3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

التعليم التكنولوجي بالمغرب

الخط








































بقلم: خالد حمدان مستشار في التوجيه التربوي


1- التطورات التاريخية التي عرفها التعليم التكنولوجي:

    نتطرق في هذه الفقرة إلى أهم المحطات التي مر بها التعليم التقي بالمغرب، مع إبراز الإصلاحات والمستجدات، بحيث كان في عهد الحماية عبارة عن تكوين مهني محدود وقصير المدى، من أجل تكوين أطر مغربية تكون وصل بين المستعمر وباقي أفراد الشعب، وخاصة في مجالات محددة كالصناعة والتجارة والسياحة والفندقة والزراعة، وكان يلج هذا النوع من التعليم أبناء الفقراء.
  بعد الاستقلال استفاد التعليم التقني من إصلاحات، أهمها:
·      مناظرة المعمورة (1964): كان هدفها تحسين وضعية التعليم التقني بالمغرب، إلا أنه ظل يعاني مجموعة من المشاكل أهمها: ضعف التوجيه، عدم توفر الخرجين عن المؤهلات المطلوبة، رغبة التلاميذ في متابعة الدراسات العليا...
·      مناظرة إفران (1970): جاءت لتصحيح وتقويم الصعوبات السابقة، حيث خرجت بمجموعة من التوصيات: ضرورة التوجيه إلى التعليم التقني على أساس معايير محددة من خلال النتائج الدراسية والفحوص الطبية، إقرار شهادة البكالوريا التقنية، تحديد حاجيات القطاعات من الأطر، تدريس مادة التكنولوجيا بالسلك الأول من التعليم الثانوي، إقرار مقررات جديدة...
·      إصلاح 1985: جاء هذا الإصلاح من أجل مراجعة هيكلة التعليم التقني، حيث أصبح يحتوي على 15 شعبة، كما عمل على حذف بعض المواد بالنسبة لشعب التقني الصناعي كالفلسفة والتاريخ والجغرافيا، وأقر فتح ثانويات تقنية جديدة لاستيعاب الأعداد المتزايدة للتلاميذ.
    رغم كل هذه المجهودات لم يستطع التعليم التقني تحقيق أهدافه كإدماج الخريجين في الحياة العملية، كما أصبح عدد من الخريجين يتابعون دراساتهم العليا في تخصصات بعيدة عن تكوينهم الأصلي.
·      إصلاح 1994: عمل على هيكلة التعليم التقني وتمكين الخريجين من متابعة دراساتهم في تخصصات لها علاقة بتكوينهم الأصلي، وذلك عبر تحديد أهداف التكوين، وضمان تعليم جيد من أجل الاندماج في سوق الشغل أو متابعة الدراسة، ضمان توازن بين الحصص العلمية والتقنية بالنسبة لشعب الهندسة الكهربائية والهندسة الميكانيكية والهندسة المدنية، حذف مجموعة من الشعب: التبريد، السباكة، ميكروميكانيك، ميكانيك السيارات لأنها لا توجد منافذ لها في التعليم العالي، خلق جذع مشترك للتعليم التقني التجاري.
    وهكذا أصبح التعليم التقني يحتوي على الشعب التالية: هندسة التجارة والتسيير، الهندسة الكهربائية، الهندسة الميكانيكية، الهندسة المدنية، الهندسة الكيميائية والعلوم الزراعية.
·      المناظرة الوطنية حول التعليم التقني (2004): جاءت لتعطي تصورا شموليا حول هذا النوع من التعليم الذي أصبح يحتل مكانة هامة في قطاع التربية والتكوين، وهكذا عملت وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي على تشخيص ودراسة الإجراءات لتجاوز النقائص والسلبيات التي مر منها التعليم التقني، وتعزيز الجوانب المعتمدة التي يتميز بها. حيث تم التوصل إلى نتائج تفرض النظر في إشكالية هيكلة برامج التعليم التقني ببلدنا، انطلاقا من السؤال المحوري "هل هذا التعليم سيبقى تقنيا محضا (أي تطبيقيا)، أم يجب أن ينتقل إلى تعليم تكنولوجي؟"[1].
     حيث خرجت المناظرة الوطنية بمجموعة من التوصيات أهمها:
-        مد الجسور العمودية والأفقية بين مختلف مكونات وأسلاك التعليم التقني لتحقيق حركية أكثر للتلاميذ للحد من الفشل الدراسي وبالتالي الرفع من المردودية الداخلية وتقليص الكلفة.
-        مواءمة برامج التعليم التقني مع برامج الكليات والمدارس العليا حتى يتمكن حاصلو البكالوريا من ولوج تعليم عالي يتلاءم مع جانبهم التكويني.
-        إحداث الإنجازات المهنية لاستقطاب طلبة التكوينات المتخصصة للتعليم التقني.
-        إحداث جذع مشترك خاص بالتعليم الثانوي التأهيلي له صبغة تكنولوجية تتميز أساسا بمادة علوم المهندس التي يتم إدماجها لأول مرة بالتعليم التقني.
-        إعادة هيكلة التعليم الثانوي في سلكين: سلك الجذع المشترك (4 جذوع مشترك) وسلك البكالوريا (9 فروع تفضي إلى 14 مسلكا).
-        تنظيم الدراسة على شكل مصوغات لا تتعدى 30 ساعة في الأسبوع.
-        التكوين المكثف لأساتذة التعليم التقني.
-        دعم وتطوير الشراكات بين المؤسسات التكوينية والشركاء الاقتصاديين في إطار قانوني.
-        استغلال التجارب والإمكانات التي توفرها منظمات التعاون الدولي للنهوض بالتعليم التقني.
-        الرفع من نسبة التلاميذ الموجهين إلى التعليم التقني في غضون 2005-2009 إلى نسبة %10[2] .
    وهكذا فإن هذه المراجعة الأخيرة لإصلاحات وزارة التربية الوطنية التي شملت التعليم الثانوي التقني كانت الغاية منها الانتقال من التعليم التقني إلى التعليم التكنولوجي، والابتعاد من التقني القريب من المهني والحرص ما أمكن على تأجيل هذا التخصص الدقيق إلى ما بعد البكالوريا[3].

2-التعليم التكنولوجي بين النصوص والواقع:

 2-1- التعليم التكنولوجي في الوثائق الرسمية:

    مراعاة للتوازن اللازم معاينته على صعيد النسيج السوسيو-اقتصادي الوطني من حيث تنوع بنياته، ونظرا للمنحى الذي أخذه التطور التكنولوجي في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والصناعية، وما تلعبه التكنولوجيات الجديدة للإعلام والتواصل في بلورة أسس جديدة للتعامل وإدراك المحيط في مفهومه الواسع، وبما أن السلك التأهيلي يجسد المرحلة النهائية لسيرورة تعليمية تؤهل لولوج مؤسسات التعليم العالي أساسا أو لولوج سوق الشغل إما مباشرة أو بعد تأهيل مهني قصير المدى، فقد اهتم الميثاق الوطني للتربية والتكوين بتنمية الرأسمال البشري في المجال التكنولوجي. وتبلور هذا الاهتمام في تحديد نسب توزيع التلاميذ بين مختلف التخصصات بالسلك التأهيلي، ومد الجسور بين المدرسة والتكوين المهني والمقاولة؛ وهكذا فقد أكد الميثاق على "تقوية التوجيه إلى الشعب العلمية والتقنية لتستقبل على الأقل الثلثين من مجموع تلاميذ التعليم الثانوي وطلبة التعليم العالي"[4]
    كما ينص الميثاق على أن هذا السلك يجب أن يتميز بمجموعة من المجزوءات التعليمية المطلوب توافرها  لدى الجميع، ومجزوءات اختيارية. ترمي أهدافه إلى[5] :
·          تنمية مستوى كفايات البرهان والتواصل والتعبير وتنظيم العمل والبحث المنهجي عند جميع المتعلمين ودعمه وتحسينه.
·          تنمية قدرات التعلم الذاتي والتأقلم مع المتطلبات المتغيرة للحياة العملية، ومع مستجدات المحيط الثقافي والعلمي والتكنولوجي والمهني.
    انخراطا في هذا المنحى، فقد نص الكتاب الأبيض على ضرورة التفكير في إحداث قطب خاص بالتكنولوجيات بالسلك التأهيلي إلى جانب الأقطاب الأخرى، يتوق تلبية حاجة المجتمع من الأطر في مختلف مجالات النشاط التجاري والخدماتي والصناعي. ويتكون هذا القطب من أربعة شعب تغطي مجالات كبرى ثلاث منها صناعية وهي الهندسة الكهربائية والهندسة الميكانيكية والهندسة الكيميائية[6] وواحدة في مجال التدبير وهي هندسة الاقتصاد والتدبير المحاسباتي. وبهذه الطريقة تم تأجيل التخصص الدقيق إلى ما بعد البكالوريا في مؤسسات التعليم العالي أو مؤسسات تكوين الأطر أو في التكوينات المتخصصة داخل الثانويات (الأقسام التحضيرية للمدارس العليا وأقسام تحضير شهادة التقني العالي).
     وقد تم بناء برامج مختلف المواد الدراسية بشعب قطب التكنولوجيات بانسجام تام مع ما جاء في الوثيقة الإطار من اختيارات وتوجهات تربوية في مجالات التربية على القيم وتنمية الكفايات والتربية على الاختيار، وكذلك في مجال التنظيم المادي للدراسة. كما تم التركيز، عند إعداد مختلف المجزوءات، على دعم توظيف واستثمار الأداة المعلوماتية في كل مواد التخصص لمسايرة التقدم التكنولوجي[7]. كما يشير الكتاب الأبيض إلى أن تتأسسا شعبتي الهندسة الميكانيكية والهندسة الكهربائية، باعتبارهما فرعان من فروع قطب التكنولوجيات على تعليم علمي وتكنولوجي يؤهل المتعلمين لمتابعة الدراسة العليا في المؤسسات المختصة ذات السلك القصير أو الطويل المدى.
يركز الكتاب الأبيض على أن التكوين بشعبة الهندسة الكهربائية يتأسس على تنوع المواد الدراسية التي لها علاقة بمجال الكهرباء بالنظر للتفريع الواسع الذي تعرفه التخصصات المتاحة على مستوى التعليم العالي. كما يجب اعتماد التناسق والتكامل بين المواد الدراسية المميزة كالكهرباء والإلكترونيك والآليات والإعلاميات الدقيقة والإعلاميات الصناعية. ويركز على أن التكوين بشعبة الهندسة الميكانيكية يجب أن تتصف ببرامج المواد المميزة باعتماد منهجية توظف الأداة المعلوماتية وتهدف إلى تدعيم إدراك المجرد من خلال التجريب الفعلي أو المحاكاة بالأداة المعلوماتية.
وينص الكتاب الأبيض على أن شعبتي الهندسة الكهربائية والهندسة الميكانيكية شعبتي المستقبل إذا ما اعتبرنا، من جهة القدرات التكنولوجية التي تنميها لدى المتعلم، ومن جهة أخرى القدرات المشتركة مع باقي الشعب المكونة للسلك التأهيلي.
كما يشدد الكتاب الأبيض على أن التوجيه نحو إحدى الشعبتين في نهاية الجذع المشترك يعتمد بالتأكيد على ميولات المتعلم، ولكن كذلك وبالأساس على قدرته على متابعة الدراسة العليا بيسر. لذا، يجب أن يتوفر في كل متعلم عبر عن رغبته في التوجيه نحو إحدى الشعبتين قدر معين من الكفايات الأساسية في الرياضيات والعلوم الفيزيائية واللغات وقابلية تطويرها في المستوى الموالي وما بعده.

2-2- واقع التعليم التكنولوجي من خلال تقرير المجلس الأعلى للتعليم 2008:

   يشير التقرير في جزئه الثاني أن الثانوي التأهيلي يستقبل نصف عدد المتمدرسين في التخصصات العلمية والتقنية عوض الثلثين كما دعا إلى ذلك الميثاق الوطني للتربية والتكوين، بحيث لا يشكل عدد التلاميذ في التخصصات التقنية سوى %5 من مجموع تلاميذ التعليم الثانوي التأهيلي، في حين يحتاج الاقتصاد الوطني إلى أطر مؤهلة حاصلة على تكوين تكنولوجي في تخصصات مختلفة من أجل رفع التحديات التي تفرضها سياقات العولمة[8]
    وفي نفس السياق، يبرز التقرير في الجزء الثالث أن تطور حصة الشعب التقنية، لم يتحسن، وظل شبه مستقر منذ بداية عشرية الإصلاح، وعلى هذا الأساس يدعو التقرير إلى ضرورة تضافر الجهود من أجل التوجيه نحو الشعب التكنولوجية والعلمية، سعيا نحو بلوغ أهداف الميثاق، وتلبية حاجات سوق الشغل من هذه الكفاءات[9].

2-3- معطيات إحصائية حول وضعية التعليم التكنولوجي:

    يعرف سلك الثانوي التأهيلي نسبا طفيفة في عدد التلاميذ المسجلين بشعب التكنولوجيا، بحيث لا تتجاوز نسبة 5% في الفترة الذي يراهن فيها الميثاق الوطني للتربية والتكوين على بلوغ عدد التلاميذ في المسالك العلمية والتقنية ثلثي تلاميذ السلك الثانوي التأهيلي، وكذا تجاوز نسبة %15 من تلاميذ مسالك التكنولوجيا[10].

    وعندما نلقي نظرة فاحصة فإننا نجد أن عدد التلاميذ المسجلين بسلك الجذع المشترك التكنولوجي أكثر بكثير من عدد التلاميذ المسجلين بسلك البكالوريا مسلكي العلوم والتكنولوجيات الكهربائية والميكانيكية، حيث نجد أن 6010 تلميذة وتلميذ مسجلين بالجذع المشترك برسم سنة 2011-2012 والذين من المفروض أن يكونوا بالسنة الأولى بكالوريا برسم السنة الموالية (2012-2013)،وحسب الإحصائيات فإننا نجد فقط 1023 منهم من اختاروا مسلك العلوم والتكنولوجيات، (730 بمسلك العلوم والتكنولوجيات الميكانيكية و 250 بمسلك العلوم والتكنولوجيات الكهربائية) بما فيها المكررون والقادمون من الجذع المشترك العلمي، ونفس الشيء، 5930 تلميذة وتلميذ كانت مسجلة بالجذع المشترك التكنولوجي سنة 2010- 2011، نجد منها 1047 بمسلكي العلوم والتكنولوجيات، (289 بالعلوم والتكنولوجيات الميكانيكية و 758 بالعلوم والتكنولوجيات الكهربائية) سنة 2012- 2013، بما فيها المكررون بسلك البكالوريا، إي أن حظ هذين المسلكين لم يتجاوز %17 من جذعما المشترك. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أغلب التلاميذ الموجهين نحو جذع التكنولوجيا يغيرون التخصص ومنهم من يختار مسلك الاقتصاد والتدبير ومنهم من يكرر السنة أو يغادر الدراسة. الشيء الذي يطرح السؤال ما الأسباب؟ ما الذي يميز مسلكا العلوم والتكنولوجيات؟ ومن الأرجح أن يكمن أحد الأسباب في مادة علوم المنهدس، لأنها المادة الوحيدة التي تميز مسالك العلوم والتكنولوجيات عن المسالك العلمية الأخرى


[1] وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي "المناظرة الوطنية حول التعليم التقني" 2004 الرباط
 MEN «Développement de l’enseignement secondaire technique» Projet du plan d’action 2005-2009, Rabat 2004 [2]
 وزارة التربية الوطنية – قسم الاتصال- "الإخبارية" (نشرة تواصلية إلكترونية أسبوعية) عدد 30 بتاريخ 30 مارس 2011. ص 3 [3]
 المملكة المغربية، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين "الميثاق الوطني للتربية والتكوين" 1999. المادة 30- ب[4]
  المرجع نفسه. المادة 73[5]
 تم حذف شعبة الهندسة الكيميائية من سلك الثانوي التأهيلي بناء على المذكرة 43 (22 مارس 2006) في شأن تنظيم الدراسة بسلك الثانوي[6]
 وزارة التربية الوطنية "الكتاب الأبيض" الجزء الأول الاختيارات والتوجيهات العامة المعتمدة في مراجعة المناهج التربوية، يونيو 2002 [7]
 المملكة المغربية، المجلس الأعلى للتعليم، تقرير عن حالة منظومة التربية والتكوين وآفاقها "الجزء الثاني: التقرير التحليلي" 2008. ص 48.[8]
[9] المملكة المغربية، المجلس الأعلى للتعليم، تقرير عن حالة منظومة التربية والتكوين وآفاقها "الجزء الثالث: أطلس المنظومة الوطنية للتربية والتكوين" 2008. ص 60
[10] أنظر "موجز إحصائيات التربية 2012-2013" وزارة التربية الوطنية، مديرية الإستراتيجية والإحصاء والتخطيط، قسم الدراسات والإحصاء.
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage