3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

البيداغوجيا النقدية

الخط






















ا




  مصطفى  أبا حسين                                       
  رشيد أبو فراس                                                  
  *عبد الحليم لمليحي   
 محمد الهاشمي        
مركز التوجيه و التخطيط التربوي 2010/2011
بإشراف الحسن اللحية




الفهرس
     
         المقدمة ........................................................................................................3
        I.            النظرية النقدية .............................................................................4
     1 . مدرسة فرانكفورت : سياق النشأة ......................................................................4
     2. الأطروحات والقضايا والمنطلقات ........................................................................5
     3. جدوى النظرية النقدية في الحقل التربوي: .........................................................6
      II.            من الأسس النظرية إلى البيداغوجيا النقدية:..............................................8
1.      التأسيس و الرواد: ...........................................................................................8
2.      في البحث عن المعنى المختلف : ........................................................................9
أ‌-        نقد المعنى القديم: ....................................................................................9
ب‌-    بناء المعنى الجديد: ..................................................................................11
3.      الممارسات والأساليب  والأدوار: ..........................................................................14
الخاتمة........................................................................................................17
       سجل  بيبليوغرافي..........................................................................................18







المقدمة
 
 يسعى العرض إلى بسط أرضية تتيح جلب البيداغوجيا النقدية إلى مجال التداول والمطارحة . وبالنظر إلى ما تتمتع به هذه المقاربة من عمق  خلفيتها المعرفية ، وثراء جهازها المفاهيمي ، وانفتاحها على مختلف الحقول البحثية التي لها صلة بالمدرسة وبالفعل التربوي ، و إلحاحها على استدعاء الشأن العمومي في  قلب الممارسة البيداغوجية  ... بالنظر إلى ذلك كله ، لا يمكن للحديث بخصوص هذه البيداغوجيا إلا أن يكون ذا شجون.
     إن إثارة القضايا التربوية من منظور البيداغوجيا النقدية يتيح تناولها في إطارها العام ، أي دون عزلها عن امتداداتها الفلسفية ، والاجتماعية ، والسياسية ... فتكون بذلك هذه الإثارة بعيدة عن التبسيط والتنميط.
     إن تغييب البيداغوجيا النقدية من مجال الاهتمام في الفكر التربوي ببلداننا ، واستبعادها حتى من دائرة التناول الأكاديمي الصرف ،أمر يحرم المهتمين بالشأن التربوي من الاستماع إلى وجهة نظر يختلف منظورها لمقاربة الأشياء التربوية عن منظورات البيداغوجيات الشائعة ، والمحتفى بها ، والمستهلكة حد الابتذال.
     وإن واقعنا التربوي المتسم بالأزمة والتعقيد يقتضي الاستماع بل الإصغاء والإنصات لكل الأصوات التي تدعي أن لديها ما تدلي به في الشأن التربوي ، لأن تجاوز الأزمات لا يكون إلا بحل تركيبي يكون نتاج الجدل والتجاوب بين كل الأ طاريح .






        I.            النظرية النقدية
1.                  مدرسة فرانكفورت : سياق النشأة
ارتبط إسم النظرية النقدية بعمل مدرسة فرانكفورت ، وهو معهد بحثي تأسس عام  1923.[1]  على يد تاجر حبوب ثري يدعى felix weil.  وقد انضم إلى المعهد معظم رواده المشهورين بعد تولي هوركهايمر Horkheimer  إدارته  عام 1930 . و أدى التهديد النازي للمعهد وأعضائه إلى نقل مقره إلى جنيف (1933) ، ثم نيويورك (1934)، حيث  شغل مبنى تابعا لجامعة كولومبيا إلى أن عاد أعضاؤه إلى فرانكفورت عام 1951. [2]
أهم منظري المدرسة:  تيودور أدورنو Theodor Adorno   ، هيربرت ماركيز  Herbert Marcuse    ماكس هوركايمر   Max horkeimer، ويورغن هابرماس  Jurgen habermas[3] .   " لقد ولدت النظرية النقدية في جحيم جمهورية  ڤيمار(weimer republic) ،  بلغت النضج في المنفى ، وأنجزت شيوعا ثقافيا حين رجعت إلى الوطن "[4] . وقد اتسم السياق الذي نشأت فيه بمجموعة سمات أثرت في طروحاتها ومواقفها . ومن ملامح هذا السياق :
·        الصعود الكاسح للفاشية والنازية و الستالينية.
·        فشل الماركسية الأرثودوكسية في تحقيق وعودها وبشارتها.
·        إظهار الرأسمالية قدرتها على التجدد ، وتعزيز تحكمها الاقتصادي و الإيديولوجي .
·         إخفاق الطبقة العاملة الغربية و الأوروبية في مناهضة الهيمنة الرأسمالية بشكل ثوري.[5]
أما سمات السياق من الناحية الفكرية والفلسفية، فقد جاء تأسيس المدرسة في مناخ تتجادل فيه تيارات من أهم المدارس التي طبعت القرن العشرين . ونذكر منها: فينومينولوجيا هايدغر التأويلية ، الاختبارية المنطقية لحلقة  ڤيينا وفيتغنشتاين في بداياته ، إتجاهات مختلفة من الكانطية الجديدة ، الماركسية ذات النزعة الإنسانية مع لوكاش ، إضافة إلى اكتساح التحليل النفسي الفرويدي للدوائر العلمية والثقافية. [6]


2.                  الأطروحات والقضايا والمنطلقات :
ذهب معجم بلاكويل للفلسفة الغربية إلى أن مشروع النظرية النقدية مستوحى من عبارة ماركس الشهيرة في أطروحته عن فيورباخ التي يقول فيها : لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم، بينما كان المطلوب هو تغييره.[7]  لقد شكلت المدرسة استمرارا لسعي ماركس لتحويل الفلسفة الأخلاقية إلى نقد اجتماعي، وسياسي، من خلال الدمج بين المظاهر المعيارية للتأمل الفلسفي، و الإنجازات التفسيرية للعلوم الاجتماعية. وكان هدفها الأسمى هو ربط النظرية بالممارسة، وإتاحة الفهم للفاعلين، وتمكينهم من تغيير ظروفهم القاهرة، وإنجاز خلاص البشر بإقامة مجتمع يلبي كل حاجاتهم. [8]
قد ينظر للوهلة الأولى إلى النظرية النقدية باعتبارها مراجعة للماركسية وإعادة تكييف لها، رغم أنها سافرت بعيدا عن تلك الجذور،[9]    كما يقول Jan masscheleing   و  N.Blacke .ويتجلى هذا السفر البعيد في التخلي عن بعض المسلمات النمطية للماركسية مثل : الحتمية التاريخية ، وأولوية نمط الإنتاج في تشكيل التاريخ... واعتقد رواد النظرية النقدية أن الماركسية  سقطت في الوثوقية كثيرا، وأغفلت منافع الوعي النقدي . ولذلك لم يكن مفاجئا أن يتجاوز تركيز مدرسة فرانكفورت مجال الاقتصاد السياسي ، وينتقل إلى بحث طرق تشكل الوعي لأنها أدركت أن الحياة اليومية ، ومدارات الحياة الثقافية تحولت إلى ميدان جديد للسيطرة.[10]
ورغم نقد مدرسة فرانكفورت لماركس فقد شكل ، بالإضافة إلى التحليل النفسي ،والفلسفة الألمانية النقدية، أهم مرجعياتها النظرية.[11]
ورغم صعوبة تحديد أفكار وأطروحات المدرسة  بشكل حصري ، بإمكاننا الإشارة إلى بعض اهتماماتها وطروحاتها عبر تتبع مسار تطورها الذي تميز بثلاث مراحل أساسية:
المرحلة الأولى: تم فيها الدمج بين التحليل الماركسي للعلاقات الاجتماعية ،والتحليل النفسي الفرويدي، لإنتاج نظرية اجتماعية نفسية. ويبدو ذلك جليا في أعمال هوركهايمر وماركيوز. هذا التركيب أتاح لمدرسة فرانكفورت إضاءة العلاقة بين البنيات النفسية والاجتماعية العميقة. في هذه المرحلة، بدأ إلحاح المدرسة على تمجيد العقل بمعناه التأملي الشامل ، وإدانة تحوله نحو وضعية علمية واجتماعية.
المرحلة الثانية: مرحلة نقد العقل الأداتي . وقطب رحى هذه المرحلة كتاب هوركهايمر وأدورنو: جدل التنوير. كما ساهم في تبلور رؤاها كتب أخرى ( أفول العقل لهوركهايمر / الإنسان ذو البعد الواحد لماركيوز)في هذه المرحلة نجد أكثر تحاليل المدرسة جذرية بخصوص تواطؤ العقل ( والثقافة كذلك)  في الوقائع الكارثية للنصف الأول من القرن العشرين.فهو- أي العقل- جرد من محتواه المعياري، ومن علاقته بالحياة الخيرة والعادلة، وهكذا انحطت قيمته إلى بضاعة قابلة للامتلاك ، كبقية البضائع ، وللعرض في سوق الرفاه. لقد صار العقل الأداتي يجعل الناس أكفاء ومناسبين للحياة الاجتماعية الحالية،بينما يفترض ، في الأصل، أن يجعلهم قادرين على مساءلة جذرية للنظام القائم. في هذه المرحلة كذلك وصل رواد المدرسة إلى قناعة بأن النظام القائم محصن بالإعلام الجماهيري الذي يبلد حساسية الناس للظلم ، مما يجعل الثورة ممتنعة ، وقصارى ما يطلب في ظرف كهذا هو إنقاذ الأفراد من العالم الكلياني .  لم يكن بوسع المدرسة في هذه المرحلة سوى أن تتحصن بالسلب ((Negativity ، وتذكر بالوضع الآخر الممكن دون أن تكون منخرطة في ممارسة تغيرية.[12]
المرحلة الثالثة: اتسمت بسعي هابرماس لاسترجاع البرنامج الخلاصي  ( (Emancipatory program  للنظرية النقدية: فعاد للتأكيد على الأسس المعيارية، كما رجع إلى برنامج البحث متعدد الاختصاصات. وأعاد تشكيل النظرية النقدية حول أفعال التواصل، وأخلاقيات الخطاب. فإمكانات الخلاص عنده كامنة في العقلانية التواصلية أو الخطابية، وفي الممارسات المتضمنة لها في المجال العمومي.[13]  ، وبهذا جعل هابرماس النظرية النقدية أكثر انفتاحا على التحليل النصي والثقافي، وعلى البنيوية ، وما بعد البنيوية، وما بعد الحداثة ، فصارت النظرية النقدية موجهة نقدها أكثر نحو النظام الرمزي ، ونحو تقاليد الفلسفة الغربية.[14]
.3جدوى النظرية النقدية في الحقل التربوي:
يتحدث غيروكسH.giroux   عن الإمكانات التي توفرها النظرية النقدية للمفكرين التربويين، رغم أنه قد يبدو للوهلة الأولى أن هذه النظرية لا علاقة مباشرة لها بالتربية. ويذكر أن هذه الإمكانات شكلت منطلقات لتربويين كثر- منهم رواد البيداغوجيا النقدية- في بلورة تصورات نقدية تجاه التربية . ونحن نذكر باختصار أهم أطروحات فرانكفورت الحاملة لقابلية التدوير في حقل التربية من خلال ما ذكره غيروكس في كتابه :  « critical theory and educational practice »
·        تمد مدرسة فرانكفورت التربويين بعدة مفاهيمية، ونظرية ، تساعدهم على النقد النافذ المستبصر للنظم التعليمية المرتبطة بالمنظور الوظيفي المؤسس على العقلانية الوضعية. فالمدرسة اشتغلت مليا على الوضعية – وهي الخلفية الفلسفية لمعظم المنظومات التربوية الحالية- وقدمت طروحات محكمة حول تاريخها ،خلفياتها، ومساراتها من النشأة إلى أن صارت تتقمص العالم المعاصر.
·        بلورت المدرسة إبستيمولوجيا أسست عليها نوعا من التفكير الجدلي النقدي، يمكن أن يرشد الباحث في حقل التربية . والمقصود بالتفكير النقدي الجدلي: التفكير في التفكير نفسه. وفيه يشتغل العقل بسيرورة أفكاره كما يشتغل بالمادة موضوع تفكيره. في هذا التفكير الجدلي النقدي ينبغي أن نفكر بالتوازي في شكل تفكيرنا وموضوعه. مما يتيح تأطير التفكير / المعرفة في شرطها التاريخي والاجتماعي.
·        خلافا للنظريات الليبرالية والتقليدية التي تركز في تأريخها  للمدرسة على الاستمرار والتطور ، تلفت مدرسة فرانكفورت انتباه المربين إلى القطائع ، والتوترات في هذا التاريخ . وهذا يبئر على أهمية الفاعلية الإنسانية والصراع من جهة ، وعلى الهوة القائمة دائما بين الكائن والممكن .
·        نظرية مدرسة فرانكفورت حول الثقافة تساعدنا على فهم وتحليل دور المدرسة في إعادة الإنتاج، وتلقي الضوء على الدور السياسي للمؤسسة المدرسية، والمتجلي في تمرير خطاب الهيمنة ، والتبرير الأيديولوجي للنظام الاجتماعي القائم. [15]
استثمرت البيداغوجيا النقدية كثيرا من أطاريح مدرسة فرانكفورت ، واستعارت عناصر من جهازها المفاهيمي جعلتها عدة للبناء والاشتغال التأسيسي ( مفهوم البراكسيس/مفهوم الهيمنة/مفهوم الخلاص والتحرير/مفهوم العقل النقدي المعياري/ مفهوم الفاعلية...)
مؤثرات أخرى غير مدرسة فرانكفورت:
استلهمت البيداغوجيا النقدية مجموعة من المدارس الفلسفية، والفكرية التي سبقتها ،أو زامنتها في الظهور. ( علم الاجتماع التربوي الجديد مع بورديو وبرنشتاين  / أطروحات غرامشي ضد الهيمنة  /  فلسفة ما بعد الحداثة ( ديريدا / فوكو / بورديار /  النظريات السوسيوبنائية..). وكنموذج على التقاطع والتصادي الواضح بين هذه البيداغوجيا وبين تلك المؤثرات من خارج النظرية النقدية ، نورد مثالا واحدا للتقاطعات بين بعض ملامح فكر فوكو، و بين بعض مفاهيم البيداغوجيا النقدية من خلال نص لدوسيل Dussel يرصد هذا التقاطع :
لم يعد بالإمكان مساءلة موقع فوكو في سوسيولوجيا التربية في الثلاثين سنة الماضية رغم أنه يظل موقعا إشكاليا...فرغم عدم تخصيصه كتابا كاملا، ولا حتى نصا كاملا لمسألة التربية، فإن  أثره في الفكر التربوي،  خاصة  في سوسيولوجيا التربية ، جوهري. وهذه الملاحظة تستحق الاعتبار أكثر إذ نستحضر  كون فلسفته كانت حبة دواء مرة استعصى  بلعها على المشتغلين بالتربية ، لأنها فلسفة هزت معظم الأرضيات التي انبنت عليها التربية والمدرسة الحديثة: الحقيقة ،المعرفة، الإرشاد ، التنوير، و الخلاص. ولهذا لم يكن مستغربا أن تصير إدانته للمظالم المرتكبة من لدن المؤسسات التربوية حجر زاوية للبيداغوجيا النقدية منذ أواسط السبعينات ... .
بعد فوكو  غدا من العسير أن ندعي ببسالة إن التربية معنية فقط بإسداء المعروف للناس ، و إتاحة التقدم الاجتماعي. إذ لم يعد مستغربا أن نسمع حتى الطلبة الأساتذة – فضلا عن المتمرسين والخبراء- يتحدثون عن العلاقة بين المدرسة وصناعة الأجساد الطيعة، أو يحيلون على تاريخ التربية باستعمال عبارات الجنيالوجيا.
كما صار مألوفا الاستشهاد بنصوص من المتن الفوكوي لإدانة حقيقة كون المدرسة تطوع الأطفال .[16]
من المفاهيم التي يستعملها النقديون بنفس المعنى الفوكوي عبارة سلطة ، وهي موضوعة مهيمنة في متن فوكو . فحسب Edgardo castro   ظهرت العبارة 7276 مرة ،في نصوصه الفرنسية ، وظهرت عبارة معرفة  4025 مرة ، وكلمة " جسد" 3554... السلطة حسب فوكو لا ينبغي أن تفهم باعتبارها ماهية بل علاقة . ومعنى ذلك أنها ميكروفيزيائية ، ومتعددة الأشكال ، وتشتغل من خلال ألعاب لها تاريخيتها.
كما نجد تقاطعا بين مفهوم النقد عند رواد البيداغوجيا النقدية وبين فوكو. يقول فوكو عن النقد إنه طريقة تفكير يمكن أن أسميها ببساطة : فن الاستعصاء على الخضوع .[17]
لإظهار أهمية دوام اليقظة والاستيفاز النقدي ، يطرح السؤال:"ماهو اليوم؟ فيجيب : إنه يوم ككل يوم ، وإنه يوم لا يشبه يوما آخر على الإطلاق.لا يمكننا أن ننام  في دفئ إيماناتنا المألوفة ، أو نقوم بأفعال نقدية تكرر نفسها دون أن نقول جديدا. ليست هناك حل نهائي أو صحيح لكل المشاكل ، ولكن الأمر المهم هو أن يبقى السؤال مفتوحا على استراتيجيات مستجدة.[18]

      II.            من الأسس النظرية إلى البيداغوجيا النقدية:
1.      التأسيس و الرواد:
تقول إيف هاك Eve haque :
يمكن النظر إلى البيداغوجيا  النقدية تاريخيا باعتبارها  تطبيقا لمبادئ النظرية النقدية الماركسية لمدرسة فرانكفورت في مجال التربية،كما يمكن تتبع أثارها باعتبارها امتدادا للمبادئ النقدية التي عبر عنها جان ديوي  john dewey. ولكن الارتباط التطوري الأكثر مباشرة هو ذلك الذي يصل البيدغوجيا النقدية بباولو فريرpaulo freire [19]  (1997-1921). وهو مرب وناشط برازيلي شكل كتابه بيداغوجيا المقهور( Pedagogy of the oppressed)  عملا تأسيسيا رائدا في مسار تشكل البيداغوجيا النقدية. كما كان ثمرة لعمل فرير في محاربة الأمية لدى فلاحي المناطق النائية في البرازيل ،ومجالا لطرح مفاهيم لا تزال مركزية في الجهاز المفاهيمي الذي تشتغل به البيداغوجيا النقدية حتى الآن . ومن هذه المفاهيم  : - النموذج البنكي – البراكسيس -  الموضوعات التوليدية – التربية المحررة - ثقافة الصمت -  تربية الأشكلة ( أو طرح المشكلات).
لقد تجلت ملامح تصور فرير للتربية والبيداغوجيا حسب cathy byrne فيمايلي[20]:
§      التربية يجب أن تكون مسكونة بهم العدالة الاجتماعية ، وأداة للبناء الاجتماعي. وهي مطالبة بإعادة خلق المجتمع، لا استنساخه.
§     المربي إما أن يكون - بممارسته - داعما للأيديولوجيا السائدة، أو متحديا لها.
§     بناء المعرفة يتطلب قيام المدرس والمتعلم في إطار شراكة بممارسة تدعم إثارة الشكوك ، والنقد ، وإعلاء " الحق في السؤال" على تقديم الأجوبة المطهوة سلفا.
§     لا تعلم نقديا بلا حوار . والحوار ممتنع ما لم يلتزم المربي بالوقوف على قدم التساوي مع المتعلمين ، ويرفض الامتياز.
§     بما أن هدف التربية هو التحرير، فليس من حق المربي أن يقدم للمتعلمين وصفات جاهزة، أو يقيد الطاقات ، أو يفرض أفكارا مخصوصة، لأن كل ذلك يعادل الهيمنة والتضليل.
إذا كان فرير أسس البيداغوجيا النقدية ، فإن غيروكس 
H.Giroux أهم الرواد الذين فرضوا وجود التيار في ساحة الفكر التربوي بالولايات المتحدة، بالإضافة إلى مفكرين آخرين نذكر منهم: kinchloe  /  Ira Chor / Antonia Darder / Peter Mc Laren / Bell Hooks / Donaldo Macedo /...

2.      في البحث عن المعنى المختلف :
أ‌-        نقد المعنى القديم:
إن رواد البيداغوجيا النقدية سعوا إلى تأسيس معنى مختلف مناسب لرؤيتهم، ومنطلقاتهم، وأهدافهم ،لأن التعريف التقليدي للمصطلح مغرض، ومريب، وعار من البراءة. و التجديد في الفكر التربوي يبدأ بمساءلة  ما يبدو بديهيا ومألوفا في اللغة المتداولة ، لأن الألفة كما يقول  GIROUX أداة بلاغية لشرعنة أي سلطة مهيمنة.[21]
من هذا المنطلق، سعى مفكرو البيداغوجيا النقدية إلى إرساء مفهوم جديد  لها، مؤسس على نقد مستفيض للمعنى القديم ، وبيان لما يعتبرونه جوانب قصور في المفهوم ينعكس قصورا في الممارسة.

إن ما يجعل بحث رواد هذا التيار عن معنى جديد للبيداغوجيا شرعيا :هو أن المعاني المتبناة في الحاضر ليست موحدة، و لا إجماعية، و هذا ينفي عنها سلطة الإلزام. و يتيح للباحثين عن بناء معنى جديد للمفهوم مساحة أوسع،    و فسحة أكبر للحركة. و في هذا السياق يقول غير وكس : "بما أن معنى البيداغوجيا وغايتها أمر متنازع بخصوصه على الدوام ، فمن المهم التأكيد على أن هذا المفهوم ينبغي استعماله بحرية معتبرة ، إذ ليس ثمة تعريف مطلق للبيداغوجيا."[22]
كان أول ما وجه إليه النقديون نقد /نقض المعنى القديم للبيداغوجيا هو كونه تقني يحصر المدرس، و الفاعل التربوي في دور ميكانيكي آلي . " ففي الخطابين المحافظ و التقدمي كليهما ، يتم التعامل غالبا مع البيداغوجيا باعتبارها مجموعة من الاستراتيجيات، و المهارات، تستعمل لتدريس مادة ما . في هذا السياق ، تغدو البيداغوجيا مرادفا للتدريس باعتباره تقنية أو مهارة. إن أي مفهوم للبيداغوجيا النقدية عليه أن ينبذ هذا التعريف الأحادي الجانب و أشباهه."[23]
و سبب الإلحاح على هذا النبذ هو أن المعنى التقليدي للبيداغوجيا ( المفهوم التقني ) ، يظهرها بريئة موضوعية ، و يوهم بحيادها . و هذا ما لا يقبله النقديون ، إذ يرون " من الضروري الاعتراف بأن ارتباط البيداغوجيا بلغة التقنية و المنهجية أقل من ارتباطها بموضوعات السياسة و السلطة . فالبيداغوجيا ممارسة أخلاقية  و سياسية متورطة دائما في علاقات سلطة . و ينبغي أن تفهم على أنها سياسة ثقافية تقدم رؤية و رواية متعلقتين بالحياة المدنية ، و بالمستقبل، و بالكيفية التي ينبغي أن تبنى بها تمثلاتنا عن أنفسنا، و الآخرين، و عن محيطنا المادي و الاجتماعي . و كما لاحظ روجر سيمن (1887) Roger Simon : " فان التربية باعتبارها مقدمة للحياة العامة ، و إعدادا لها ، و شرعنة لأشكال مخصوصة منها، تستضمر دائما رؤية للمستقبل . و بهذا المعنى فان أي منهاج ، مع البيداغوجيا التي تسنده ، ليسا سوى تجسيد لرؤانا حول أنفسنا ، و أبنائنا ، و مجتمعنا . و هذه الرؤى ليست محايدة . إنها دائما رؤى شخص ما. و مادامت مرتبطة بتنظيم حياة الآخرين و مستقبلهم ، فان لها دائما بعدا أخلاقيا، و سياسيا . من هذا المنطلق ، يصير حتما أن يبدأ أي نقاش حول البيداغوجيا بنقاش الممارسات التربوية ، باعتبارها نوعا من السياسة الثقافية ،     و هيئة خاصة لتشكيل حس بالهوية ، و المكان ، و لتشكيل القيم قبل كل ذلك . و يحصل هذا التشكيل عبر ممارسات تنظم المعرفة و المعنى."[24]
انطلاقا من هذا النقد / النقض للمعنى القديم ، باشر منظرو البيداغوجيا النقدية بناء معناهم الخاص مقتنعين بأن اللغة التربوية و البيداغوجية التقليدية قد استنفذت عطاءاتها ، و أن " المربين، و بقية الفاعلين الثقافيين، يحتاجون إلى لغة سياسية و بيداغوجية جديدة لمواجهة السياقات المتغيرة، و الموضوعات المستجدة." [25]
ب‌-    بناء المعنى الجديد:
إن معنى البيداغوجيا النقدية إذن يتأسس في الفراغات المقصودة و غير البريئة التي تعتري المفهوم القديم.         و يتوسع ليطال مناطق لا تصل إليها امتدادات سابقه.  فينقلنا " لتجاوز الاهتمام بالإنجاز الفردي للتلميذ إذ يستدعي التزاما آخر بإحداث تغيير في التربية و المجتمع ."[26]
يعرف معجم غرين وود للتربية البيداغوجيا النقدية بأنها : " مقاربة للتعليم و التعلم تشجع المتعلم على التأمل النقدي في موضوعات السلطة، و القهر في مجتمعه/ها ، و فيما يمكن فعله لتغيير الوضع القائم . فهي تعين المتعلمين على تشكيل فهمهم الخاص للهوية، و السلطة، باعتبار ذلك مكونا مهما في تجربة المتعلم. و هي تبني الوعي النقدي بمساعدة المتعلمين على تحليل حيواتهم ، و تحديد القوى السياسية، و الاجتماعية التي تفعل فيهم، حتى يتمكنوا من العمل على تجاوز العوائق التي وضعتها تلك القوى."[27]
و بالرغم من تعدد تعاريف البيداغوجيا النقدية، فهي عموما لا تخرج عن إطار التعريف السابق ، فمرجع بريغر للتربية و علم النفس مثلا يعرفها بكونها : " مقاربة للتعليم و التعلم، تستمد جذورها من النظرية النقدية ، و تسعى إلى التغيير الاجتماعي من خلال مساعدة الأفراد على تطوير وعي بالظلم الاجتماعي عبر تحليل مشكلاتهم الخاصة ، و التعرف على طبيعة علاقاتهم بالقوى التاريخية و الاجتماعية ، و تطوير ممارسة تغييرية متأملة."[28]
إن استقراء التعاريف المحددة للبيداغوجيا النقدية يقودنا إلى الوقوف على خمسة ملامح أساسية محددة لها:[29]
§        البيداغوجية النقدية تشتغل في إطار رؤية للمجتمع الديمقراطي :
إن فكرة ألا تكون التربية و الممارسة البيداغوجية مسخرة لأشكال السلطة السائدة، و أن تسعى هذه الممارسة لتحويل العالم إلى مجال أكثر عدالة ، هذه الفكرة خيط ناظم لمفاهيم البيداغوجيا النقدية.[30]  إن الهدف الغائي للبيداغوجيا النقدية هو إعداد متعلم قادر على تحرير نفسه من التهميش ، و الاستلاب ، و القهر . فالاهتمام التربوي مدخل أساس لدمقرطة المجتمع و تغييره . إن الإطار الذي تشتغل فيه هذه البيداغوجيا يقتضي أن تقوم بربط القسم بالمجتمع ،       و استحضار قضايا الحياة العامة فيه . و في هذا الصدد يذهب Kincheloe إلى أن المدرس النقدي إذ يستحضر رؤية للعدالة و المساواة أثناء أدائه ، فهو يأمل أن يؤثرفي طبيعة المتعلم الذي نحصل عليه في مخرجات التعليم يقول :
"هل نريد عمالا منضبطين اجتماعيا، لديهم مواقف مناسبة لموقعهم في سلم سوق الشغل ؟ أم نريد مواطنين ديمقراطيين ، متمكنين ، متعلمين ، ذوي مهارات عالية ، لديهم الثقة و المقدرة على تغيير حيواتهم ، و جعل مجتمعاتهم أكثر إشراقا ؟ إن عجزنا عن صياغة رؤية للبيداغوجيا النقدية تستحضر التغيير، و العدالة، و المساواة ضمن همومها ، فسيظل عمل المدرسة متضمنا للتدجين و المراقبة"[31]
§        البيداغوجية النقدية مؤمنة بأن التربية بطبيعتها سياسية :
إن الطبيعة السياسية للتربية حسب النظرية النقدية تتجلى في كون كل معرفة متداولة في السياق التربوي تستضمر خطابا سياسيا ضمنيا . و هدف البيداغوجيا النقدية: تعرية الجوانب السياسية المخفية في أثواب البراءة و الألفة في المجال التربوي . تقول اراشور Ira Shor : " كل أشكال التربية سياسية ، لأنها إما أن تقوي أو تدجن عادات المساءلة لدى التلاميذ . و بهذا فهي تطور أو تعطل علاقتهم النقدية بالمعرفة ، و المدرسة ، و المجتمع." [32]
إن المنهاج تعبير عن مصالح الطرف المتحكم في لعبة السلطة في مرحلة معينة. و هذا الطرف هو الذي يحدد كيف ينبغي أن يدرك المتعلمون أنفسهم، و يدركوا العالم . و لهذا يكون من مهام البيداغوجيا النقدية تبصير المتعلمين بالطبيعة السياسية المحايثة للتربية ، و أثر هذه الطبيعة في حياتهم و مجتمعهم . يقول غيروكس : " البيداغوجيا في معناها النقدي تضيء العلاقة بين المعرفة و السلطة ، و تلفت الانتباه إلى الأسئلة المتعلقة بمن يتحكم في شروط إنتاج المعرفة . و أكثر من ذلك ، فإنها تحدد السبل التي تشتغل عبرها دارات (Circuits) السلطة لبناء الهويات في سياق علاقات اجتماعية معينة."[33]
و يقول كذلك : " البيداغوجيا النقدية خطاب يؤكد على أولوية السياسي، و الأخلاقي، باعتبارهما ملمحا أساسيا للنظرية و الممارسة التربوية . و هي توضح أن المدرسة ، و غيرها من المدارات التربوية ، لا يمكن النظر إليها باعتبارها فقط مواقع للتكوين، بل ينظر إليها بما هي أماكن حيث الثقافة ، و السلطة ، و المعرفة تجتمع لإنتاج هويات معينة ، و سرودا ، و ممارسات اجتماعية. إن هم المدرسة ليس إنتاج المهارات فحسب ، بل هي تبني معرفة ، و هويات تستضمر دائما رؤية للمستقبل . و السؤال الخطير الذي ينطرح هنا هو : مستقبل من ؟ و مصالح من ؟ و رواية من تلك التي تقدمها المدرسة ؟ "[34]


§        البيداغوجيا النقدية تلح على وصل قاعة الدرس بالعالم :
إن التعلمات الجارية داخل القسم حسب البيداغوجيا النقدية ، ينبغي ألا تكون مبتورة عن سياقها ، أي تحتاج إلى ربطها بالعالم الحقيقي للمتعلمين . و بدون هذا الارتباط يرى النقديون أن التعليم يصير مرادفا بالاستلاب . إن الانفتاح على العالم داخل القسم يقتضي الانفتاح أولا على العالم الخاص للمتعلمين ، و ذلك باحترام المعرفة التي يحضرونها معهم إلى المدرسة ، و احترام تجاربهم و معيشهم ، و تحويل هذا المعيش إلى مسن لملكة النقد من خلال إخضاعه للمساءلة و الشك.
النصوص و المتون حسب هذا التصور ليست غاية في ذاتها ، بل مجرد وسيلة يستحضر العالم من خلالها . كما أن ربط القسم بالعالم، بالمعنى المشار إليه سلفا ،" يجعل الممارسة البيداغوجية أكثر ديمقراطية إذ تصبح التواريخ و التجارب الشخصية مستوعبة في تجربة التعلم."[35]   
§        البيداغوجيا النقدية تهتم بالمجموعات المهمشة :
تعبأ البيداغوجيا النقدية بالمهمشين بسبب كونهم ليسوا جزءا من الثقافة المهيمنة. و اهتمامها هذا يحدوها لإثارة جذور تهميشهم ، و إقصائهم سواء كانت جذورا مرتبطة بالطبقة ، أو بالعرق ، أو بالدين ، أو بالجنس ، أو بالقدرات... لهذا يقول  Kincheloe  : " تعنى البيداغوجيا النقدية بهوامش المجتمع ، و بتجارب و احتياجات الأفراد المعرضين للقهر و التهميش. إن الفكر الشائع ، و نمط التعليم الذي يدعمه غالبا ما يخرج الهامش من حساباته لأجل التركيز على ما يدعى أنه نمطي."[36]
إن البيداغوجيا النقدية تسعى لإعطاء الصوت لمن تخرسهم الأنماط الثقافية المهيمنة ، فهي مقاربة ترى في التعددية أداة للتربية. و تأبى تقسيم العالم إلى مركز و أطراف.
§        البيداغوجيا النقدية تحفز التغيير الاجتماعي :
وهذا ما يظهر جليا في النص الذي سبق أن أوردناه من قبل : " إن أي التزام بالبيداغوجيا النقدية ينقلنا لتجاوز الاهتمام بالإنجاز الفردي للتلميذ، إذ يستدعي التزاما آخر بإحداث تغيير في التربية و المجتمع."[37]
إن أهم ما يتعلمه التلميذ في الصف الدراسي حسب النقديين: هو تجاوز الأثر الإشراطي للتنشئة الاجتماعية،       و الانتقال إلى موقع الفاعلية (Agency) . و هذا يتم من خلال ربط انتظاراته  بطوبى اجتماعية ، و تأهيله لتحديد موقعه في مجتمعه ، و تزويده بالأدوات اللازمة ليكون فاعلا منخرطا في الحركية الاجتماعية . و في هذا المعنى يقول غيروكس : " أي مفهوم معتبر للبيداغوجيا النقدية ينبغي ألا يجعل في موقع الصدارة قضايا الفهم فقط، بل كذلك مسألة إيقاظ المسؤولية الاجتماعية لدى المتعلمين ، و ما لذلك من تأثير في مسار دمقرطة المجتمع."[38]
3.      الممارسات والأساليب  والأدوار:
إن تغيير المنظور والمنطلقات ينتج عنه حتما تغير في أساليب الأداء البيداغوجي، كما يفرز إعادة توزيع تلقائية لأدوار الفاعلين. ومن خلال استحضار مفهومين مؤسسين في البيداغوجيا النقدية ، يمكن أن نقترب أكثر من تصورها لطبيعة الممارسات والأساليب المطلوبة في سياقات التعليم والتعلم. كما سيخول المفهومان رسم خطاطة واضحة للمشهد بعد إعادة إنتشار الفاعلين فيه نتيجة لإعادة النظر في مواقعهم وأدوارهم . وهذان مفهومان هما :
النموذج البنكي للتربية ،ونموذج طرح المشكلات.
انطلق باولو فرير من المفهومين لإقامة تقابل بين التربية التقليدية والتربية النقدية . فالمدرسة التقليدية تعتمد نموذجا بنكيا في التربية . ومعنى ذلك أن الفعل التربوي شبيه بالعمل المصرفي فيه ودائع ( محتوى التعليم) يستودعها مودعون( واضعو المنهاج من خلال المدرس )  في خزائن أو مستودعات ( المتعلمون). في هذا النموذج يكون المدرس ، و/ أو واضعو المنهاج "المالكين الحصريين للمعرفة المعتبرة ، ويصير المتعلمون مفرغين من اي معرفة او معلومات نافعة . فتكون التربية بهذا الاعتبار شيئا يمارس عليك ، أنت تذهب إلى المدرسة لتتم تربيتك. ويقاس نجاح المتعلمين بمدى قدرتهم على اتباع التعليمات ، واجترار المعرفة الرسمية المعلبة سلفا ، والتي يشار إليها عادة بالأجوبة الصحيحة".[39]
في المقابل تقدم البيداغوجيا النقدية نموذج طرح المشكلات بأنه يؤدي إلى مساعدة المتعلمين على تنمية قدرة الإدراك النقدي للعالم ، وعلى التعلم النقدي من خلال استحضار المشاكل التي تواجههم في معيشهم اليومي ، ومحورة كل سيرورات التعليم والتعلم حولها. ويقوم المدرس في هذا النموذج بأدوار أهمها: الأشكلة، أي تقديم الوضعيات المألوفة في صيغة تنفي عنها ألفتها ، وتدفع إلى مساءلتها  وإعادة التفكير فيها. وتستعمل هذه المقاربة أساليب أهمها: طرح التيمات/ الموضوعات التوليدية والحوار النقدي...[40]
يرى نوبل  Noble  أن الفرق الجوهري بين النموذجين هو أن أحدهما ( أسلوب طرح المشكلات) يتبنى منطق التربية ، والآخر ( النموذج البنكي) يعتمد على التدريب. ويلح على ضرورة التمييز بين الأمرين : " فالتدريب شحن ذهن الشخص حتى يكون في خدمة شخص/ جهة أخرى "[41]. وهو حين يركز على " التمهير الأداتي " يلغي من حسابه الإقدارعلى التأمل النقدي. ولذا يرى غيروكس أن منطق التدريب لا يعد المتعلمين للعب دور المواطن الناقد والفاعل[42].
نحو إيجاد صيغة للتنزيل الإجرائي :
إن تنزيل هذه المباديء على أرضية الممارسة الصفية يحتاج إلى إطار مفهومي يسهل إيجاد بيئة بيداغوجية قابلة لاستيعاب التصور النقدي للتربية، وما يقتضيه من أساليب جديدة، ومن انقلاب في علاقات الفاعلين . ويمكن أن نستعرض للاستئناس لا الاستنساخ ، طرحا قدمته إيرا شور  Ira shor وسمته برنامج / رزنامة القيم. إن رزنامة شور للقيم تقدم إطارا مفاهيميا لما يمكن أن تكون عليه بيئة ممارسة البيداغوجية النقدية  .من خلال ربط البيداغوجيا بالحياة اليومية. [43]
وهي تحتوي عشر قيم / صفات يتوقف تحول القسم إلى الممارسة  النقدية على وجودها ، فبيئته ينبغي أن تكون :
1-      تشاركية : بمعنى أن يكون التعلم تجربة تفاعلية ، وتعاونية، يأخد فيها المتعلم دورا نشطا في الحوار ، ولا يكتفي بالإنصات .
2-      مرتبطة بالسياق: مادة ومحتوى التعلم ينبغي أن تكون متمفصلة من أ فكار وتجارب ولغة المتعلمين. مما يسمح لهم بفهم محتويات التعلم وربطها بظروف الحياة اليومية.
3-      نقدية: إذ ينبغي أن تحفز سيرورات التعليم/ التعلم كلا من التأمل في الذات، والمجتمع ، لفهم كيفية بناء وتبليغ المعرفة للمتعلمين. ويجب التأكيد على أن يفهم التلميذ " كيف نعرف ما نعرفه؟ وكيف يمكن أن نعرف مانحتاج إلى معرفته؟ ، وكيف نقوم سيرورات التعلم ذاتها "[44]. وذلك من خلال اعتماد أسلوب طرح المشكلات .
4-      ديموقراطية: فالمعرفة تبنى بشكل تبادلي بين المعلم والمتعلم. وتجربة القسم ليست حوارا في اتجاه واحد. كما أن المتعلم يشارك في اتخاذ قرارات حول أنشطة التعلم.
5-      حوارية: بمعنى أن المتعلمين يبنون تعلماتهم من خلال حوار توليدي يوجهه المعلم. فتغدو التربية فعلا يمارسونه بدل أن يمارس عليهم .
6-      مفككة للتنشئة الاجتماعية السالفة: إذ يتم تفكيك التقاليد التي تجعل المتعلم في موقع المتلقي السلبي المنتظر  لأن يطلب منه ما ينبغي فعله، ويشرح له ما ينبغي فهمه. كما يتم تفكيك مألوفات المعلم المرتبطة بشكل التعليم . وباختصار يؤدي التفكيك إلى كسر الأنماط القبلية ، والتدريس بالوصفات.
7-      متعدد الثقافات: مما يسمح باستبعاد الأحادية، ويتيح الفحص النقدي لموضوعات السلطة في ارتباطها بالجنس، والدين، والعرق ، واللغة...
8-      متوجهة نحو البحث: وهذا معناه أن التعلم ليس تجربة نظرية مجردة ، وإنما هي تجربة لها معنى اجتماعي، ولها امتدادات بحثية في المعيش اليومي.
9-      ناشطة: أي أن المعرفة المحصلة في الصف ينبغي أن تكون بها قابلية الاستعمال للتغيير الاجتماعي. فالتعلم يحفز فاعلية المتعلمين، ويوقظ حس المسؤولية الاجتماعية.
10-  وجدانية: فالتجربة الصفية النقدية معنية بتطور الإنسان في شموليته ، فكما تسعى لتنمية مهارات البحث الاجتماعي، وعادات المفهمة والأشكلة العقلية ، فهي تسعى لتنمية المشاعر المختلفة.

  إن النموذج  المتبلور عن هذا الإطار المفاهيمي يتجسد في بنية متعددة الأبعاد  يحتل فيها المعلم والمتعلم موقع المركز. وتبنى فيها التعلمات انطلاقا من الذات وما تجلبه معها من معارف وخبرات حياتية . وهذه العناصر غائبة حسب النقديين في التجارب التربوية الحاضرة.
يقول غيروكس : » نادرا ما نجد في النماذج البيداغوجية الوضعية ما يشجع المتعلمين على توليد معانيهم الذاتية، وعلى استثمار رساميلهم الثقافية الخاصة، أو على المشاركة في تقييم تجاربهم الصفية. إذ يبدو أن مبادئ البيداغوجيا الوضعية المتمثلة في النظام ، والضبط ، والوثوق، هي مبادئ متناقضة بطبيعتها مع هذه المقاربة  « .[45]

الخاتمة
  
ليس هذا العرض سوى محاولة لتقديم نظرة عامة حول بيداغوجيا تبحث عن مشروعيتها من خلال قتل الأب صاحب الظل المديد الذي لا يتيح أي نمو للجديد المفارق في حيزه.
     واجهتنا خلاله إكراهات مرتبطة باتساع المتن المشتغل عليه ، وضيق الوقت ، ومحاولة / معاناة نقل النصوص من لغتها الأصل إلى العربية بأقل قدر ممكن من الخيانة ( إذ كل ترجمة خيانة كما يقول بارث) .
    ولأن لكل أخيل كعبها فإننا نقبل أي نقد يكشف جوانب القصور و/ أو التقصير في عملنا ، فالنقد البناء مرآة ومرقاة.
            ومن أراد لكتابه أن يتم ... لن يفرغ من تنقيحه أبدا .













سجل  بيبليوغرافي

ü Ave Haque.2007.Critical pedagogy in EAP and the possibility of tactics of resistance. pedagogy  , culture and society VOL15, No1 march 2007

ü Carocy Stephenson Malott.2011. Critical pedagogy and cognition. Springer.  
ü Carry Stephenson Malott.(2011) critical pedagogy and cognition.springer.
ü Cathy Byrne . 2011 . Fereirein critical pedagogy’s challenge to interfaith education. Britich for religious education Vol 33 N1 Janaury 2011.
ü Chris Baker . 2004 . the sage dicionary of cultural studies  . Sage publications
ü Dean Braa and peter callero.2006. Critical pedagogy and classroom praxis. Teaching sociology. Vol34 october 2006.
ü Fred  Rush  . 2004. The Cambridge companion to critical theory . University press
ü Henry Giroux.2003. the abondoned generation.pelgrave. Mac millan
ü Henry Giroux . 1983 .critical theory and educational practice .Deakin University
ü ٍ Henry. A. Giroux. 2001. The mouse that roar. Rowman little field publisher.
ü Henry Giroux . 1983 .critical theory and educational practice .Deakin University
ü Henry Giroux. 1997 . pedagogy and politics of hope . west view .
ü Henry. A.Giroux 2004. Critical pedagogy and the postmodern /modern divide. Teacher education quarterly. winter2004  
ü Henry. Giroux. 2004. Take back higher education. Palgrave macmillan.
ü Henry. Giroux. 2006. America on the edge. Palgrare macmillan.
ü J.W.Collins and N.P O’Brien . greenwood dictionary of education  . Greenwood press.
ü Joe L. Kincheloe and Raymond A.Horn.Jr. 2007. The praeger Handbook of education and psychology. Praeger.
ü  John W.Collins and Nancy patricia O.Brien.2003. The Green Wood dictionary of education. Green Wood publishing group.
ü Kincheloe. 2004. critical pedagogy primer. P. Lang. New York.
ü Nicholas Bunnin and Jiyuan Yu. 2004. The Blackwell dictionary of Western philosophy . blackwell publishing.
ü Nigel Blake, Paul Smeyers, Richard Smith, and Paul Standis. 2003. blackwell guide to the philosophy of education .   Blackwell publishing ltd.

ü Noble.2001 digital diploma mills monthly review press.
ü R.V.Goomanish. 2009 using critical pedagogy to educate for democracy. Thesis for PHD university of toronto.
ü Robert Audi (General Editor).1999. Cambridge dictionary of philosophy. Cambridge University Press.
ü Shor. 1992 empowring education : critical teaching for social change. The university of chicago press.
ü Shor.1993 education is politics. Routledge
Tony Monchinsiki.(2008) critical pedagogy and everyday classroo



Chris Baker . 2004 . the sage dicionary of cultural studies  . Sage publications   [1]
Henry Giroux . 1983 .critical theory and educational practice .Deakin University . p 9 – 10   [2]
J.W.Collins and N.P O’Brien . greenwood dictionary of education  . Greenwood press.P 87   [3]
Fred  Rush  . 2004. The Cambridge companion to critical theory . University press .p20  [4]
Henry Giroux . 1983 .critical theory and educational practice .Deakin University . p 10  [5]
Fred  Rush  . 2004. The Cambridge companion to critical theory . University press .p25  [6]
Nicholas Bunnin and Jiyuan Yu. 2004. The Blackwell dictionary of Western philosophy . blackwell publishing. P 152  [7]
Robert Audi (General Editor).1999. Cambridge dictionary of philosophy. Cambridge University Press. P 224    [8]
Nigel Blake, Paul Smeyers, Richard Smith, and Paul Standis. 2003. blackwell guide to the philosophy of education .   [9] Blackwell publishing ltd. P38
Henry Giroux. 1997 . pedagogy and politics of hope . west view . p 36   [10]
Chris Baker . 2004 . the sage dicionary of cultural studies  . Sage publications. P 38   [11]
Nigel Blake, Paul Smeyers, Richard Smith, and Paul Standis. 2003. blackwell guide to the philosophy of education .   [12] Blackwell publishing ltd. P 42-43
Robert Audi (General Editor).1999. Cambridge dictionary of philosophy. Cambridge University Press. P 325   [13]
Chris Baker . 2004 . the sage dicionary of cultural studies  . Sage publications. P 38   [14]
Henry Giroux . 1983 .critical theory and educational practice .Deakin University . p 33 – 36 .   [15]
M W Apple. S j Ball. L A Gandin . 2010 .the routledge international handbook of sociology of education . routledge . p27- 28 [16]
  Ibid . p 33 [17]
Ibid . p 33 [18]
Ave Haque.2007.Critical pedagogy in EAP and the possibility of tactics of resistance. pedagogy  , culture and society .   [19]
                                                                                                                                                       VOL15, No1 march 2007. P 84
Cathy Byrne . 2011 . Fereirein critical pedagogy’s challenge to interfaith education. Britich for religious education.   [20]
                                                                                                                                                                        Vol 33 N1 Janaury 2011.
HInry .A Giroux .2001. the mouse that roared . rowman littlefield publichers. P.125 .   [21]
 Henry. A. Giroux. 2001. The mouse that roar. Rowman little field publisher. P 125.   [22]
Henry. A. Giroux. 2001. The mouse that roar. Rowman little field publisher. P 125.   [23]
Henry. A.Giroux 2004. Critical pedagogy and the postmodern /modern divide. Teacher education quarterly. winter2004 p33   [24]
Henry. A.Giroux 2004. Critical pedagogy and the postmodern /modern divide. Teacher education quarterly. winter2004 p33   [25]
Dean Braa and peter callero.2006. Critical pedagogy and classroom praxis. Teaching sociology. Vol34 october 2006. P 357.   [26]
 John W.Collins and Nancy patricia O.Brien.2003. The Green Wood dictionary of education. Green Wood publishing group.p86  [27]
Joe L. Kincheloe and Raymond A.Horn.Jr. 2007. The praeger Handbook of education and psychology. Praeger. P. 539   [28]
 R.V.Goomanish. 2009 using critical pedagogy to educate for democracy. Thesis for PHD university of toronto. P 64   [29]
Carocy Stephenson Malott.2011. Critical pedagogy and cognition. Springer. P 170   [30]
 Kincheloe. 2004. critical pedagogy primer. P. Lang. New York. P. 8   [31]
Shor. 1992 empowring education : critical teaching for social change. The university of chicago press. P. 12-13   [32]
 Henry. Giroux. 2001. The mouse that Roar. Rowman and little field publishers. P 125   [33]
Henry. Giroux. 2006. America on the edge. Palgrare macmillan. P. 5-6   [34]
R.V. Goomanish. 2009. P 67   [35]
 Kincheloe. 2004. P 23   [36]
Dean Braa and peter gallero. 2006. P 357   [37]
Henry. Giroux. 2004. Take back higher education. Palgrave macmillan. P 247   [38]
Carry Stephenson Malott.(2011) critical pedagogy and cognition.springer.p52 [39]
Tony Monchinsiki.(2008) critical pedagogy and everyday classroom.Springer.p123 [40]
Noble.2001 digital diploma mills monthly review press.p2 [41]
Giroux.2003. the abondoned generation.pelgrave. Mac millan .p119  [42]
R.V goomanshing. A thesis for PHD .2009 p95 [43]
Shor.1993 education is politics. Routledge p26 [44]
Henry giroux.1997.pedagogy and the political hope West view . p25  [45]


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage