3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

في التعاقد البيداغوجي المأمول

الخط











 محمد الشيكر



المعارف والمناهج والبرامج التي تقدمها المدرسة المغربية تحتاج منا وقفة نظر ومراجعة وتحتاج قراءة نقدية في محتوياتها وفي سلم القيم والإحداثيات المرجعية والاجتماعية التي تسندها . فهل استطعنا ان ننشئ خطابا سوسيولوجيا مساوقا لبرامجنا التعليمية ولاختياراتنا البيداغوجية ؟ لقد تبلورت سوسيولوجيا الكيركيلوم ( المنهاج التربوي ) مع إطلالة سبعينات القرن الماضي . ويتحدد موضوعها في دراسة الطرق التي يتوسلها المجتمع لانتقاء المعرفة ونخلها ونقلها وتوزيعها وتقويمها في إطار المنظومات والمؤسسات التعليمية . وتتمثل أهمية سوسيولوجيا الكيريكيلوم كما يقول " تانغي tanguy " في مسائلة ما يقع داخل هذه " العلبة السوداء " التي ندعوها المدرسة , والحرص على عدم ترك البحث في مضامين التعليم للبيداغوجيين الذين يكونون معياريين بطبيعتهم أو ميالين إلى الأحكام المعيارية . فما من شك أن المعارف المدرسية أو المضامين المعرفية التي جرى تحويلها إلى مضامين ومقررات مدرسية ليست معارف نظرية مجردة ، محايدة أو مفصولة عن تدافعات المجتمع وحركيته بل هي بالتأكيد معارف تندمغ في صلب العلاقات الاجتماعية وفي صميم مؤدياتها أو على الأقل يراد لها أن تكون وساطة لاستدماج تلك العلاقات الاجتماعية وتأبيدها وإعادة إنتاجها.
فكيف يمكن تأسيس خطاب سوسيولوجي عن منهاجنا التربوي ؟وهل تستقيم قراءة برامجنا ومناهجنا ومقرراتنا التعليمية من منظور سوسيولوجي بحت وليس فحسب ضوء ما راكمناه من منجز تربوي ؟ ومع تحرير الكتب المدرسية هل استطاعت مقرارتنا التربوية أن تتحرر من وظائفها الإيديولوجية التقليدية ؟هل ساهمت المؤلفات المدرسية المتنوعة و المتعددة في تعدد المرجعيات القيمية وخلخلة التراتبيات الإجتماعية المكرسة؟ وهل يمكن أن نأمل من وراء تنويع الكتب المدرسية و تحريرها تحرير الممارسة التعليمية من سلطة الواحد و القار و المكرس؟
بالطبع ،ليس من المتيسر الجواب عن هذه الأسئلة إلا في سياق ما يسمى بسوسيولوجيا الكيريكيلوم،ولا يمكننا أن نعرف مايجرى داخل هذه العلبة السوداء التي ندعوها المدرسة إلا إذا تخففنا من فتنة البيداغوجي وأساره النظري المجرد و تسلحنا أكثر بالنقد السوسيولوجي لعلاقات التعلم ولسيرورلته .إن التوجيهات الرسمية لا "توجه" البرامج و لاتشكل صوى ومعالم استدلال للمقررات ولا "تحرر" الكتب المدرسية،بل تعمل على رسم الخطوط الحمراء وإلجام قوى الخلق و التميز و المغايرة . فالمطلوب اليوم ،في ظل المخاضات السياسية و الديناميات الاجتماعية التي تشهدها المنطقة العربية من البحر إلى البحر،ليس هو فك الارتباط مع هذه البيداغوجيا لدخول بيداغويا أخرى أو الزواج بها زواج متعة وتسيار.كما أن المأمول ليس هو القبض على البديل البيداغوجي السحري ،بل المطلوب و المأمول،معا، هو تحيين "مواثيقنا " ،و العمل على بناء تعاقدات تربوية حقيقية تمثل نبض الجسم الاجتماعي المغربي وتعبر عن انتظارات أطيافه وقواه وتكويناته البنيوية الحية، التعليم ، اليوم هو العضو المريض و المعلول في جسمنا الاجتماعي، وهو العضو الذي تتداعى لعلته وانعطابه سائر الأعضاء الأخرى بالسهر و الحمى، ولئن كانت هناك تنمية نرمي إلى معانقاتها ،فينبغي أن يكون مدخلها و مناطها هو إصلاح قطاع التعليم ،وإخضاعه لعمليات علاج سريري بنيوية،معممة وشاملة تخرجه من مخاطر السكتة التي يمكن أن تباغته في أية لحضة وعلى نحو درامي .ولا نكاد نهول الأمور لو قلنا إن لم يكن قد دخلها فعلا. إن ثورات الربيع العربي لن تكون لها تداعيات على صعيد توزيع السلطة و دسترتها فحسب ،بل ستفضي أيضا إلى إعادة النظر في الهابيتيس الاجتماعي و في مرجعياته ونماذجه المعيارية وتراتبياته، وسيكون من بين استحقاقات المرحلة ،بمخاضاتها وتناقضاتها هو تدشين تعاقدات ومواثيق جديدة ،و التعاقد التربوي على رأس هذه التعاقدات التي ينبغي أن نضطلع بها .

تعليمنا .. وسرير بروكست
بقلم محمد الشيكر
هل يمكن أن نرجع الأزمة الجذرية التي تتعاور نظامنا التعليمي إلى أزمة في منظومة التقويم أم إلى اختلال في معاييره وإبدالاته؟ لربما صح أن نجيب على هذا السؤال، ومن مناح مختلفة، جواب إيجاب لا سلب. فالتقويم هو الوجه الضابط للتعليم ومقاصده وخططه وسياساته. ولئن كان التعليم، بوجه عام، هو تحصيل للمعارف واستبطان للقيم وبناء للكفايات وتشذيب للمهارات، فإن التقويم هو قياس لسيرورات التحصيل والتكوين، سواء تعلق الأمر بالتكوين الأساسي أو بسائر أنحاء التكونيات المستمرة. ولبيان هذه العلاقة الجدلية البسيطة بين مطلبي التعليم والتقويم يمكن أن نستوحي تصور كانط للعلاقة التفاعلية بين مقولات الفهم ومعطيات الحساسية فنقول: مثلما أن المقولات العقلية بدون تقويم دقيق شحن آلي للطبقة المتعلمة بقيم وقدرات ومعارف صماء، وأن التقويم بدون تعليم فعال هو سلسلة من الروائز الجوفاء. لذلك يستقيم القول بأن جزءا غير يسير من معاطب واختلالات منظومتنا التعلمية يرتد بصورة عامة إلى تشوش واعتلال في أنساقنا التقويمية، أو على الأقل إلى قصور في نظرتنا للتقويم ولوظائفه وإبدالاته. وبالطبع لا نريد أن نحصر الحديث، هنا، في رؤية دوسيمولوجية محدودة تختزل المسألة التقويمية في مشكلة التنقيط أو في تقنياته وخلفياته التقييمية. بل نريد لحديثنا عن التقويم أن يتعدى حدود الدوسيمولوجيا إلى ما هو بيداغوجي بالمعنى الاستراتيجي لمفهوم البيداغوجي. وإذا كنا نشيح النظر عن ما هو تقني في دوسيمولوجيا الروائز فذلك في أفق التنبيه إلى الأبعاد الشمولية المركبة لمشكلة التقويم والتي تمس سياقات التعليم وبنياته وسيروراته ورهاناته. لا ينبغي أن نلقي بتبعات التقويم ومشكلاته على المدرس وحده ولا أن نؤثمه بوصفه الحلقة الأضعف والأكثر عرضة لآليات المحاسبة. ثمة أنواع مختلف من التقويم يجريها المدرس أو ينتظر منه إجراءها كالتقويمات التكوينية والإجمالية والتكوينية الأساسية والتفاعلية وما إليها من آليات قياس استبطان المهارات واستدماج المعارف والكفايات لدى المتعلمين. وبها المعنى يمثل التقويم سيرورة مندمجة وتفاعلية يبدي من خلالها المدرس حكما معياريا بصدد جودة ومردودية التعلم اعتمادا على ضوابط وأدوات تقويمية، تتمتع بالقدر المأمول من السداد والوجاهة والإجرائية. لكن المدرس ليس وحده المعني بالتقويم وبمشاكله ومزالقه. فأطراف التعاقد المدرسي متعددة، وقوى إنتاج المنهاج التعليمي كثيرة ومسؤولياتها تختلف باختلاف مواقعها في سلم القرار. يطالب المدرس باعتماد رؤية تقويمية فعالة وإجرائية، وبالتوسل بشبكة من الروائز القابلة للاختبار، لضبط مهمته وتجنيبها كل ارتجالية وإقالتها من كل عثرة أو اختلال. ولكن في المقابل، لا يوطن المسؤولون على سياسات التعليم في بلادنا، ومهندسو المناهج والبرامج التعليمية أنفسهم على تقويم خططهم وسياساتهم التربوية. بل يعتبرون أن مخططاتهم البطيئة والاستعجالية هي فوق التقويم، بدعوى أن قيمتها في ذاتها وسر فعاليتها في موقع مهندسيه. لهذا تجدنا نترحل بين البرامج والمخططات التربوية بدون وقفات تقويمية، لتصحيح مسارات التعليم وضبط مآلاته. ومتى هل هلال وزير جديد بمرجعية سياسية أو "مزاج أيديولوجي جديدين إلا وألقى بالسياسة التعليمية لزميله السابق في خبر كان، بل ولربما سفهها وجرمها وحملها من التبعات والآثام ما تحتمل وما لا تحتمل، كما لو أن قدر التعليم في هذا البلد السعيد، هو أن يمدد دوما وتباعا على سرير بروكست، وتمارس عليه نزوات الأشخاص وحساباتهم ومآربهم الشخصية. هل نقوم تجاربنا التعليمية ومنهاجنا التربوي واختياراتنا الاستراتيجية؟ هل نقيس وجاهتها في سلم الجدوى والفعالية؟ هل نومئ بأصابعنا إلى المعطب أو المعاطب الحقيقية في جسمنا التعليمي المهترئ والمتهالك؟ هل نسمي الأشياء بمسمياتها الموضوعية؟ وهل نجرؤ في هذا السياق الإنساني المعولم على ممارسة النقد الذاتي وعلى جعل التقويم الوجه المقوم للتعليم؟



نموذج الاتصال
NomE-mailMessage