فالفيلسوف جون لوك (1632-1704) كان يرى أن تناغم القانون الطبيعي و الاجتماعي الموروث يتمثل في وجود الملكية، وخضوع الناس للقانون واجتماعهم البشري في ظل حكومة هو في الأساس من أجل استمرارية الملكية التي يحصل عليها الفرد بالعمل(9).
والملاحظ أن اللبرالية لم تظهر إلا بعد أن ظهر مفهوم الفردانية (ماكس فيبر). ففي السابق لم يكن الإنسان يدرك نفسه إلا كعضو في عرق من الأعراق أو كعضو في المجتمع أو كجزء أو كعضو في عائلة أو تعاونية، لكن هذا المعطى مافتئ سيتغير منذ القرن الثامن عشر بفضل نمو ثقافة الفردانية في المجالات الاجتماعية والدينية والاقتصادية بما فيها المقاولة الخاصة(10).
إنه لمن المهم المقارنة بين ثقافة السوق وكتاب أصل الأنواع لداروين(1859) لاستحضار التطور وإرادة الحياة أو إرادة البقاء.لم تعد تعاليم الكنيسة مجدية ليتضامن المجتمع وليساعد الغني الفقير والقوي الضعيف إلا وفق منظور مصلحي ومنفعي، بل إن مثل هذه الأخلاق ستبدو هي نفسها مناقضة للقيم الفردانية والاجتماعية. فالأقوياء هم الذين يصارعون من أجل البقاء وإنقاذ العرق[الطبقة]. ومن أجل ذلك وجب أن تكون الحرية شاملة (اتركه يعمل). وقد رأى كل من آدم سميث وريكاردو في هذا المبدأ تعميما للعيش الكريم. وبذلك عوضت المصلحة الشخصية التي ينعتها البعض بالأنانية العناية الإلهية(11).
يشار في تاريخ التنظيمات الاجتماعية ومنها الاقتصادية إلى الفيلسوف الإنجليزي جريمي بنتهام كرائد مارس تأثيرا كبيرا على التنظيمات الصناعية. وتقوم رؤيته الفلسفية على استبعاد الألم والرغبة في اللذة. فهناك رغبات تمليها المصلحة الشخصية قد تكون في صالح المجتمع مع مرور الوقت. ثم إن العامل لا يتحمل ازدواجية العمل والمعاناة إلا إذا كان المردود المالي يدفعه ليتجاوز ألم الفاقة(12).
ستعمل هذه الأنانية المستنيرة كمصدر للقانون الأخلاقي في توافق مع الشروط المادية. وفي الآن نفسه سيبدو العمل كضرورة مؤرقة ومؤلمة يعمل الإنسان على الهروب منه.
وأما القرن التاسع عشر فقد عرف ظهور التفكير العلمي في العمل حينما طرح مارسلان برتلوت مشكل العلم والأخلاق (1897) وتطبيقه في تطور المجتمعات. ولا حظ أن العلم يتضمن أخلاقه الخاصة منها النجاعة و قدرته على جعل الإنسان أفضل مما كان. ويرى برتلوت أن العالم لا يتوانى من أجل مضاعفة الثروة والرأسمال الجماعي للشعوب، ولا شئ يدفع للتخوف من التقدم العلمي ومن المستقبل ومن التراكم المستمر للمعارف وغناها النظري والعملي كما هو حاصل في الفلاحة حيث تجوزت الفلاحة التقليدية وتربية الماشية تقليديا إلى تركيب المواد والإضاءة التقليدية عن طريق الكهرباء(13).
هكذا سيكون العلم مصدر سعادة وتقدم في نظر تلك المرحلة الصناعية، لكن هؤلاء المنظرين الأوائل للعلم لم يتساءلوا، في نظر بيرنوكس بما فيه الكفاية، عن تأثيرات الآلات على الفضاء والمحيط والمستعملين والشروط الجديدة لاستعمالها.
إن ما يميز هذه النزعات العلموية للقرن التاسع عشر هو انتصار العقلنة، كما هو الحال مع سان سيمون وأوكست كونت وطبقة المقاولين الجدد الذين فكروا في استعمال الحساب العقلاني، والتقنويون المتصاعدون الذين أدخلوا العقلنة إلى المصانع التي خولت لهم ميلاد سلطة القرار. وقد كان تايلور واحدا من بين هؤلاء المهندسين الذين طبقوا العقلنة في تنظيم الشغل.

 تطور العمل في المقاولة  
 ستكون التايلورية، حسب آلا تورين، مرحلة انتقالية من تنظيم إلى آخر، من بداية المكننة الصناعية إلى عصر الأوتوماتيكية. وبذلك يكون العمل قد خضع لتأثيرات وتحولات أجملها فليب بيرنوكس في ثلاث مراحل هي:
أ- المرحلة الأولى: تبدأ منذ بدايات المرحلة الصناعية، وتقوم على ثلاثة عناصر هي الأداة و يد الصانع والمادة الواجب استعمالها في العمل. وفي الصناعة فإنها هي الآلة- الأداة، هي آلة كونية كان العامل يصدر أحكاما بشأنها تهم مرونتها. وتعلم استعمالها يتم في حالة العمل بها واكتساب المهارة بالتجربة مما يسمح للعامل بتكوين رأسمال بالتجربة لا يمتلكه غيره لأن المهندس الذي يشرف على العمل لا يقول له ماذا يجب عليه أن يفعل. والمهندس بدوره الذي يمتلك سلطة تقنية والمشرف على عدد من العمال تنحصر سلطته في الورش ويكتسب ما يكتسبه من خبرة تقنية بالممارسة تاركا المستعمل وحيدا أمام الآلة(14).
ب- المرحلة الثانية: تتميز هذه المرحلة بالإنتاج المتسلسل لتقطع مع الإنتاج الكلي والشامل والكوني الذي ميز المرحلة الأولى. بدأ تقطيع الإنتاج وفق حلقات متخصصة بآلات متخصصة كذلك لإنتاج منتوج واحد. وبدا ينظر للعامل والعاملة من منظور تخصصي رغم أن التخصص هو تخصص الآلات المستعملة. وقد تعمم هذا النموذج بسرعة كبيرة كما هو الشأن عند رونو(15).
ج- المرحلة الثالثة: صادفت هذه المرحلة وتحت الضغط الاقتصادي في الإنتاج الذي جعلها تنتج بأعداد وافرة وبتسلسل كبير الاكتشاف التقني الأوتوماتكي(معامل فورد1937). وتتميز بتجميع العمليات الموزعة في المرحلة الثانية فأصبحت الآلة تسمى آلة التحويل؛ كل آلة تحول العمل إلى آلة أخرى، والآلة لا تعمل إلا حينما تكون القطعة قد توصلت بها.
لقد كان لهذا التطور تأثيرا على اليد العاملة التي أصبحت تتناقص لصالح اليد العاملة المتخصصة أو اليد العاملة التي تكتفي بالمهام اليدوية مثل شحن الآلات المحولة أو إفراغها وكل عمل غير أوتوماتيكي مثل الحراسة والمراقبة دون مبادرة تذكر(16).

  تايلور والتايلورية
كان لتايلور (1856-1915) تأثيرا كبيرا في مجال تنظيم الشغل. فقد لا حظ أن تقاليد الحرف كانت سيئة لأن العامل يكون (في المرحلة الأولى ) المسؤول عن عمله. كما أن القيادة (الإدارة) تتركه ينظم ويوجه نفسه بنفسه مما يجعله يصدر عن رؤية اختبارية لا علمية.والنتيجة أن العامل يضيع كثيرا من الوقت في التنظيم السيئ.وحينما يرغب رب العمل في الزيادة في الإنتاج يتوجه إلى العامل وهو يعادل بين الزيادة في الإنتاج            والأجر.ولكن على أي أساس يتم ذلك مادام العامل هو الوحيد القادر على تقييم العمل. وقد كان الأجر يتم بتفاوض ووفق عدد القطع المنتجة والزمن الضروري المستغرق في إنتاجها.فإذا قال له المدير عليك أن تعمل أكثر لتربح أكثر لن يتذكر العامل إلا النصف الأخير للجملة وسيعمل على الزيادة في صناعة عدد القطع المنتجة (17).
كان هم تايلور هو القضاء على التنظيم السيئ والتفاوض الخاطئ لتحقيق نتائج لا يمكن الطعن في مصداقيتها؛ وذلك بإيراده لمفهوم التنظيم العلمي للشغل بإدخاله لحساب زمني يعوض الحساب القديم وتفاوضات جديدة أجملها كلها في التحديد العلمي للمهام(18).
يعمل العامل بدون معرفة نظرية ولا دعم سوى تجربته مما يجعله صاحب القرار.وقد رأى تايلور ضرورة وجود تقنيين مؤهلين وما على العمال والميكانكيين سوى التطبيق الحرفي للقرارات التي تصدر عنهم؛ ولذلك وجب أن يحرم العامل من مبادرته أي من هويته(19).وهكذا توصل تايلور إلى ضرورة إعادة تنظيم العمل بالانطلاق من تحليل دقيق مسبق للعمل كله وصولا إلى إعادة تركيب المهام.
إن هدف التنظيم العلمي للعمل هو العقلنة الشاملة.لكن ما هو العلم في نظر تايلورأو كيف يفهم تايلور العلم؟ يجيب قائلا بأن القيادة تتكلف بجمع جميع عناصر المعرفة التقليدية التي كانت في الماضي في ملكية العمال والعمل على ترتيبها وتركيبها واستخلاص قواعد و قوانين و صياغات منها لمساعدة العامل على إتمام عمله اليومي(20).
هكذا سيكون العلم في نظر تايلور هو الترتيب أو التصنيف والصياغة؛ أي ترتيب وصياغة ممارسات العمال، ثم تضاف إلى ذلك المعرفة النظرية لتقنيي المكاتب ووضع تصور لينفذ كل فرد- عامل ما سيقوم به. والحاصل أن هذا العلم الجديد هو علم في الإدارة المرتكز على المنفعة الذي يجعل من العامل أداة منفذة طيعة تقبل الأوامر بدون تردد ولا إبداء الملاحظة: إذا قيل لك اجلس فاجلس، وإذا قيل لك قف فقف، هكذا ستمضي يومك(21). وللعلم التايلوري خاصية الكونية مادمت نفعيته تهدف إلى تغيير العلاقات الإنسانية، وخاصة وأن العامل الجيد هو المنفذ لا الملاحظ أو المجادل.
تتميز التايلورية أو ما يعرف بالتنظيم العلمي للعمل بالخصائص التالية:
أولا: دراسة المعارف التقليدية وتسجيلها وتصنيفها وتحويلها إلى قوانين علمية.
ثانيا: الاختيار العلمي للعمال وفق الدقة في الجودة والمعارف.
ثالثا: تطبيق الرؤية العلمية من طرف العمال.
رابعا: التوزيع المتساوي للعمل بين العمال وأعضاء القيادة(22).
وقد رأى بيرنوكس أن هذه الخصائص تقوم على المنهج التجريبي التالي:
1- الملاحظة
2- التدوين
3- تصنيف الوقائع
4- التحليل
5- استخلاص القوانين المتعلقة بمهارة العمال
يتضح من خلال هذه المبادئ المؤسسة للتايلورية المنحى العقلاني لتنظيم العمل، بل إن التقدم الصناعي لا يمكن اختزاله في التحكم التقني، ولكن في عقلنة تنظيم العمل(23).

عقلنة العامل البشري
تواصلت المجهودات، بعد تايلور إلى يومنا هذا، الرامية إلى تنظيم العمل نظرا للتطور الصناعي نفسه. وكان التطور يشمل الإدارة والمقاولة، ولكن كذلك علم النفس وعلم النفس الاجتماعي اللذين يساعدان المنظم على التوجيه الأمثل للعامل والمعرفة المثلى للفرد والجماعة والتفاعل الحاصل بين الفرد والجماعة والجماعة والتنظيم والفرد والتنظيم. يبدو كما لو كان التوجه الجديد المستعين بهذه العلوم يتجاوز التحليل السلطوي والقرار البيروقراطي مكتفيا بالمعرفة الدقيقة بالجماعة والفرد تحت اسم العلاقات الإنسانية(24).
كانت بداية مدرسة العلاقات البشرية مع أوراش هاوتورن التابعة لشركة وسترن إلكتريك في سنة 1924.وقد شملت الدراسة 29000 شخص يعملون بمعامل ضاحية شيكاغو المتخصصة في كل ما يتعلق بالهواتف.
ورغم الشروط المادية والظروف الجيدة التي يعمل فيها العمال كالأجور المرتفعة والتطبيب والخدمات المقدمة والتغذية بعين المكان والعلاج لوحظ أن علامات عدم الرضى كثيرة مثل التغيبات المتكررة والتوقف عن العمل وانعدام الجدية والجودة في العمل.
سارعت الإدارة وبمساعدات باحثين جامعيين إلى البحث في شروط العمل، فكانت البداية بالإنارة التي تبين أن لها تأثير كبير على الإنتاج (25).وقد دامت التجارب الخاصة بالإنارة من 1924إلى 1927. وبعد ذلك تم التركيز على عمل فريق من الباحثين المتخصصين في علم النفس الاجتماعي الذي دامت أبحاثه ست سنوات كاملة على مجموعة معزولة من العمال.وكان هذا الفريق يبحث في تأثيرات ومتغيرات غير الإنارة على الإنتاج مثل العمل الفردي والجماعي والغلاف الزمني والعمل في نهاية الأسبوع.وقد بدا للباحثين أن إحداث متغير كحذف العمل في نهاية الأسبوع مثلا يزيد في المردودية.وهكذا ظل فريق الباحثين يحدث المتغيرات ويعود إلى الحالة الأولى للوقوف على أسباب التغيبات وعدم الرضى وقلة الإنتاجية.

الحاجات والتحفيزات
ترتكز هذه النظرية على علم النفس وعلم النفس الاجتماعي وقد بدأت تكتسح جميع أشكال تنظيمات الشغل والمهن، مما ترتب عن ذلك إعادة النظر في هيكلة المهام داخل تنظيمات الشغل ودوائر الجودة.
يعتبر أ.ه.ماسلو رائد هذا الاتجاه الذي يرى أن الحاجات شئ من الحياة الإنسانية وأن اصل الحاجات ليست نفسية أو فطرية فقط وإنما هي ثقافية واجتماعية كذلك، وهي تتولد عن ضرورات التملك أو الاستهلاك مما تترتب عنه تحفيزات تدفع الفرد للقيام بشئ ما قصد إشباع الرغبات(26). ثم إن ماسلو لا يقيم تراتبية بين الحاجات ومن تم تكون أولوية لحاجة عن أخرى؛ أي أن هناك حاجة عليا وجب إشباعها أولا ثم هناك حاجة دنيا تختفي لما تظهر أو تشبع الأولى. تشبه الحاجات هرما يتكون من الحاجات العضوية والأمنية والانتمائية والتقدير وتحقيق الذات، علما أن ماسلو يعطي الأولوية للحاجات العضوية ثم تأتي الحاجات الأخرى في المرتبة الثانية بعد الإشباع.
ويلاحظ أن الحاجات العضوية يمكن إشباعها في المجتمع الحالي وبالتحديد في الولايات المتحدة الأمريكية والدول المتطورة اقتصاديا. وما الأصوات التي ترتفع لتنادي بالأمن لتأمين العمل وتأمين الشغل سوى علامة على المرور من مستوى إلى آخر، لكن لا يمكن مباشرة هذه الحاجات في الوقت الذي لاتكون فيه الحاجات العضوية أو الحاجات الأجرية مشبعة. ومن تم على إدارات المقاولات أن تنتبه إلى ذلك قبل النظر في الأمن بجميع أشكاله(27).
يتحقق الانتماء في حركيات التضامن الاجتماعي والهوية الطبقية (النضال النقابي مثلا). وتقدير الذات يشمل تقدير الفرد لذاته وتقدير المجتمع له .وقد يقل تقدير الذات في العمل نتيجة تقسيمه وتجزيئ المهام.
يلاحظ بيرنوكس أن أسس تحليل ماسلو براجماتية لأنها تلتقي في جانب منها بالواقعية. فهي من جانب ثان تحطم أسطورة الإنسان الاقتصادي l'homo oeconomicus الذي لا يتحدد إلا بربح، وهي الصورة السائدة عند كل من تايلور والفوردية والتقاليد الاقتصادية. وهكذا لا يمكن تفسير سلوك الفرد في المقاولة بالجانب النقدي وحده وإنما هناك حاجات أخرى مثل الأمن والتقدير وتحقيق الذات. وبالأجمال المصلحة الشخصية للفرد(28)
سيعمل دوغلاس ماكغريغور على البحث في نظرية الإدارة management؛ أي طريقة قيادة الناس.وقد انطلق في ذلك من المقارنات بين برامج تكوين المسؤولين في الشركات الأمريكية الكبرى وتقويمها ميدانيا (في تطبيقها ).وقد استنتج أن تصرفات المسؤولين تستند إلى سياسات تدبيرية لا ترتبط مباشرة بالمحتويات التي تلقوها وإنما بافتراضات حول الطبيعة الإنسانية والسلوكات الفردية (29) التي تصبح كمبادئ يقوم عليها التكوين وتنقل من جيل إلى آخر.ولتجاوز ذلك اقترح ماكغريغور التكوين المرتبط بالمنفعة دون إغفال الجودة البيداغوجية والمصلحة الشخصية.
ترتكز نظرية الحاجات على وظيفة بيداغوجية وكانت موجهة للمستشارين ومدراء تنظيمات الشغل، وهي لا تخلو من تصورات افتراضية عن الطبيعة البشرية رغم أنها تقترح طرقا لتغيير الطرق السابقة في التعامل مع العمال. هل يتعلق الأمر بتلبية الحاجات أم بتنظيم العمل بشكل يعطي قيمة لقدرات الأفراد؟ إن العلاقة بين إشباع الحاجات والإنتاجية لم تظهر الدراسات بشأنها أي نتائج تذكر، ثم إن العمل المنظم جيدا قد يعطى نتائج كبيرة.
والحاصل أن مدرسة العلاقات الإنسانية ونظرية التحفيزات تتميز بخصائص تقنية لأن المنظم هو الذي يفكر في عمل الأفراد، وخاصية فردانية وأخرى إنسانية. وقد راهنت هذه النظريات على النجاعة عن طريق المشاركة والاندماج للتغلب على مشاكل التكيف(30).
لقد كان الهم الأساسي المحرك للمدارس التي تبحث في تنظيم الشغل والمقاولات هو النظر إلى التنظيمات كإجابات عن إكراهات موضوعية مما يجعل، وفق هذا المنظور، النظر إلى مشكل التكيف مع المحيط كحل نهائي وغاية الغايات، بل جعل من المحيط معطى لا يمكن تغييره، أو نظر إليه كقدر لا راد له. وبناء على ذلك ينبغي أن تتغير التنظيمات وتتحول لتتكيف معه، علما أن المقصود بالمحيط هنا هي قوانين السوق والتطور التكنولوجي.
لقد كان هم تايلور حسب فليب بيرنوكس يتمثل فيما يلي:
1- تحليل العمل في الأوراش.
2- تقسيم العمل إلى عناصر دقيقة صغرى.
3- دراسة المهام وعقلنتها.
4- اقتراح تنظيم لتكييف العمال مع المقاولة.
وجاءت بعده مدرسة العلاقات الإنسانية ونظرية التحفيزات مرتكزة على تقنيات في علم النفس وعلم النفس الاجتماعي والسسيولوجيا وهي تتوخى من ذلك تكيف العمال مع عملهم(31).
لقد كان المشكل هو دراسة القوانين الداخلية للتنظيمات في استقلال عن الاكراهات السياسية والاقتصادية، لكن بدا أن التنظيمات لا تتكيف ميكانيكيا وآليا مع التطورات الخارجية بالاقتصار على دراسة عناصرها الداخلية.
لم يسلم مشيل كروزيي وإرهارد فرايدريغ من الرؤية التي تجعل التنظيم مستقلا استقلالية كاملة؛ أي التنظيم الذي لا يخضع إلا لقوانينه الخاصة، القوانين والقواعد الوظيفية لا التنظيم الذي يتحدد بالعوامل والمؤثرات الخارجية. وقد تمثل نقدهما للنظريات السابقة في الجانب الذي يجعلها تنظر إلى الفرد والجماعة في الفراغ؛ بمعنى إما بالانطلاق من الحاجات المنظور إليها بالمطلق، ثم في استقلال عن استراتياجياتهم وعن تنظيمات ملموسة(32).ولأنهما أخذا ظاهرة التنظيمات على محمل الجد فقد جعلا منها ظاهرة مستقلة كليا ومصطنعة.
يتميز التنظيم في نظر هذين الباحثين بالسمات التالية:
1- تقسيم المهام
2- توزيع الأدوار
3- نظام السلطة
4- نظام التواصل
5- نظام المساهمة والأجر(33).
ورغم هذه السمات التي تبدو كركائز أو كأسس لكل تنظيم كيفما كان نوعه توقف بيرنوكس عند جانب مهم تمثل في الهيكلة l'organigramme (34)  مستحضرا أطروحات ماكس فيبر حول السلطة والبيروقراطية (35)، وجوانب أخرى مثل الجوانب اللاشخصية، والجوانب العقلانية التي تتداخل في العمل، الشئ الذي جعله يقبل بأطروحة فايول هنري الذي ينظر إلى المقاولة كجسد اجتماعي.وخلص الباحث بعد ذلك إلى استنباط مسلمات التحليل الاستراتيجي التي تدور حول المسلمات التالية:
المسلمة الأولى: لا يقبل الناس أن يعالجوا كأدوات لخدمة أهداف يضعها المنظمون للتنظيمات.
المسلمة الثانية: الحرية الخاصة بكل فاعل نسبيا داخل المقاولة أو التنظيم، ومعناها أن كل فاعل يحتفظ بشئ من الاستقلالية يستعملها قليلا أو كثيرا حتى ولو كان داخل السجن.
المسلمة الثالثة: تكون الاستراتيجيات دائما عقلانية في رهانات السلطة إلا أنها عقلانية محدودة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار استراتجيات الآخرين واكراهات المحيط (36).
للتحليل الاستراتيجي مفاتيحه الأساسية أو لنقل مفاهيمه الأساسية، ومن هذه المفاهيم نجد الفاعل والنسق والسلطة.
 يلعب الفاعل دورا أساسيا في نظرية التحليل الاستراتيجي. وقد كان كل من مشيل كروزيي و إرهارد فريدبرغ هما من أبدعا نظرية الفاعل. وهي نظرية تقوم ضد دوركهايم الذي أراد أن يطبق العلوم الحقة في دراسته للوقائع الاجتماعية دون الأخذ بقصدية الفاعلين.
تنطلق سسيولوجيا الفاعل من الفرضية القائلة بأن وضعية الفعل أولية، وهي وضعية قابلة للتفسير وفق منطق الأفعال ومنطق وضعية الفعل.
وأما النسق فإنه يحتل بدوره مكانة هامة في التحليل الاستراتيجي. ويأتي معناه من التنظيم أو البناء الإنساني أو مجموعة من الناس مبنينين بناء معينا. يتكون هذا المجموع من عدة عناصر لها استراتيجيات تتطور بتفاوت ولها علاقات تخضع لإكراهات المحيط. ثم إن التنظيم في مجموعه يكون في حركة لا تهدأ قد يبدل أهدافا قديمة بأخرى جديدة، وقد يوظف عمالا آخرين يستبدل بهم غيرهم بمستويات دراسية معينة.
لابد أن التمييز بين الفاعل والنسق يوحي بتمييز بين التحليل الفاعلي والتحليل النسقي أو نمط التفكير الاستراتيجي ونمط التفكير النسقي. هناك فاعلون مستقلون نسبيا وأحرار يخلقون نظاما معينا (نسقا)، ويجعلونه يعمل عبر شبكة من العلاقات تسمح لهم بالتفاوض والتبادل وأخذ القرار(37).
سيكون من المهم في منظور التحليل النسقي تحديد المجموع، كلية العناصر والعلاقات بين العناصر عوض تحليل كل عنصر على حدة لتفادي النزعة الوظائفية التي تركز على عامل أو فاعل أو جزء دون الكل. ثم يستحيل الحديث عن النسقية من دون استحضار التنظيم بما فيه جانب الموارد البشرية وسيرورة التحولات وتموين منتوج معين.ويعني ذلك أن النسق شبكة من العلاقات غير المستقلة، شبكة متداخلة مترابطة فيما بينها. وإذا ما حصل تغيير في إحداها تغيرت العلاقات الأخرى، بل يتحول المجموع في كليته. ولتمييز النسق عن التنظيم أدخل السسيولوجيون جانب الغاية؛ إذ يسعى التنظيم إلى التوازن بمجرد التغيير لأن هناك حالة مثالية من التوازن ينبغي الرجوع إليها أو الحصول عليها، لكن النسق يجهل معنى التغيير رغم أن مثاله هو التوازن(38).
تسمى الطريقة التي تبني بها مجموعة من الناس علاقاتها نسقا للفعل الملموس بما فيها الأنساق الصغرى للفعل الملموس. والتحليل الاستراتيجي لا يكتفي بدراسة هذه العلاقات بمعزل عن دراسة الشك الذي يعني الاكراهات الخارجية التي ترمي بظلالها على التنظيم، والشك الجاثم على العلاقات الداخلية للتنظيم.
والجانب الثالث في التحليل الاستراتيجي هو الجانب المتعلق بالسلطة كمشكل مركزي في التنظيم. وهنا لا يتعلق الأمر بالمنظورات الكلاسيكية التي كانت تنظر إلى من يحتكر السلطة من جهة وإلى من ينفذها من جهة ثانية. ربما أصبح الأمر يسير بشكل جماعي، بتقاسم السلط والتفاوض والاجتماعات المتكررة لإيجاد الحل للجميع.
سيكون من الملائم حتى في مثل هذه الحالات التي تتخذ فيها القرارات أن نعرف السلطة بأنها قدرة بعض الأفراد أو جماعة على ممارسة السلطة على آخرين سواء كانوا جماعة أو أفرادا.
تعيدنا دراسة نسق الفعل الملموس إلى تعريف الجماعة، سواء إلى العلاقات البينشخصية أو إلى تاريخها وثقافتها. ومن أجل توضيح هذه المعطيات لابد من الرجوع إلى فرويد الذي عمل على تحليل علاقة الفرد بالجماعة. وفيما يخص الجوانب المتعلقة بالثقافة والتاريخ (39).
أليس الحديث عن التحليل النفسي هو حديث عن الفرد؟ ثم أليس الحديث عن علاقات جماعة تشكل نسقا هو إحالة على بنية؟ أليست، أخيرا، ثقافة المقاولة هي نسق فعل ملموس؟.
لنتذكر بأن السسيولوجيا تدرس الظواهر كظاهرة التنظيم نفسه إلا أنه هناك أسئلة تنفلت من التحليل مثل دراسة الروابط الاجتماعية و مرضيات التنظيمات والدور الكرزماتي للزعماء التي لا يتناولها التحليل النسقي تحديدا فتظل منسية ومهمشة قابعة في الظل، بل إن علاقة الفاعل بالتنظيم لا يمكن أن تختزل في السلطة والاستراتيجيات وحدها.
قد لا نستغرب إذا قلنا بأن فرويد لم يكتف بتحليل العلاقة بين الطفل والأب والأم؛ إذ تعداها إلى تحليل التنظيمات والمجتمعات. ذلك ما تشير إليه مؤلفات مثل تحليل الحرب 1914-1918 و سيكولوجيا الجماعات وتحليل الأنا 1921 ومستقبل وهم 1927 ومرض في الحضارة1929، حيث التحليل يذهب إلى ماوراء العلاقات البينشخصية الفردية ليطال المجتمع والتنظيم(40).
إن الإنسان كائن ذو رغبات. والحال أن هذه الرغبات ينبغي أن يعترف بها الآخر ويقبل بها ليس بالمعنى القبول الساقط وإنما الاعتراف الاجتماعي، حيث يعترف بصاحب الأهواء والرغبات كذات لأن الرغبات لا يمكن التعبير عنها اجتماعيا وإنما هي منتوج دافع ما.
هناك من جمع بين الاعتراف والهوية مثل ر.سانسوليو . وهناك من رأى بأن جميع البنيات التنظيمية ترتبط بالمتخيل الاجتماعي. فعلى سبيل المثال فإن علاقة الغواية والاستمالة تدخل في علاقة السلطة والعصابات الفردية تترجم تنظيميا أو بلغة التنظيم. هناك تفاعل بين المتخيل الفردي والاجتماعي، والبارانويا قد تكون جوابا جنونيا على مشاكل واقعية مطروحة في الحياة الاجتماعية. وإجمالا فإن التحليل النفسي هو تحليل اللاوعي ، تحليل ما ينفلت من الوعي وعقلانية التنظيمات.
عمل فرويد في سايكولوجيا الجماعة وتحليل الأنا على تأزيم التعارض بين علم النفس وعلم النفس الاجتماعي لأن علم النفس لا يمكنه تجريد علاقات الأفراد بالآخرين والعلم الآخر سيتدخل بانتظام من حيث أنه نموذج ودعم للمنافس. ثم إن بنيات التنظيمات لها سيرورات عصابية لا يمكن فهمها إلا باستحضار لا وعي الأفراد.
لا يمكن أن توجد التنظيمات إلا لأنها موجودة من أجلنا، وذلك ما يعني وجود رابط مثل تحقيق الذات والحب والتضامن والجسارة كدافع لبناء شئ ما مع الغير. ولكي يوجد ذلك لابد من وجود مدخل ليبيدي libidinal أو استثمار عاطفي(41).
إن مجتمعا مؤسسا على حب الأب والمساواة بين الأبناء يعني وجود رابط ليبيدي ونرجسي.فهل يمكن الانطلاق من هذه المسلمة الفرويدية لتحليل العلاقات داخل التنظيمات؟ يلاحظ بيرنوكس أن الصعوبة الأولى تتمثل في غموض صورة الرئيس. فهل من المعقول القول بأن الأفراد لا يعيشون معا بإحالتهم على الغير وبالتحديد على الأب أو المؤسس أم أن هذه الصورة خطيرة وقاتلة لأنه على الأبناء التمرد لقتل الأب؟ تجسد هذه الحالة حالة علاقة السلطة المليئة بغموض صورة الأب.
والجانب الثاني في التحليل الفرويدي أن الأنا لا يتشكل إلا عبر الغير، باعتراف الغير، وهوما يجعل الذات، الاعتراف بالذات، مهددا ومبدأ المساواة بين الإخوة في خطر مثل ما يحدث في النظرة المباينة المفاضلة بين الجنسين وامتداداتها في العمل والحياة اليومية فتهدد بذلك الغيرية الجماعة.لكن المنطق السليم في التحليل النفسي يقول: لكي أظل أنا نفسي ينبغي أن أكون مختلفا.لكن لكي تستمر الجماعة تتصدى للأفراد الذين يظهرون رغبات القتل ودوافع الهدم والعدوان (أسباب الحروب).
سيكون وضع اليد على رابط ليبيدي من بين الوسائل التي تعزز التماسك الجماعي لمنع العدوانية بالسماح بالتعبير أمام أعضاء الجماعة وتحويل تلك العدوانية نحو الخارج، نحو تنظيمات أو جماعات أو مجموعات أخرى.
هناك نوعان من النزوعات في جميع المجتمات؛ أولها النزوع نحو التحطيم الذاتي الذي يلغي كل غيرية أو أن الجميع صار منافسا وعدوا، حيث تكون نهاية الروابط الاجتماعية، نهاية العلاقة بين الحاكم والمحكوم أو بالإبداع الدائم لأعداء جدد يوجدون في الخارج، حيث لا توجد الدولة إلا بالحروب أو التحضير المستمر لحرب آتية(42).
والخلاصة أن التنظيم الجيد يفترض، حسب هذا المنظور، وجود رابط الحب وغيرية الأب والقبول بالاختلاف والغيرية مع مناقشة التبادلية.
لم يعد خافيا أن العصاب هو عصاب تنظيمي. والعصاب هو انعدام القدرة على العيش المشترك أو في الجماعة. وإذا انطلقنا من المسلمة القائلة بأنه على كل فرد أن يعمل في جماعة والجماعة تناقش باستمرار أنشطتها سيكون ذلك علاجا للعصاب.وقد خلص الباحث بيون إلى الاستنباجات التالية:
أولا: إن نفسية الأفراد هي بالأساس سيكولوجية الجماعة لأنه هناك تأثير متبادل بين الأفراد.
ثانيا: إن العمل الواعي العقلاني لجماعة معينة يتأثر بالأحاسيس اللاواعية وانفعالات المشاركين.
ثالثا: إن مشاكل التدبير والقيادة هي شخصية وبينشخصية تترجم بلغة تنظيمية.
رابعا: كلما كانت الجماعة تواجه الواقع كثيرا كلما لوحظ تطورها الايجابي(43).
ويرد عند بيرنوكس جانبا آخر يسمح بفهم الجماعة عدا التحليل النفسي يتمثل في ثقافة الجماعة رغم أنها غير مدركة إدراكا جيدا من قبل السسيولوجيين.
لاشك أن للثقافة تعاريف كثيرة وقد تحيل إلى التأثيرات على الأفراد والجماعة أو القيم التي يقدمها المجتمع أو القيم المنتظمة في نسق بتأثيراتها الرمزية أو التمثلية. والصعوبة الثانية في تحديد الثقافة تأتي من إمبريالية المدارس الثقافوية وبالتحديد التفسيرات التعميمية التي تنشرها(44)؛ ومنها جهوية الثقافة ووطنيتها.إنه التحديد العام المرتكز على الذهنيات والقيم العامة الجماعية الذي تدرسه سسيولوجيا التربية أثناء تناولها لنقل المعارف (العائلة والمدرسة) إلا أن الدراسات المهتمة بالجانب الثقافي في التنظيمات تنطلق من وضعيات ملموسة في العمل، ومن الاختلافات السسيو-مهنية للفاعلين والهوية المهنية للفاعلين.(45)
كان رونود سانسوليو أول من انتبه إلى آثار العمل على السلوكات العلائقية وليس على النفسيات الفردية. وقد لا حظ وجود تعدديات ثقافية تميز العمال غير المؤهلين مثل السلبية عند العمال المؤهلين الذين يستعملون التقنيات والآلات القديمة، والتضامن عند مستعملي التقنية الجديدة، والانعزالية عند التقنيين والأطر ومستخدمي المكاتب وغيرهم.
يعزي الباحث هذه الثقافة إلى عدة عوامل منها:
أولا: الثقافة السابقة وتشمل على سبيل المثال الرجال والنساء، القرويين أو الحضريين، الثقافة الأسرية والتقنية، الثقافة المكتسبة في مقاولة أخرى إلخ...
ثانيا: وضعية العمل ونوع العمل.
ثالثا: الوضعية الاستراتيجية لعلاقات السلطة وتشمل سياسة القيادة والتنقيب والصراعات الاجتماعية وعلاقات السلطة في ورش ما إلخ...(46).
ويخلص الباحث بيرنوكس أن هذه النمذجة تسمح بالتخلص من التعقيد الثقافي للمقاولة التي ستعالج برؤية وظيفية انطلاقا من المنتظرات والأدوار في التنظيم. وبلغة استراتيجية، تسمح هذه النمذجة بالانطلاق من علاقات السلطة.

ثانيا: التأهيل و الكفاية عند فليب زارفيان

منذ سنوات وإلى حد الآن يسود تعارض بين التأهيل والكفاية في نظر الكثير من الباحثين(47) الشئ الذي انعكس على التفاوضات الاجتماعية، لكن يبدو أن هذا التعارض بدا في الاختفاء لما اقترن في نظر النقابات بالعودة من جديد للتأهيل لأنه لا يمكن أن التقدم في الكفايات دون اعطاء ضمانات في التأهيل.ومن تم بدا تحديد جديد للتأهيل والكفاية معا. يعني التأهيل المعارف والمهارات والسلوكات إلخ... المكتسبة من قبل الفرد سواء عن طريق التكوين أو عن طريق ممارسات مهنية مختلفة أو غيرها.وتفيد الكفاية تنفيذ تلك الموارد في وضعية معينة؛ وبتعبير النقابات فإن التأهيل عبارة عن علبة أدوات يمتلكها الأجير والكفاية تبين الطريقة التي يستعملها في الوضعية الملموسة.
يطرح هذا التمييز عدة مشاكل عملية؛ منها مثلا كيف يمكن التعرف على التصنيف ونظام التأجير هل بالاعتماد على الكفاية أم التأهيل أو عليهما معا؟ ووفق أي مستوى هل باعتماد الاجتماعي أم المقاولاتي؟.
نعرف جميعا بأن التأهيل مسألة اجتماعية: تأهيل الأجراء، والكفاية شكل جديد للتأهيل بدأ في الظهور(48)؛ فهي تأهيل مزدوج سواء بالنسبة لمساهمة الأجير في سيرورة الإنتاج أو على مستوى مكانته في التراتبية الأجرية.هل يتعلق الأمر بتأهيل في الشغل أو بالتأهيل دون تمييز؟
يلاحظ زارفيان اختفاء التمييز لما نطرح مثل هذه الأسئلة؛ لذلك فإن استعمال لفظة التأهيل يكون بغاية تعيين مشكلة وليس إعطاء حل.
لابد من الإشارة إلى أن ظهور النموذج الكفاياتي كان تحولا طويل المدى انتشر على مدة زمنية طويلة ليحل محل نماذج قديمة مثل النموذج الحرفي ونموذج منصب الشغل(49).
أولا: النموذج الحرفي  
تمتد جذور هذا النموذج في التاريخ؛ إذ بدأ مع تعاونيات الصناعة التقليدية في المدن. وكان يمارس في وسط اجتماعي حرفي؛ إما أننا من أهل الحرفة أو لسنا منهم. وكان يمارس بتعلم يتوارث التجارب والخبرات وفي تراتبية للعلاقات، حيث نجد المبتدئ والصانع الماهر الذي يمتلك معرفة مهنية لا تحيل فقط على قواعد المهنة، بل على الجودة و الأصالة. ثم إن العلاقة بالسوق كانت علاقة مباشرة.
لقد تعرض هذا النموذج للهجومات منذ نهاية القرن XVIII من طرف الثوريين الذين رأوا فيه شكلا لا ديمقراطيا يستند إلى العهود القديمة، معيقا للمواطنة ووحدة الأمة. ثم رأى فيه المقاولون المصنعون الجدد، الطبقة الرأسمالية الجديدة، حاجزا يعيق التحول وعقلنة طرق العمل كمراقبة الساكنة العمالية منذ أن بدأت تتجمع في المصنع(50).
ثانيا: نموذج منصب الشغل      
لقد تنبأ كارل ماركس بنباهة كبيرة إلى النزعة الآلية من حيث أنها آلة حرب ضد النموذج المهني. وقد دامت هذه الحرب قرنين من الزمن لينتصر نموذج منصب الشغل مع التايلورية في الأخير، ومع ذلك ظلت الحرفة تقاوم الشغل حينما يقال avoir un métier وليس avoir un emploi أو tenir un poste، فصرنا نتحدث عن حرفة الإعلامي و المهندس.
ففي مثل هذه الحالات ستبقى الحرفة هي التي تحدد le socle الانتماءات الاجتماعية والمهنية والاعترافات المهنية(51). بينما يعمل نموذج الشغل أو منصب الشغل على تحديد أشكال أخرى من الاعترافات والانتماءات المهنية، علما أنه كان في السابق مع كارل ماركس يعتمد الانتماء الطبقي كانتماء يحدد الهوية، أي الهوية الاجتماعية. وأما مع النموذج الكفاياتي فإن التصنيف المرتبط بالمكتسبات والقدرات والمهارات والكفايات، وبالاجمال مرجع الكفايات(52) هو الذي يحددها.
لقد كان العمل في القرن الثامن عشر يعني الذكاء العملي (بما فيه الذكاء الحركي) للصانع أو الفلاح. ولم يكن من المقبول ولا من اللائق والمستساغ التمييز بين الفرد العامل والعمل.ولكن ماذا حصل لما دخل عنصر العمل ليصبح التمييز بين الفرد والعمل، هذا العمل الذي يمكن موضعته وتحليله و عقلنته ووصفه وتغييره في استقلال عن العامل، عن الفرد، عن الفلاح والصانع الذي ينجزه، ولم يعد العامل شيئا آخر سوى موضوعا مشيئا يحمل قدرات (وظيفية) ضرورية لإنجاز ذلك العمل؟.
 سيكون التأهيل طريقة لتأهيل العلاقة بين العمل وقدرات العامل وطريقة وتصنيف ذلك وفق درجات التعقيد لتتأتى الوظيفة بدقة وإمكانية المراقبة والتقويم(53)؛ وبتعبير كلاسيكي فإن الفرد في الفترة الصناعية لم يكن يمتلك نشاطه الاقتصادي الذي يظهر كشكل خارجي وبراني. لقدكان الصراع منذ القرنXIX صراعا مريرا بين أهل الحرف وحركيات العقلنة ونزع تملك العمل التي يمثلها المهندسون قبل ظهور التايلورية لنصل إلى مرحلتنا هذه التي أصبح العمل فيها يعني الكفاية المتوفر عليها التي يستطيع العامل تنفيذها(54).
وعلى وجه الإجمال فإن إعادة تملك العمل من طرف من يمارسه، في أزمنة الكفاية، ليس سوى التكرار البسيط للماضي، علما بأن الشروط الاجتماعية وشروط الإنتاج قد تغيرت بشكل راديكالي. وهناك حسب زارفيان ثلاث سمات تميز الحداثة الحالية هي:
أولا: ظهور الفردانية التي يتكثف معناها في الذات كصاحبة أفعالها والمتحكمة في حياتها. ثم إن أشكال التنشئة الاجتماعية تعمل على ظهورها وفردنتها، وتنمي الوعي الذاتي لكل فرد داخل الحياة الاجتماعية. وإن هذا الفرد المتفرد بنشاطه هو العامل.
ثانيا: مستوى الارتباط وفضاؤه ويعني أن العمل الجماعي المتسلسل الميكانيكي بدأ في التراجع شيئا فشيئا ليظهر في تبادل الحوار ووجهات النظر والتواصل وتبادل المعلومات.لا وجود فيه للاتفاقات الظاهرة أو الخفية، هناك شبكة من التفاعلات متعددة ومعقدة وتعددية في التعاقدات.
ثالثا: سيادة اللايقين في السوق ووجودالمصادفات الاقتصادية(55).
إن تحول العمل جعله تعبيرا مباشرا عن قوة فكر وفعل الفرد ومعرفته وذكائه العملي والتزامه، وحيث لا يعين كأجير إلا في إطار مراقب لإظهار كفاياته مع تحريك وتشغيل موارد خاصة وتنظيمية. إنه تجريد للذوات ( التلاميذ و الطلاب و الأجراء) وفق تجاربهم مع فردنة واضحة صاحبتها تكنولوجيا الإعلام والاتصال لتزيد منها (56)، بل إن العمل المهني الاحترافي ينظر إليه من المنظور الشخصي والخاص مباشرة ليصبح الفرد في النهاية ذاتا وفاعلا في الآن نفسه.
إن المسألة المطروحة في نموذج الكفايات هي ما العمل حينما لا يقال لي مايجب القيام به؟ ذلك هو نموذج الاستقلالية المرغوب فيه المتسم بالمبادرة التي تعني البدء في شئ جديد في هذا العالم. والمبادرة لها علاقة بفعل agir المشتق من اللاتينية agere الذي يعني إدخال الحركة في الشئ أو إلى شئ أو إطلاق سيرورة معينة.ثم إن مفهوم الاستقلالية أحدث داخل المقاولة تحديدا جديدا لعلاقات السلطة وقواعد العمل، غير أن مفهوم المبادرة ظل يعني الكفاية وهي في الفعل ذاته والتزام ألذات ليس في علاقتها بالقواعد بل بآثار الأفق. وبذلك فإن الكفاية هي المبادرة موجهة بالاستقلالية(57) .
تصاحب المبادرة أحكام أو لنقل لا وجود لمبادرة بدون أحكام. فالشخص الكافي لا يأخذ أية مبادرة كيفما كانت. وأول مبادرة ينبغي أن يتخذها المبادر هي المبادرة نفسها، ولكن أي مبادرة؟.
يرى السسيولوجي الفرنسي أن هناك نوعين من الانتماءات تعرف أزمة هما الانتماء الطبقي (الانتماء للطبقة العاملة) والانتماء الحرفي (بالمعنى القديم للفظ) (58).وإن ما هو في حيز الظهور الآن هو الانتماء للمقاولة.وبذلك فإن تعريف الكفاية سيكون هو" أخذ المبادرة والمسؤولية من طرف الفرد في الوضعيات المهنية التي سيواجهها". فالكفاية بهذا المعنى ذكاء عملي فردي وقدرة على تشغيل شبكات الفاعلين حول نفس الوضعيات وتقاسم الرهان والاضطلاع بمسؤوليات (59).
لا يمكن أن تعرف الكفاية من خلال وضعية واحدة، وخاصة الكفاية المهنية. فالوضعية هي إطار وسياق، وهي مكونات لوضعية تظهر كمرتكزات وموارد [ في ورش مثلا نجد آلات ومواد وإجراءات...]، وهي مشكل ومجموعة مشاكل على الفرد أن يواجهها، وهي النتيجة المنتظرة، وهي كذلك المبادرة والتفاعل مع فاعلين آخرين يشترط النجاح أو الفشل بوجودهم. وأخيرا هي نمط أو إجراء تقويمي(60).

ثالثا: النظام التربوي والمقاولة 

صدر مؤلف نموذج الكفايات:النظام التربوي والمقاولة في سنة 2000 لفرانسواز روبي ولوسي تانغوي، ويعمل على تتبع استعمالات الكفاية في النظام التربوي والمقاولات محددا الفترة مابين1980و2000 موضوعا للدراسة.
لقد صار التعليم في أواخر القرن العشرين مسألة سياسية واجتماعية لما تناقصت فرص الشغل وأصبحت العائلات أمام مسارات تعليمية طويلة تثقل كاهلها التكاليف، فأضحت الاهتمامات كلها منصبة على الشغل كنقطة مركزية للنظام التربوي مما يستوجب إكساب التلاميذ مستوى ما من المعارف المؤهلة للشغل.تلك كانت نقطة التحول في النظام التعليمي الذي كان يقوم على المعارف والتخصصات إلى تعليم سيقوم على الكفايات القابلة للتحويل والتطبيق والمراقبة في وضعيات ومهام من خلال وضع مسالك مهنية وتقنية.
وأما المقاولة فقد مرت بدورها من تنظيم منتج إلى تنظيم يقوم على التفريد، حيث صار التكوين المستمر مسألة مركزية لمن يريد الحفاظ على منصب الشغل.
تبين لنا إعادة وضع البرامج والمناهج في فرنسا خلال سنوات الثمانينيات منحى التعليم المستقبلي، حيث عمدت السلطات التربوية والسياسية إلى إشراك ممثلين عن المهنيين والسياسات المحلية والعائلات لتحديد توجهات المحتويات والبحث عن سلط الخبراء ومنتجي المعارف.
وبالموازاة مع ذلك أنشأت وزارة التربية الفرنسية في سنة1989 المجلس الوطني للبرامج إلى جانب المجموعات التقنية التخصصية المكونة من خبراء في كل تخصص.
نشر المجلس الوطني للبرامج في سنة 1992 ميثاق البرامج وردت فيه الكفاية كفكرة تحوز على مكانة خاصة. ورأى المجلس أنه على البرامج ألا تكون تكديسا للمعارف غير الملاءمة وغير المتوافقة مع قدرات التلميذ، بل تجب مراجعة لائحة الكفايات في كل مستوى لتحديد ما يراد تحصيله من معارف ومهارات مناسبة.وهكذا يكون البرنامج قد حدد بوضوح الكفايات النهائية المطلوبة في آخر السنة الدراسية والسلك الدراسي آو التكوين والتقويمات الملائمة.
سيكون البرنامج عبارة عن مرشد يذكر في كل لحظة وبوضوح بالأهداف المتوخاة، وعلى العكس من ذلك فقد كانت فكرة الكفايات موضوع اتفاق ضمني وقد تجلى ظهورها في البرامج من خلال التقويم الذي اعتبر البوابة التي دخلت منها الكفايات إلى التعليم العام وبعد ذلك إلى اللغة الفرنسية كتخصص أو مادة مدرسة.
اعتبر التقويم وتطوير تقنيات التقويم ووضع شبكات للتقويم الفردية وتقويم وظيفة النقل والتعلم والمعارف والمهارات لدى كل تلميذ على حدة وفردنة التعلم باللجوء إلى البيداغوجية الفارقية والتعاقد بين التلميذ والأستاذ استجابة اجتماعية لنجاعة مثلى تتمتع بها المؤسسات. فتمت المقارنة بين التقويم والسوق، بحيث إذا كان السوق يرغم المقاولات على نهج إصلاحات ما فإن التقويم يقوم بنفس الدور على مستوى التعليم.وكلاهما يسعيان لبلوغ النجاعة المفترضة. وكان من نتائج ذلك إنجاز كراسات للتقويم في سنة 1990 حول نموذج المراجع في الابتدائي بتواز مع تقسيم الحصص في الأسلاك الدراسية مما جعل التلاميذ والعائلات يدخولون في نقاشات المتخصصين.
ولا بد من الإشارة أن الإصلاحات جرت كثيرا من المعارضات التي ترى بأن التقويم يريد أن يموضع كل شئ ويقيس كل شئ ويريد أن يعالج الفكر الإنساني كما تعالج المعلومة في أنظمة الخبراء واختزاله في كل ماهو قابل للملاحظة والقياس، أي فيما نستطيع قوله أو كتابته أو القيام به...
وأما في التعليم المهني فإن الكفايات أشير إليها في مراجع الدبلومات. فمراجع الدبلومات تحدد الكفايات المنتظرة لممارسة نشاط في قطاع مهني نوعي ثم في الشروط التي تمكن من تقويم تلك الكفايات.وقد قدمت المراجع، لما استعصت عن الفهم من طرف المشغلين، على الشكل التالي:
1- الكفايات الشاملة المتوخاة(القدرة على كذا...).
2- القدرات العامة: الاستعلام، التنظيم، الإنجاز، التواصل.
3- القدرات والكفايات النهائية.
4- لائحة المعارف والمهارات.
ظهور الكفاية في عالم الشغل
يربط المؤلفون في موضوع الكفايات أن هذه الأخيرة ارتبط ظهورها بالتحولات التي عرفها سوق الشغل وتنظيمه وتدبير المستخدمين في المقاولات في إطار البحث عن المرونة وسرعة الإنتاج إلخ...
تستجيب فكرة الكفايات للتحولات الملاحظة على مستوى التنظيم في عالم الشغل، وهي بذلك تحل محل التأهيل الذي كان المرجع في العمل. ومن بين ما يستخلص من هذه التحولات الجارية أنها تعمل بطريقة جديدة في إسناد المناصب وتقويم العمل نفسه.إنها طريقة جديدة تسمح الأفراد بقدمهم وتعيينهم في مناصب الشغل باللجوء إلى اتفاق أو لنقل تعاقدات جديدة للشغل أو بالتعبير المغربي مدونات جديدة للشغل قد تتضمن التكوين التأهيلي؛ أي على مقاولة ان تمنح للمأجورين الوسائل للحصول على المعلومات الضرورية خلال مسارهم المهني مما سيترتب عنه مرونة كبيرة يتمتع بها الأجير لتطوير مساره المهني وبمسؤولية كبيرة. والملاحظ أن الاتفاقات الجديدة حول الشغل ستتضمن الاتفاق مفهوما آخر هو التنظيم التقييمي للاعتراف بما يحوزه الأجير، أي الاعتراف بالكفايات التي يكتسبها الأجير.
هكذا نكون أمام طريقة جديدة في التصنيف وتحديد المسار المهني الذي لم يعد مرتبطا بوجود مناصب قارة، بل مرتبطا بالاعتراف بالكفايات؛ وبتعبير آخر أصبحنا أمام خاصيات منصب مرتبطة بالشخص الذي يحتله، وبتعبير أوضح يتم خلق مناصب وفق الشخص صاحب الكفايات المطلوبة والضرورية. ومن أجل ذلك لابد من تقسيم الكفايات إلى كفايات مكتسبة وأخرى مطلوبة وغيرها مطلوب إثبات صلاحيتها.ومن تم كان التعريف القائل بأن الكفايات هي مهارات أداتية وذات صلاحية أو مثبتة صلاحيتها.وقد شملت المهارة المعلومات والتجارب التي يتوفر عليها الأجير. ويفيد مفهوم الأداتية إمكانية تطبيق المهارات والمعلومات في تنظيم معين.وإثبات الصلاحية أن تلك المهارة ينبغي أن يؤكدها مستوى التكوين والتحكم في الوظائف الممارسة.
إن الكفايات تمنح كثيرا من الامكانات للأجراء شريطة أن يتوفروا على كفايات واسعة ويستطيعون التكيف مع التطورات التكنولوجية والقدرة على التطبيق الملموس لتلك الكفايات.وتوسيع الكفايات لايتأتى من تلقاء نفسه وإنما بالتكوين.إذن، ليس صدفة أن يحتل التكوين مكانة في قلب المقاولة، ولم يعد يعتبر حقا، بل إلزاما.
بما أن الكفايات أصبحت من رحم التفكير المقاولاتي وتنظيم الشغل بدا ضروريا التفكير في جعلها قابلة للملاحظة وإعطائها شكلا ملموسا يمكن تقويمه.وقد تم وضع ثلاثة إجراءات هي:
أولا- تقويم الكفايات المطلوبة للشغل التي يتم تحديدها بمساعدة مراجع للكفايات؛ بمعنى لائحة المعارف والمهارات، وحيث اكتسابها يكون قابلا للقياس: القدرة على كذا...
ثانيا- تقويم الكفايات المكتسبة من طرف الأجير، وهويقوم على كراسة التعلم التي تسمح بموقعة الأجير أمام كفايات مطلوبة أخذا بعين الاعتبار ما ينبغي أن يقوم به في ارتباط بالشغل.
ثالثا- المقابلة المهنية، وتسمح بمقارنة كفايات أجير بتلك المطلوبة للمارسة وظيفة أو ما يتوخى ممارسته.
وما يستخلص مما تقدم أن علاقة المعرفة بالشغل لم تعد هي مدار الحديث، بل الكفايات هي التي تحدد ما ينبغي أن تكون عليه المعارف.وقد حصل ذلك باللجوء إلى نتائج التقويم لتحديد كفايات الشخص، وذلك ما يتعارضا تعارضا صارخا مع التأهيل.ومما يترتب عن ذلك أنه على الأجير أن يتلاءم طيلة مساره المهني مع المنصب، فهو دائما تحت المراقبة والضغط. ولا وجود لمنصب قار دائم. ولذلك عاد التكوين والتكوين المستمر والتكوين الذاتي إلى الواجهة ليصبح الدبلوم الرسمي شهادة كباقي الشهادات.ولكن ما يلاجظ أن فكرة الكفاية غامضة أشد الغموض لأنها تخضع لرهانات المقاولة والسوق أكثر من أي شئ آخر.

رابعا: التدبير المدرسي الجديد عند آلان بوفيي

1- نظريات التنظيم الكلاسيكية
أ- التايلورية
ينطلق رواد التنظيم من الرأي القائل بأن داعي وجود تنظيم معين هو داع اجتماعي، ثم إن التنظيم هو نتاج وليس استجابة، نتاج اجتماعي عقلاني لتحقيق هدف أو أهداف كثيرة. ويحتوى في الآن نفسه على كثير من الخطط والإجراءات والتواصلات والسلط وتقسيمات وجماعات وأنشطة مختلف الفاعلين للتحكم في الفضاء والزمن.
لقد كان المنظور التحليلي، وذلك منذ زمن فرويد، يدرس وظائفية الجماعات والمجتمعات كجماعات اصطناعية. وأما التنظيمات فتنطلق من اعتبار التنظيم كنسق اجتماعي إنساني يطرح مشاكل الارتباط و القرار والمشاركة والسلطة ومراقبة الأنشطة، وهو في نفس الوقت نسق ثقافي ورمزي وتخيلي. وبالانتقال من التحليل التايلوري المركز على تحليل المهام إلى المقاربات التي تهتم بالأدوار والمهام سنكون قد انتقلنا إلى منظورات جديدة(61) .
يعود تنظيم الشغل (مفهوم التنظيم) الكلاسيكي إلى المهندس فرديرك.ف.تايلور (1909)، تحت اسم التنظيم العلمي للعمل، ويتأسس علمه على المجاز الميكانيكي، بحيث أنه فكر في تنظيم العمل كما يفكر في الآلة حتى تشتغل على الوجه الجيد.
يقوم تنظيم العمل على تقسيم المهام داخل وحدات الإنتاج: إنسان –مهمة، وتوزيع الوظائف وفق منظور عقلاني للمنفذكي يتأتى التنبؤ داخل المقاولة أو التنظيم عامة. وقد جعل هذا التنظيم تايلور من بين دارسي الزمن، زمن الإنتاج، وطرق العمل(62).
اكتملت الرؤية التايلورية في سنة 1916 مع توفر مذهب إداري سمح بوجود نظرية للتنظيمات طرحها الفرنسي هنري فايول خصيصا لمسيري المقاولات.
كان فايول يميز بين ست وظائف داخل المقاولة متفرقة و متكاملة: تقنية وتجارية ومالية و إدارية ومحاسباتية وأمنية(63)، كما ميز في إدارة التنظيم بين ثلاث وظائف نوعية هي التنبؤ و التنفيذ و المراقبة. وفي التراتبية التي تفضي بالتنظيم إلى تحقيق أهدافه ميز بين وظيفة التنبؤ و التنظيم والأمر والتنسيق.
  يتميز فايول عن تايلور بمنح السلطة لوحدة آمرة أو وحدة الخط التراتبي: رئيس واحد وبرنامج واحد لتحيق الهدف لأن ازدواجية الأوامر ينتج عنها الصراع الدائم(64).
وأما ماكس فيبر (1922) فقد وصف النموذج المثالي type idéal للبيروقراطية القابل للتطبيق في المقاولات الخاصة عوض التنظيمات العمومية، مما دفعه لتوضيح المهام والإجراءات والوظائف وعقلنة التنسيقات بين الوظائف. فالنموذج البيروقراطي يسعى لسيادة القواعد المجردة الموضوعة بقصدية.كما أن ماكس فيبر انتبه لمهمة الزعيم Leader في التنظيم وطور وفق ذلك نمذجة لعلاقات السلطة فتوصل إلى ثلاثة أنواع من التحفيز على الخضوع أو الامتثال، هي النموذج الكارزماتي Charisme المرتبط بشخص الزعيم، والنموذج الفيودالي المرتبط بالخضوع للسلطة التقليدية، وأخيرا النموذج العقلاني المرتبط بالأفراد، أي انخراط الأفراد في العقلنة.
تشكل أعمال هؤلاء المفكرين السابق ذكرهم النماذج الصورية الأولى للتنظيمات، وهي كلها نماذج وظيفية أو مقاربات وظيفية مثل ماقام به هنري فورد في سنة 1920 حينما أبدع مفهوم العمل المتسلسل موحدا جميع الأوراش في وحدة مستقلة. وبذلك تكون الفوردية قد أتمت المهمة وكملت التايلورية عبر تعميم السيرورات في عمل متسلسل(65).
لابد من الإشارة إلى أن مستوى التكوين الذي كان عليه العمال في عهد التايلورية كان ضعيفا، بل ومستوى تعليم وتكوين السكان كذلك. والمبدأ الذي قامت عليه التايلورية يتجلى في تكرار الحركة والفعل، وذلك ما يلخص إقصاء الفرد ومحيطه ومحيط التنظيم.
 ب- تيار العلاقات الإنسانية
تبين أن حدود تنظيم العمل عند التايلورية بدأت تبرز مع بداية الثلاثينيات من القرن العشرين، وبالتحديد مع أبحاث تستند للأنتروبولوجيا، وذلك بالتركيز على ظواهر غريبة مثل علاقة الإضاءة بالإنتاج التي أجريت حولها التجارب في أمريكا ما بين 1920و1930 والتركيز على فكرة الفريق والقيادة (الزعامة) والتنظيم الشكلي. كما لا نغفل أن أحد رواد هذا التيار، وهو إلتون مايو، أصر على خلق مستشارين للمقاولات مستقلين عن القيادة ووضع في شمال أمريكا أولى علب الاستشارة والجرائد المتخصصة في المقاولات، وبذلك لم تعد المقاولة مجموعة من الأفراد، ولكنها كذلك مجموعة من العلاقات البينشخصية(66).
وحصل أن شرع كرت لوين Kurt Lewin في دراسة دينامية الجماعة في نفس الفترة تقريبا، منتصرا إلى الأسلوب الديمقراطي على الأسلوب الأوامري الأوتوكراتي. وبذلك أصبحت الجماعة شيئا آخر غير المجموع العددي للأفراد.
وفي نفس الفترة كذلك أبدع لفي مورينوLevy Moreno السسيومترية لقياس العلاقات السوسيو-معرفية والسوسيو –عاطفية للجماعات(67).
إذن، سيكون اهتمام تيار العلاقات الإنسانية منصبا على الحاجات الاجتماعية للعمال والجماعات الصغرى، بحيث لم تعد السلطة الشكلية للتنظيم هي السلطة الفعلية؛ ففي كل تنظيم هناك سلط كثيرة مثل سلط الخبرة والمرجعية و التأثير والاستمالة إلخ...ورغم ذلك فإن هذا التيار حسب الكثير من الباحثين يظل تايلورية بوجه إنساني(68).
ج- تيار العلاقات الإنسانية الجديد
انطلق أبرهام.ه.ماسلو Abraham.H.Maslow (1945) من إرادة إدماج الفرد في التنظيم مميزا خمس حاجات هي الحاجات الفزيولوجية والأمنية والعلاقات الاجتماعية والتقدير وتحقيق الذات. و هي حاجات متراتبة لا يشعر الفرد بالثانية إلا إذا حقق ما قبلها. كما أن هذه الحاجات تكون على شكل هرم تبدأ بالحاجات الفزيولوجية لتنتهي بتحقيق الذات. ثم عمل لاحقا، نفس الباحث، على إتمام الحاجات التي توجد في أعلى الهرم (التقدير وتحقيق الذات) بإضافة الحاجة إلى المعرفة( وتشمل الفهم وإعطاء معنى للحياة) والحاجات الروحية (المشاركة في عمل يفوق الشخص وحياته).
ويخلص ألان بوفيي بعد هذا العرض إلى أن العمل لا يلبي رغبات اقتصادية ومادية (فزيولوجية وأمنية) وحدها، لكنه يلبي رغبات من طبيعة أخرى مثل الحاجات العلائقية والرغبة في التقدير وتحقيق الذات(69) .
عمل دوغلاس جورج Douglas Mc Georges (1960) من جهته على التمييز بين النظرية أ والنظرية ب. تستحضر النظرية الأولى التايلورية، بحيث يكون الفرد مرغما على العمل لتحقيق ما يراه التنظيم من أهداف، مراقبا لا يسمح له بالمبادرة.وأما النظرية ب فترى أن العمل مصدرا للإشباع يعتبره الفرد وسيلة من بين وسائل أخرى، وبذلك قد يسلك إما المراقبة الذاتية أو التعاون مع غيره أو التدبير الديمقراطي إلخ...ويضرب ماسلو بتنوع أنظمة اليونان مثالا على ذلك؛ إذ اختلفت الحياة في إسبرطة عنها في أثينا. فالأولى كانت تعتمد النظرية أ بينما اعتمدت الثانية النظرية ب(70) .
ومنذ 1950 سيشتغل جورج فردمان Georges Freidman على الاستلاب الأخلاقي للعمال. وتلك كانت الفترة التي بدأت تولي الأهمية لحياة العمال ووضعهم وتحفيزهم وإعادة النظر في الزعامة.كما اشتغل رنسيس لكرت Rensis Likert (1961) على الإنتاجية في المقاولة منطلقا من التحفيز، مطالبا بخلق بنيات جديدة تمكن من وجود جماعات مرتبطة ومتواصلة فيما بينها(الشبكات)، مقترحا جماعة من العمال تتوفر فيهم النجاعة ولهم القدرة على المراقبة الشاملة ووضع الأهداف، واللجوء إلى التدبير التشاركي والاستشاري(71).
وفي الفترة ذاتها ظهر الباحث فرديرك هرزبرغ Frederick Herzberg الذي أبدع مفهوم إغناء المهام. يرى الباحث أن الاكراهات التي تفرضها النظرية لا تقود إلا إلى نتائج سلبية؛ لذلك يجب البحث في العوامل المحفزة ومحركات الأفراد الداخلية(النظرية ب). وقد جعل من الحاجة إلى تقدير الذات وما يرتبط بها أهم ما ينبغي أن يقوم عليه التحفيز(42).
نخلص إلى أن تيار العلاقات الإنسانية الجديد غير المنظورات الكلاسيكية بالقول بأنه ليس على الفرد أن يتكيف مع التنظيم ولكن على التنظيم أن يغير بنياته الصورية حتى يتمكن من ملاقاة حاجات الأفراد كالتقدير مثلا.ثم إن هذا التيار أولى الاهتمام للجماعة ولروابطها ومقاييسها وأساليب الأوامر، و ربط بين أهداف التنظيمات وتحفيزات العمال.
د- التحليل المؤسساتي     
يعود ظهور هذا التيار إلى 1960 مع أبحاث جاك أردوانو وجورج لابساد وروني لورو وجاك غيرو و ريمي هيس وغيرهم من الباحثين.لا يتعلق الأمر هنا بنظرية في المؤسسات وإنما بتيار سسيو-سايكولوجي، تيار يتوجه نحو التوجيه orientation في التنظيمات وممارسات التكوين.
يقوم التحليل المؤسساتي على فرضيتين قويتين؛ واحدة تعود إلى التحليل النفسي، وأخرى إلى الماركسية؛ وتلك الفرضيتان هما:
1- إن المؤسسة هي لاشعور المجتمع.
2- يظهر الصراع الطبقي في التنظيمات متقنعا بأقنعة متعددة كصراعات السلط.
إن ما يبرر الطرح المعتمد على التحليل النفسي هو وجود التحويل والمقاومة والتحليل إلخ... وما يبرر اللجوء إلى الماركسية هو المصالح والأجور والاستغلال إلخ...مما جعل الباحثين يرون في هذا التيار أنه تيار ماركس-فرودي.
يرى هذا التيار أن مشكل السلطة مشكل مركزي وأساسي لأن كل علاقة هي علاقة سلطة. فالمؤسسة تسعى لتتحكم في الممأسس أو الوضعيةكما هي لمجابهة كل من يريد التغيير أو لمواجهة لحظات الأزمة أو السلط المضادة. وقد أدخل التحليل المؤسساتي أربعة مفاهيم أساسية هي :
1- الممأسس ويشمل كل ما تحقق مثل القيم والمعايير المهيمنة والقوانين والأدوار و نظام العقوبات...
2- الممأسس ويشمل القوى المطالبة وسلب الممأسس.
3- المأسسة إرادة احتواء المطالب ومأسستها وإدخال تجديدات ومقايسس جديدة.
4- المحللون الذين يعملون على إظهار كل ما هو خفي بالعمل على المواجهة بين الممأسس والممأسس(73).
لنشر في الأخير إلى وجود جدلية في التحليل بين التحليل الميكروسكوبي والماكروسكوبي لتنظيم معين. يهتم التحليل الميكروسكوبي بالأفراد والوحدات الصغرى، بينما يهتم التحليل الماكروسكوبي بالبنيات الكبرى. 
 3- المقاربة النسقية
يقارن النسقيون بين المقاربة النسقية والدينامية والمقاربة الديكارتية التحليلية السكونية بحثا عن التمفصلات بين المقاربتين. والنسقية في نظرهم تعمل على اقتراح طرق لفهم الوضعيات المعقدة واقتراح حلول للمشاكل المطروحة فعليا.فهي في نظر الباحثين مقاربة توفر شبكات للقراءة وأدوات للملاحظة، وطورا تعمل كبراديغم يدخل إشكالات جديدة وممارسات جديدة. وهي مقاربة حاضرة في العلوم الاجتماعية، حيث إنها لا تشكل إلا مرشدا بسيطا للبحث كما قال برنار بيير ليسيير. وينظر إليها كثير من المسؤولين في التنظيمات كأداة تساعدهم على اتخاذ القرار(74). وأما من جهة أصل هذه المقاربة فإنها تجد جذورها في العلوم العرضانية مثل البنيوية والسبيرنطيقا ونظريات اللعب والاستعلام واللسانيات والبيولوجيا وعلم النفس والسسيولوجيا والأنتروبولوجيا وبصمات التقنية والتكنولوجيا والفزياء.ويرجع تاريخ ظهورها إلى 1940 (75) ومن جهة الموضوع فإنها تهتم باللامتناهي المعقد.
تنطلق المقاربة النسقية من المسلمة القائلة بأن الكل يتضمنه الجزء والجزء يتضمنه الكل أو من القولة القائلة بأن إثنين وإثنين يساويان خمسة. إن ما يهم هنا هي العلاقة، في الدرجة الأولى، بين الكل والأجزاء، وحيث المسلمة هي أن الكل أكبر من مجموع أجزائه. فالكائن الإنساني الحي هو أكثر من تجميع خلاياه لعدة اعتبارات وقد لا يتحكم في أجزائه التي تعمل وفق قوانينها الخاصة رغم أنها أجزاء من الكل.وأن محاولة فهم هذا الكائن قد لا تتأتى بتقسيم أجزائه إلى أجزاء بسيطة؛ أي باللجوء إلى المناهج التحليلية الكلاسيكية؛ إذ في هذه الحالة كيف سنفهم الكل في كليته أو كيف سنعيد تركيبه وبناءه؟(76) .
فإذا كان إدغار موران قد لاحظ أن الكل أكبر من مجموع أجزائه المشكلة له فإن هذا الكل بتعبير آخر يكون أصغر من أجزائه. وبإيجاز شديد يوجد الكل في العلاقة التفاعلية بين الأجزاء والتبادلات. ومن تم فإن تعقد نسق معين يعود إلى تنوع علاقاته الداخلية.
إن النسق وحدة معقدة منظمة، وهو كذلك مجموعة من العناصر (مكوناته) المتفاعلة فيما بينها ديناميا والمنظمة وفق وظيفة أو وظائف لتحقيق هدف أو أهداف. فالنسق كالإنسان والبحيرة والغابة والعائلة والجماعة والتنظيم والمدرسة والإنسان الآلي ووضعية التعلم والدماغ البشري إلخ... ولهذه الاعتبارات يستقيم الحديث عن النسق الاقتصادي والسياسي والديني والفلسفي والتربوي والتكويني ، وبالتالي يجوز القول في نظر البعض بأن الحياة ماهي إلا نسق الأنساق، حيث بعض الأنساق تكوي جامدة وأخرى حية أو تطورية، والحياة هنا تعني التغير(77) .
ورغم التعقيد الذي يميز النسق فإنه يعطيه وحدة وهوية تتجلى في كليته الغائية.فلولا الغائية لما تحدثنا عن هوية النسق. وتلك الغائية هي التي تنعشه وتسمح بتحديده، علما بأننا لا نغفل بأن النسق يتطور في وسط ما عليه أن يتكيف معه وإلا كان اختفاؤه حتميا. ويكون التكيف بتطوير الامكانات وإدخال التعديلات ومتابعة الغائية وبناء المشاريع وتجديدها.
كيف نعرف بأن نسقا ما بأنه نسق حي؟ وكيف نصفه لأن كل ما يحدث في نسق معين هو من النسق؟ ألح إدغار موران على فكرة النسق المفتوح، معتبرا أن التبادلات هي التي تغني النسق وتغذيه وتجعله يعيد التشكل بلا نهاية، علما أنه للنسق طبيعة الميل نحو الانغلاق أكثر فأكثر.لكن النسق المنغلق لا يتبادل مع محيطة.
وللنسق كذلك وظائف كما هو الحال في مؤسسة مدرسية أو مقاولة. وكل نسق حي مفتوح في نظر الفكر التحليلي يفكر في الاحتياطي، والفكر النسقي يفكر في التدفق (من أين يأتي التلاميذ؟ من هم؟ وفي التجهيزات والمواد والطاقة والاستعلام..) والتحولات التي تصيب الموارد. هكذا يتم التفكير في المسار والمآل والمدد الزمنية إلخ...(78) .
لقد كان التقليد الديكارتي يحصر التفكير في السبب والنتيجة: أ هي أصل ب. تكون العلاقة بين ألف وباء علاقة بسيطة وواضحة لأنها علاقة سببية معروفة للجميع، ظاهرة بذاتها يمارس الأول تأثيره على الثاني أو يكون الأول سببا في ظهور الثاني. وعلى عكس هذه العلاقة كانت التيرموديناميكا ترى أن ألف تمارس قوة على باء وباء بدورها تمارس قوة على ألف.
يستفاد من التريموديناميكا ما يسمى بالتغذية الراجعة (الفيدباك)، أي التأثيرات التي تمارسها المدخلات على المخرجات في النسق والمخرجات على المدخلات في النسق نفسه أو ما يسمى كذلك بالارتجاع.
من بين الارتجاعات هناك ما يصنف في الجانب السلبي الهادف إلى الحفاظ على استقرار النسق أو توازنه، وآخر إيجابي يستهدف التطوير والتغيير.
وللنسق كذلك أنساق صغرى تنضوي تحته يسري عليها ما يسري عليه رغم أنها تبحث عن التميز عنه بتحقيق غاياتها النوعية.وعلى وجه العموم فإن كل نسق مهما كان هو في حد ذاته نسق صغير لنسق أكبر يسمى محيطه. وما يميز هذا النسق الأكبر نجد خاصية التطور والحركية إلخ... وقد عبر هربرت سيمون عن ذلك بقوله أن ما يظهر من تعقيد في السلوك الإنساني هو انعكاس لتعقيد المحيط الذي يعيش فيه(79).ولكن بالمقابل نجد أن النسق يؤثر في محيطه كذلك مثل وجود مدرسة في حي أو قرية نائية.يسمى هذا الجانب من التأثيرات المتبادلة بين المحيط والنسق التطور المتآزر، وبالتحديد أن النسق يؤثر في المحيط عبر مخرجاته. كما لا يمكننا أن نفهم النسق أو النسق الصغير المنضوي تحته في غياب السياق والمعرفة به؛ بمعنى العلاقة أو العلاقات التي توجد بينهما(بين المحيط والنسق) لأن أهداف وغايات النسق تعبر عن نفسها من خلال تبادلاته مع المحيط.
كما لا ينبغي أن نغفل تراتبية المحيط لأن مدرسة مثلا قد لا تتأثر التأثير البالغ بالمحيط القريب أكثر من المحيط الذي يمارس مراقبته عليها كالنيابة أو الأكاديمية أو الوزارة. وجانب المعنى المتمثل في الوظيفة التي يقوم بها النسق في محيط معين. فدور مدرسة أو وظيفتها لا تجد معناها إلا بالنسبة لملاحظ يصفها في المكان (الفضاء) الذي توجد فيه.ولهذا يقال بأن النسق يحتمل منظورين؛ أولهما المنظور الداخلي. وثانيهما المنظور الخارجي. يرى الملاحظ النسق، من منظور خارجي، كوحدة وككلية ويظل بالنسبة إليه عبارة عن علبة سوداء. والمنظور الداخلي يرى النسق كوحدة مركبة يصف في حديثه عنها مكوناته وتفاعلاتها.
ويشترط ألان بوفيي أنه من أجل فهم النسق فهما عميقا كوحدة لابد من النظر في الحدود، أي النظر في الاكراهات والعلاقات والسياق الذي تتموقع فيه الوحدة لأن معظم الحدود متحركة وغامضة وغير مدركة مما يجعلها عصية عن الإدراك بالتدقيق: ماهي حدود مدرسة مثلا؟ إن النسق المفتوح يكون دائما، حسب تعبير فليب بيرنو، فوق شفرة الحلاقة؛ كلما كان منفتحا بلا حد يفقد هويته وتماسكه، وكلما كان أكثر انغلاقا لايتجدد وقد يختفي من الوجود(80). يمكننا أن نتساءل وفق هذا المنظور فيما يتعلق بالمدرسة عن مكوناتها وعلاقاتها بمحيطها. وماهي العلاقات التي ينبغي قطعها أو إضافتها دون أن تفقد المؤسسة المدرسية خاصيتها المدرسية؟.
يلاحظ ألان بوفيي أن الأنساق لا توجد في ماوراء شروط تشكلها، بل بالشروط التي تجعلها كذلك مثل المنخرط في ناد أو أستاذ في مؤسسة. ويخلص إلى القول بأن الحدود مهمة في المعرفة بالظواهر التي تؤثر في حياة النسق.
ومن جهة وصف النسق فإنه يمر بتحديد أجزائه ووحداته وأنساقه الصغرى المشكلة للنسق المتآزر.فماهي العلاقات بين وحدات نسق ما؟ وما هي الوحدات التي تجعله يوجد كنسق؟ فجميع الأنساق الصغرى المشكلة للنسق، كما قلنا آنفا، لها غاياتها الخاصة المتميزة عن غايات النسق الكبير الحاوي للأنساق الصغرى. فالتنسيق بين الأنساق الصغرى لتحقيق غايات النسق الشامل لها تطرح مشاكل كثيرة للقيادة. وبالنظر لأهمية تدبير المشروع الكلي سيعمل ألان بوفيي على تخصيص فصل خاص للمشروع المدرسي سنأتي على تناوله فيما بعد.
للنسق كذلك بنية تشكل هيكله.تتكون هذه البنية من مكوناته وحدوده وموارده وشبكات التواصل الداخلية؛ أي العلاقات بين عناصره. إن البنية هي تنظيم بين أجزاء الوحدات. والتنظيم هو الزيادة في نظام السيرورات ويتشكل بدوره من شكل العلاقات بين مختلف المكونات، إنها العلاقة بين العلاقات. ومن تم جاز القول بأن التنظيم هو المفهوم المركزي في النسقية.
كيف يتم التدخل في عائلة من حيث أنها نسق أو غيرها من الأنساق كالمدرسة مثلا؟ تتشكل العائلة من أفراد يعيشون معا أو ما يفترض أن يكونوا عليه. ماهي العناصر التي ينبغي أن تتوفر بين العناصر المشكلة للعائلة للقول بأن هذه العائلة هي عائلة؟ لا بد من تفاعلات بين العائلة والخارج لتجعل العائلة تتصرف كوحدة. وإذا ما افترضنا بأن عائلة تاه عناصرها بين جمهور غفير أثناء متابعة مباراة في كرة القدم أو تشتت أعضاؤها في أركان الملعب هل ستتصرف كوحدة أي كعائلة؟ بالطبع لا. هكذا يبدو لنا أنه لا معنى لوحدة العائلة بدون وجود فضاء معين مثل مؤسسة مدرسية(81).
يدخل كل عنصر في نسق معين في علاقة مباشرة أو غير مباشرة مع جميع العناصر الأخرى. وكل تعديل أو تغيير يطال شكل علاقة ما يمس الآخرين وقد يتغير النسق برمته مما يجعل القرار القاضي بإحداث تغييرات صعب لأن المقرر يهاب المفاجئ واللامتوقع والمباغت واللاستقرار.
يبدو تعقد النسق كجهنم التي يخافها الجميع، والتعقيد دائما يأتي من الآخرين. لكن التعقيد يوجد في الكل. فماذا يعني التعقيد؟ ينظر إلى التعقيد كتحد تواجهه المؤسسة للامساك باللامتوقع أو للتحكم على مستوى التدبير في الطارئ والمفاجئ والمطلوب والمنفلت وكأن التنظيم لا يحيا حياته الفعلية ولا يستمر في الوجود إلا بفضل التعقيد وعالم الاحتمال والمفاجأة. ولا يكون التفكير ناجعا إلا بالنسبة لكذا وكذا، لكن التفكير لا يكون إلا منمذجا.
تقبل المقاربة النسقية بالتعقيد والاشتغال في الآن نفسه على النظام والفوضى. ونجمل ذلك في الرأي القائل بأن النسق المفتوح يقوم على بعض المبادئ منها الكلية والغائية وأهمية التفاعلات الداخلية والخارجية والتوازن الدينامي. كما لا ينبغي أن نغفل بأن كل نسق من الأنساق هو في حد ذاته منتوجا وليس معطى، بل وليس "شيئا طبيعيا" مثل الخارطة مما ييسر تعديله أو تغييره أو تغيير وتعديل وتحويل تمثلات الفاعلين. وأخيرا يتساءل ألان بوفيي قائلا ما إذا كانت المقاربة النسقية تصلح للمؤسسات المدرسية؟ فيجيب بأن التدبير بالمشاريع هو قدرتها على قيادة تعقيدها(82).
تمكن المقاربة النسقية من معرفة الوجهة التي نريد الاتجاه نحوها: إلى أين نسير؟ وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار المحيط إلى أين نتوجه؟ وكيف تتم قيادة التطورات وتطورات النسق؟.
إن النظر إلى التنظيم كنسق يعني إدراكه كوحدة نوعية لها غاياتها التي يمكن الإمساك بها وأهدافه المؤكدة أو القابلة للملاحظة وحدوده ومحيطه المعطى، وهذا ما يجعل المقاربة النسقية تختلف عن المقاربات السابقة التي كانت تنظر إلى التنظيم معزولا عن المحيط منغلقا على ذاته؛ إننا الآن أمام مقاربة تنظر إلى النسق في انفتاحه على المحيط وبغاياته، نسق متفاعل وحي ومتحرك له منتظرات وعليه أن يستجيب لمتطلبات.كما له أنساق متآزرة، وهو في تحول دائم ومستمر(83) .
يكون التنظيم في المقاربة النسقية كالعلبة السوداء التي لا يرى فيها الاقتصاديون إلا المدخلات والمخرجات؛ بحيث أن المدخلات والمخرجات لا ينظر إليها إلا من الجانب المادي والهدر والخدمات.ومن تم تختزل النجاعة في جوانب كالتكلفة وانعدام تطابق المخرجات مع النتائج المتوقعة والانتظارات القائمة والغايات المسطرة إن وجدت غايات.
يخترق المقاربة النسقية للتنظيمات مجازان؛ أحدهما مابعد تايلوري يرى التنظيم كآلة معقدة تقوم على التعديل الذاتي (والتأثير هنا يأتي من السبرنطيقا والفيزياء والتكنولوجيا). والمجاز الثاني يرى التنظيم كتنظيم حي (وهو متأثر بالبيولوجيا والأنتربولوجيا والعلوم الاجتماعية). ومنطق العلية في منظور هذا المجاز الأخير ليس خطيا أكثر منه دائريا وفضائيا.
تطرح النسقية مجموعة من الأسئلة من قبيل: هل للتنظيم دائما هدف؟ وهل الغايات المعلن عنها لا تختفي ولاتتعدد...؟ وما هي أهداف المؤسسة المدرسية؟ وماذا نفهم من غاياتها؟ إلخ... كما تحصر النسقية عمل التنظيمات في تحويل المدخلات وفق الهدف المحدد وتكييفها مع المحيط. ومن هنا تبرز أهمية معرفة التبادلات بين التنظيمات والمحيط(84) .وبما أن التنظيم يشكل جزء من المحيط هناك حاجة لمعرفة الاتجاهات والتناقضات بينه وبين المحيط.
لقد تم التركيز على أهمية المحيط منذ الستينيات من القرن العشرين حينما ظهر التعبير القائل بإكراهات المحيط بالنسبة للنسق المفتوح. فما يميز المحيط أنه يتكون من أنساق اقتصادية وتكنولوجية وإيكولوجية واجتماعية وسياسية وقانونية وثقافية إلخ... التي تؤثر في النسق بنسب معينة.والمشكل المطروح هنا هو معرفة كيف يتخذ القرار في التنظيم ليتجدد نوع الوظائفية والتعديل داخل التنظيم.
يقوم تحليل مدرسة بالو ألتو Palo Alto للتنظيمات على الجانب العلائقي المرتبط بنسق من التواصل لمعرفة ما قد يحصل في حال حدث تناقض بين النسق الكلي ونسق صغير. وبذلك فإن النسقية لا علاقة لها بالتناغم الذي يبحث عنه علماء النفس في المقاربة الإنسانية والعلاقات الإنسانية الجديدة. يتعلق الأمر بالشك واللايقين الذي يتخلل التواصل والنزوعات الفردية والجماعية.
4- التحليل الاستراتيجي
ينكب التحليل الاستراتيجي على الفاعل تحديدا. لقد كانت النظريات الكلاسيكية للتنظيمات وبخاصة التنظيم العلمي للعمل تتأسس على تصور حتمي سلوكي للعلاقات الإنسانية، مفترضة بنيات جامدة هي أصل المشاكل. لكنه مع أعمال الباحث مشيل غروزيي وإغور أنسوف (1965) كان مطمح التحليل الاستراتيجي هو تأسيس نظرية للفعل المنظم وفق منظور بنائي.
ينطلق التحليل من مسلمة جديدة كليا بالمقارنة مع المقاربات السابقة، حيث اعتبرت الأفراد والجماعات فاعلين، ذوات قادرة على التصرف في التنظيم بحرية وعقلانية بغاية تحقيق أهدافهم الخاصة؛ ولهذا فإن كل فاعل من هؤلاء الفاعلين يتبع استراتيجيته الخاصة. كل تصرف من تصرفات الفاعلين له معنى واستراتيجيته استراتيجة عقلانية لأنه باستطاعته الاختيار أو عدم الاختيار في سياق علائقي. وغاية كل فاعل هي السلطة. وبذلك كلما كثر الفاعلون كثرت الاستراتيجيات(85). وكل فاعل يعمل بطريقته ليكون مؤسسا في إطار مجال عمله.
كما أن التحليل الاستراتيجي يهتم بعلاقة التنظيم بالمحيط، لكنه يعطي أهمية للفاعلين، معتبرا أن السلطة علاقة متبادلة وتفاوض مستمر بين فاعلين يتوقف بعضهم عن بعض، علما أن كل فاعل من الفاعلين له هامش من الحرية. يحتفظ الفاعل بهامش من الحرية والتفاوض، وبفضل ذلك الهامش الذي يعني الشك بالنسبة لشركائه كما للتنظيم في مجموعه تكون للفاعل سلطة على الآخرين. فالتنظيم من حيث هو كذلك لا سلطة له على الفاعلين والجماعات التي تحتوي عليها؛ إذ الأفراد هم الذين يمارسون السلطة مطورين اتجاهات وأساليب ومنتظرات ومستويات للإشباع، وذلك ما يسمح بتمييز إكراهات التنظيم عن أهداف الفاعلين. ويجمل مشيل غروزيي أربعة عناصر قد تتوالف فيما بينها لتصبح مصدرا للسلطة. وهذه العناصر هي:
1- خبرة الفاعل والكفايات التي يصعب تعويضها.
2- تحكم الفاعل في علاقات التنظيم بمحيطه.
3- قدرة الفاعل على التواصل وتمرير المعلومة.
4- استعمال الفاعل لقواعد التنظيم في التواطؤ والمقايضة الظاهرة أو الخفية(86).
يتوقف التحليل الاستراتيجي عند الخاصية العلائقية ليدخل جانب السلطة التبادلية: السلطة والسلطة المضادة؛ بمعنى العلاقات التي قد توجد خارج علاقات التبعية والخضوع.كما أن التحليل الاستراتيجي يمنح الاستقلالية للفاعل ولا يتناول الأهداف المشتركة للتنظيم، بل أهداف قيادييه. لذلك فهو ينطلق من المسلمات التالية:
1- لا يقبل الناس أن ينظر إليهم كوسائل في خدمة الأهداف التي يضعها المسؤولون.
2- يحتفظ كل فاعل بإمكانية استقالته ليستعمل ذلك بشكل ما في التحالف مع فاعلين آخرين.
3- تكون استراتيجية الفاعلين استرايجية عقلانية إلا أنها عقلانية محدودة.
قد يدخل التنظيم ما أطلق عليه كروزيي و فريدبرغ منطقة اللايقين أو الشك حينما تحدث تحولات سياسية واقتصادية وثقافية وتكنولوجية أو تقنية فيتعذر التنبؤ بما سيحصل مسقبلا.
ونشير في الأخير أن التحليل الاستراتيجي يرتكز على فكرة النسق ومنطقة الشك والسلطة.

5- المقاربة الثقافية
أغفلت المقاربات السابقة الجماعة لأنها كانت تهتم بالفرد دون غيره مما حدا بالباحثين إلى إدخال أبعاد أخرى إثنولوجية وأنتربولوجية.
كان إليوت جاك Eliot Jacques (1951) أول من أبدع مفهوم ثقافة المقاولة التي عرفت انتشارا واسعا منذ 1975 (يعني مفهوم ثقافة المقاولة): العلاقة بين الثقافة والأداء الجيد.وبفضل شارل هاندي صار المفهوم موضة بعد 1980 (87) . ثم إن هذه المقاربة تزامنت والأبحاث حول المؤسسات المدرسية.
ما يهم في التحليل الثقافي هو التمييز بين مختلف الثقافات داخل المقاولة ومختلف أنظمة القيم والمقاييس وصراع الذهنيات والعقليات والأجيال إلخ... ،وبذلك فإن المقاربة الثقافية تميز بين الميكرو-اجتماعي (تحليل الجماعات والميكرو-ثقافات مثل ثقافات الأوراش وثقافات الأساتذة في التعليم العام...)، والمقاربة الماكرو-اجتماعية (الجماعات المهنية: المبرزون والموثقون وأساتذة اللغات)، بحيث أنه وراء الجماعات نجد جماعات مرجعية وقبائل(88).
لا شك أنه للنسق عالمه الثقافي الخاص يسمح بتمييزه عن المحيط وعن بقية التنظيمات الأخرى؛ فقد يشعر المتدربون بوجود اختلافات بين المؤسسات التي يتدربون فيها رغم نمطية المهنة والتكوين ربما لأن التنظيم يخضع لتمثلات ومقاييس صورية وفعلية وأنماط تفكير وعلاقات سلطة وأدوار متباينة إلخ... تختلف من تنظيم لآخر، أي أن الرمزي المهيمن هنا يختلف عنه هناك والذي قد يبدأ في الاشتغال منذ أن يفتح أحدهم الباب والطريقة التي يلقي بها التحية(89).
ثم إن ثقافة التنظيم هي سيرورة لتنشئة الفاعلين، وخاصة الجدد منهم. تعمل هذه الثقافة على تحديد التصورات والأنشطة والحقوق والواجبات والعلاقات الداخلية ومع المحيط والعلاقة مع الزمن والخدمة العمومية والتحول إلخ...فتبدو هذه الثقافة كما لو كانت تنقل تاريخ التنظيم (التاريخ الأسطوري الرمزي) وطريقته النوعية في الاستجابة للمشاكل. وبذلك فإن التنظيم لا يختزل في الأفراد لأن له تاريخ وتواريخ أخرى: ماذا يقول القدماء في مؤسسة تعليمية للجدد؟ يبدو كما لو كانت المقاربة الثقافية تولي الاهتمام للبحث عن المعنى بدل البحث في الأشياء(90).
يمثل التنظيم مكانا للتعلم السسيو-ثقافي رغم أن ثقافة التنظيم تبدو كإسمنت لا يتقاسمها جميع الفاعلين. فوضعيات العمل هي وضعيات العلاقات المرغمة، والصراعات الداخلية في التنظيم هي صراعات تجد مصادرها في التناقضات الثقافية للفاعلين.

6- المقاربة بالمشروع
تبدو المقاربة بالمشروع مقاربة جديدة وناجعة، في نظر آلان بوفيي، وهي تمس التغيير ولا تنآى عن المقاربة النسقية والمقاربات السسيو-اقتصادية والثقافية والاستراتيجية.
ينطلق آلان بوفيي من السؤال التالي: لماذا مشروع المؤسسة؟ إن التوقف عند المقاربة بالمشروع يعود بالأساس إلى الاهتمام بالعمل الجماعي وبالغايات ومعنى عمل المؤسسة: إلى أين نريد أن نسير جميعا؟ إنها محاولة للحصول على فكرة واضحة لتوجه المؤسسة و عن سياستها وعن قيمها المشتركة وأخلاقها(91). ويرى موريس نيفو من جانبه أن مشروع المؤسسة يوضح لماذا نشتغل يوميا، أو بشكل عام إن العمل بالمشروع من قبل المؤسسة هو وضع غاية لوظيفية النسق إن على شكل أهداف أو مشروع.
لا يكون المعنى معطى في المشروع لأنه مبني. وسيرورة المشروع تعمل على ظهوره وبنائه كما يترآى ذلك من خلال المقاربة البنائية.
يتساءل محيط المدرسة كله، من آباء ومنتخبين وغيرهم، ماذا تفعلون هنا في المدرسة؟ ماذا تقترحون؟ لماذا تغيير البرامج والمناهج ووضع المسالك وطرق جديدة للتدريس؟ وما الذي يميز مؤسسة مدرسية عن أخرى؟ ويتبدى حسب آلان بوفيي أن مهمة العاملين في المدرسة لا تتوقف عند التلاميذ، أو بتعبير آخر إن التلاميذ ليسوا هم الزبناء الوحيدين رغم أنهم يمتازون بالأفضلية عن غيرهم(92).
لشركاء المدرسة أجوبتهم عن الأسئلة المطروحة أعلاه إلا أن أجوبتهم تتجاهلها المؤسسة. وفيما يخص المؤسسة فإن العمل بالمشروع يعنى إرادة التكيف المستمر مع المحيط والطلب الاجتماعي ( التوجهات والانفتاح وفتح شعب جديدة أو إغلاقها والتحولات الداخلية...). فالمشروع هو إعلان عن تحول بالنسبة للمؤسسة المدرسية.
إن المؤسسة المدرسية هي نسق معقد يوجد في محيط أكثر تعقيدا؛ ولكي يتطور لا ينبغي التوقف عند متغير واحد وإنما على المجموع (الشمولية). فالمقاربة بالمشروع تحفز على التفكير بالشمولية من أجل العمل محليا لتفادي الشك النابع من المحيط، وخاصة الشك الشامل.
قبل الشروع في وضع المشروع يستحسن طرح بعض الأسئلة منها: كيف يتصرف الأفراد والجماعات وكيف يشاركون إزاء مشكل معين في المؤسسة؟ إن المشروع يمكن الجميع من التعلم الجماعي وتنمية معارف وكفايات جديدة. فمن أجل أن يكون الفاعل محفزا فهو في حاجة إلى معرفة إلى أين يسير فرديا وجماعيا. فالتحفيز والتعبئة والانخراط كلها من الأمور التي أصبحت لها أدوار أساسية في التدبير عامة بالنسبة لرئيس المؤسسة المدرسية. فهو لا يعمل على تغيير الأذهان وإنما يوفر المناخ للتغيير. ثم إنه قبل وضع مشروع معين يتساءل الفاعل قائلا: ما الفائدة من إنجاز هذا المشروع أو ذاك؟ وما الربح الذي ستجنيه المؤسسة من ذلك ويجنيه كل فرد ومن بينهم أنا؟(93).
لا وجود لإجابة عامة على هذه الأسئلة رغم عموميتها، ثم إنه لا وجود لتوافق حول ما يمكن أن ننتظره من العمل بالمشروع إن على المستوى الفردي أو الجماعي فقد كانت تدور المقاربة بالمشروع بالنسبة للمؤسسة المدرسية حول مايلي:
أولا: الاستجابة لمشاكل معروفة قليلا آو كثيرا، حيث تساعد المقاربة بالمشروع على تيسير معرفتها وتأطيرها ووضع دراسة بشأنها.
ثانيا: لا تمركز وتوزيع المسؤوليات والتسهيل والتشجيع على أخذ بالمسؤوليات والتفويضات.
ثالثا: تطوير تنظيم مؤسسة.
رابعا: العمل على إظهار روح الانتماء داخل المؤسسة لجماعة وتنمية التلاحم والهوية الجماعية والتضامن وتجاوز الصراع القبلي الداخلي.
خامسا: الاقتراح الذي ينمي التكوين وتملك الطرق المنهجية الشاملة.
سادسا: الحرص على تناغم مشاريع جميع الفرق ومختلف القطاعات والمستويات.
سابعا: إضفاء مشروعية على التوجهات الرسمية والوزارية.
ثامنا: التواصل حول ما تراه المؤسسة المدرسية مستقبلا متكيفا ومستجيبا ومتوافقا مع محيطها(94).
إن المقاربة بالمشروع تريد أن تقول ببيان العبارة أن ممارسة التعليم نشاط تقليدي للغاية منظم وفق تصورات بيروقراطية. فقد كانت المطالب القديمة تلح على أن يقوم المدرس بعمل التدريس دون النظر إلى الغايات والمنتظرات والنتائج العامة المنتظرة، لكن حينما أصبح التعليم مرتبطا بالشغل لم تعد الأشياء مطروحة بنفس الشكل. والمطلب من المدرسة هي أن تعلم؛ وبمعنى أدق أن تؤهل الجميع دون ميز. ففي السابق كان المطلوب منها منح دبلومات لكن اليوم أصبح المطلوب هو تزويد المتعلم بتأهيلات معترف بها اجتماعيا، أي تأهيلات مرتبطة مباشرة بسوق الشغل مما جعل توجيه التلاميذ مسألة تحظى بوضع مركزي في الأنظمة التربوية، وحيث لا يكفي تحفيز التلاميذ لحيازة دبلوم معين وإنما السؤال هو لماذا ذلك الدبلوم بالذات؟وأي شغل يهئ له؟ وفي أي وضعية؟ إلخ...(95).
إن استحضار هذه الأسئلة يجعل التعليم في سياق تتداخل فيه الحدود، بالنسبة للتلميذ، بين ما ينتمي للحياة اليومية وما ينتمي للمدرسة؛ لذلك فإن التعليم لا يكفي وعلى المدرسة أن تكون وتربي؛ أي أنه على المدرسة أن تشتغل على نقل المعارف والمهارات وحسن التواجد، وفي الآن نفسه تشتغل على تهييئ التلاميذ للاندماج في المجتمع(96).
تسمح المقاربة بالمشروع للآباء والتلاميذ والشركاء والمدرسين بالعمل معا ضمن مشروع اختاروه جماعيا وله معنى بالنسبة لهم جميعا، ورغم ذلك فإن مثل هذه الحجج لا تحد من المقاومات و وجهات النظر التي تنطلق من ثقافات وإيديولوجيات مختلفة أو تصدر عن جهل تام أو عن الإحباط أو تبخيس الفاعلين أو فردانية مطلقة ترفض العمل الجماعي. وحيث هذا الرفض لا يطال الغايات من المشروع أكثر من المشروع في حد ذاته(97).
يلح التدبير المعاصر على تعبئة الأطر الوسيطة أثناء وضع المشروع وتنفيذه في التنظيمات المقاولاتية، لكن منهم هؤلاء في المؤسسة المدرسية؟ إنهم المدراء الذين عليهم العمل على الإقناع والتحسيس والشرح والتفسير وإقناع الآخرين بأن المشروع يهم حاضر المؤسسة ومستقبلها.
لا شك أن المقاربة بالمشروع تعني توريط الفاعلين لأنه من المهم التوقف عند التعلم الجماعي (العمل على التمثلات) ويسر التواصل الداخلي والخارجي الذي ينميه المشروع، وهي من الأمور التي يمكن وضعها كأهداف تسمح بالتعلم وتكوين الفاعلين وتنمية التواصل(98) .
توجد المؤسسة المدرسية بين التلميذ والوزارة الوصية، لكنه بين التلميذ والوزارة توجد مؤسسات كثيرة ويوجد شركاء كثر لكل وسيط من هؤلاء  أولوياته التي تحاول القضاء على أولويات الآخرين؛ ولذلك على المؤسسة أن تعي المناخ الذي تعيش فيه حتى تنمي قدراتها على التفاوض والحوار مع الشركاء، وبالتالي تؤكد هويتها الخاصة كمؤسسة مدرسية لا مؤسسة جهة من الجهات، مؤسسة مستقلة غير تابعة تؤكد استقلاليتها وتبينها للجميع وتعرف بهويتها لشركائها وتعمل على نشر ثقافتها وقادرة على تمثيلها.ولكي تلعب هذه الأدوار عليها أن تعي تعدد الشركاء وتعدد الرهانات والخلفيات. ولا تغفل صورتها المتخيلة والفعلية، الصورة الداخلية والخارجية، والتمييز بين مشاريع الواجهة ومشاريع التكوين.
إن العمل على الصورة والهوية لمؤسسة مدرسية ليست سوى مرحلة من ثقافة المشروع لأن الاشتغال على الصورة والهوية ينميان التواصل الداخلي والخارجي(99).
لا ينبغي أن نغفل بأن المؤسسة المدرسية تنظيم خاص، وليست المسألة هي معرفة ما إذا كانت المؤسسة موجودة ومماذا تتكون وكيف تعمل، بل الأهم، في نظر آلان بوفيي، هو التركيز على الآثار والنتائج ومواصفات المؤسسات(100).وعلى العموم فإن المقاربة بالمشروع تسمح بمايلي:
أولا: وضع غائية للمؤسسة، وتعنى إبداع مستقبل لأنه لا يمكن أن تظل المؤسسة المدرسية تحت رحمة النزوعات والرغبات.
ثانيا: ربط صلات بين المؤسسة ومحيطها حتى ولوكان المحيط متعبا لأنه لا يمكن للمؤسسة أن تعيش معزولة عن المحيط.
ثالثا: العمل على تغيير العلاقات العمودية بالعلاقات العرضانية لتفادي الجزر في العلاقات والتكتلات والصراعات القاتلة والبزنطية، والغاية هي أن يكون كل قطاع في خدمة الآخر داخل المؤسسة ويطالبه بما هو أحسن.
رابعا: ينبغي الانتقال من منطق الخضوع إلى منطق المسؤولية؛ الحاجة إلى رجال ونساء واقفين لا جالسين.
خامسا: معرفة إمكانات وقدرات كل فرد من الأفراد لأن الأمر يتعلق بتدبير للإمكانات لا تدبير الأجور؛ لذلك وجب البحث في أشكال جديدة للاعتراف(101).
بناء على هذه الأسس تشكل المقاربة بالمشروع قيمة مضافة بالنسبة للمؤسسة المدرسية لأنه بدون مشروع هل المؤسسة مستقلة فعلا؟ فكيف نصيغ مشروعا؟ وكيف ندبره؟ ولماذا المشروع؟.
يرى البعض أن المشروع كالفزياء الكوانطية لا تقبل التحديد والتعريف، ومنهم من يرده إلى الهلوسات والتخيلات أو إلى الوعود والكلمات السحرية المليئة بالوعود، والآخرون يرون فيه المرور من فترة التعب والإرهاق إلى الرغبة في العمل، ومن الرغبة في العمل إلى القدرة على العمل ومن القدرة على العمل إلى العمل(102).فهل يشكل المشروع براديغما جديدا للتنظيمات؟.
يميز جاك أردوانو بين نوعين من المشاريع؛ أولهما المشروع الممركز على البرنامج (الأفعال والأشغال)، وثانيهما، المشروع المستهدف ذي الخصائص القيمية والمقاصد الفلسفية والأخلاقية والرؤية السياسية، وهو المشروع الذي يستهدف المستقبل وتطبعه البنائية أكثر من المشروع الأول.كما ترد عند ألان بوفيي نوعين من المشاريع؛ يسمي النوع الأول المشروع المنتوج الذي يستهدف إنتاج وثيقة مثلا، ثم هناك المشروع المبني، وهو المشروع السيرورة الذي ينصب على المقاربة وطريقة إنجازها، بل هو المشروع الذي ينتقل من المشروع المنتوج إلى الترجمة الاستراتيجية والعملية. كما يتميز بالشمولية والاستباق والتحفيز ويشكل تصورا للتدبير والقيادة إلخ...(103).
ونذكر بأن المشروع، كل مشروع كيفما كان، يتميز بالسمات التالية:
1- يجب أن يكون للمشروع جذور في تاريخ التنظيم ومحيطه.
2- أن يتميز المشروع بالأهداف الطموحة لمدة ما بين ثلاث سنوات إلى ثماني سنوات، أن يشكل تحديا جماعيا ومقصدا للجميع.
3- يجب أن يتناسب ونظام القيم.
4- يجب وضع سيناريوهات لإنجاز الهدف الرئيسي.
5- يجب التوفر على مخطط للعمل ومدى زمني متوسط.
6- يجب التوفر على أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية (وبيداغوجية بالنسبة للمؤسسة المدرسية).
7- يجب التوفر على بعد تواصلي وتقييمي(104).
 8- إن المشروع تعبير عن ذات جماعية وسيرورة تعلم جماعي.
9- المشروع أداة للاختيار استراتيجيا.
10- المشروع أداة للعمل والتعبئة.
11- المشروع مناسبة لاستثمار العناصر المحصل عليها في السابق.
12- المشروع موضوع تفاوض وحوار ومواجهة.
13- المشروع إمكانية للاستباق والمشاركة وتحميل المسؤولية والتواصل والتقويم وإظهار هوية المؤسسة وقيمها وتمثلاتها، وفرصة لعقد شراكات(105).
14- المشروع فرصة للتفكير في الزمن والتحكم فيه وتجاوز الزمن الدائري وولوج الزمن المنتج وزمن التقييم.
15- المشروع مناسبة لتحفيز للجميع.
16- المشروع مناسبة لتجاوز الرؤى التقنوقراطية والتسلطية.
17- المشروع مناسبة لميلاد المقاربات النوعية.
18- المشروع بالنسبة لمؤسسة تربوية مناسبة لإدماج الحياة المدرسية في التفكير.
19- المشروع مناسبة للتقويم الجماعي(106).
إذا كانت الخصائص التي ذكرناها تهم أي مشروع كيفما كان يظل السؤال مطروحا لمعرفة ما معنى مشروع المؤسسة التعليمية؟ وكيف يتم إنجازه؟ ولماذا أصبحت المدرسة تتكلم لغة المشروع كالمقاولات وباقي التنظيمات الأخرى غير المدرسية؟.
يجدر بالمدبر للمؤسسة التعليمية قبل الشروع في مشروع المؤسسة أن ينطلق من النقط التالية:
أولا: تحديد الفاعلين والمشاكل والمتغيرات.
ثانيا: البحث عن المعلومة والتوثيق.
ثالثا: إظهار وظائفية المؤسسة وروابطها مع محيطها وقيمها وإيديولوجيتها وتمثلاتها وكل ما له علاقة بثقافتها، أي بوصفها نسقا مفتوحا.
رابعا: طرح المشاكل بما فيها المرغوب في حلها.
خامسا: توريط جميع الفاعلين والشركاء.
سادسا: اللجوء للاستشارة والخبرة.
سابعا: إبداع أفكار وحلول جديدة.
ثامنا: صياغة فرضيات وتكوين سيناريوهات.
تاسعا: تقويم إمكانية تطبيق السيناريوهات(107).
 عاشرا: القيام بتشخيص يرتكز على المقاربات الوظيفية (البحث في الاختلال الوظيفي) أو المقاربة المؤسساتية(البحث في الرهانات وعلاقات السلطة) أو المقاربة النسقية ( الوصف الإجمالي للمؤسسة بما فيها التفاعلات والتواصلات والعلائق داخليا وخارجيا) أو المقاربة الاستراتيجية( البحث في الحاجة والأهداف والأدوار الخاصة بكل فاعل والجماعات والتحالفات) أو المقاربة الثقافية ( ملاحظة ووصف الرمزي والثقافات الداخلية والقيم و المقاييس والتمثلات والهويات الفردية والجماعية والصورة التي يتم تسويقها عن الذات والذوات والمؤسسة) أو المقاربة الإثنولوجية ( القدرة على إنتاج المعنى للواقع انطلاقا من تأويل ما ينتجه من يعيش ذلك الواقع) أو الانطلاق من مقاربات أخرى اقتصادية أو سسيولوجية بحثة.
ستقود هذه المقاربات (أو واحدة منها) إلى تشخيص يمكن من وضع مرجع يسمح بالقيادة والتقويم والمقارنات في الزمن، وتعرية تمثلات الشركاء(108).ثم لا ينبغي للمدبر أن يغفل وهو يضع مشروع المؤسسة التربوية مختلف المتدخلين الفاعلين في الحاضر والمستقبل في ذلك المشروع حتى يتبين له نوع التدخل والمهام والأدوار التي سيقوم بها كل فاعل من الفاعلين في الحاضر والمستقبل ليمر إلى تحديد مجموعة القيادة التي ستعمل على الاتصال والمراقبة ووضع دفاتر التحملات وتحفيز الفاعلين إلخ...(109).كما لا بد للمشروع أن يستند إلى وثيقة مكتوبة تعمل كتعاقد بين الفاعلين والشركاء. والتعاقد ليس نقطة البداية وإنما هو نقطة الوصول(110).
لا يتأتى العمل بالمشروع من دون مخطط للعمل (اسم المخطط، الأهداف، معايير التقويم، الآجال، المكانة في المشروع، المسؤولون، الفاعلون، الشركاء، الاكراهات الواجب أخذها بعين الاعتبار، الموارد الرئيسية، خصائص أخرى، التعديل والقيادة). فالمخطط يهم الفاعل في تحديد الزمن والشركاء والأهداف.
تغير المقاربة بالمشروع دور رئيس المؤسسة التربوية كليا ليجد نفسه في حاجة إلى كفايات جديدة لأنه لن يعود قادرا على العمل بمفرده أو بمساعدة البعض من الفاعلين في المؤسسة بحكم الانفتاح على المحيط وتعدد الشركاء وضرورة الانخراط في المشاريع الجزئية والكبرى للمؤسسة التربوية والتحولات الاقتصادية التي ترمي بظلالها على المؤسسات التعليمية.وإن أول ما سيقوم به رئيس المؤسسة هو التعبير والتأكيد على إرادة المؤسسة ولعب دور التحسيس والمحرض وتفسير سياسية المؤسسة وتدبيرها ونوع العلاقات الإنسانية الجديدة. كما يجب أن يعطى المثال في الالتزام بالزمن واحترام الوقت وخلق جو الثقة والتمكن من طرق الحوار والتفاوض وتدبير الاختلاف والقدرة على التنشيط (تنشيط المجموعات واللقاءات إلخ...) والسهر على تنمية التواصل الداخلي والخارجي والتمكن من الحركات والتيارات البيداغوجية. وبالإجمال يجب أن يكون متمكنا من التحليل والاستباق وأخذ القرار، وقادرا على خلق جو لإنجاز المشاريع والمخططات والتكوينات والسهر على التقويم الدائم(111).
هناك جانب آخر من المشروع يتمثل في الشريك أو الشركاء: مشروع المؤسسة، لكن مع من؟ بما أن المؤسسة التعليمية أصبحت نسقا مفتوحا على المحيط معنى ذلك أنها في تفاعل مع الخارج ولم تعد مكتفية بذاتها كالنسق المغلق؛ لذا فهي تعمل على بلورة مقاربة تشاركية أو أنها لا تحيى إلا من خلال مقاربة المشروع مع الغير(الشريك).ولكن لماذا الإلحاح على هذه الموضة (الشراكة) الجديدة؟ وفيما تهم المؤسسة المدرسية هذه الموضة الجديدة؟.
يتداول التدبير الحالي لفظ الشراكة دون انقطاع حتى أصبح اللفظ متداولا في الحياة اليومية للأسر وجماعات الأصدقاء، إلا أن تداوله لا تستند إلى تصورات تنظيرية ولا إلى مقاربات تفسيرية: ما هو التحليل الذي ينبغي أن يستند عليه المتكلم في مقاربته للفظ الشراكة؟ ولماذا يستعمله الجميع بهذا الغموض؟ وهل يستقيم الحديث عن الشراكة دون مشروع وعن المشروع دون شراكة؟ هل تكون الشراكة بين الداخل والخارج أم داخلية كذلك؟ وهل الشراكة هدف في ذاته أم الشراكة وسيلة؟ وما هي الحدود التي ينبغي أن تتوقف عندها المؤسسة المدرسية في إبرام شراكاتها؟ وتعدد الشركات هل هو مفيد للمؤسسة التعليمية أم لا؟ (112).
تتعدد وجوه شركاء المؤسسة التعليمية من أفراد وجماعات ومؤسسات مما يجعل التقويم الذاتي للمؤسسة يتناقص بفعل التعدد ومطالب الغير. لكن مع ذلك فإن الشراكات تنمي الروابط والتفاعلات بين ثقافة المؤسسة والأنساق الثقافية الصغرى. كما تعدد من العلاقات بدل العلاقات الداخلية الجانبية والأحادية إن في الداخل أو مع الخارج.
أول ما يجب تمييزه في الشراكات هو تمييز مستويات الشراكة حتى لا ينقلب الإشراك إلى مضمون فارغ وشكلي وبهرجي. ثم إن الشراكة لا تعني تغيير الأدوار التي يلعبها كل فاعل لأن الشراكة تنمي النوعيات لا تغيير المهن، كما تعني التكامل لا الإبدال. وأخيرا تكون الغاية القصوى من الشراكة هي الرفع من الجودة(113) .
يطرح مشروع المؤسسة مشاكل في التواصل منها: إلى من سيقدم؟ لماذا؟ متى؟ وكيف؟ وذلك لتعدد شركاء المدرسة مما يجعل المدرسة أمام مشكل المهنية واللجوء إلى موارد خارجية(114) مما قد يفقدها هويتها في بعض الأحيان.
لا شك أن التواصل مع الخارج يهم رئيس المؤسسة وفريق العمل أو قيادة المشروع، لكن ما يجب التشديد عليه أن التواصل بالذات والمشروع والشراكة كلها تخدم قضية واحدة هي الجودة.
يتم تداول الحديث عن الجودة أو يستساغ هذا الحديث عن جودة المؤسسة التعليمية بدعوى أنها خدمة عمومية ينبغي أن تتوفر فيها شروط الجودة بالنسبة لمستعمليها.وعلينا أن نتذكر بأن مفهوم الجودة ينتمي للمقاربات المقاولاتية التي مرت من المراقبة التايلورية إلى استباق الاختلال الوظيفي. ففي بداية سنوات الخمسينات باليابان رصد أحد الباحثين بأن الجودة كانت مركزة على التقويمات المالية (الجودة واللاجودة)، برد الأخطاء إلى التدبير مثل أخطاء الإنتاج التي يتحملها الأطر وليس المنفذين.
ظلت المقاولات تعتقد لزمن طويل بأنه للجودة تكلفة وأما الآن فقد صارت الجودة خاصية أساسية للمنتجات والخدمات وأن اللاجودة هي التي أصبحت لها تكلفة.فماهي تكلفة اللاجودة في المؤسسة التعليمية؟
لابد من الإشارة إلى أن فكرة الجودة دخلت المجال العمومي متأخرة عن المجال المقاولاتي. ترتبط الجودة لدى المقاولة بمتطلبات الزبناء كموجه لها، ومع مرور الوقت تحول ذلك إلى مبدأ في الخدمة العمومية. وبدل الحديث المحتشم عن الزبناء صار الحديث عن مستعملي الخدمة العمومية. وأما من جهة تاريخ ظهور هذا المفهوم في الخدمة العمومية فيرجع إلى أواسط الثمانينيات من القرن العشرين(115) .
قد يعود ظهور مفهوم الجودة في التعليم إلى البحث عن التكلفة؛ وبخاصة تكلفة اللاجودة، حيث يظهر بجلاء أثر التدبير التشاركي.       
ستكون الجودة بالنسبة لآلان بوفيي هي مجموع الخاصيات المميزة للخدمات التي تقوم بها مؤسسة تعليمية من أجل تلبية الحاجات المعبر عنها بما فيها الحاجات غير المباشرة للمعنيين المباشرين بخدماتها(116).
يتم الحديث اليوم عن دائرة الجودة أو لولب الجودة لتوضيح مجموع الأنشطة المستقلة التي تؤثر في جودة خدمة عمومية معينة بما فيها التعليم منذ مراحل تحديد حاجيات المستعملين إلى تقويم مدى تلبية الرغبات.
تتكون سياسية جودة مؤسسة مدرسية أو تنظيم ما من توجهات وأهداف عامة تهم جودة الخدمات كما تعبر عن ذلك الإدارة وكما هو موصوف في مشروع المؤسسة. وافتحاص الجودة يعني امتحان دوري خاص بالخدمة وسيرورة التنظيم أو جزء من التنظيم. ثم هناك مخطط الجودة الذي يعنى بوصف التوجهات الخاصة بالجودة وتمفصلها مع مشروع المؤسسة. وأخيرا نجد تدبير الجودة لتمييز الوظيفة المنفذة لسياسة الجودة .
تتكون دوائر الجودة من مجموعة تتكون من خمسة إلى إثنى عشر عنصرا، وهي دوائر تقنية، من المتطوعين من نفس المصلحة أو الخدمة (تنظيم أفقي) لحل مشكل مهني محدد يترأسه عنصر من خارج المؤسسة. وتعتمد دوائر الجودة على معطيات تقنية وطرق لحل المشكلات المطروحة باعتماد المقاربات التشاركية.
وأما الجودة الشاملة بالنسبة للمؤسسة المدرسية فإنها سياسة تسعى لتعبئة جميع الفاعلين لتحسين جودة الخدمات والمنتجات (بهذا المعنى تعتبر وضعية تعلمية منتوجا) و الوظائف والعلاقات الإنسانية والأهداف وتوسيع العلاقات بالمحيط. ثم إن الجودة الشاملة تضع مطالب المستعملين في الأولوية كوجه أعلى في العمل(117).
تستند الجودة الشاملة بدورها إلى المقاربة التشاركية أو التدبير التشاركي بغاية أن تحترم المؤسسة المصلحة العامة وان تكون لها مردودية وان تقنع شركاءها. وبذلك تصير الجودة محرك المؤسسات التربوية وركيزة التدبير.
وإجمالا تقوم الجودة الشاملة حسب مشيل مينوت على ست مبادئ هي:
1- التضامن بين الشركاء.
2- تحميل المسؤوليات.
3- الصرامة لبلوغ الأهداف.
4- مطلب صفر خطأ.
5- التنبوء الذي يجعل الجميع يقظا.
6- التحسين المستمر بإدخال التجديدات(118).
وينبغي أن نعرف بأنه لا جودة بدون قياس، أي ضرورة وجود وحدات للقياس ولوحات للقيادة. ومن أجل ذلك وجب اختيار مؤشرات.




















 هوامش

1- Philippe Bernoux, La sociologie des organisations.Ed.seuil.Paris 1985 .coll.points Essais.p17-20
2- ibid.p23
3- ibid.p25
4- ibid.p27
5- ibid. p.30-31-34
6- ibid. p.38
7- ibid. p.39-40-41
8- ibid. p.44-45
9- ibid. p44-45
10- ibid. p.46
11- ibid. p.47
12- ibid. p.47
13- ibid. ibid.p48
14- Ibid.p51
15- Ibid.p51
16- Ibid.p54
17- Ibid.p57
18- Ibid.p58
19- Ibid.p60
20- ibid.p61
21- ibid.p63
22- ibid.p65
23- ibid.p67
24- ibid.p69
25- ibid.p71
26- ibid.p79
27- ibid.p80
28- ibid.p81
29- ibid.p83
30- ibid.p97
31- ibid.p116
32- ibid.p117
33- ibid.p118
34- ibid.p123-128
35- ibid.p126
36- ibid.p129-133
37- ibib.p138
38- ibid.p142
39- ibid.p169
40- ibid.p172
41- ibid.p174
42- ibid.p178-179
43- ibib.p181
45- ibid.p185
46- ibid.p187
47- Zarifian philippe: Le modèle de la compétence – trajectoire historique, enjeux actuels et propositions- Editions Liaisons.Paris2001.p9
48- Zarifian, ibid, p 10
49- Zarifian, ibid, p11
50- Zarifian, ibid, p12
51- Zarifian, ibid, p15
52- Zarifian, ibid, p18
53- Zarifian, ibid, p35-36
54- Zarifian, ibid, p36
55- Zarifian, ibid, p36-37-38
56- Zarifian, ibid, p39-40
57- Zarifian, ibid, p42-43
58- Zarifian, ibid, p59
59- Zarifian, ibid, p77
60- Zarifian, ibid, p82-83-84
61- Alain Bouvier, Management et projet: former, organiser pour enseigner. Ed. Hachette Education. Paris 1994. p36.
62- Alain Bouvier, ibid. p37
63- Alain Bouvier, ibid. p37
64- Alain Bouvier, ibid. p37
65- Alain Bouvier, ibid. p38
66- Alain Bouvier, ibid. p39
67- Alain Bouvier, ibid. p38-39
68- Alain Bouvier, ibid. p39
69- Alain Bouvier, ibid. p40
70- Alain Bouvier, ibid. p40
71- Alain Bouvier, ibid. p41
72- Alain Bouvier, ibid. p42
73- Alain Bouvier, ibid. p42
74- Alain Bouvier, ibid. p
75- Alain Bouvier, ibid. p17
76- Alain Bouvier, ibid. p18
77- Alain Bouvier, ibid. p18
78- Alain Bouvier, ibid. p20
79- Alain Bouvier, ibid. p21
80- Alain Bouvier, ibid. p23
81- Alain Bouvier, ibid. p27-28
82- Alain Bouvier, ibid. p34
83- Alain Bouvier, ibid. p48
84- Alain Bouvier, ibid. p49
85- Alain Bouvier, ibid. p52
86- Alain Bouvier, ibid. p53
87- Alain Bouvier, ibid. p55
88- Alain Bouvier, ibid. p56
89- Alain Bouvier, ibid. p57
90- Alain Bouvier, ibid. p57
91- Alain Bouvier, ibid. p84
92- Alain Bouvier, ibid. p84
93- Alain Bouvier, ibid. p85
94- Alain Bouvier, ibid. p85-86
95- Alain Bouvier, ibid. p86
96- Alain Bouvier, ibid. p86
97- Alain Bouvier, ibid. p87
98- Alain Bouvier, ibid. p87
99- Alain Bouvier, ibid. p88-99
100- Alain Bouvier, ibid. p92
101- Alain Bouvier, ibid. p92
102- Alain Bouvier, ibid. p94
103- Alain Bouvier, ibid. p94
104- Alain Bouvier, ibid. p95-96
105- Alain Bouvier, ibid. p96
106- Alain Bouvier, ibid. p96-107
107- Alain Bouvier, ibid. p100-111-112
108- Alain Bouvier, ibid. p113-114
109- Alain Bouvier, ibid. p118
110- Alain Bouvier, ibid. p120
111- Alain Bouvier, ibid. p127-128
112- Alain Bouvier, ibid. p130
113- Alain Bouvier, ibid. p130-131
114- Alain Bouvier, ibid. p132
115- Alain Bouvier, ibid. p135-136
116- Alain Bouvier, ibid. p136
117- Alain Bouvier, ibid. p139
118- Alain Bouvier, ibid. p140



نموذج الاتصال
NomE-mailMessage