3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

التربية و المجتمع عن جون ديوي 1/2

الخط

























مركز التوجيه و التخطيط التربوي
2016





التربية و المجتمع عن جون ديوي
1/2




ذ. رشيد شلوح
ذ. امحمد بعزيز

بإشراف الأستاذ الحسن اللحية


الكتاب موضوع الدرس:
المدرسة و المجتمع
§       تاليف  : جون ديوي
§       ترجمة : الدكتور حسن الرحيم
§       مراجعة: الدكتور محمد ناصر
§       تصدير : الدكتور محمد حسين ال ياسين
§       الناشر  :   دار مكتبة الحياة للطباعة و النشر  – بيروت – لبنان
§       الطبعة : الثانية في سنة  1998






جون ديوي من الرواد البارزين في مدرسة الفكر الأمريكية المعروفة بالبراغماتية، و هي رأي يرفض الازدواج بين الابستملوجيا “نظرية المعرفة” والميتافيزيقا في الفلسفة الحديثة، بل يعتبر أن الفلسفة يجب أن تسير في صالح النهج الطبيعي والنظر إليها “كمعرفة ناجمة عن التكيّف النشط للكائن البشري مع بيئته”
ولد جون ديوي في 20 أكتوبر 1859 وهو الثالث بين أربعة أبناء السيد أرشيبالد سبراغ ديوي والسيدة لوسينا ارتميسيا ريتش من برلنغتون، من فيرمونت. الأخ البكر لجون توفي في المهد اما الاخوة الباقي فقد بقوا على قيد الحياة وتعلموا في المدارس العامة  ومن ثم جامعة فيرمونت في برلنغتون بينهم جون. عندما كان في جامعة فيرمونت تعرّف ديوي على نظرية داروين للنشوء والارتقاء من خلال دروس بيركنز في علم وظائف الأعضاء النباتية، ومن خلال التطوري الشهير هكسلي ونصوصه.
كان لنظرية النشوء والارتقاء تأثير كبير على فكر وحياة ديوي، فقد أشار إلى عقم النماذج الثابتة في الطبيعة  وأهمية التركيز على التفاعل بين الكائن البشري وبيئته عند النظر في مسائل علم النفس ونظرية المعرفة.
إقتصر التعليم الرسمي في جامعة فيرمونت بجزئه الاكبر على المدرسة الواقعية الاسكتلندية وهي المدرسة الفكرية التي سرعان ما رفضها ديوي ولكن ظل على اتصال وثيق قبل وبعد تخرجه مع أستاذه في الفلسفة هاب توري وهو الباحث في علم المصالح والتعاطف وفلسفته ذات الانتشار الواسع، والذي قال عنه ديوي بأن افكار توري كان لها دور حاسم لتطور رؤاه الفلسفية.
بعد تخرجه عام 1879 درّس ديوي في المدارس الثانوية لمدة سنتين، والتي توقف فيها عن فكرة متابعة مهنة الفلسفة. لكن طموحه بدأ مع ارساله مقال فلسفي للفيلسوف هاريس رئيس تحرير مجلة المضاربات الفلسفية وهي مجلة في سانت لويس للفلاسفة الهيغليين-أي المتأثرين بفكر هيغل الفيلسوف الألماني.
أعطى قبول هاريس لمقال ديوي التاكيد بان ديوي سيكون فيلسوفا، وقد شجعه ذلك على السفر إلى بالتيمور للالتحاق كطالب دراسات عليا في جامعة جونز هوبكنز.
في جامعة جونز هوبكنز تلقى ديوي توجيها من اثنين من المثقفين، قويين وجذابين سيكون لهم تأثير دائم عليه هما: جورج سيلفستر موريس، الفيلسوف المتأثر بهيغل. ومن خلاله تعرض ديوي للنموذج العضوي من خصائص الفكر المثالي الالماني. اما الثاني فهو ستانلي هول وهو واحد من ابرز علماء النفس التجريبي في امريكا في ذلك الوقت. هذا الرجل جعل من ديوي يقدّر القوة المنهجية العلمية التي طبقها ستانلي على العلوم الإنسانية. فكان لإلتقاء وجهات النظر المختلفة في مكان واحد والتي تعرض لها ديوي جعله يبلور المغزى العام لافكاره طوال مسيرته الفلسفية.
بعد حصوله على الدكتوراه عام 1884 ذهب ديوي للتدريس في جامعة ميشيغان والذي كان من المقرر أن يظل فيه بعقد لمدة عشر سنوات باستثناء سنة واحدة قضاها في جامعة مينيسوتا في عام 1888. كتب ديوي كتابيه الأولين في ميشيغان: علم النفس عام 1887، وكتاب لايبنت، مقالات جديدة بخصوص الفهم البشري 1888.
وقد ظهر واضحاً التاثير المزدوج لتأثر ديوي المبكر للمثالية الالمانية الهيغلية من جهة، ومحاولته التوليف بين هذه المثالية والعلم التجريبي. في ميتشيغان ايضاً، إلتقى ديوي بأحد زملاءه الفيلسوف جيمس هايدن تافتس والذي شاركه لاحقاً بتاليف كتاب الاخلاق عام 1908.
في عام 1894 ذهب ديوي برفقة تافتس الى جامعة تأسست مؤخراً في شيكاغو، وخلال تلك السنوات التي قضاها في شيكاغو بدأت تنزاح عنه تلك المثالية التي إتخذها بوقت مبكر من حياته لتفسح الطريق أمام نظرية تجريبية في المعرفة وبدأ بالانسجام مع المدرسة الأمريكية في الفلسفة وبدأ بتطويرها والتي تسمى بالبراغماتية.
هذا التغيّر بالرأي إتضح من خلال سلسلة من أربع مقالات بعنوان واحد هو "الفكر الموضوعي" والتي نُشرت الى جانب عدد من المقالات لزملاء ديوي وطلابه في شيكاغو تحت عنوان"دراسات في النظرية المنطقية" وذلك عام 1903.
كما قام ديوي بتأسيس وإدارة مدرسة عُرفت بالمدرسة المختبرية في شيكاغو، حيث منحته هذه المدرسة فرصة مباشرة لتطبيق أفكاره التربوية. هذه التجربة في إدارة المدرسة قدمت له الفرصة لوضع أول عمل رئيسي لديه في موضوع التعليم باسم "المدرسة والمجتمع" عام 1899.
لكن الخلافات مع إدارة المدرسة المختبرية ادت الى استقالة ديوي من منصبه في عام 1904.
بعد استقالته سارع بالانضمام إلى جامعة كولومبيا بعد أن صارت له سمعة كبيرة في الفلسفة. وقد قضى بقية حياته المهنية في جامعة كولومبيا، وفي نيويورك، تقع جامعته في وسط الجامعات الشمالية الشرقية التي تضم العديد من ألمع العقول في الفلسفة الامريكية. إستمر ديوي باتصالات وثيقة مع العديد من الفلاسفة والعمل معهم على إثراء نقاط الاختلاف بينهم وخلق جو محفَّز فكرياً وهذا أدى الى إثراء وتعزيز أفكاره الخاصة.
خلال العقد الأول له في كولومبيا كتب ديوي عدداً كبيراً من المقالات في نظرية المعرفة والميتافيزيقيا، و تم جمع الكثير من تلك المقالات في كتابين مهمين: الاول هو كتاب تأثير دارون على الفلسفة ومقالات اخرى في الفكر المعاصر الصادر عام 1910 والاخر هو مقالات في المنطق التجريبي الصادر عام 1916.
واصل ديوي خلال هذه السنوات إهتمامه بالنظرية التربوية، وتلقى أعماله التربوية إهتماماً من كلية المعلمين في جامعة كولومبيا. وأدى ذلك الى نشر كتابه "كيف نفكر" الصادر عام 1910 والطبعة المنقحة عام 1933، وهو تطبيق لنظريته في المعرفة والتعليم، والكتاب الاخر "الديمقراطية والتربية والتعليم" الصادر عام 1916 والذي ربما يكون أهم اعماله في هذا المجال.
وكان من نتائج شهرته تلك تلقّيه الدعوات لإلقاء المحاضرات في الأماكن الأكاديمية والشعبية، وكانت له الكثير من الكتابات المهمة خلال تلك السنوات نتيجة لتلك المحاضرات التي كان يلقيها ومن تلك الكتب، اعادة الاعمار في الفلسفة 1920، الطبيعة البشرية وقواعد السلوك 1922، الخبرة والطبيعة 1925، والجمهور العام ومشاكله 1927، والسعي الى اليقين 1929.
التركيز الرئيسي لديوي خلال عقد الثلاثينات كان اعداد الصيغة النهائية لنظريته المنطقية حيث نشر كتاب: المنطق: نظرية تقصي الحقائق في عام 1938 بالاضافة الى اعمال مهمة اخرى خلال سنوات تقاعده ككتاب الفن كتجربة هام 1934 وكتابه الايمان الشائع عام 1934 والحرية والثقافة 1939 ونظرية التقييم 1939 والمعرفة والتعلم عام 1949 والاخير كتبه تاليفاً كان بالاشتراك مع أرثر ف. بنتلي. واصل ديوي العمل الفلسفي بقوة حتى وفاته في 2 حزيران عام 1952 بعمر يناهز 92 عاماً.
ليس جون ديوي مربياً أو أستاذاً في التربية فحسب بل هو فيلسوف المربين وشيخ فلاسفة التربية الحديثة. وما كتابه "المدرسة والمجتمع" الذي ترجم إلى أمهات لغات العالم إلا جانب من جوانب إنتاجه الضخم الذي قدمه إلى عالم التربية والفلسفة في العصر الحديث. فقد استطاع الأستاذ ديوي أن يظهر إفلاس التربية القديمة ويبرهن على عدم صلاحها للجيل الحاضر المتميز بمشاكل جديدة لم يصادفها آباؤنا ولا أجدادنا، فهي تربية كان قوامها حشو الذهن بطائفة من المعلومات المدونة في الكتب والأسفار وتلقين الطالب حلول المسائل بغية النجاح في الامتحان. وقد كانت وجهة النظر هذه تمثل الرأي السائد "إن الطفل وجد للمدرسة" ذلك الرأي ثبتت خرافته فاستحال إلى "أن المدرسة وجدت للطفل" وإضافة إلى ما تقدم فإن أهم الأغراض التي دفعت بالأستاذ ديوي إلى وضع مؤلف "المدرسة والمجتمع" بين يدي مربي الجيل ومثقفي النشء هي حملهم على ربط المدرسة بالحياة وجعلها على أتم اتصال بها، إذ إن النظرة الحديثة إلى التربية هي أنها لا تتم في المدرسة وحدها بل في المنزل والملعب والسينما وفي ميدان العمل.

يعرف ديوي المدرسة بكونها " صورة مصغرة للمجتمع أو مجتمعا في بدء تكونه" (ص 41) كما اعتبر نظام المدرسة " قسما من حياة اجتماعية أوسع" (ص82) و فيها تصبح "حياة الطفل الغرض الوحيد المسيطر...و هناك تتركز البيئات الضرورية لتقدم نمو الطفل " (ص 55) . كما أشار ديوي إلى ضرورة رحابة منشأة و فضاء المدرسة فوصفها بقوله "أما بناية المدرسة فإن لها تقريبا محيطها الطبيعي فمن الواجب أن تكون في حديقة، و أن يؤخذ الأطفال من الحديقة إلى الحقول المجاورة و من ثم إلى الريف الواسع بكل حقائقه و قواه" (ص82)
تلعب المدرسة عدة أدوار مهمة في تنشئة أفراد المجتمع والحاجة إليها شديدة لبناء مجتمع قوي، ويرى ديوي أن المهمة الأولى للمدرسة هي " أن تدرب الأطفال على الحياة التعاونية ذات المساعدة المتبادلة لتغدي فيهم الوعي بالاعتماد المتبادل وتساعدهم عمليا في خلق التوافق لتطبيق هذه الروح في أعمال ظاهرة" (ص 117) ليتم تهيئة الطفل للمشاركة في نقل الحضارة البشرية  " فعندما تقدم المدرسة كل طفل إلى عضوية المجتمع و تدربه داخل مجتمع صغير من هذا النوع فتجعله يتشرب روح الخدمة، و تجهزه بأدوات التوجيه الذاتي الفعال، يكون لنا حينذاك أعمق و أحسن ضمان لمجتمع أكبر ذي قيمة و حسن و انسجام" (ص 50) وهذا لن يتحقق إلا إن كانت المدرسة جزءا من الحياة وصورة للحياة الحاضرة وجعلت غايتها " التقدم الذي يحرزه طفل من معارفنا في نموه الجسدي الاعتيادي و تقدمه في القدرة على القراءة و الكتابة و الحساب و معلوماته في الجغرافيا و التاريخ و تحسن طباعه و عاداته في التهيؤ و الاستعداد للأشياء و في النظام و المواظبة" (ص 31) و كذلك أن تبسط الحياة الاجتماعية، و تتعهد الأنشطة التي ألفها الطفل في البيت و المجتمع، اجتماعية كانت أو إقتصادية على أن "الهدف ليس القيمة الإقتصادية و لكن تنمية القوة الاجتماعية و بعد النظر" (ص 41) فعلى المدرسة أن تنأى بنفسها عن تعليم سفاسف الأمور و تقتنع بأن " على الطالب ألا يتعلم إلا ما كان ذا معنى له، و ما يوسع أفقه عوض أن يكون مجرد توافه" (ص 86)
يرى ديوي فيما يخص المنهج الدراسي " أن الإختيار و التدرج في مواد الدراسة ينبغي أن يكونا بالرجوع إلى تغذية سليمة للإتجاهات السائدة في الفعالية في مرحلة معينة، ... و ذلك بمعرفة أي المواد و أي الطرائق نحتاج إليها، و في أية نسبة و ترتيب يمكن أن تكون متيسرة و مساعدة في وقت معين" (ص 105) ومن جهة أخرى وضح ديوي طريقة التعامل مع المواد الدراسية قائلا  " فيما يخص مادة الدرس أن نجزئ وحدة الخبرة الغامضة إلى أوجه أو إلى جوانب نموذجية متميزة، و نختار منها ما يصور أهمية النوع البشري في الهيمنة على وسائل معينة و طرائق تفكير لتحقيق أسمى غاياته" (ص 108) و نهى عن تضخيم المنهاج مبرزا عواقبه " " فإذا درست مواد كثيرة نشأ ميل إلى أن يصبح العمل موغلا في الرمزية (الاختصار) " (ص 125) كما أشار إلى أن الطالب يصبح " متخما و قد أضاع تعطشه الطبيعي إلى الأشياء اليسيرة ذات الخبرة الكبرى" (ص 125) ، و أن التلميذ سيتناول " المواد الدراسية في الصفوف الأولى من المدرسة الابتدائية و هو يشعر أنه سبق له أن أخذ كل هذه المواد " (ص 125)
فيحدد ديوي لتجاوز كل هذا طريقة عمل المعلم بوضع " المنهج السنوي أو نصف السنوي أو الشهري أو الأسبوعي الخ ... على أساس تقدير كمية المادة الدراسية التي يمكن أن يفرغ منها في تلك المدة لا على أساس من مبادئ عقلية أو خلقية، فهذه تجمع كلا من الثبات و المرونة" (ص 127) كما دعا إلى عدم جمود المنهاج بل "توجد حاجة إلى التركيز و التغيير من وقت إلى آخر في وقت المنهج المخصص للدراسة و في كل الدراسات، حيث إن إتقان التكنيك أو الطريقة الخاصة شيء منصوح به. و معنى هذا أنه عوضا عن تدريس الموضوعات كلها في وقت واحد و خلال مدة متساوية في المنهج، فالواجب يقضي بالرجوع أحيانا بأحد الطلاب إلى القسم الأول من الموضوع و الرجوع بآخرين إلى الموضوع الأصلي في الدرس حتى نصل بالطفل إلى نقطة يدرك فيها أن له حاليا قوة و مهارة يستطيع بهما الآن أن يتقدم و يستقل في استعمالهما" (ص 115) كما شدد ديوي على ضرورة إيلاء الإهتمام بطريقة تفكير التلميذ و كذا المنهج من حيث الكيف دون إهمال الكم: فالتركيز على حاجة الطفل " إلى المزيد من الخبرات الاعتيادية و الشخصية لدى الطفل سيزوده بعدد من المشكلات و الدوافع و الأولاع التي تحتم الرجوع إلى الكتب لغرض إيجاد حل و رضا و استقصاء، و إلا فإن الطفل سيتناول الكتاب من دون جوع فكري و لا يقظة، و لا اتجاه استفساري، فتكون النتيجة هي النتيجة العامة المأسوف عليها" (ص 113) من هنا دعا ديوي إلى تكيف المدرسة مع محيطها الاجتماعي و تقدم نفسها لتصبح " محلا يعيش فيه الأطفال حقيقة و يكتسبون فيه خبرة حياتية يجدون فيه ابتهاجا و معنى " (ص 71) معتمدا في ذلك على كل الآليات و الطرق المتاحة لتزيد من خبرات التلاميذ، و"من أهم الوسائل و الوسائط التي توسع الخبرة و تسيطر عليها و هو إتقان الرموز التقليدية أو الاجتماعية، و هي رموز اللغة و بضمنها الرموز الكمية" (ص 112)

كما عارض ديوي أسلوب التقليد في أنشطة  المدرسة المختلفة مؤكدا  " كمبدأ عام يجب ألا تنشأ فعالية على التقليد فالواجب أن تأتي البداية من الطفل. أما النمط المحتذى فربما يهيأ لكي يساعد الطفل في تخيل أكثر تحديدا لما يريده فعلا. فقيمته ليست متأتية من كونه نمطا يحتذى، بل بوصفه دليلا إلى الوضوح و المتانة في الإدراك " (ص 128)، حاصرا دور التقليد كطريقة " للتقوية و المساعدة لا للإبتكار" (128 ص) . كما بين ديوي ما يعين المدرسة عامة، و الابتدائية خاصة، في تحقيق أدوارها ملخصا ذلك في مطلبين وهما أولا " الحاجة إلى الشيء المألوف الذي سبقت للطفل خبرته لاتخاذه قاعدة تتحرك منها إلى المجهول البعيد،" (ص 143) ثانيا "استدعاء خيال الطفل بوصفه عاملا بدأنا في الأقل في تنظيمه" (ص 143)  و بهما يتوقد الولع الداخلي للطفل " فإذا وجد ولع داخلي كاف بالمواد، فقد وجد انتباه تلقائي مباشر " (ص 147)
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage