3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

فلسفة التربية عند برتراند راسل (الجزء الأول)

الخط














الجزء الأول






  •          يوسف التغلاوي                        
  •          يوسف واعزوز
  •          أحمد السباعي


إشراف : الحسن اللحية















المقدمة

         تعتبر الفلسفة التحليلية من الفلسفات المعاصرة التي نشأت في بداية القرن العشرين، و قد تطورت هذه الفلسفة بشكل كبير خاصة في انجلترا بفضل أعمال برتراند راسل مما جعلها تشغل حيزا هاما و كبيرا في الفكر الغربي. و يعد المنطق واللغة الأدوات المنهجية التي تستعملها الفلسفة التحليلية في دراستها التحليلية للموضوعات. و نقصد بذلك أنها تحول العبارات الغامضة إلى عبارات واضحة و تحول العبارات المركبة إلى عبارات بسطة، و تحول العبارات المجردة إلى عبارات محسوسة، و الهدف أن تترجم العبارات المركبة و المجردة والغامضة إلى عبارات أقل تجريدا و تركيبا و غموضا: بمعنى أنها تحول العبارات إلى لغة بسيطة يفهمها الإنسان العاقل، و تتفق مع الحس السليم.
         و قد ساهم في تطوير المدرسة التحليلية مجموعة من الفلاسفة و علماء اللغة والمنطق على رأسهم برتراند راسل خاصة في القرن العشرين.
        وعلى شاكلة كافة المدارس والتيارات الفلسفية، اهتمت الفلسفة التحليلية عامة وبرتراند راسل خاصة بمسألة التربية، من حيث التأسيس الفلسفي والعلاقة بباقي المؤسسات الاجتماعية من الأسرة إلى الدولة. وتتجلى عناية برتراند راسل بحقل التربية في تخصيصه كتابين مهمين في فترتين متقاربتين من حياته الفلسفية:
   •              On Education, Especially in Early Childhood, Londres, Allen & Unwin , 1926.
   •              , Education and the Social Order, Londres, Allen & Unwin, 1932.
وقد ترجم الكتابان من قبل سمير عبده، ونشرا بالعنوانين التاليين:
   •              في التربية: ترجمة سمير عبده، الناشر دار مكتبة الحياة، بيروت، بدون تاريخ.
   •              التربية و النظام الاجتماعي: ترجمة سمير عبده، الناشر دار مكتبة الحياة، بيروت، ط ٢ بدون تاريخ.
        وسنتناول في هذا البحث فلسفة راسل التربوية من خلال هذين الكتابين في ضوء فلسفته التحليلية.





ترجمة موجزة جدا لبرتراند راسل

        يُعَدُّ راسل من أشهر فلاسفة القرن العشرين. ويرجع ما يتمتَّع به من شهرةٍ أساسًا  — ومن سوء سمعةٍ أحيانًاإلى مشاركته في الجدل الاجتماعي والسياسي. ظلَّ راسل من الشخصيات العامة المألوفة على مدى نحو ٦٠ عامًا؛ إذ كان يظهر في الصحافة الشعبية أحيانًا كموضوعٍ للفضائح، وأحيانًا أخرى في الفترات التي حَظِيَ فيها بالاحترام كمثقَّف حكيم؛ وأثناء تلك الفترات ظهر كمذيعٍ أيضًا. كان يُدْلِي بدلوه كثيرًا في شؤون الحرب والسلام والأخلاق والجنسانية والتعليم وسعادة البشر. ونشر الكثير من الكتب والمقالات الرائجة، وجلبتْ عليه آراؤه مجموعة متنوعة من ردود الأفعال تراوحت بين أحكام بالسجن وجائزة نوبل. ولكن أعظم إسهاماته والأسس الحقيقية التي قامت عليها سمعته تكمن في النطاقات الفنية المتخصصة لمجالَي المنطق والفلسفة؛ فقد كان تأثيره شديدًا على مضمون الفلسفة وأسلوبها في البلدان الناطقة بالإنجليزية في القرن العشرين، حتى إنه أصبح يمثل اللحن الأساسي للفلسفة في تلك الفترة. صار الفلاسفة يستخدمون الأساليب والأفكار الناشئة من عمله دون أن يشعروا بالحاجة إلى ذكر اسمهبل وأحيانًا دون إدراك وجود تلك الحاجةمما يوضح مدى تأثيره. وبهذه الطريقة قدَّم راسل إسهامًا أهم بكثير في الفلسفة مقارنةً بتلميذه لودفيج فيتجنشتاين. لقد تعلمت الفلسفة دروسًا قيِّمة من فيتجنشتاين، ولكنها اكتسبت إطار عمل كاملًا من راسل، يشكل ما صار يُطلَق عليه الفلسفة التحليلية.
   •              حياته 
        برتراند أرثر ويليام راسل 1872 – 1970 إيرل راسل الثالث، فيلسوف وعالم منطق ورياضي ومؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني. في مراحل مختلفة من حياته, كان راسل ليبرالياً واشتراكياً وداعية سلام إلا أنه أقر أنه لم يكن أياً من هؤلاء بالمعنى العميق. وعلى الرغم من قضائه معظم حياته في إنجلترا، وُلد راسل في ويلز حيث توفي عن عمر يناهز السبعة والتسعين عامًا.
      قاد راسل الثورة البريطانية "ضد المثالية" في أوائل القرن العشرين. يعد أحد مؤسسي الفلسفة التحليلية إلى جانب سلفه كوتلب فريج وتلميذه لودفيش فيتغنشتاين كما يعتبر من أهم علماء المنطق في القرن العشرين. ألف بالشراكة مع أي. إن. وايتهيد مبادئ الرياضيات في محاولة لشرح الرياضيات بالمنطق. وتعد مقالته الفلسفية عن التدليل نموذجا فكرياً في الفلسفة. ولا زال لعمله أثراً ظاهراً على المنطق والرياضيات ونظرية المجموعات واللغويات والفلسفة وتحديدًا فلسفة اللغة ونظرية المعرفة والميتافيزيقيا.
   •              نشاطه السياسي
     كان راسل ناشطاً بارزاً في مناهضة الحرب وأحد أنصار التجارة الحرة ومناهضة الإمبريالية. سجن بسبب نشاطه الداعي للسلام خلال الحرب العالمية الأولى. قام بحملات ضد أدولف هتلر وانتقد الشمولية الستالينية وهاجم تورط الولايات المتحدة في حرب فيتنام كما كان من أنصار نزع الأسلحة النووية.
     حاز عام 1950 على جائزة نوبل للأدب "تقديراً لكتاباته المتنوعة والمهمة والتي يدافع فيها عن المثل الإنسانية وحرية الفكر."
   •              فلسفته:
     مرت فلسفة رسل بثلاث محطات رئيسية: المحطة الأولى هي النزعة المثالية، أما المحطة الثانية فالتحول إلى الرياضيات والمنطق طلبا لليقين ومن ثمة مر في المرحلة الثالثة إلى محاولة تطبيق المنطق الرياضي على المسائل المستعصية على الفلاسفة. وهو من اكبر دعاة الفلسفة العلمية وإمام التحليل المنطقي. الفلسفة عند رسل تتجول في منطقة بين العلم والدين تشبه الدين من حيث هي تأملات غير يقينية وتخاطب العقل حين تسعى إلى الإقناع دون الإرغام والإكراه بمستوياته. فكانت عرضة لسهام رجال الدين ورجال العلم على السواء. والفلسفة لا تنفصل عن المنهج العلمي ومن لم يتدرب على هذا المنهج يخفق في أنجاز عمل كامل.
     إن الفلسفة مع ذلك تفسد ان جافت العلم او استغرقت فيه. فعلي كليهما أن يعرف حدوده فاعتمد التحليلات المنطقية للوصول إلى نتائجه "العلمية" والتي على ضوئها يمكن لمن بعده أن يبني عليها لتصير بذلك الفلسفة صرحا جماعيا لا عملا فرديا. ومنهجه يقوم على البدء بتحليل جزئية غامضة محيرة متدرجا في التعمق فيها كما يتدرج صاحب التحليل المخبري فينتقل من الرؤية المجردة إلى الرؤية المجهرية فيرى من الجزئيات والدقائق ما كان خافيا في البداية
    كان راسل مهتما في بداية حياته بالرياضيات ، لكنه كان شاكا في يقينيتها فلم يقبل من أخيه الذي كان يعلمه الهندسية الإقليدية آنذاك قوله أن ثمة بديهيات عليه أن يسلم بها. ثم انصرف نهائيا عن الرياضيات التي لم تشف غليله إلى الفلسفة وشبه هذا الانتقال بالانتقال من النفق إلى الواد المزدهر الفسيح.
    ثم ولع رسل بهيجل- تحت تأثير صديقه ماك تاجرت- وفلسفته المثالية ثم عزف عنها لغموضها ونأيها عن الرياضيات لينتقل إلى مثالية أفلاطونية معدلة مشبعة بالتصوف والتي بدورها لم ترقه فانصرف عنها مشيحا بوجهه عن المثالية جملة ليشق طريقه بسرعة إلى المذهب الواقعي مقاوما مع صديقه مور المدرسة المثالية بعد تأمله الطويل في الرياضيات، أن السبب في هذا الانقلاب الفلسفي لدى رسل يعود يعزى إلى تأثره بأعمال الرياضي بيانو فكتب كتاب: المبادئ الرياضية، وأراد رسل بعد أعراضه عن المثالية المزاوجة بين المنطق والرياضة فاعتبر المنطق شباب الرياضة والرياضة رجولة أو كهولة المنطق ، وعد المنطق الرياضي هو المقياس الذي به نحدد المشكلات القابلة للحل والمشكلات الوهمية. ثم انتقل "رسل" متسلحا بمنطقه إلى مجال فلسفي خالص هو نظرية المعرفة فميز في كتابه مشكلات فلسفية بين معرفة بالوصف ومعرفة بالاتصال المباشر. فالتجربة لديه تتأسس على المعرفة بالاتصال المباشر ووجود هذه الأشياء التي لا يعتريها الشك : كالمعطيات الحسية والصور الذهنية الخاصة بالفرد المدرك وأفكاره ومشاعره الخاصة في كل من الماضي والحاضر. أما المعرفة بالوصف فتتناول وجود الأشياء التي تحتمل الشك. ويبدو تأثر "رسل" جليا بكل من لوك ومل وهيوم يمكن أن نطلق على منهج رسل منهج الاقتصاد في الفكر ويصد بذلك " الامتناع عن تعديد الكائنات أكثر مما تدعو إليه الضرورة فالقول بالجوهر الشيئي لغو باطل هو وما يتضمنه من حديث عن كيانات : الشيء والجوهر والمادة .فالعقل والمادة من أصل واحد هو معطيات الحس التي لا هي عقلية ولا مادية، هذه المعطيات حين تترابط تبعا لقوانين الفيزياء تكون الأشياء المادية وحين تترابط تبعا للقوانين علم النفس تساعد على تكوين العقول.








التربية في كتاب في التربية


السياق التاريخي لكتاب "في التربية" وأهم الأفكار الواردة فيه
بعد الحرب العالمية الأولى وفي سنة 1926 نشر الفيلسوف الكبير "برتراند راسلكتابا سماه "في التربية" يناقش فيه عددا من أهم المواضيع التي تتصل بحياة الفرد، وكلها تتعلق بالتربية .وقد أبرز فيه أن التربية التي ننشدها لأطفالنا لابد أن تتوقف على مثلنا العليا للخُلق الإنساني،وعلى الدور الذي نرجو أن يكون لأطفالنا في المجتمع إذا كبروا. وكل إنسان له وجهة نظر مختلفة عن الآخر ينفي تربية أبنائه.كماأن هناك اختلافات كثيرة في طرق التربية ذاتها بين الذين يرون أن التربية وسيلة لتلقين أشياء محددة معينة ذات منفعة(التربية النفعية) ، وبين الذين يرون أن التربية يجب أن تغرس في المتعلم القدرة على الإبداع والفن(التربية الزخرفية).وقد أشار إلى أن وجهات النظر تختلف كذلك فيما ينبغي تعليمه للارستقراطيين والطبقات الكادحة.وفي هذا الكتاب يدعو راسل إلى دمقرطة التربية وتفادي التركيز على تربية الطفل الارستقراطي الذي يحظى بعناية من لدن المربيات مبينا إعجابه بالتجربة المنتسورية في التربية.
وفي هذا الكتاب يُبرزبرتراند راسل تصوره للتربية الخُلقية منذ الطفولة في حضن الوالدين مرورا بالحضانة مستعينا بتجربته الخاصة في تربية أبنائه وكيفية التعامل مع مجموعة من القضايا التربوية كالخوف والعقاب واللعب والأقران والجنس.يضم الكتاب في ثناياه تصور راسل للمثل العليا التربوية ونظرية التربية الحديثة وغايتها .
 وفي محور آخر يتناول الفيلسوف برتراند راسل التربية الفكرية من خلال منهج الدراسة قبل الرابعة عشرة والمدارس النهارية والمدارس الخارجية والجامعة.
   •              المثل العليا التربوية
.1نظرية التربية الحديثة
في هذا المحور يذكر راسل بأهمية مؤلفات جون لوك وجون جاك روسو في نظرية التربية قبل القرن19 لأنها ركزت على النزعة التي أدت إلى الحرية والديمقراطية ،إلا أنها اهتمت بتربية الابن الأرستقراطي التي يتفرغ لها مربي يخصها بكل وقته، وهذا ما يتعذر الحصول عليه من طرف جميع الأطفال.ولذلك تدعو نظرية التربية الحديثة إلى إقامة نظام للتربية" يمنح كل ولد وبنت فرصة نيل أفضل ما هو موجود"حيث أن النظام المثالي للتربية يجب أن يكون ديمقراطيا وليس مبنيا على المساواة التامة بالنظر إلى اختلاف الذكاء من شخص إلى أخر وقد يكون ذلك وبالا على التقدم العلمي.
إن النظرية الحديثة للتربية تدعو إلى تبني طريقة تربوية يمكن تعميمها وقد تمنح عناية خاصة لذوي الميزات الخاصة كضعاف العقل أو العباقرة.كما أنها تميز بين حقلين للتربية:النفعية والزخرفية في علاقتهما بالذكور والإناث ،خاصة الفتيات اللواتي يتم إعدادهن إما لكسب عيشهن أو ليصبحن سيدات رغم أن الرغبة في المساواة بالرجال أترث على نوعية التربية اللواتي يتلقينها.أما فيما يتعلق بالذكور فقد كان الجدل حول ما ينبغي تعلمه ،هل النفعي أم الزخرفي؟أي هل ينبغي تعلم الآداب والفنون أم العلوم؟
يرى راسل انه ينبغي أن تكون التربية نافعة، لأن عملية التربية وسيلة إلى غاية لا غاية في ذاتها، إلا أن ذلك لا يعني أن تكون نتيجة التربية نافعة بمعنى أن قيمة النتيجة فيما يرضي الحس ويعين على سد حاجات البدن وإرضاء رغائبه. وفي المقابل فالتربية الزخرفية تجعل من الرجل شخصا أنيقا ويتكلم بنبرات منتقاة ويتمثل الأدب القديم ويلبس على الطراز ويفهم قواعد السلوك ويعرف متى تكون المبارزة مما يزيده شهرة. بهذا المعنى القديم يكون الشخص ارستقراطيا لا حاجة له إلى العمل لأنه يملك المال.
ويظل السؤال هل ينبغي الاهتمام بالمعرفة ذات الفائدة المباشرة أم علينا تزويد التلاميذ بهبات عقلية صالحة في ذاتها؟ما الفائدة من معرفةأن في القدم اثنتي عشرة بوصة وفي الياردة ثلاثة أقدام في ظل استعمال المتر؟ألا يهب تذوق "هَمْلِتْ" الشخص هبات عقلية رغم غياب فائدتها العملية؟
هناك خلافات أساسية بين المدافعين عن التربية النفعية والزخرفية:أولهاالمناظرة بين الارستقراطيين والديمقراطيين ،حيث تقول الطبقة الممتازة بان على الأرستقراطية تُعلم كيف تستخدم فراغها فيما ترتاح إليه،أماالطبقة الكادحة فينبغي عليها تُعلم كيف تستخدم كدها فيما ينفع الآخرين.أما الديمقراطيون فيكرهون تعلم الارستقراطيين ما لا ينفعهم بالقدر الذي لا ينبغي تعليم الراكضين وراء لقمة العيش ما هو نافع فقط.
ثانيا، يسود الجدل بين الساعين وراء المنافع المادية وبين الراغبين في المتع العقلية: يفضل الموسرون  التربية التي تؤدي إلى تكثير ما تنتجه الصناعة وتنويعه عوض الآداب والفن أو الفلسفة.كما أن التربية التي تؤدي إلى الصناعة والإنتاج تكون ذات فائدة في توفير سعادة معقولة للأفراد وتقلل الشرور الحسية ومكافحة الأمراض وبناء عالم جديد.وهذا يتحقق بعلوم الطبيعة والأعضاء وعلم النفس وليس بتدريس اللاتينيةأو اليونانية ولا شكسبير ولا موزارت كما يذهب إلى ذلك المدافعون عن المتع العقلية.
وحسب الكاتب لا ينبغي إنفاق الكثير من الوقت في تعلم الجانب الآلي للمعرفة التي ليس لها نفع عملي مباشر إلا للمتخصصين وتبسيطها بالقدر الذي يفسح المجال للعناصر الأخرى كالرياضيات والعلوم، بالإضافة إلى ترك الفرصة لكل شخص يختار حسب ميولاته ومواهبه.لذا ينبغي التخلي عن التأديب القديم الذي كان يأمر الطفل بتأدية شيء يكرهه والامتناع عن شيء يحبه وإذا لم يمتثل يتم عقابه في بدنه أو حبسه وحيدا.وفوق كل ذلك على كل جيل أن ينقح طرائقه في التربية نظرا لازدياد المعارف الإنسانية وتعقد المشاكل البشرية.

الاتجاهات الحديثة للتربية:
يرى راسل أن التأديب الحديث حاضر لدى المربي بطرق جديدة.فمادام منتسوري لم تستغن عن التأديب في ضبط غرفة مليئة بالأطفال،وإنما وظفته بطرق جديدة حسب قواعد كقواعد اللعب التي تطاع كوسيلة للإستمتاع. حين يتم تقسيم المعارف إلى مراحل ملائمة تجعلها محببة لدى الطفل وعندما يحب الطفل ما يتعلم لم يعد ضروريا فرض نظام عليهم.هذه القواعد تكسب الطفل تأديب النفس انطلاقا من عادات صالحة عن طريق أمثلة محسوسة. إن كل ما يحتاجه المعلمون الذين يعهد إليهم تطبيق فن التربية هو الإعداد الملائم مع حظ من الصبر والعطف.فالتأديب الصحيح يقوم على عادات عقلية تؤدي إلى المستحب لا على  القسر الخارجي ،وهذا ما نجحت فيه مادام منتسوري.
ويشير كذلك إلى أن الأطفال ليسوا أخيارا ولا أشرارا بالفطرة فهم يولدون وليس فيهم إلا بعض الغرائز والانعكاسات ومنها تنتج العادات بتأثير البيئة والوسط، وهذه العادات إما صحيحة وإما سقيمة وذلك حسب حكمة الأمهات والمربيات. معظم الأطفال يكونون أصحاء إذا عني بعقولهم وأجسادهم كما ينبغي.إذا كانت المعرفة عديمة النفع وكان المعلمون ظلمة قساة تكون التربية ذات نتائج سلبية .
إن القوة الدافعة في التربية ليست هي العصا،وإنما الرغبة الذاتية للطفل كرغبته في المشي والكلام. لذلك فتعويض العصا بالقوة الدافعة خطوة عظيمة في التربية.
لقد اعتقد قديما أن الرغبات السيئة تملأ الإنسان ويتم كبحها بالإرادة نظرا لاستحالة اقتلاعها. وكان يعتقد انه من المستحيل وجود مجتمع خال من الإجرام عكس علم النفس الجنائي الحديث الذي يقول بإمكان كبحه بواسطة التربية الملائمة التي تنمي اتجاهات وعادت حسنة تؤدي إلى الفضيلة. فتربية الخُلق يجب أن تبدأ منذ الولادة والتعليم المحدد يمكن أن يبدأ في وقت مبكر دون إجهاد انتباه الطفل. لذلك تزايد الاهتمام بفترة الرضاعة في التربية الحديثةمما يتطلب قلب الكثير من أساليب التربية القديمة.
2.غاية التربية
يذكر راسل بمختلف التصورات في غاية التربية.فأرسطو يرى ىأن  الهدف من التربية هو الرجل الكريم .أما بالنسبة للصينيين والأثينيين فغايتها الاستمتاع بالحياة والإحساس بالجمال، ولذلك أنتجت التربية الاستقرار والفن عوض التقدم والعلم.أما التربية اليابانية فقد جعلت العظمة الوطنية الهدف الأسمى للتربية قصد تكوين مواطن مخلص للدولة عن طريق تربية العواطف والمعارف.أما اليسوعيون فقد سخروا التربية كوسيلة لصالح الكنيسة وليس مصلحة التلميذ.في حين أن ارنولد يعتقد أن غاية التربية هي التواضع العقلي،غير أن عيب طريقة ارنولد هي ارستقراطيتها وهدفها إعداد رجال للوظائف ذات النفوذ والسلطان.
وفي أمريكا ساهمت التربية في تجاوز التقاليد المعطلة الموروثة عن العصور الوسطى وأنتجت نوعا من  الإحساس بالديمقراطية، مما أدى إلى نجاح المدارس الأمريكية في خلق امة متجانسة يفتخر فيها المهاجرون بأمريكا أكثر من بلدانهم الأصلية، خاصة الأبناء.
يرى راسل أن التلاميذ غايات وليسوا وسائل عكس اليابانيين واليسوعيين والأمريكيين.يجب على المعلم أن يحب أطفاله أكثر من دولته أو كنيسته وإلا لن يكون مثلا أعلى للمعلم.بالإضافةإلى هذا تبرز ضرورة الغريزة الوالدية المبنية على الحب عند الإنسان الراغب في أن يكون معلما جيدا للأولادوالبنات الصغار دون تمييز بينهم في ذلك."إن الدنيا الحديثة تحتاج إلى طراز آخر من الرجال أكثر عطفا من خيال ،اشد مرونة من فهم، اقل شجاعة من الشجاعة الغاشمة وأكثر اعتقادا في المعرفة الفنية."
هناك أربع مميزات لأساس الخلق المثالي:الحيوية، الشجاعة، الحساسية والذكاء. يمكن إشاعتها بواسطة العناية الحقة بالنشء من النواحي البدنية والعاطفية والذهنية.حيث أن الحيوية صفة فسيولوجية تكون حيث الصحة التامة وتتناقص مع التقدم في السن.وقد كان حظ نيوتن ولوك من الحيوية ضئيلا.أما الشجاعة فتسمح بتجاوز الخوف المعد الذي يأخذه الأطفال من الكبار.ويود الكاتب أن تغرس الشجاعة في كل الأمم والطبقات والجنسين على السواء، ولكن ليس بالاعتماد على القمع الذي يجر الشرور ولكن باحترام الذات ونظرة غير شخصية للحياة. فاحترام الذات ينبع من النفس وليس بإعجا بالغير.أما النظرة غير الشخصية للحياة فتقتضي عدم التركيز على الذات لأن ذلك يُدخل الفرد في صراع بين أماله ومخاوفه حول نفسه والموت الذي يطفئ عالم عواطفه.ولتجاوز النفس لابد من الحب والمعرفة والفن.
أما الحساسية فهي نابعة من العواطف التي يتم تنبيهها بمنبهات مختلفةكالإعجاب الذي هو بمثابة الخطوة الأولى التي يخطوها الطفل في سن حوالي خمسةأشهر، وتسمح بالانتقال من مجرد مسرات الإحساس(الطعام والدفء)إلى الاستحسان الاجتماعي.فالطفل يحب الثناء ويكره اللوم وذلك نابع من أن يظن الناس به خيرا ويبقى ذلك مدى الحياة. بالإضافة إلى الإعجاب هناك العطف الذي يجعل الفرد يحس بآلام الآخرين.
إن الذكاء باعتباره قابلية تحصيل المعرفة منها على المعرفة التي حصلت بالفعل يكتسب بالتمرين شأنه شأن قابلية تلمع البيانو. فتربية الذكاء يتم بإعطاء المعلومات أو تيسير تحصيل المعرفة.لا يمكن للدنيا الحديثة أن تقوم أو تتقدم بلا ذكاء.والذكاء من أعظم أغراض التربية. إنه حب الاطلاع،حب حقيقي للمعرفة سواء لدى الصغار أو الكبار.ولتحصيل المعرفة لابد من عادات للملاحظة،من اعتقاد في إمكان المعرفة ومن صبر وجد.وهي تنمى بوجود حب الاطلاع والتربية العقلية المناسبة وانفتاح الذهن.
ويضيف راسل أن على الرجل أن يكون مستقلا برأيه دون إهمال التعاون، فهو ضروري لاكتساب الشجاعة التي تحمله على الجهر بآرائه المخالفة للجماعة عندما تكون أراء مهمة.

ومن هنا تؤدي الحيوية والشجاعة والحساسية والذكاء إلى قلة التعاسة الناتجة عن الفقر وسوء الصحة. فالفقر راجع إلى غباوة الجماعة.والحساسية ستحمل الناس على محوه وسيدلهم الذكاء على الطريق وستدفعهم الشجاعة إلى سلوكه.وكل ذلك سيتم من خلال التربية مفتاح الدنيا الجديد.


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage