3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

التربية و المجتمع عن جون ديوي 2/2

الخط
















التربية و المجتمع عن جون ديوي
2/2









ذ. رشيد شلوح
ذ. امحمد بعزيز

بإشراف الأستاذ الحسن اللحية







ذكر ديوي أن "المدارس في الوقت الحاضر يجب أن تقدم ذلك العامل من التدريب الذي سبق أن اهتمت به البيوت"(ص 36) في إشارة منه إلى الأعمال التي كان يشارك فيها الأطفال بفعالية داخل البيت من خياطة و غزل و طبخ الخ... ، و سماها تدريبا ، " مسألة العمل بانتظام و بطريقة رحبة كيسة قادرة يمكن أداؤها في اغلب البيوت بصورة عفوية " (ص 55)، يجب إدماجه في أنشطة المدرسة بكونه تدريبا يدويا و عملا مهنيا تطبيقيا، لأن هذه الأعمال يتعلم منها الأطفال بصورة مستمرة و تدريجية "فالأطفال ، وقد ازدادت قوتهم و ملكاتهم، أخذوا يتدربون تدريجيا على خفايا عمليات عديدة. و قد وجدت قضية الإهتمام الشخصي في مسألة المشاركة الفعلية، كما أننا لا نستطيع أن نغفل عوامل الضبط و بناء الخلق المتضمنة في هذا النوع من الحياة كالتدريب على عادة النظام و المواظبة و فكرة المسؤولية و الإلتزام بعمل شيء ما أو إنتاج شيء ما في العالم"( ص 34). و مما سبق، خلص ديوي إلى وجوب إحكام الرابطة بين المدرسة و البيت و خلق تعاون بينهما مما يتيح ل" الطفل أن يحمل معه ما تعلمه في البيت لينتفع به في المدرسة كما يطبق في بيته الأشياء التي تعلمها في المدرسة. و هذان هما الشيئان العظيمان لفصم العزلة و إيجاد العلاقة أو الصلة، و هما أن يجيء الطفل إلى المدرسة بكل خبراته التي حصل عليها من محيطه خارج المدرسة و يخرج منها بشيء ما يستعمله في حياته اليومية بصورة مباشرة."( ص 87)  
حرص ديوي على أهمية فك الانعزال عن المدرسة و ربطها بالواقع و حياة الطفل الحقيقة و المعاشة من خلال تحديد الغايات التربوية حيث "إننا لانستطيع أن نتغاضى عن أهمية أهداف تربوية ذات صلة قريبة متصلة أخذت عن الطبيعة مباشرة بأشياء و عدد حقيقية، و بعمليات ممارسة فعلية لتلك الأشياء، و بمعرفة استعمالاتها و ضرورتها" (ص 35)، " فليس إذن الهدف من ذهاب الطفل إلى المدرسة هو الذهاب إلى محل منعزل، بل إنه يذهب إلى المدرسة ليلخص أو يركز أوجها نموذجية من خبرته خارج المدرسة لكي يوسعها و يغنيها ثم يشكلها تدريجيا" (ص 108). كما أن هناك "الحاجة إلى أن يكون للطفل في خبرته الشخصية الحية أساس متنوع من التماس و التعرف على الأمور الواقعية الاجتماعية و الطبيعية و هذا أمر ضروري لمنع الرموز من أن تغدو بالية، و تعويضا تقليديا عن الواقع" (ص113).
و دعا ديوي إلى فتح المجال أمام الطفل و إعطائه الحرية نظرا لحاجته " إلى العمل و التعبير و الرغبة في صنع شيء ما بدلا من أن يكون سلبيا تابعا لا غير. و مغزاها الجسيم أن تحفظ التوازن بين الجانبين الاجتماعي و الفردي"( ص87) . كما أن ربط المدرسة بالواقع من خلال اتصال الطفل بأنواع عديدة من المواد كالصوف و الزنك و الجلد الخ ... سيزوده  " بدافع لاستعمال هذه المواد بطرائق واقعية عوضا عن المضي في تمارين ليس لها معنى سوى رمز بعيد، و هو أيضا يدعوا إلى حدة الملاحظة و إلى انتباه دائم للحواس يتطلب براعة و ابتكارا في التخطيط، و يحتم ضرورة التركيز في الانتباه و المسؤولية الشخصية في التنفيذ " (ص 127). و أكد ديوي على إلزامية هذا الربط بين المدرسة و واقع الطفل ليشمل المواد الدراسية حيث " من الواجب أن يدرس الطفل الحساب و الجغرافية التجارية و لكن ليس بوصفها أشياء معزولة بنفسها، و لكن بالإشارة أو بالرجوع إلى محيطها الإجتماعي" (ص85)،ف"المدرسة أكثر من مسألة درس أو حاجة، و على الرغم من وجوب وجود رابطة عضوية بين المدرسة و الحياة التجارية، فإن هذا لا يعني أن على المدرسة أن تعد الأطفال لتجارة معينة، و لكن يجب وجود رابطة طبيعية لحياة الطفل اليومية بالمحيط التجاري  الذي يكتنفه. و من شأن المدرسة أن توضح و تحرر هذه الرابطة لتخلق بها وعيا، لا بتقديم دراسات خاصة كالجغرافيا التجارية، و لكن بالاحتفاظ بروابط هذه العلاقة على الدوام"( ص84)
يعارض ديوي الارتكاز على التقاليد كمنطلق لإيجاد أجوبة ملائمة للتساؤلات التي تطرح بخصوص المواد و الطرائق التي يحتاج إليها الطفل و كذا نسبتها و ترتيبها لتكون متيسرة و مساعدة في وقت معين، و يلح على أنه "ينبغي أن نعود إلى فكرة المختبر، و لا يوجد مقدما جواب لهذه الأسئلة، فالتقاليد لا تعطي ذلك الجواب لأن التقاليد مبنية على علم نفس مختلف اختلافا كبيرا، كما لا يمكن للعقل المجرد أن يعطي ذلك الجواب لأنه مسألة واقع و ليس من سبيل إلى أن توجد تلك الأشياء بالتجريب. فإذا رفضنا التجريب و التزمنا التقليد بصورة عمياء، لأن البحث عن الحقيقة يشمل الاختبار في حقل المجهول، فمعنى ذلك أننا نرفض الخطوة الوحيدة التي تهب التربة اقتناعا عقليا" (ص 106).
كما أكد ديوي على ضرورة ربط المدرسة بالجامعة و جعلها مختبرا يتم فيه تطبيق النطريات التربوية و تجريبها حيث قال أن : " الهدف العلمي وحده و إجراء التجارب في المختبر على شرط أن يكون مماثلا لغيره من المختبرات العلمية هو السبب في أن يكون للجامعة مدرسة ابتدائية. لأن مدرسة من هذا النوع ما هي إلا مدرسة لعلم النفس التطبيقي، و هو العلم الذي يفسح مجالا لدراسة العقل كما يظهر و ينمو الطفل، كما أنه يبحث عن مواد ووسائط يتوقع منها أكثر من غيرها أن تملأ و توسع ظروف النمو الطبيعي" (ص 98)، و لم يقف عند هذا الحد بل دعا الى تقوية هذا الربط بين المدرسة و الجامعة حتى تضع هذه الأخيرة كل مصادرها الثقافية رهن إشارة المدرسة الابتدائية من أجل تطوير المناهج و الطرق الدراسية و " تصبح المدرسة مختبرا يرى فيه طلبة التربية النظريات و الآراء في دور تطبيقها و اختبارها و نقدها و تنفيذها كما يرون تطور الحقائق الجديدة. إننا نريد أن تكون المدرسة في علاقتها بالجامعة نموذجا فعالا لتربية موحدة " (ص 96)، و إن كان ديوي يقر بأن " الافتراض القائم في المختبر التربوي هو أن ما نعرفه عن ظروف و أنماط النمو كاف لجعل القيام ببحث حصيف ممكنا، كما أننا بالاعتماد على ما سبقت لنا معرفته نستطيع أن نوسع معرفتنا و أن نعرف المزيد"( ص 100)  و هكذا تجعل المختبرات "مهمتها هي مشكلة استعراض تربية الطفل في ضوء مبادئ الفعالية العقلية و عمليات النمو التي اصبحت معلومة باستخدام علم النفس الحديث" (ص 99) شريطة " وجود ظروف تمكن التطبيق التربوي الذي يقول به البحث بإخلاص من دون تحريف أو طمس ينجمان عن اعتماد غير صحيح على آراء تقليدية سبق أن اخذنا بها. فبهذا المعنى تصبح المدرسة مركز تجريب في التربية "(ص 100)، يكون، بحسب ديوي، مطالبا ب" إنشاء منهج دراسة ينسجم مع التاريخ الطبيعي لنمو الطفل في المقدرة و الخبرة. فالمسألة إذن هي اختيار عدد من الموضوعات متنوعة و متناسبة تستجيب بصورة محددة لحاجات و قوى فترة معينة من النمو"( ص 99)
كان ديوي يطمح لبناء مجتمع ديموقراطي بوضع توازن فيه قيمة الفرد مع قيمة الجماعة و المجتمع، حيث عرف ديوي هذا الأخير على أنه " عدد من الناس المرتبطين ببعضهم لأنهم يعملون ضمن خطوط عامة و بروح عامة و يلتقون بأهداف عامة كذلك" (ص 37 ). و أشار إلى أن تنشئة الفرد لا يمكن أن تتم إلا داخل مجتمع ذلك أن " الميل السائد هو اعتبار عقل الفرد وظيفة للحياة الاجتماعية، أي أنه غير قادر على العمل أو النمو بنفسه بل إنه يتطلب تنبيها مستمرا من وسائل اجتماعية و يجد غذاءه في ما يمده به المجتمع" (ص 101) على اعتبار أن من أهم وظائف المجتمع اتجاه أفراده في الحاضر هي  "تيسيره النمو التام لجميع الأفراد الذين يؤلفون ذلك المجتمع"(ص 31)، كما يعتبر بناء الأجيال القادمة من خلال انجازات المجتمع "فكل ما أنجز المجتمع لنفسه قد وضع رصيدا لأعضائه في المستقبل" (ص 31). و يلزم ديوي المجتمع بضرورة تبني غايات تربوية موحدة تهم أطفاله و تتصف بالفعالية و توفر لهم أفضل الظروف لتنشئتهم فكل "ما يريده أفضل والد لطفله يجب أن يستهدفه المجتمع لكل أطفاله" (ص 31)
يؤكد جون ديوي على الأهمية البالغة للطفل و الطفولة باعتباره المحور الأساسي الذي تدور حوله العملية التربوية بجميع عناصرها و أهدافها، و أن ميول الطفل و اتجاهاته المنطلقة من دوافعه و حاجاته المختلفة هي المحددات الأساسية لفلسفة التربية و أغراضها. ف" الطفل بطبيعته فعال الى درجة شديدة"( ص 56) و يسعى إلى غاية عليا هي:"كمال النمو، كمال في إدراك قواه المتفتحة و هو الإدراك الذي يحمله بصورة مستمرة من مستوى إلى آخر" (ص 119) كما يسعى" للخبرات الجديدة و رغبته في إكمال خبراته الناقصة و ذلك بخلق تصورات ثم التعبير عنها باللعب " (ص 144) و اعتبر ديوي أن هذا اللعب " ينبئ عن اتجاه الطفل النفسي لا على إنجازاته الخارجية. و يدل على تحرر تام من ضرورة اتباع أي نظام مفروض أو موصوف أو ما يترتب على تقديم الهدايا أو التمثيليات أو المهن" (ص 119).
و يرى ديوي أن من " الواجب أن يترك الطفل لينجز شيئا ما، و ليقود نفسه نحو ناتج محدد و مقصود"( ص 108) آخذين بعين الاعتبار أن " للطفل مقدار طيب من الصبر و الاحتمال من نوع معين، و من الحق أنه يحب الخبرة و التنوع، و لكن هذا الحب ينفذ سريعا في فعالية لا تقود إلى حقول جديدة و لا تفتح طرقا جديدة للرياضة أو الاستكشاف" (ص 125) كما أوصى ديوي بإيلاء اهتمام كبير لمرحلة الطفولة بصفة عامة مشيرا إلى " أن للسينين الأخيرة من حياة الطفل حقوقها الخاصة، و من المحتمل أن تعجلا سطحيا و عاطفيا في الأشياء يوقع بالطفل إصابة خطرة. و قد يسبب إضافة إلى ذلك عادة عقلية، هي القفز سريعا من موضوع إلى آخر" (ص 125)
أولى ديوي اهتماما بالغا للتربية باعتبارها مجموعة العمليات التي يستطيع بها المجتمع أن ينقل أهدافه المكتسبة من أجل الاستمرار، و أشار إلى أن "التغييرات التي تحدث في طريقة التربية و مناهجها هي من نتاج الحالة الاجنماعية المتغيرة و هي جهد يسد حاجات المجتمع الجديد الآخذ بالتكون" 32). و عارض ديوي كل الأفكار التربوية التقليدية التي كانت في الماضي تفرض على الطفل بينما " في الوقت الحاضر نرى ان التغير المقبل في تربيتنا هو تحول مركز الجاذبية، فهو تغير أو ثورة ليست غريبة عن تلك التي أحدثها كوبرنيكس عندما تحول المركز الفلكي من الأرض إلى الشمس ففي هذه الحالة يصبح الطفل الشمس التي تدور حولها تطبيقات التربية و هو المركز الذي ننظمها حوله" (ص 54) فتكون التربية بذلك "هي مسألة الهيمنة على فعالياته و إمدادها بالتوجيه، فبالتوجيه و الاستعمال المنظم تميل فعالياته نحو النتائج القيمة بدلا من أن تصبح مبعثرة أو متروكة فتعبر تعبيرا طائشا محضا " (ص 56)  أي أن " الأساس أو الجدر الأولي  في الفعالية التربوية مستقر في الاتجاهات الفطرية الانبعاثية، وفي فعاليات الطفل لا في تقديم أو استعمال المادة الخارجية سواء أكان ذلك بآراء الآخرين أم بالحواس" (ص 118)، ليحسم ديوي بالقول أن " المطلوب اذن ليس أن نرسخ اتصال عقل الطفل بالطبيعة، بل أن نهيء تعاملا حرا و مؤثرا للاتصال الموجود بينهما من السابق " (ص 142).
أما بخصوص التربية داخل المدرسة فيرى ديوي " أن مشكلتنا التربوية هي أن نوجه قوة الملاحظة لدى الطفل و ننمي له ولعا وديا نحو الصفات الخلقية في عالمه الذي يعيش فيه، و نقدم له مواد موضحة لغرض الدراسات المقبلة ذات التخصص الأعمق "( ص 140) معتبرا " تهيئة وسيلة صالحة للسيطرة على التعبير عن هذه الغرائز، لا تعني تيسير نمو الطفل وحسب، و إنما تعني أيضا أن تقدم إليه النتائج نفسها، و أكثر من هذا أن نقدم إليه المعلومات الفنية و التهذيب أو النظام اللذين كانا مثال التربية في الماضي" (ص 72) حيث كان من الطبيعي " أن الطفل يشارك في مشاغل أعضاء الأسرة فيكتسب عنذاك عادة المواظبة و النظام و احترام حقوق الاخرين و آرائهم" (ص 54). كما يركز ديوي على أن التربية هي عملية مستمرة في الحياة بغض النظر عن الفئة العمرية، حيث قال: " نحن نريد أن نوحد الأشياء جميعا و أن نحطم الحواجز التي تفصل تربية الطفل الصغير عن تعليم الشاب الناضج، و نقرن التربية الدنيا بالتربية العليا فلا يبدو للعيان منهما أقسام عالية و أخرى واطئة لأنها جميعا تربية و حسب" (ص 95) تستهدف جميع الأفراد لأن "كل شخص ينبغي أن ينال التربية التي تمكنه من أن يرى ضمن عمله اليومي كل ما في عمله من أهمية إنسانية عظيمة" ( ص 45)



 إن المدرسة في نظر العالم جون ديوي شكل من أشكال الحياة الاجتماعية النشطة و الفعالة، لذا يجب أن تترفع عن كونها مكانا يحضر فيه الأطفال بهدف تلقي المعلومات فقط، و أن العمل في رأيه هو الوسيلة الأمثل و الأفضل للتعليم و أن الأطفال فيها ما وجدوا لتلقينهم و حشو أذهانهم و أدمغتهم بالمعلومات النظرية البعيدة عن حياتهم العملية الواقعية. ورأى ديوي أن على المدرسة أن تتخلى عن واجبها الكتابي و النظري و أن تقدم للطفل خبرات عملية واقعية و تربطه بالحياة الواقعية بحيث تكون المدرسة مسرحا للنشاط بدلا من أن تكون مكانا للاستماع و تلقي المعلومات فقط ، فالمدرسة ليست جزءا من الحياة الاجتماعية، بل هي الحياة الاجتماعية نفسها و التي يجب أن تقوم على إرساء العلاقات التعاونية بما تقدمه من نشاطات مختلفة في مجال الاقتصاد و السياسة و المشاكل الاجتماعية ... ليعمل الطفل و يتدرب على حلها، فبرأي ديوي يجب الربط بين الطفل و المنهج فهما طرفان لعملية واحدة لا يمكن تجزئتهما أو تقسيمهما. كما يرى أن العلاقة الرابطة بين المدرسة و المجتمع هي المشاركة الفاعلة بينهما، وتعرّف كل منهما على حاجات الآخر ، والعمل على تلبية هذه الاحتياجات، كما أن توثيق الصلة بينهما من شأنه أن يقوي التفاعل بينهما، ويعمل على أن يدرك كل منهما أهمية الآخر بالنسبة له، فهما وجهان لشيء واحد. فالمدرسة حين تخدم البيئة إنما تعزز روح التعاون بينها وبين المجتمع، وتعمق لدى الطلاب الشعور بالانتماء إليه والولاء له، وإذا نما هذا الشعور وقوي أدى إلى الاعتزاز بالوطن، وإلى التمسك به بشكل لا يقبل الفرد بديلا عنه.
كما أكد ديوي من خلال نظرته للتربية الحديثة على الأهمية البالغة للتلميذ و اعتباره المحور الذي تدور حوله العملية التربوية بجميع عناصرها و أهدافها، خلافا للتربية القديمة التي كانت تركز على مناهج التعليم و على الامتحانات.
و ختاما يوضح ديوي موقف التربية الحديثة بقوله " علينا أن ننطلق من الطفل وأن نتخذه هادياً ومرشداً، فالطفل هو المنطلق وهو المحور وهو الغاية"، وبجعل شعارها:" التربية لأجل الطفل ومن الطفل ".


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage