3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

أساسات المخزن أو السلطان الذي يحكم على صهوة الجواد

الخط





















    الحسن اللحية

لربما أن الصورة التي تتداول بين المغاربة عن السلاطين ،وهي الصورة الحاضرة في الأذهان وأمام الأعيان -"كان السلطان يحكم البلد على صهوة جواده"- بل هي نفس الصورة التي تحدث عنها الباحثون الفرنسيون و غيرهم كذلك التي تختزل كل ما يتعلق بالمخزن. ففي مختلف الدراسات التاريخية ترد كلمة دولة للدلالة على شيء لا تعنيه في تاريخ المغرب الحديث وغير الحديث كذلك. ثم إن الإشارات الدالة على المخزن في تلك الدراسات أو في غيرها من الأبحاث السسيولوجية والانتروبرلوجية، لا تقف على ماهية المخزن أكثر من وصفها لبعض الوظائف المخزنية. ولكن في حكايات الحاج سالم العبدي الذي عاشر عدة سلاطين مغاربة، وكان من ضمن الطوابير المرافقة لهم، للمؤرخ الفرنسي لويس أرنو ،سنجد أشياء جديدة كليا تميز المخزن عن الدولة. ولذلك فإن ما يهمنا في هذه الحكايات المنشورة تحت عنوان "زمن المحلات" عن دار إفريقيا الشرق بترجمة للأستاذ محمد ناجي، ليس هو التأكد من صحة وقوة ذاكرة رجل طاعن في السن يحكي عن علاقاته بالسلطة المخزنية، وإنما الوقوف على ماهية المخزن في صورته العادية والمفضوحة، المخزن دون وسائطية المؤسسات التي تحيل على الدولة، المخزن المجرد المار بين القبائل وهو تحت أنظار الجميع،المخزن العاري والمفضوح إلا من طقوسه وعنفه وتسلطه وتجبره،حيث لا يستطيع إخفاء حقيقته حتى لو رافقه العلماء والطوابير من العبيد والحجاب لحجبه عن أنظار الآخرين.
إن ما يثير الانتباه حقا ،ويجعل السؤال مشروعا هو السؤال المطروح دوما: ما هي وظيفة المخزن؟بل ماهي وظيفة المخزن خلال الفترة المحصورة ما بين 1860و1912 ،تلك الفترة التي مازال لم يلبس فيها لبوس المؤسسات بعد؟ وهل هناك من مؤشر يدل على اهتمام السلاطين، خلال هذه الفترة، بهموم الناس، بأكلهم وراحتهم وأمنهم وسلامتهم…وباختصار هل هناك دولة؟ يجيب الحاج سالم العبدي مبينا الفرق بين الفترة السابقة و فترة الحماية قائلا:"فالطرق الآن أصبحت معبدة، بدل الطرق الترابية العادية، وحلت القناطر محل المعابر والمرافئ. فقد مضى زمن أفواج الجنود المغنين في السهول، زمن "السر وت" (أفواج الخيل)، "زمن القصارة" الكلام غير المنتهي، زمن المحلات. وفي كلمة واحدة أقول: هذه ليست سوى ذكريات خادم قديم مثلي يحكيها بأسى وأسف .زمن المحلات .ص219".
ربما تختزل هذه الصورة ذلك الفرق بين المخزن والدولة، بين مخزن منشغل بذاته وبين دولة مهتمة بالآخرين، بالسكان و المواطنين. و أول فرق واضح يأتي من تعريف المخزن ذاته، فالمخزن هو"خيمة كبيرة شبيهة بهاته، فمن أجل بنائها وتدعيمها ضد العواصف والرياح فلا بد لها من دعامات. وإن العمود المحوري وصاري الخيمة التي ترفعها هو السلطان. ومختلف الأوتاد التي تحيط بها وتشد جوانبها حتى لا تقلعها الرياح هم القواد. أي أنتم، وبهذا تلاحظون مدى أهميتهم في الحفاظ على هذا الصرح. و قد استقدمتكم لأذكركم بهذا الدور"(من كلمة با حماد في الوزراء) زمن م.ص70.
 إن هذا التشبيه الوارد في قول با حماد لا يعكس عقلية رعوية فقط حيث السلطة مجسدة في الشخص الذي يتمركز في الوسط وتدور حوله الأفلاك والكواكب، وإنما يغيب كليا أي إشارة إلى الدولة، دولة لها مؤسسات وظيفية. فقد ألقي هذا الخطاب في لحظة انتقال الحكم من سلطان إلى آخر، ولم تتم الإشارة إلى البيعة كعلاقة بين طرفين أو إلى أي شيء آخر غير القوة بدء وأخيرا. والحديث عن القوة هو في الأساس حديث عن شكل الحكم السائد المشكل لماهية المخزن كقوة قاهرة غالبة. ومن هنا فالمخزن غير مجسد في دولة بل هو من تتجسد فيه الدولة، الدولة كحيازة للقوة بالقوة.لذلك نجد الحاج سالم العبدي يتحدث عن "الحركة"و"المحلة" كشيء طبيعي، في نظر المخزن، لإخضاع المتمردين رغم وجود قائد بهذه المنطقة أو تلك. يقول: "ويتضح لك الآن (والكلام موجه للويس أرنو) كم كانت سياسة مولاي الحسن حكيمة جدا، حيث لم يرتح قط فقد كان يجوب أطراف المملكة، ويستخلص الضرائب حتى يمنع القبائل من أن ترفع رأسها .ز.م.ص173".
 هكذا نحن أمام تعريف جديد للمخزن لا يتمحور حول السلطان كعمود أو عماد للحكم التقليدي فقط وإنما حول الوظيفة التي يقوم بها المخزن. فالتعريف الوارد أعلاه يركز على استخلاص الضرائب والسلطان على صهوة الجواد.إذن فالمخزن هو الحكم القائم على استخلاص الضرائب دون تقييم لخدمة للمواطنين ولا مراعاة لمعاناتهم واحتياجاتهم ورغباتهم ومطالبهم ولا لوضعيتهم الإجتماعية. والغاية من جمعها بالقوة تتمثل في أمرين هما: أولهما تمويل حياة اللهو والمجون: الغناء والعزف، ومشاهدة المفرقعات الاصطناعية ملونة في السماء، وألعاب الصالونات القادمة من انجلترا،وركوب الدراجات الهوائية.ز.م.ص103-104-105، وثانيهما تمويل المحلات ومضاعفة رواتب الجنود قبل الإقبال على معركة حاسمة ضد قبيلة أو زعيم كبوحمارة أو الريسولي أوأي مطالب بالعرش من الإخوة أو متمرد عليه.
 إن الضريبة أمر أساسي في سياسة المخزن إن لم تكن هي أساسه، وهي غير محدودة في قدر معين من المال والأنعام وفق مقادير مضبوطة سلفا. فقد يمر موكب السلطان، المحلة، فتجد القبائل نفسها مجبرة على تقديم الثيران والأموال والخيول والمحاربين... بالإضافة إلى تجديد الولاء التام له.هاهنا تتساوى الضريبة والبيعة. ولكن ماذا يصيب القبائل المتمردة التي أنهكتها الضرائب؟.
لكي نتبين بوضوح سياسة المخزن في هذا الباب سنفترض أنه هو المنتصر في معاركه ضد قبيلة ما أوضد تحالف قبلي معين، بحيث أن السياسة الضريبية للمخزن ستتلون بألوان شتى تهدف في النهاية إلى إخضاع المتمرد إخضاعا كليا لسياسة أداء الضرائب. ففي الحالة الأولى يضاعف المخزن من الضرائب، يقول سالم العبدي: "من كان يؤدي منكم قرشا كضريبة سيؤدي قرشين، كما عليكم دفع تعويض عن خسائر الحرب(...) وتجهيز وحدة عسكرية دائمة من 500 جندي، ويأمر سيدنا أن يكون من أبناء مدينتكم لا من الخارجين عنها أو المعوضين .ز.م.ص35". وفي الحالة الثانية، ودائما بعد هزيمة المتمرد، تؤدي"الضرائب المتأخرة منذ سنين، ومبلغ مالي كتعويض عن خسائر الحرب.. لقد كان المخزن يريد إثقال كاهلهم جدا حتى لا يفكروا في التمرد من جديد." ز.م.ص93". وفي الحالة الثالثة"تضاعف الضرائب مرة أو ثلاث مرات."ز.م.ص209".
إن أمر استخلاص الضرائب لا يقف عند هذا الحد الذي قسمناه إلى ثلاثة حالات، وإنما ترافق المحلات في حالة هزيمة المتمرد أساليب أخرى ذات صبغة انتقامية صرفة منها النهب واشتراط المأكل والمشرب، وجلب رؤوس الأغنام والأبقار والخيول"التي يدوم توزيعها مدة طويلة."ز.م.ص100-101" أو مهاجمة الدكاكين وأخذ الأموال بالقوة وإتلاف السلع واغتصاب النساء والفتيات وإضرام النار و تدمير البنايات وتعنيف الشيوخ وبيع الفتيات  في سوق النخاسة"ز.م.ص147"...
لا يمكن أن نفهم هذه الصورة القاسية للمخزن من خلال هذه الوحشية وحدها التي وصفها الحاج سالم العبدي، وذلك بتشبيهه له"بالنسور الكاسرة"، ولكن من خلال تقنيات التعذيب التي يخضع لها المنهزم -الأسير. فرغم تدخل الأجانب كالفرنسيين والإنجليز لمنع هذا التعذيب الوحشي فإن السلطان رفض ذلك رفضا تاما. يقول الحاج سالم العبدي: "وطلبوا منه (من السلطان)باسم الإنسانية والتحضر أن يكف عن هذه التصفيات الجسدية البشعة فأجابهم(...) بأنه هو السلطان هنا(...) وأن له الحق في العقاب."ز.م.ص204".
إن المخزن لا يتسامح مع "عدوه" وإن سامحه يكون ذلك"شكليا.ز.م.ص94" . فهو يميل إلى مسرحة العقوبة وإشراك الآخرين فيها "حيث يطاف بالمنهزم على ظهر الجمال أو الحمير في أنحاء المحلة تحت وابل من الشتائم والسخرية. فكانوا يشدون من لحيهم حتى أنه لم تبق على وجوههم الدامية سوى بعض الشعيرات."ز.م.ص92".
تهدف هذه المسرحة لإظهار البشاعة للناظر، كإظهار المتمردين في أقفاص كحيوانات ينبغي ترويضها، حيوانات متوحشة ضارية توضع إلى جانب "الأسود والنمور والفهود."ز.م.ص205"،ونادرا ما ينجو المسجون بحياته ويستعيد حريته.
فهذا المشهد الدامي، أمام الملأ، يتكرر بصور أخرى،الذي يقوم به - النسور كاسرة- أناس يهوون الفظاعة والبطش والقتل والتفنن في التعذيب، وإحداث الألم. فقطع الرؤوس وتمليحها وتعليقها يتم إلى جانب الموسيقى والأهازيج المختلفة."ز.م.ص203 ". ولكن المراد بهذا المشهد الجنوني إحداث الألم، والموت البطيء أو بالتقسيط "كتقطيع يد ورجل لكل واحد... والجزارون يشحذون سكاكينهم لقطع يد يمنى ورجل يسرى لهذا السجين، ويد يسرى ورجل يمنى للآخرين (...)."ز.م.ص204" إلى أن يتوفى المعذب من حدة النزيف. وقد يريد السلطان الاستلذاذ بالمشهد "فيستقدم الذين يزيلون الأضراس.ز.م.ص205" فتدمى أفواههم، ومنهم من يوضع في أقفاص الأسود". ومن نجا في هذه اللحظة من الموت يساق مع مجموعة من 10 إلى 20 فردا إلى سجون لا حياة فيها ."ز.م.ص93و101، موزعة على مناطق من المغرب راجلين متبوعين بنسائهم وأطفالهم تحت التعذيب .كما "تصادر  أملاك السجين وتؤخذ إحدى نسائه."ز.م.ص213" بديلا عنه، وقد يصيب العقاب العائلة  أو القبيلة إن أمكن ذلك. وإذا توفي المتهم قبل أن ينال حظه من التعذيب أمام الجمهور يمكن للسلطان أن يأمر بنبش القبر "ليعلق رأسه."ز.م.ص213" بباب المدينة.
إن المخزن يطالب دائما برؤوس المتمردين."ز.م.ص88 "، ويخصص مكافأة مالية كبيرة، لأجل ذلك، لمن يستطيع القيام بها... ينشرالخبر في البلاد عن طريق "البراحة" ويبعث بالرسائل إلى القواد الشداد.إنه لايرغب في وجود  المعارضين لسياسته "كبو حمارة" أو الريسولي المناهضين "للأجانب". يتمسك دائما بالرجال المحبين للقتل والفتك، كباحماد والمهدي المنبهي، الذين لا يترددون في القتل. بل إن المخزن لا يبقى إلا  المتجبر في منصبه، ويشجع المتجبرين من القواد على البطش والقتل واستغلال كل ما يمكنهم من جمع الثروة حتى يتمكنوا من شراء المناصب القيادية (ز.م .ص 106، ص 213) في حالة القيام بحركة جديدة.


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage