3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

سياسة النية

الخط
















الحسن اللحية

سنبحث في هذه المقالة في أصول السياسة عندنا، وبالتحديد سينصب بحثنا على ذلك المدى الذي يجعلها معلقة بين السماء والأرض ، مرتبطة بالنفس والروح والدواخل، وما في الطيات، أي بالنية.
ترتد النية إلى الحقل الديني الخالص، وإلى كل ما هو لاهوتي بشكل عام؛ فهي ليست من فلسفات القصديات الألمانية المعاصرة التي تقوم على الحدس المركب وحل المشكلة، ولا علاقة لها بسيكولوجيا القصد والأهداف التي اجتاحت العالم المعاصر بعد الحرب. إن النية ركن جوهري وأولي في الواجبات الدينية و المفروضات. لكن كيف تم أن غزت أو اكتسحت السياسة رغم أنها (أي السياسة) ارتبطت لدى فلاسفتنا الكبار كالفارابي، مثلا ، صاحب كتاب المدينة الفاضلة أو غيره بالتدبير: تدبير أمور الدنيا، مشاكل الناس المتغيرة والمتحولة؟
إن تاريخ السياسة ذاته عندنا يسمح بوجود علاقة ما بين التدبير (السياسة) والنية من زوايا متعددة: من زاوية الحاكم: الأمام، ومن زاوية المحكوم: الرعية، ومن زاوية المدينة:الدولة، والغاية من العمران والاجتماع، بل ومن الخلق عامة.
إن المدينة في منظور هذه الثقافة التي ترتكز على النية لا تدين بشيء للأجساد الفانية أكثر من الروح. وقد اتخذت الروح مفاهيم و معاني مختلفة كالنفس والجوهر والكنه والداخل والجواني.... وللنفس بدورها مراتب كثيرة  بحسب أنواعها؛ ومعنى هذا الكلام أن تدبير المدن عندنا هو تدبير النيات أو الأرواح مادامت النية هي الأصل في الفعل أي العمل في ثقافتنا.
لقد كشف أبو بكر محمد زكريا الرازي عن وجوه هذه السياسة في رسائله الفلسفية تحت اسم الطب الروحاني الذي هو الصناعة أو الفن الذي يشمل حياة الفرد: النفس، الروح، وكل ماله علاقة بتجنب الهوى، وسياسة المدينة: المدينة الإلهية، الفاضلة، الخالية من الأرضي الساقط الزائل والفاني، وهو الشرط الذي يحرص عليه  الإمام أوالحاكم بأمر الله قبل غيره, الحاكم من حيث هو ظل الله على الأرض، حارس الإيمان الذي لا علم له إلا بعلم واحد هو العلم الإلهي.
إن المدينة الإلهية بهذا المعنى هي مدينة روحانية ، مدينة النيات الحسنة، مدينة النفس الطاهرة الزكية النقية:أي مدينة الروح وقد اتخذت مدلولا ينتمي للعصور الوسطى عند الغرب كمدينة الله عند القديس أوغسطنوس، في مقابل مدينة الشيطان: مدينة الأرض، مدينة الدنيا الفانية الزائلة أي مدينة الجسد بأهوائه ومطالبه.
إن حكومة مدينة الله، مدينة النفوس الخيرة والأرواح الطاهرة، والنيات الحسنة، تابعة كليا للسلطة الروحية التي يقررها الحاكم-الظل الإلهي ،حارس الإيمان ومراقب الأرواح والأنفس. فالفن الوحيد الذي ينبغي للحاكم-الظل الإلهي أن يتقنه، فن الفنون، أي التدبير، هو حكومة النفوس regimen animarium، وذلك ما يفسر طغيان الأخلاق الصارمة في مثل هذه المدن أو طغيان التقية والفصام والفصل القائم بين الذاتي والموضوعي...
تقتضي إذن الإدارة الروحية المماثلة الصعبة بين حكم النفوس وفن الطب، علما أن مفهوم الطبيب كان سائدا لدى الفلاسفة ومفكري السياسة:الحاكم كطبيب جراح أو كمعالج للأمراض، وهو عنوان كتاب الرازي المشار إليه بالطب الروحاني وغيره من مفكري السياسة ومنظريها. ففن قيادة النفوس، الأرواح، النيات ،لا علاقة له بالعضوية Organisme لأن الجسد فان أو نسخة مشوهة للمثال، وإنما له علاقة بشيء آخر كتوجيه النفوس وقيادتها والتحكم في النيات وما يجول في الخواطر. وربما لهذه الأسباب اصطلح على الحاكم في الثقافات الدينية بشكل عام الراعي الذي يراقب رعاياه عن قرب ويضعهم خارج الوضعية التي تؤرقه.
إن سياسة النية لا تقوم عن بعد: بعد الحاكم عن المحكوم، بوسائط كتعدد السلط والمجالس التشريعية والأجهزة ، وإنما يكون الراعي منتبها إلى كل فرد فرد على حدة. عليه أن يعرف كل شيء عنه إما بالاعتراف: تأنيب الضميرCasuistique أو التوبة النصوح وإعلان الإيمان والولاء والإخلاص والتفاني في الطاعة. كما لا يسمح للأحزاب بالظهور، فهي شيع تهدد وحدة المثال و وحدة الإمام، شأنها شأن العقل الذي لا يكون إلا مساعدا و عونا على ترجيح الأمور المعتبرة وإيقافها على إيقافه.
لماذا همش الجسد في الثقافات اللاهوتية أو في سياسات النية؟
لم يكن فعل الترجمة في التراث العربي الإسلامي، كما بين ذلك كثير من الباحثين المعاصرين، نابعا عن هزات معرفية كبرى، إنما كانت الحاجة إلى ترجمة كتب الطب لحاجة السلطان إلى ذلك. وعن طريقه اكتشفت الفلسفة اليونانية، بل اكتشف المفكرون المسلمون الجسد والطبيعة وما بعد الطبيعة. ورغم هذا الفتح العظيم لم يولد الجسد في ثقافتنا الإسلامية العربية رغم وجود تاريخ للطب يشهد على وجود أطباء كبار ابن سينا أو ابن رشد صاحب كتاب الكليات في الطب...
فالاعتراف بالجسد هو اعتراف بجسد الحياة اليومية، اعتراف بحواسه وأهوائه ورغباته، هو اكتشاف الإنسان لنفسه وفي نفسه كجسد، اكتشاف لأناه ego.لأن علامة الفرد هي الجسد.
فالطب القديم مع ابن سينا وغيره لا يعترف بالمريض، فقط يعير الاهتمام للمرض والجسد، يستعبد الأهواء واللاشعور واللاوعي وتاريخ المريض الشخصي، أي أن هذا الطب فصل الإنسان عن الجسد.
لقد ماثل الفلاسفة بين الجسد والبدن، فالدماغ يحتل موقع الحاكم وباقي الأعضاء الأخرى تتماثل فيما بينها سواء كانت نفوسا أو طبقات، وهي مقارنة أو مماثلة تحيلنا على تصور جامد يختزل الإنسان في الروح.
لا بد وأن نتذكر ذلك الصراع المرير الذي جعل الناس يصلون أخيرا لاكتشاف أجسادهم، أي يدخلون عصر الحداثة. ودون شك قد تكون للأمراض والأوبئة والمجاعات والتقنيات الحديثة لزرع الأعضاء وبترها، ومستحضرات التجميل، والتحليل النفسي أدوارا كبيرة في ذلك، هذا إن لم نغفل الرياضات والموضة والطب المعاصر الذي غزى البيوت عن طريق وسائل الإعلام، والاستشارات الطبية التي بدأت تتوسع يوما عن يوم، علاوة على النزعات الإيكولوجية المعاصرة.
إن الاعتراف بأهواء الجسد ما فتئ يفرض تحولات على التدابير السياسية: التغذية، الصحة، حقوق الإنسان الطبيعية...إلخ، هكذا ولجت السياسة عوالم أرضية كانت مهمشة فيما سبق بفضل عودة الجسد.
لقد أصبح عصرنا يقوم بقدرته على تلبية مطالب الأجساد. فمفاهيم كالوفرة والثروة والأمن الغذائي والسكن اللائق والتطبيب علامات دالة على التقدم والتأخر. ولكن ينبغي ألا نغفل مجمل العلوم والمعارف التي تدور حول هذه المطالب الجسديةـ الأرضية كعلم الإحصاء الذي كان يقارب نسب الحاجيات وتناسبها مع المعطيات المتوفرة، وعلم الاقتصاد الذي انطلق من الحاجة فالثروة وتراكمها، ثم علوم الزراعة لتحقيق الأمن الغذائي...، وباختصار فإن مجمل هذه العلوم لم تبق برانية على مجال التدبير: السياسة، وعن طريقها قطعت السياسة مع النية الحسنة أو السيئة. فالدواخل أضحت موضوع علوم النفس، وهكذا غادرت المدينة المعاصرة مدينة الله الأوغسطينية.
قد نرد هذه الإرادة في انتزاع القدرة على الفعل إلى ديكارت، فنقول بأن ظهور العقلانية تزامنت إلى حد كبير مع ظهور النزعة الإنسانية التي دشنها ديكارت، أي إرادة التحكم في الطبيعة بما يتيحه العقل من إمكانات حتى وإن كانت خاطئة. والإرادة هنا محمولة على الإطلاق كالتحكم في الأمراض والمجاعات ومصادر الثروة والرفاهية.... من أجل الإنسان، أو بتعبير أدق من أجل مطالب الجسد الإنساني.
 يجد هذا المدى العقلاني اليوم تفسيره فيما أصبح يعرف بعلوم التدبير وهندساته، والمخططات والتخطيط والخطط. تحيلنا هذه المفاهيم على تصورات وسيناريوهات متعددة لنفس الشيء اتخذت في مجالات ذات أصول عسكرية: الاستراتيجيات البعيدة المدى أو المتوسطة أو القصيرة، التي تتغير وفق المعطيات الظرفية (تقلبات الجوية، عواصف، أوبئة...)، لكن القدرة على اتخاذ الإجراء وتدبيره حاضرة دوما، ومعللة دوما انطلاقا من الطارئ والمفاجئ إلى الدائم والمستمر.
إن السياسة هنا هي القدرة على تدبير الوضعيات المختلفة والمفاجئة. والنجاح فيها يقاس بالقدرة على تجاوزها، وفي حالة العكس فإن متطلبات الأجساد المتزايدة ستطرح مشاكل وأزمات.
 غالبا ما يردد الناس مفاهيم كالنجاعة والمواءمة والملاءمة والتكيف والمهارة...إلخ، لكنهم لا يدركون أن هذه التكنولوجيا السياسية ترتد إلى البرامج والسيناريوهات المتداخلة المندمجة التي توفرها السياسة الحكومية لأن الحكومة،أية حكومة، لا تسعى للهيمنة المطلقة، في الدولة الحديثة، وإنما تسعى إلى بلوغ غايات خارجة عنها، هي مطالب مجتمعاتها دون ميز بين الفئات والأفراد.
وسياساتنا؟
إننا حديثو العهد بالإدارة التي هي قوام الدولة الحديثة، ولعل الظروف التي عرفنا فيها الدولة تجيب عن كثير من إرادات التحديث الفاشلة. فالاستعمار الذي هو في الأساس اختراق قوى للقيم والمعيش والمخيال والعلاقات جعلنا بين عوالم متعددة، بين ثقافات متناقضة كتناقض ثقافة النية مع ثقافة الجسد.
لم نبلغ إلى ذلك المستوى الذي نظر له عبد الله العروي الذي رأى في التقنوقراطية الإدارة الفعالة في التحديث والعقلنة، بل ما نجم عن ذلك هو تحول التقنوقراطية إلى بيروقراطية تتجدد وفق الظروف والمراحل، وظلت سياسة التدبير في منآى عن التخطيط والبرمجة والعقلنة منشطرة بين السماء والأرض، بين الغيب والماثل، بين النيات الحسنة والبرامج.
لقد كنا إلىعهد قريب  نتلقى آلاف الرسائل عن طريق الوزراء والصحفيين والصحافة والإعلام السمعي البصري، تختزل سياستنا في القول "بأمطار النماء والخير وتوفير مناصب الشغل"، وكثيرا ما يعلل العجز في الميزانية بظروف مناخية صرفة...بدعوى أننا بلد فلاحي ولم ينعم علينا الله بقطرات المطر "التي تساوي كل قطرة يوم عمل" كما سبق وأن قال أحد الوزراء ، بل وأكثر من ذلك أن رصد مكامن القصور في التدبير أشير إليه من قبل مؤسسات أجنبية كثيرة، ووضعت وصفات لذلك. ولكن ما الذي يجعل السياسة تركن دوما للنية، للداخل، الذي لا تقاس بإدارة الفعل والتحكم في الطوارئ والجغرافيات والرغبات والمطالب:الفعل العياني القابل للملاحظة والقياس كما يقول السلوكيون وأهل تقويم المخططات اليوم...؟
لكي تنتعش السياسة لابد من العودة إلى المؤسسات: الحكومة، البرلمان، الأحزاب، الجمعيات...عليها أن تغادر الأمكنة الضيقة كالكواليس والقلوب والنيات والدواخل المظلمة التي لا يعلمها إلا الله. عليها أن تصير فعالية بشرية لا علاقة لهابالسماء . عليها أن تقبل الخطأ وتتقبله، وأن تقبل المحاسبة عن ذلك الخطأ!






نموذج الاتصال
NomE-mailMessage