3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

في الحاجة إلى دولة وطنية

الخط
















الحسن اللحية



1.     دولة التقليد:
تجد هذه الدولة صورتها الواضحة والقوية في الزاوية والكنيسة. وهي في منظور النقاد تقوم على التلقين والشحن ورد القول والتكرار والاستنساخ والحفظ والحضور الغائب للعقل. ومن وجهة نظر فلسفية تقوم على الاستمراريات المميتة المؤبدة والتأبيدية، وعلى تاريخ القمم والرموز والشخصيات كنقط إشعاع لا يستقيم بدونها الحديث عن التاريخ العام وعن التواريخ المقموعة والهامشية وعن مذاهب الأخرى إلا بالسلب لأنها دولة الحقائق. لا تمكن هذه الدولة المواطن من الوقوف على الاختلافات والتباينات و الصراعات والدسائس والخيانات والتسلط والعنف والاستبداد والمكر الذي عرفه التاريخ. ولا النظر في فلتات اللسان وزلات الأقلام لتكسير رقاباتها ومركزيتها لأنها لا تتوانى ولا تتكاسل ولا تترك المجال لظهور القراء؛ الطلبة النقاد والتلاميذ العارفين. ولا تسمح بتدفق الخطابات حولها لكثرة ما تتكرر وتكرر ذاتها. وإن سمحت بشئ من ذلك سيكون هو شرح خطاب الشيخ أو الزعيم، الخطاب الأول و تلاوته واستظهاره دون فهم إلى أن يحضر الشيخ ليشرحه في النهاية، بل ليقدم الشرح النهائي. هكذا فهي تسمح بتناسخ الخطابات الممجدة والمعظمة لذات الشيخ وتناسلها وتكاثرها وتدفقها، وحيث المقاصد الخفية والمعلنة لهذا الخطاب الممركز تبتغي جعل التاريخ صفحة مليئة بالسعادة أو تاريخا بدون أخطاء لا في الماضي ولا في الحاضر أو هو التاريخ الممكن والواقعي والمتخيل والمعيش. إنه تاريخ يعكس إرادة لا تخطئ، إرادة غير بشرية تجد مدلولها في التراث القروسطي الذي يجعل من الحاكم ظل الله على الأرض ومن الشيخ صاحب البركات الوارث للسر الرباني؛ وبمعنى آخر فإن هذه الدولة تقدم لنا تاريخا هادئا خاليا من المعارك ومعارك القراءات والاختلافات بين الجد والحفيد، بين الأب و الابن، بين المذاهب،  تقدم تاريخا مستمرا خطيا لا وجود فيه للنتوءات ولا للانكسارات والالتواءات وحتى وإن وجدت النتوءات والاعوجاجات كصراع أمراء حول السلطة، وحروب دول حول السيطرة وقسوة سلطان أو الشيخ على أبنائه وبني جلدته فإنها لحظات عابرة وطيش سرعان ما تعود لرشدها بتبني خطاب الجد الأول والأب، خطاب الشيخ الذي بلغ في العلم الإلهي أعتى الدرجات...، إنه تاريخ قمم لا يكون فيه الأحفاد إلا نسخة عن الأجداد. يرث اللاحق الأسرار عن السابق كما ترث الدولة الصاعدة أسرار الدولة المتلاشية. لا فرق هنا بين الجديد والقديم ولا مجال ليبرز الجديد كجديد حتى وإن أعلن بأن عهد التالي يختلف رسميا عن العهد السابق، لا اختلاف بين المنهزم بالسيف والمهمين الجديد بالسيف، أو لنقل لا تفرق بين الاثنين الحروب ولا الاختلافات المذهبية ولا النزوعات السايكولوجية ولا طوارئ الدهر ولا تغيرات الزمن، ولا الانفتاح على الآخر ولا معارف العصر ولا حركيات وإرادات التحديث.إننا أمام حاكم وحيد وشيخ وحيد ومذهب وحيد ودولة واحدة- حسب هذا الزعم الذي يدافع عن خطية التاريخ واستمراريته- يكون الحاكم هو هو، والدولة الغالبة الجديدة والمغلوبة المقهورة المضمحلة هي هي؛ إذ لا تاريخ إلا لتاريخ الواحد، التاريخ الواحد، ولا لحاكم إلا الحاكم الواحد والشيخ الواحد، ولا لصوت إلا الصوت الواحد، ولا لمعرفة إلا معرفة الواحد ولا لعلم إلا العلم الإلهي الواحد ولا لحقيقة إلا حقيقة واحدة يمتلكها من يحدث الناس من أعلى المنبر وإن وجدت أصوات أخرى فإنما تكون ملعونة أو صدى لصوته الواحد والوحيد لأنه الحاكم الملهم والشيخ الملهم صاحب البركات، والزعيم صاحب الدرجات والمعجزات والأسرار الربانية. وتاريخه هو تاريخ الشعب، تاريخ المريدين، تاريخ أتباع وأشياع، تاريخ الزعيم هو تاريخ الحزب، وتاريخ شيخ الزاوية هو تاريخ الزاوية....، تاريخ أمجاد بدون هزائم، وتاريخ انتصارات بدون انتكاسات، وتاريخ رقي وتقدم بدون مجاعات وأمراض وأوبئة ودسائس وخيانات، تاريخ الحقيقة الصامدة في وجه زيف المذاهب الأخرى والحق الباقي رغم امتحانات الدهر، لكن هذه المدرسة في واقع الحال لا تعلم إلا الخضوع المطلق وانمحاء الذات والجسد والأهواء والرغبات وقتل العقل.

2.     دولة الحداثة أو ميلاد العقل والفرد والحريات

سننطلق من المسلمة بالنسبة التي تقوم على الجمع بين الحداثة السياسية والوطنية، لذلك نرى أنه من المفيد أن نذكر بأن مفهوم National, Nationalisme يروم اللم والجمع وقمع الاختلاف والتعدديات، وهو في الحالة المغربية  تمتد جذوره تاريخيا إلى المشرق العربي: القومية العربية، وفلسفيا يجد نموذجه في دولة العرق والدين أينما وجدت تاريخيا، وفي حالة المغرب ظلت  الحركة الوطنية العتيقة تمجد العروبة ( القومية العربية، الدفاع عن اللغة العربية...) من دون التفكير في شروط ميلاد المواطنة ودولة المواطنين والمدرسة الوطنية أو في غياب تجديد السؤال الأهم: هل هذه الدولة المستقلة حديثا هي التي كان المغاربة يحاربون فرنسا من أجلها؟ هل المدرسة الناشئة تستجيب لعموم المواطنين باختلاف هوياتهم وثقافاتهم؟.
تلتقي الحركة الوطنية والنظام السياسي منذ 1956 في الدفاع عن مفهوم الأمة (الواحدة الموحدة) مما ترتب عنه وجود ازدواجيات وثنائيات وفصامات: تقليد/ حداثة، برلمان/بيعة، أحزاب/ ملك يحكم، لغة رسمية ( العربية)/ اللغة الفعلية للإدارة (الفرنسية)، إرادة التحديث( إدارة عصرية، برلمان، جامعات...)/ إرادة التقليد الأعمى للأسلاف ( الشورى، مؤسسات الزوايا، البيعة...)، لغة القانون/ لغة التعليمات، النزوع نحو التحديث /تمجيد التقليد، المواطنة/ الفكر الرعويمدرس/فقيه، مدرسة عصرية/مدرسة تقليدية...
نستخلص مما تقدم أن نخب الحركة الوطنية لم تكن قادرة على تمثل الحداثة السياسية، وهذا ما يلاحظ اليوم بعد مرور نصف قرن، لتصبح هذه الحداثة رهان وجود فردي و جماعي وسياسي وتاريخي لأن الكثير من الفاعلين كما نعثر على ذلك في المتون المتخصصة في الانتربولوجيا السياسية استفادوا من الأوضاع الاقتصادية والتعليمية والتجارية منذ فترات بعيدة و دخلوا في علاقات فيما بينهم فكونوا بعد الاستقلال لوبيات وأقليات استراتيجية داخل الإدارة والأبناك والتجارة والملاحة والمعادن والفلاحات التصديرية وفي الاقتصاد والتعليم... وبالتالي لم يعد التساؤل عن الدولة الوطنية مهما طرحه ولا مناقشته.
ولكي يكون لحوارنا مع أطروحات الحركة الوطنية الكلاسيكية والسلفية العتيقة معنى وجب توضيح ما المقصود بالدولة الوطنية الذي لا تستقيم معرفتها إلا بالقطع مع مفهوم الأمة من جهة أولى لما يتضمنه من مفاهيم تقليدية تحيل على العرق واللغة العربية والدين والراعي والرعية والإيمان كمحددات للدولة. ثم الانتقال إلى مرحلة ثانية نستلهم فيها الحداثة السياسية التي نشأ فيها النقاش حول الدولة الوطنية، ونعني بالتحديد العقلانية الأنوارية والليبرالية الكلاسيكية على اعتبار أنه يستحيل في نظرنا الحديث عن الوطنية دون استحضار الحداثة السياسية وتلك هي الملامح الكبرى للمدرسة الوطنية: مدرسة الحداثة والعقلانية والوطنية.

  الدولة الوطنية: المحددات العامة

أولا:  تنتقد فلسفات الحداثة السياسية الإرث السياسي الذي يماثل بين الحاكم والأب: الحاكم كأب للجميع والجميع كأسرة الحاكم. فيبدو من خلال هذا التشبيه الحاكم عاقلا راشدا بينما الشعب قاصرا ورعية تشبه القطيع المرعي. ويكون العقاب في نظر الراعي تأديبا وتربية، و قسوة الأب هي الرحمة بالأبناء. يرى إيمانويل كانط أن النزعة الأبوية وكل حكومة أبوية هي الأكثر طغيانا لأنها تسلب حرية الرعايا ولا ترى فيهم إلا القصور، وهي تتناقض كل التناقض مع الحكومة الوطنية المرتبطة بالحرية.
ثانيا: تنتقد فلسفات الحداثة الثنائية الأغوسطينية القائلة بمدينة الله ومدينة الشيطان، مدينة الدنيا ومدينة الدين. والملاحظ أن هذه الثنائية قائمة على مفهوم دنيوي للوطن وآخر روحي. يحيل مفهوم الوطن الروحي على الحاكم بأمر الله أو باسم الله أو الحاكم الذي يعكس ظل الله على الأرض،  الذي قد يكون قديسا أو راهبا أو أمير المؤمنين أو أسقفا أوبابا الكنيسة... وباختصار هو الحاكم الذي يجمع السلط الروحية والدنيوية بين يديه. فيمتلك من جراء ذلك حق تأويل النص الديني، وحق الفتوى، وحق فرض تأويله الديني على الغير بالقوة إن اقتضى الأمر ذلك.
ثالثا:  تنتقد فلسفات الحداثة السياسية كذلك مفهوم السلطة الرعوية لما تدل عليه من علامات التقليدانية القروسطية، بحيث أن السلطة الرعوية تضع الحاكم مهما كان ملكا أو سلطانا أو إمبراطورا وأسقفا في مقابل الشعب، وبمعنى آخر راع أمام قطيع. وحينما رام مشيل فوكو تحليل عقلانية السلطة الرعوية استنتج أن السلطة الكنسية من حيث هي سلطة رعوية تضحي بالعرش إلى جانب الرعية، لإنقاذ الرعية، بينما في الرعوية الملكية يضحي الملك بالشعب من أجل العرش.
***
إن ما نعنيه هنا بالوطن يتجاوز المعنى اللاهوتي الذي لا يضمن الحق في العيش المشترك للجميع في أرض الأجداد إن اختلفت اللغات والقوميات والمذاهب ( ولنا في تاريخ الذميين خير مثال على ذلك). وما يتميز به مفهوم الوطن نجد مايلي:
1- إن فكرة الوطن فكرة تأسيسية تستوجب الإصلاح واستعجالية البناء.
2- إن فكرة الوطن تقوم على المنشأ والمولد إن غابت محددات أخرى.
3- إن فكرة الوطن مرتبطة بالحرية الفردية والجماعية للأفراد: الحرية السياسية والدينية والثقافية...
4- إن فكرة الوطن ترتبط بالدفاع عن حرية الوطن مجالياوإنقاذه من الاستبداد الداخلي والخارجي وتحريره من الغزاة.
5- تبدو فكرة الوطن كقيمة مطلقة تعمل كأساس لجميع القيم الأخلاقية والسياسية، لذلك ترتبط الوطنية بالصالح العالم والحرية السياسية وتجاوز الفردي، أي تجاوز المصالح الذاتية الخاصة، ومحاربة الفساد والتقوقع العرقي واللغوي والإثني والطبقي.
6- لا يمكن تصور الفرد-المواطن خارج الوطن في منظور هذا التصور الذي ننطلق منه لأن الوطن هو القيمة الدنيا التي بدونها لا يمكن تصور أي مقياس للعيش المشترك.

 المواطن: ميلاد دولة المؤسسات

 انطلقت الفلسفة السياسية الأنوارية الحداثية من ثنائية جديدة، على عكس الثنائيات اللاهوتية والأوغسطينية، تتمثل في الطبيعة والمجتمع (حالة الطبيعة وحالة المجتمع). بإمكاننا فتح هذه الثنائية الجديدة على آفاق فكرية أخرى كالفرد والمجتمع، والمواطن والدولة، والطبيعة والثقافة وغيرها من الثنائيات التي لم يعهدها فكر القرون الوسطى.
تتمثل في نظرنا هذه القطيعة في إرادة تأسيس منظورات جديدة للفرد-المواطن وللمجتمع والدولة، لكن هذا التصور من حيث أنه تصور تأسيسي ينطلق من أسبقية الطبيعة أو بمعنى أدق من أسبقية القوانين الطبيعية على جميع القوانين الأخرى. فللطبيعة قوانينها التي تسير عليها وللإنسان قوانين طبيعية أولية وأولى وجب أن تصبح حقوقا طبيعية في المجتمع.
إن أهمية هذه القطيعة تتمثل بالأساس في المساواة الطبيعية التي تتنكر للعرق النبيل أو الوضيع، وللانتماء الطبقي أو الثقافي أو الديني أو المستوى الاقتصادي...إن الفرد يخرج من الطبيعة مثل غيره من الناس حيثما كانوا ووجدوا ولا تهمنا هنا الرؤية الخيرة أو الشريرة لطبيعته لأن ما يهمنا هو خروجه لأول مرة من الطبيعة وهولا يخضع لأي سلطان ولا قوة واستبداد غير قوانين الطبيعة.إنه فرد حر مستقل لا يخضع لأي إرادة كانت دنيوية أو متعالية، له القدرة الخاصة ليمنح معنى للأشياء من حيث أنه كائن مفكر (ديكارت)مؤسس للمعاني والمعارف والقيم....
هكذا تكون العقلانية الأنوارية قطعت مع الأسس المسيحية واللاهوتية، بحيث لن يعود التاريخ كتجل ( كقصص عبرة واعتبار من أجل الإيمان...)، وإنما كفعل خاص بالإنسان. ولم تعد الطبيعة كسيادة للخطيئة والفراغ ولكنها صارت كمرآة للإنسان والإله. والحرية لم تعد خضوعا للإله وإنما صارت تعبيرا حرا اعتباطيا.إنها ثورة جديدة وعميقة صار فيها الهم كل الهم الانهماك في البحث عن الذات وتأكيد الإرادة الذاتية وتأسيس كل ما سيتأسس عليهما بشرط أن تكون الحرية مضمونة فرديا وجماعيا إن لم تكن هي الأساس.
لا ينبغي تصور الحرية كفوضى عارمة لأن روسو ينبهنا إلى أن وجود الحرية مرتبط بالقوانين لأنه في حالة الطبيعة ذاتها لا يكون الفرد حرا إلا وهو يخضع لقوانين الطبيعة، والشعب كذلك لا يكون حرا إلا حينما يخضع لرؤساء وليس لأسياد أو أشراف ذوي السلالات النبيلة بينما غيرهم من السلالات الوضيعة.
وعلى العموم فإن الحقوق الطبيعية للفرد ستتحول في مسار الفكر الغربي إلى حقوق سياسية وهو ماسيعرف بالليبرالية السياسية التي وجب تمييزها عن الليبرالية الاقتصادية التي تتأسس على الحقوق الاقتصادية ( حق التصرف بحرية في قوة العمل على عكس العبد الذي لا يمتلك حرية التحكم في قوة عمله) و منتوج العمل ( شرعية الملكية الفردية) وحق التبادل الحر ومباشرة كل ما يبرر اقتصاد السوق وإن كان ذلك لا يلغي تدخل الدولة.
يمكننا تلخيص المبادئ العامة لليبرالية الكلاسيكية فيما يلي:
1- الليبرالية هي عبادة الحرية الفردية (ينظر إلى الفرد مفصولا عن التحديدات العرقية والقبلية  والطبقية والإثنية....) و الحرية الفردية هي قيمة القيم أو القيمة العليا.
2- الليبرالية ثقافة مضادة لثقافات الأسلاف والأجداد والموروث، أي أنها ثقافة الجدة والجديد والبداية والتأسيس والمغامرة المفتوحة والاحتمال والتقدم والإيمان بالمستقبل...( حالة الليبراليين الأمريكيين الذين رفضوا التقاليد والخضوع للتاج البريطاني...).
3- الدولة الليبرالية هي حارس الحريات الفردية والضامنة للحقوق.
4- الليبرالية هي اقتصاد السوق منذ الفيزيوقراطيين: دعه يفعل، والمنافسة.
5- تفترض المنافسة وجود تعددية لتكسير الاحتكارات والمونوبولات والكارتيلات لأن جوهر الليبرالية لا يستقيم والاحتكار.
6- وجوب وجود سوق اصطناعية تستجيب لرهانات متعددة تفرضها الدولة للاستمرار في المنافسة كمنطلق وغاية.
* * * * *
 يعبر عن الثورة الليبرالية في مجملها، في الفلسفة السياسية، بالحداثة وهي تعني حسب آلان تورين، أحد نقاد الحداثة الغربية، مايلي.
1- يستحيل إطلاق كلمة حداثة على مجتمع يسعى للانتظام طبقا للوحي الإلهي أو ماهية قومية؛ إذ يفترض التحديث تحطيم العلاقات الاجتماعية والمشاعر والعادات والاعتقادات التقليدية وفسح المجال لمغامرات العقل: ستكون المدرسة طليعة المؤسسات المناضلة من أجل التغيير.
2- ليست الحداثة تتابع أحداث لأنها انتشار لمنتجات النشاط العقلي كالعلم والتكنولوجيا والتدبير والتسيير والتمايز بين الحقول والمجالات والتخصصات...
3- يحل فكر الحداثة العلم محل الله: المدرسة تعلم أخلاق العلماء والمبدعين لا أخلاق الفقهاء والشيوخ والرهبان، وتعلم العلم والنقد والاحتمال والنسبية والتسامح لا الإيمان والوثوقية والتعصب ونبذ الغير.
4- يحتل الدين في مجتمع الحداثة مجالا خاصا: الدين دين الأفراد لا دين الدولة: المدرسة لجميع المواطنين احتراما للأقليات لا طغيان الطوائف.
5- ارتباط الحداثة بالعقلنة: المجتمع العقلاني لا غاية آخروية له؛ إذ هناك إرادة لتنظيم الحياة الفردية والجماعية وفق مقررات العقل العلمي والنشاط العقلي...
6- ليس الفاعل في الحداثة طبقة أو فئة أو شريحة وإنما الفاعل هو العقل والضرورات التاريخية التي مهدت لانتصاراته، والعقلانية هي الآلية التلقائية في التحديث.
7- إن أهداف سياسات التحديث هي إخلاء المجال للعقل.
8- إن التعليم في المنظور الحداثي يحرر الفرد من الرؤى الضيقة واللاعقلية التي تفرضها السلط التقليدية كالأسرة والقبيلة والطائفة والمذهب والانفعالات الخاصة...ويفتح أمامه مجال المعرفة العقلية والاشتراك في مجتمع ينظم نشاط العقل. وبمعنى آخر ينبغي أن تكون المدرسة مجالا لإحداث القطائع مع وسط النشأة والانفتاح على التقدم بواسطة المعرفة والمشاركة في مجتمع قائم على مبادئ عقلية. وأما المدرس لا يتدخل في الحياة الخاصة للتلاميذ ودوره هو الوساطة بين القيم الكونية للحق والخير والجمال. وأخيرا تعمل المدرسة على تكوين نخب بديلة لنخب الأرستقراطيات والطبقات المحافظة والرجعية والإكليروس والزوايا...
9- يتحدد الإنسان في فكر الحداثة كفاعل اجتماعي: الإنسان هو ما يفعله؛ لذلك لا ينبغي أن يبحث عن ماهيته في العوالم الماورائية: المدرسة تعمل على بناء الذات.
10- تنطلق الحداثة من فكرة المواطنة قبل أي تحديد آخر (البشر، الإنسان..)، وهو ما يعني أن ميلاد المواطن مرتبط بتأسيس سلطة ودولة جديدتين للمواطن والمواطنة.
11- تكافح الحداثة بإرادة جماعية ضد اللاتكافؤ واللامساواة...
12- الحداثة هي الخروج من الخصوصيات والدخول في الكونية، والخروج من حالة الطبيعة والدخول في سن الرشد...
13- الحداثة فكر لا يمتثل للنماذج لأنها ثقافة للتحرر.
14- الحداثة هي تعرف الإنسان على الطبيعة في نفسه بدل من أن يكون هو في الطبيعة.
15- تتحقق الذات الفردية في تناقض مع خضوع الفرد لقيم تتجاوزه. ففي الحداثة تصبح الحرية أساس القيم عند الإنسان والتي تعبر عن نفسها إبداعيا حتى لا تتعارض والأشكال المتعددة للتبعية.
16- الحداثة هي انتصار أخلاق المسؤولية ضد أخلاق الاعتقاد.

نستنتج بعجالة أن المدرسة الوطنية مرتبطة أيما ارتباط بالوطنية والوطن والمواطنة بما تقضيه كل هذه المفاهيم من تحديدات أشرنا إلى بعض منها. 
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage